Connecting Muslims Worldwide







Monthly Archives: January 2018

مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ


أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ وَأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ حَيَّوَيْهِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ السِّجِسْتَانِيِّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانُ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَضَعَ رَسُولَهُ مَوْضِعَ الْإِبَانَةِ لِمَا افْتَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا افْتَرَضَ عَلَى لِسَانِهِ نَصًّا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَأَبَانَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ، فَفَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَتَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِأَخْذِ مَا أتَاهُمْ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَكَانَ فَرْضُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَايَنَ رَسُولَهُ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاحِدًا فِي أَنَّ عَلَى كُلٍّ طَاعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ غَابَ عَنْ رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ يَعْلَمُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا بِالْخَبَرِ عَنْهُ. وَأَوْجَبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ حُدُودًا، وَبَيَّنَهُمْ حُقُوقًا، فَدَلَّ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ بِشَهَادَاتٍ، وَالشَّهَادَاتُ أَخْبَارٌ، وَدَلَّ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ أَنَّ الشُّهُودَ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةٌ، وَأَمَرَ فِي الدَّيْنِ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَفِي الْوَصَايَا بِشَاهِدَيْنِ، وَكَانَتْ حُقُوقٌ سِوَاهَا بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ عَدَدُ الشُّهُودِ فِيهَا مِنْهَا الْقَتْلُ وَغَيْرُهُ، أُخِذَ عَدَدُ الشُّهُودِ فِيهَا مِنْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، وَأُخِذَ أَنْ يُقْتَلَ فِي غَيْرِ الزِّنَا وَيُقْطَعَ، وَتُؤْخَذُ الْحُقُوقُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ بِشَاهِدَيْنِ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَا، وَأُخِذَ أَنْ تُؤْخَذَ الْأَمْوَالُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ لِذِكْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا فِي الدَّيْنِ وَهُوَ مَالٌ، وَاخْتَرْنَا أَنْ يُؤْخَذَ الْمَالُ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاخْتَرْنَا أَنَّهُ يَجِبُ الْحَقُّ فِي الْقَسَامَةِ بِدَلَائِلَ قَدْ وَصَفْنَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الدَّلَائِلِ شَاهِدٌ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَكَانَ مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مُؤَدِّيًا خَبَرًا، كَمَا تُؤَدِّي الشَّهَادَاتُ خَبَرًا، وَشَرَطَ فِي الشُّهُودِ ذَوِي عَدْلٍ وَمَنْ نَرْضَى، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ خَبَرُ أَحَدٍ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ، حَتَّى يَكُونَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ، وَرِضًا فِي خَبَرِهِ وَكَانَ بَيِّنًا إِذِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا قَبُولَ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنَّهُ إِنَّمَا كَلَّفَنَا الْعَدْلَ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَظْهَرُ لَنَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مُغَيَّبَ غَيْرِنَا، فَلَمَّا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِقَبُولِ الشُّهُودِ عَلَى الْعَدَالَةِ عِنْدَنَا، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى إِنْفَاذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَاتِهِمْ، وَشَهَادَاتُهُمْ أَخْبَارٌ، دَلَّ عَلَى أَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِمْ وَعَدَدِهِمْ تَعَبُّدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ عَدَدٌ إِلَّا وَفِي النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَكَانَ فِي قَبُولِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ مَقْبُولًا مِنْ وُجُوهٍ بِمَا وَصَفْتُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قَوْلِ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا أَنَّ مَا ثَبَتَ وَشَهِدَ بِهِ عِنْدَنَا مَنْ قَطَعْنَا الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ

، إِحَاطَةٌ عِنْدَنَا عَلَى الْمُغَيَّبِ، وَلَكِنَّهُ صِدْقٌ عَلَى الظَّاهِرِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ عِنْدَنَا. وَإِنْ أَمْكَنَ فِيهِ الْغَلَطُ فَفِيهِ مَا دَلَّ عَلَى الْفَرْضِ عَلَيْنَا مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا يُؤْخَذُ عَدَدُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِأَحَدِ الدَّلَائِلِ الَّتِي قَبِلْنَا بِهَا عَدَدًا مِنَ الشُّهُودِ، فَرَأَيْنَا الدَّلَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْهُ، فَلَزِمَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ نَقْبَلَ خَبَرَهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ كَمَا لَزِمَنَا قَبُولُ عَدَدِ مَنْ وَصَفْتُ عَدَدَهُ فِي الشَّهَادَةِ، بَلْ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْهُ أَقْوَى سَبَبًا بِالدَّلَالَةِ عَنْهُ،

 ثُمَّ مَا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا مِنْ أَحَدٍ مِنْ مَاضِي أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَابِعِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ خَبَرًا نَصًّا عَنْهُمْ، وَدَلَالَةً مَعْقُولَةً عَنْهُمْ مِنْ قَبُولِ عَدَدِ الشُّهُودِ فِي بَعْضِ مَا قَبِلْنَاهُ فِيهِ. وَقَدْ كَتَبْتُ فِي كِتَابِ جِمَاعِ الْعِلْمِ الدَّلِيلَ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِمَّا اكْتَفَيْتُ فِي رَدِّ كَثِيرٍ مِنْهُ فِي كِتَابِي هَذَا، وَقَدْ رَدَدْتُ مِنْهُ جُمَلًا تَدُلُّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ كِتَابَ جِمَاعِ الْعِلْمِ عَلَى مَا وَرَاءَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَيَكُونُ الْإِخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ؟ قِيلَ: الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَانِ: فَخَبَرُ عَامَّةٍ عَنْ عَامَّةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ مَا فُرِضَ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَأْتُوا بِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَيُؤْتُوا بِهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ، وَمَا كَانَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَوَامِّ أَنْ يَسْتَوُوا فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا كُلِّفَهُ كَعَدَدِ الصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ، وَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ حَقًّا فِي أَمْوَالِهِمْ، وَخَبَرُ خَاصَّةٍ فِي خَاصِّ الْأَحْكَامِ لَمْ يُكَلَّفْهُ الْعَامَّةُ، لَمْ يَأْتِ أَكْثَرُهُ كَمَا جَاءَ الْأَوَّلُ، وَكُلِّفَ عِلْمَ ذَلِكَ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ لِلْخَاصَّةِ بِهِ دُونَ الْعَامَّةِ، وَهَذَا مِثْلُ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَهْوٌ يَجِبُ بِهِ سُجُودُ السَّهْوِ،

وَمَا يَكُونُ مِنْهُمْ فِيمَا لَا يَجِبُ بِهِ سُجُودُ سَهْوٍ، وَمَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَمَا لَا يُفْسِدُهُ، وَمَا تَجِبُ بِهِ الْبَدَنَةُ، وَلَا تَجِبُ مِمَّا يَفْعَلُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ، وَهُوَ الَّذِي عَلَى الْعُلَمَاءِ فِيهِ عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَبُولُ خَبَرِ الصَّادِقِ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا يَسَعُهُمْ رَدُّهُ كَمَا لَا يَسَعُهُمْ رَدُّ الْعَدَدِ مِنَ الشُّهُودِ الَّذِينَ قَبِلُوا شَهَادَتَهُمْ، وَهُوَ حَقٌّ صِدْقٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا يُقَالُ فِيمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ، فَمَنْ أَدْخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ شَيْئًا دَخَلَ عَلَيْهِ فِي قَبُولِ عَدَدِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِنَصٍّ فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، مِثْلُ الشُّهُودِ عَلَى الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ النَّاسُ مُسْتَقْبِلِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ حَوَّلَهُمُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَأَتَى أَهْلَ قُبَاءَ آتٍ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ كِتَابًا، وَأَنَّ الْقِبْلَةَ حُوِّلَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَجَمَاعَةً كَانُوا يَشْرَبُونَ فَضِيخَ بُسْرٍ، وَلَمْ يَحْرُمْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ شَيْءٌ، فَأَتَاهُمْ آتٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَأَمَرُوا أُنَاسًا فَكَسَرُوا جِرَارَ شَرَابِهِمْ ذَلِكَ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ لَا يُحَدَّثُونَ فِي مِثْلِ هَذَا إِلَّا ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَوْ كَانَ قَبُولُ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمْ، وَهُوَ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ، مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: قَدْ كُنْتُمْ عَلَى قِبْلَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تُحَوَّلُوا عَنْهَا، إِذْ كُنْتُ حَاضِرًا مَعَكُمْ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ أَوْ يُعْلِمَكُمْ جَمَاعَةٌ، أَوْ عَدَدٌ يُسَمِّيهِمْ لَهُمْ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِهَا، إِلَّا بِأَقَلَّ مِنْهَا إِنْ كَانَتْ لَا تَثْبُتُ عِنْدَهُ بِوَاحِدٍ. وَالْفَسَادُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عِنْدَ عَالِمٍ، وَهِرَاقَةُ حَلَالٍ فَسَادٌ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ أَيْضًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمْ بِتَحْرِيمٍ، لَأَشْبَهُ أَنْ يَقُولَ قَدْ كَانَ لَكُمْ حَلَالًا وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِفْسَادُهُ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ حَرَّمَهُ، أَوْ يَأْتِيَكُمْ عَدَدٌ يَحُدُّهُ لَهُمْ يُخْبِرُ عَنِّي بِتَحْرِيمِهِ. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تُعَلِّمَ امْرَأَةً أَنْ تُعَلِّمَ زَوْجَهَا إِنْ قَبَّلَهَا وَهُوَ صَائِمٌ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحُجَّةَ تَقُومُ عَلَيْهِ بِخَبَرِهَا إِذَا صَدَّقَهَا لَمْ يَأْمُرْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِهِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا، وَفِي ذَلِكَ إِفَاتَةُ نَفْسِهَا بِاعْتِرَافِهَا عِنْدَ أُنَيْسٍ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَأَمَرَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَدْ سَنَّ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَهُ أَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ، وَقَدْ يُحْدِثُ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ – شَكَّ الرَّبِيعُ – أَنْ يَقْتُلَ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ الْهُذَلِيَّ فَقَتَلَهُ، وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَسْلَمَ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ،

وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ مَعَانِي وُلَاتِهِ وَهُمْ وَاحِدٌ وَاحِدٌ فَتُصُوِّرَ الْحُكْمُ بِأَخْبَارِهِمْ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ بِعُمَّالِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا بَعَثَ عُمَّالَهُ لِيُخْبِرُوا النَّاسَ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ، وَيَأْخُذُوا مِنْهُمْ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَيُعْطُوهُمْ مَا لَهُمْ، وَيُقِيمُوا عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ وَيُنَفِّذُوا فِيهِمُ الْأَحْكَامَ، وَلَمْ يَبْعَثْ مِنْهُمْ وَاحِدًا إِلَّا مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ عِنْدَ مَنْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِهِمْ إِذْ كَانُوا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَجَّهَهُمْ إِلَيْهَا أَهْلَ صِدْقٍ عِنْدَهُمْ، مَا بَعَثَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَالِيًا عَلَى الْحَجِّ، فَكَانَ فِي مَعْنَى عُمَّالِهِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَهُ بِأَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ فَقَرَأَهَا فِي مَجْمَعِ النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَاحِدٌ، وَعَلِيٌّ وَاحِدٌ، وَكِلَاهُمَا بَعَثَهُ بِغَيْرِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ صَاحِبَهُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِبَعْثَتِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذْ كَانَا مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ عَوَامِّهِمْ بِالصِّدْقِ، وَكَانَ مَنْ جَهِلَهُمَا مِنْ عَوَامِّهِمْ يَجِدُ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْرِفُ صِدْقَهُمَا، مَا بُعِثَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ فَقَدْ بَعَثَ عَلِيًّا يُعْطِيهِمْ نَقْضَ مُدَدٍ، وَإِعْطَاءَ مُدَدٍ وَنَبْذٍ إِلَى قَوْمٍ وَنَهْيٍ عَنْ أُمُورٍ وَأَمْرٍ بِأُخْرَى وَمَا كَانَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَلَّغَهُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي مُدَّتِهِمْ، وَلَا مَأْمُورٌ بِشَيْءٍ وَلَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِرِسَالَةٍ عَلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ وَاحِدٌ، وَلَا تَقُومُ عَلَيَّ الْحُجَّةُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَكَ إِلِيَّ بِنَقْضِ شِيْءٍ جَعَلَهُ لِي، وَلَا بِإحْدَاثِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِي، وَلَا لِغَيْرِي، وَلَا بِنَهْيٍ عَنِ أَمْرٍ لَمْ أَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللِّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ، وَلَا بِإِحْدَاثِ أَمْرٍ لَمْ أَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ أَحْدَثَهُ، وَمَا يَجُوزُ هَذَا لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ قَطَعَهُ عَلَيْهِ عَلِيٌّ بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ وَلَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَلَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ، بِأَنْ يَقُولَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ يَنْقُلُهُ إِلَى عَدَدٍ أَوْ لَا أَقْبَلُ فِيهِ خَبَرَكَ وَأَنْتَ وَاحِدٌ، وَلَا كَانَ لِأَحَدٍ وَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَامِلًا يَعْرِفُهُ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ لَهُ مَنْ يُصَدِّقُهُ صَدَقَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْعَامِلُ: عَلَيْكَ أَنْ تُعْطِيَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ تَفْعَلَ بِكَ كَذَا، فَيَقُولُ: لَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْكَ؛ لِأَنَّكَ وَاحِدٌ حَتَّى أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ فَيُخْبِرَنِي أَنَّ عَلَيَّ مَا قُلْتَ إِنَّهُ عَلَيَّ، فَأَفْعَلَهُ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ لَا عَنْ خَبَرِكَ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُغَلِّطَ أَوْ يَجْهَلَ بَيِّنَةً عَامَّةً بِشَرْطٍ فِي عَدَدِهِمْ وَإِجَمَاعِهِمْ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَشَهَادَتِهِمْ مَعًا أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، ثُمَّ لَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْ خَبَرِ الْعَامَّةِ عَدَدًا أَبَدًا إِلَّا وَفِي الْعَامَّةِ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَلَا مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ حِينَ يُخْبِرُونَ وَتَفَرُّقِهِمْ تَثْبِيتًا إِلَّا أَمْكَنَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بَعْضِ زَمَانِهِ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَكُونُ لِتَثْبِيتِ الْأَخْبَارِ غَايَةٌ أَبَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهَا، ثُمَّ لَا يَكُونُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَجْوَزَ مِنْهُ لِمَنْ قَالَ هَذَا، وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْرِكُ لِقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُدْرِكُ ذَلِكَ لَهُ أَبُوهُ وَوَلَدُهُ وَإِخْوَتُهُ وَقَرَابَتُهُ وَمَنْ يُصَدِّقُهُ فِي نَفْسِهِ، وَيُفَضِّلُ صِدْقَهُ لَهُ بِالنَّظَرِ لَهُ، فَإِنَّ الْكَاذِبَ قَدْ يُصَدِّقُ نَظَرًا لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ هَذَا لِأَحَدٍ يُدْرِكُ لِقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُدْرِكُ خَبَرَ مَنْ يُصَدِّقُ مِنْ أَهْلِهِ وَالْعَامَّةِ عَنْهُ، كَانَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ مِمَّنْ لَا يَلْقَاهُ فِي الدُّنْيَا أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ.

وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ الصَّادِقِ عِنْدَ مَنْ أَخْبَرَهُ، فَمَا يَقُولُ فِي مُعَاذٍ إِذْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَالِيًا وَمُحَارِبًا مَنْ خَالَفَهُ، وَدَعَا قَوْمًا لَمْ يَلْقَوَا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْهُمْ وَغَيْرِهَا، فَامْتَنَعُوا فَقَاتَلَهُمْ، وَقَاتَلْهُمْ مَعَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُ أَوْ أَكْثَرِهِمْ إِلَّا صِدْقُ مُعَاذٍ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ، إِذْ كَانُوا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى بِنْصَرِ مُعَاذٍ وَتَصْدِيقِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتِ الْحُجَّةُ قَائِمَةً عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَى مُعَاذٍ مَا جَاءَ بِهِ مُعَاذٌ حَتَّى قَتَلَهُ مُعَاذٌ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ، وَمُعَاذٌ لِلَّهِ مُطِيعٌ. وَمَا يَقُولُ فِيمَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَبْعَثُهُ فِي جُيُوشِهِ وَسَرَايَاهُ إِلَى مَنْ بَعَثَ، فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوْ إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ، أَكَانَ أَمِيرُ الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ، وَالْجَيْشُ وَالسَّرِيَّةُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ فِيمَنْ قَاتَلُوا؟ وَمَنِ امْتَنَعَ مِمَّنْ دَعَوْهُ مَحْجُوجًا، وَقَدْ كَانَتْ سَرَايَاهُ أَوْ تَكُونُ عَشْرَةَ نَفَرٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ مُعَاذٌ أَوْ أُمَرَاءُ سَرَايَاهُ مَحْجُوجًا بِخَبَرِهِمْ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ زَعَمَ أَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ فَقَدْ أَعْظَمَ الْقَوْلَ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا أَنْكَرَ خَبَرَ الْعَامَّةِ عَمَّنْ وَصَفَ وَصَارَ إِلَى طَرْحِ خَبَرِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. وَمَا يَقُولُ فِي امْرِئٍ بِبَادِيَةٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، ثُمَّ تَنَحَّى إِلَى بَادِيَتِهِ، فَجَاءَ أَخُوهُ وَأَبُوهُ وَهُمَا صَادِقَانِ عِنْدَهُ فَأَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ شَيْئًا أَوْ أَحَلَّهُ فَحَرَّمَهُ أَوْ أَحَلَّهُ أَوْ يَكُونُ مُطِيعًا لِلَّهِ بِقَبُولِ خَبَرِهِمَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ فَقَدْ ثَبَتَ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَإِنْ قَالَ لَا خَرَجَ مِمَّا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا، فَإِنِّي لَمْ أَحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ لَقِيتُهُ، وَلَمْ أَعْلَمْهُ حُكِيَ لِي عَمَّنْ لَمْ أَلْقَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُثْبِتَ إِلَّا مَا وَصَفْتُ عَنْ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ عُمَّالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِمَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ لِمَنْ يَبْعَثُ إِلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ، وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ وَصَلَ إِلَيْهِ عَامِلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُسُلُهُ مِمَّنْ سَمَّيْنَا أَوْ لَمْ نُسَمِّ مِنْ عُمَّالِهِ وَرُسُلِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ شَيْئًا أَعْلَمُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا أَنْ يَرُدَّ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا أَنْ يَعْصِيَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ لِرَسُولِ اللَّهِ فِيهِ سُنَّةً تُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَا يَبْعَثُ إِلَّا بِمَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، فَكُلُّ مَنْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَاحِدٌ. ثُمَّ لَمْ أَعْلَمْ لِنَاسٍ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ خَلِيفَتَهُمْ وَوَالِيَ الْمِصْرِ لَهُمْ وَقَاضِيَ الْمِصْرِ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَقْضِي، فَيَقُولُ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَهُمَا عَدْلَانِ عَلَى فُلَانٍ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا، أَوْ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانًا، أَوْ أَنَّهُ أَتَى فَاحِشَةً مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدَانِ إِلَّا جَازَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ مَا وَصَفَهُ هَؤُلَاءِ، وَلَا حَاكِمٌ يُعْرَفُ بِعَدْلٍ يَكْتُبُ بِأَنَّهُ قَضَى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا مِنَ الْمَالِ وَبِالدَّارِ الَّتِي فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَلَا لِأَحَدٍ بِأَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ وَوَارِثُهُ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ إِلَّا أَنْفَذَهُ الْحَاكِمُ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، وَكُلُّ حَاكِمٍ جَاءَ بَعْدَهُ، وَلَا يَكْتُبُ بِهِ إِلَّا حَاكِمٌ بِبَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِأَحَدٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَنْفَذَهُ لَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ أَنْفَذَهُ لَهُ عِلْمٌ إِلَّا بِقَوْلِ الْحَاكِمِ الَّذِي قَضَى بِهِ، وَلَا عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنَّ أَحَدًا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ إِلَّا بِخَبَرِ ذَلِكَ الْقَاضِي.

 وَالْقَاضِي وَاحِدٌ فَقَدْ أَجَازَ وَأَخْبَرَهُ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ النَّاسِ. فَكَذَلِكَ الْخَلِيفَةُ وَالْوَالِي الْعَدْلُ، وَفِيمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا، فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يُكَلِّفْهُ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ تَقُومُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، مَعَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا حُكِيَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَالتَّابِعِينَ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي لُزُومِهِ رَسُولَ اللَّهِ حَاضِرًا وَمُسَافِرًا، وَصُحْبَتِهِ لَهُ وَمَكَانِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُزَايِلِ الْمُهَاجِرِينَ بِمَكَّةَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يُزَايِلْهُ عَامَّةٌ مِنْهُمْ فِي سَفَرٍ لَهُ، وَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عِنْدَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِشَارَةِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَبْدَءُونَهُ بِمَا عَلِمُوا فَيَقْبَلُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ بِهِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ يَنْفُذُ عَلَى النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ، يَحْكُمُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَنَّ فِيَ الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى عَشْرًا عَشْرًا، وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرِ تِسْعًا، وَفِي الْخِنْصَرِ سِتًّا، فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّنْ حَكَى عَنْهُ فِي زَمَانِهِ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ حَتَّى وُجِدَ كِتَابٌ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ» فَصَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ مِمَّا وَصَفْتُ، وَسَوَّوْا بَيْنَ الْخِنْصَرِ الَّتِي قَضَى فِيهَا عُمَرُ بِسِتٍّ وَالْإِبْهَامِ الَّتِي قَضَى فِيهَا بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَوْ عَلِمَهُ عُمَرُ كَمَا عَلِمُوهُ لَقَبِلَهُ وَتَرَكَ مَا حَكَمَ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، كَمَا فَعَلَ فِي غَيْرِهِ مِمَّا عَلِمَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مَا كَانَ هُوَ يَقُولُ، فَتَرَكَ قَوْلَهُ بِخَبَرٍ صَادِقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أَحْسَبُهُ قَالَ بِمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ وَقَبِلَ ذَلِكَ مَنْ قَبِلَهُ مِنَ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ وَإِيَّاهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْيَدِ بِخَمْسِينَ مِنَ الْإِبِلِ، وَكَانَتِ الْيَدُ خَمْسَةَ أَطْرَافٍ فَاجْتَهَدَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ مَنَافِعِهَا وَجَمَالِهَا، فَفَضَّلَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرًا صِرْنَا إِلَى مَا قَالَ عُمَرُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، وَعَلِمْنَا أَنَّ الْخِنْصَرَ لَا تُشْبِهُ الْإِبْهَامَ فِي الْجَمَالِ وَلَا الْمَنْفَعَةِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْتُ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَغْنِي بِنَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَزِيدُهُ غَيْرُهُ إِنْ وَافَقَهُ وَلَا يُوهِنُهُ إِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّ بِالنَّاسِ كُلِّهِمُ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ وَالْخَبَرَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَتْبُوعٌ لَا تَابَعٌ، وَأَنَّ حُكْمَ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ إِنْ كَانَ يُخَالِفُهُ فَعَلَى النَّاسِ أَنْ يَصِيرُوا إِلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنْ يَتْرُكُوا مَا يُخَالِفُهُ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنْ يَصِيرُوا إِلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَتْرُكُوا مَا يُخَالِفُهُ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَعْزُبُ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ الصُّحْبَةِ الْوَاسِعِ الْعِلْمِ الشَّيْءُ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْضِي أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ، وَلَا يُوَرِّثُ الْمَرْأَةَ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ، وَقَالَ: وَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ، فَأَخْبَرَهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنْ كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا بِرَأْيِنَا، أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا، فِي كُلِّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ صَادِقًا عِنْدَ مَنْ أَخْبَرَ، وَلَوْ جَازَ لِأَحَدٍ رَدُّ هَذَا بِحَالٍ جَازَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَقُولَ لِلضَّحَّاكِ: أَنْتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، وَلِحَمَلِ بْنِ مَالِكٍ أَنْتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، لَمْ تَرَيَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَمْ تَصْحَبَاهُ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَيْفَ عَزَبَ هَذَا عَنْ جَمَاعَتِنَا وَعَلِمْتَهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ وَاحِدٌ يُمْكِنُ فِيكَ أَنْ تَغْلَطَ وَتَنْسَى، بَلْ رَأَى الْحَقَّ اتِّبَاعَهُ، وَالرُّجُوعَ عَنْ رَأْيِهِ فِي تَرْكِ تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِمَا أَعْلَمَ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ عَنِ النَّبِيِّ فِيهِ شَيْئًا قَضَى فِيهِ بِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ يَرَى إِنْ كَانَ الْجَنِينُ حَيًّا فَفِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَكِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَبَّدَهُ وَالْخَلْقَ بِمَا شَاءَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِأَحَدٍ إِدْخَالُ لِمَ وَلَا كَيْفَ وَلَا شَيْئًا مِنَ الرَّأْيِ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا رَدَّهُ عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ بِالصِّدْقِ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا. وَقَبِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَلَمْ يَقُلْ: لَوْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ كَانَ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ ذَبَائِحَهُمْ وَنَنْكِحَ نِسَاءَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ، وَقَبِلَ خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الطَّاعُونِ وَرَجَعَ بِالنَّاسِ عَنْ خَبَرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْرِفُ صِدْقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَنَا خِلَافُ خَبَرِ الصَّادِقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ طَلَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ مُخْبِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرًا آخَرَ غَيْرَهُ مَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: إِنَّ قَبُولَ عُمَرَ لِخَبَرِ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مَعَ مُخْبِرٍ مُخْبِرًا غَيْرَهُ إِلَّا اسْتِظْهَارًا أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ عِنْدَهُ بِوَاحِدٍ مَرَّةً وَلَا تَقُومُ أُخْرَى. وَقَدْ يَسْتَظْهِرُ الْحَاكِمُ فَيَسْأَلُ الرَّجُلَ قَدْ شَهِدَ لَهُ عِنْدَهُ الشَّاهِدَانِ الْعَدْلَانِ زِيَادَةَ شُهُودٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبِلَ الشَّاهِدِينَ، وَإِنْ فَعَلَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ جَهِلَ الْمُخْبِرَ وَهُوَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ مَنْ جَهِلَهُ، وَكَذَلِكَ نَحْنُ لَا نَقْبَلُ خَبَرَ مَنْ جَهِلْنَاهُ، وَكَذَلِكَ لَا نَقْبَلُ خَبَرَ مَنْ لَمْ نَعْرِفْهُ بِالصِّدْقِ وَعَمَلِ الْخَيْرِ. وَأَخْبَرَتِ الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ: أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهَا أَنْ تَمْكُثَ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ مُتَوَفًّى عَنْهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخَابِرُ الْأَرْضَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكَ ذَلِكَ بِخَبَرِ رَافِعٍ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: «لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» يَعْنِي طَوَافَ الْوَدَاعِ بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، فَخَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: تَصْدُرَ الْحَائِضُ دُونَ غَيْرِهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ زَيْدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِلْحَائِضِ فِي أَنْ تَصْدُرَ وَلَا تَطُوفَ، فَرَجَعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: وَجَدْتُ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتَ. وَأَخْبَرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعٍ بَاعَهُ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِهَذَا بَأْسًا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ، لَا أُسَاكِنُهُ بِأَرْضٍ، فَخَرَجَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَرَهُ يَسَعُهُ مُسَاكَنَتُهُ إِذْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ خَبَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ تَقُومُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِخَبَرِهِ مَا كَانَ رَأَى أَنَّ مُسَاكَنَتَهُ عَلَيْهِ ضَيِّقَةٌ. وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ التَّابِعِينَ أُخْبِرَ عَنْهُ إِلَّا قَبِلَ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَأَفْتَى بِهِ وَانْتَهَى إِلَيْهِ، فَابْنُ الْمُسَيِّبِ يَقْبَلُ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، وَأَبِي سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجْعَلُهُ سُنَّةً، وَعُرْوَةُ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي عَائِشَةَ ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِئِ، عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُثْبِتُ كُلَّ ذَلِكَ سُنَّةً، وَصَنَعَ ذَلِكَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَجَمِيعُ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ بِمَكَّةَ فَقَبِلُوا الْخَبَرَ عَنْ جَابِرٍ وَحْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ وَثَبَتُوهُ سُنَّةً، وَصَنَعَ ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ، فَقَبِلَ خَبَرَ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ عَنِ النَّبِيِّ وَثَبَتَهُ سُنَّةً، وَكَذَلِكَ قَبْلَِ خَبَرِ غَيْرِهِ، وَصَنَعَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَقَبِلَ خَبَرَ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ وَثَبَتَهُ سُنَّةً، وَكَذَلِكَ خَبَرَ غَيْرِهِ، وَصَنَعَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ فِيمَنْ لَقِيَا، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْهُ فِيمَا لَوْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ لَطَالَ

حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «نَهَى عَنِ الطِّيبِ قَبْلَ زِيَارَةِ الْبَيْتِ وَبَعْدَ الْجَمْرَةِ» ، قَالَ سَالِمٌ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: ” طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِيَدِيَّ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ أَحَقُّ،

قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَتَرَكَ سَالِمٌ قَوْلَ جَدِّهِ عُمَرَ فِي إِمَامَتِهِ، وَقَبِلَ خَبَرَ عَائِشَةَ وَحْدَهَا، وَأَعْلَمَ مَنْ حَدَّثَهُ أَنَّ خَبَرَهَا وَحْدَهَا سُنَّةٌ، وَأَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ أَحَقُّ، وَذَلِكَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ» . وَصَنَعَ ذَلِكَ الَّذِينَ بَعْدَ التَّابِعِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِثْلَ ابْنِ شِهَابٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالَّذِينَ لَقِينَاهُمْ كُلُّهُمْ يُثْبِتُ خَبَرَ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَجْعَلُهُ سُنَّةً حَمِدَ مَنْ تَبِعَهَا، وَعَابَ مَنْ خَالَفَهَا. فَحَكِيتُ عَامَّةَ مَعَانِي مَا كَتَبْتُ فِي صَدْرِ كِتَابِي هَذَا الْعَدَدَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ فَمَا خَالَفَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَاحِدًا، وَقَالُوا: هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ وَمَذْهَبُنَا، فَمَنْ فَارَقَ هَذَا الْمَذْهَبَ كَانَ عِنْدَنَا مَفَارِقَ سَبِيلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَهُمْ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ، وَقَالُوا مَعًا: لَا نَرَى إِلَّا إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْبُلْدَانِ عَلَى تَجْهِيلِ مَنْ خَالَفَ هَذَا السَّبِيلَ، وَجَاوَزُوا أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِيمَنْ يُخَالِفُ هَذَا السَّبِيلَ إِلَى مَا لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَحْكِيَهُ. وَقُلْتُ لِعَدَدٍ مِمَّنْ وَصَفْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: فَإِنَّ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ الَّذِينَ خَالَفُوا أَصْلَ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِكُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ خِلَافَنَا لِمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يَأْمُرُ بِأَنَّ لَنَا فِيهِ حُجَّةً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ وَالْأَحَادِيثَ بِكَلَامٍ عَرَبِيٍّ، فَأَتَأَوَّلُ كُلًّا عَلَى مَا يَحْتَمِلُ اللِّسَانُ، وَلَا أَخْرُجُ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ اللِّسَانُ، وَإِذَا تَأَوَّلْتُهُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ فَلَسْتُ أُخَالِفُهُ، فَقُلْتُ: الْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ كَمَا وَصَفْتُ، وَالْأَحْكَامُ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَعُمُومِهَا، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحِيلَ مِنْهَا ظَاهِرًا إِلَى بَاطِنٍ، وَلَا عَامًّا إِلَى خَاصٍّ إِلَّا بِدَلَالَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ دُونَ عَامٍّ أَوْ بَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ، أَوْ إِجْمَاعٌ مِنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يَجْهَلُونَ كُلُّهُمْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً، وَهَكَذَا السُّنَّةُ، وَلَوْ جَازَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُحَالَ الشَّيْءُ مِنْهُ عَنْ ظَاهِرَهِ إِلَى مَعْنًى بَاطِنٍ يَحْتَمِلُهُ كَانَ أَكْثَرُ الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ عَدَدًا مِنَ الْمَعَانِي وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ ذَهَبَ إِلَى مَعْنًى مِنْهَا حُجَةٌ عَلَى أَحَدٍ ذَهَبَ إِلَى مَعْنًى غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَعُمُومِهَا إِلَّا بِدَلَالَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، أَوْ قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا عَلَى خَاصٍّ دُونَ عَامٍّ، وَبَاطِنٍ دُونَ ظَاهِرٍ، إِذَا كَانَتْ إِذَا صُرِفَتْ إِلَيْهِ عَنْ ظَاهِرِهَا مُحْتَمِلَةً لِلدُّخُولِ فِي مَعْنَاهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ عَدَدًا مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا وَبَلَغَنِي عَنْ عَدَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْبُلْدَانِ فِي الْفِقْهِ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُخَالِفُهُ، وَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْأَصْلِ: ” إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الرِّجَالِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ حَدِيثَهُمْ وَلَا يُثْبِتُونَهُ فِي التَّأْوِيلِ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ يَعْدُو حَدِيثُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ حَدَّثَ عَنْهُ لَا يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ، أَنْ يُثْبِتَ مِنْ جِهَةٍ صِدْقَهُ وَحِفْظَهُ كَمَا يَثْبُتُ عِنْدَكَ عَدْلُ الشَّاهِدِ بِعَدْلِهِ إِلَّا بِدَلَالَةٍ عَلَى مَا شَهِدَ عَلَيْهِ إِلَّا عَدْلُ نَفْسِهِ، أَوْ لَا يُثْبِتُ؟ قَالَ: لَا يَعْدُو هَذَا، قُلْتُ: فَإِذَا ثَبَتَ حَدِيثُهُ مَرَّةً لَمْ يَجُزْ أَنْ نَطْرَحَهُ أُخْرَى بِحَالٍ أَبَدًا إِلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ أَوْ غَلَطٍ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَعْدُو فِي طَرْحِهِ فِيمَا يُثْبِتُهُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يُخْطِئَ فِي الطَّرْحِ أَوِ التَّثْبِيتِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا أَبَدًا، وَهَذَا الْعَدْلُ، قُلْتُ: وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّكَ تَحْتَاجُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى صِدْقٍ وَحِفْظٍ، قَالَ: أَجَلْ، وَهَكَذَا تَصْنَعُ فِي الشُّهُودِ وَلَا تَقْبَلُ شَهَادَةً فِي شَيْءٍ وَتَرُدُّهَا فِي مِثْلِهِ، قَالَ: أَجَلْ، وَقُلْتُ لَهُ: لَوْ صِرْتَ إِلَى غَيْرِ هَذَا، قَالَ لَكَ مَنْ خَالَفَكَ مَذْهَبُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: إِذَا جَازَ لَكَ رَدُّ حَدِيثِ وَاحِدٍ، وَسَمَّى رَجُلًا وَرِجَالًا فَوْقَهُ بِلَا حُجَّةٍ فِي رَدِّهِ جَازَ لِي رَدُّ جَمِيعِ حَدِيثِهِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ بِصِدْقِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ بِلَا دَلَالَةٍ فِي وَاحِدٍ الْحُجَّةُ فِي جَمِيعِ حَدِيثِهِ مَا لَمْ يَخْتَلِفْ حَالُهُ فِي حَدِيثِهِ، وَاخْتِلَافُهَا أَنْ يُحَدِّثَ مَرَّةً مَا لَا مُخَالِفَ لَهُ فِيهِ، وَمَرَّةً مَا لَهُ فِيهِ مُخَالِفٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا اخْتَلَفَتْ حَالُهُ فِي حَدِيثِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَهُ مِمَّنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ فِي حَدِيثِهِ، كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشُّهُودِ وَيُقْضَى بِمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَى الْكَمَالِ، فَإِذَا خَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ حَالَ الْحُكْمُ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ عَنْهُ، إِذَا كَانُوا شَهِدُوا غَيْرَ مُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ. فَقَالَ مَنْ قُلْتَ لَهُ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا هَكَذَا، وَقُلْتَ لِبَعْضِهِمْ: وَلَوْ جَازَ لَكَ غَيْرُ مَا وَصَفْتُ جَازَ لِغَيْرِكَ عَلَيْكَ أَنْ يَقُولَ: أَجْعَلُ نَفْسِي بِالْخِيَارِ فَأَرُدُّ مِنْ حَدِيثِهِ مَا قَبِلْتَ، وَأَقْبَلُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا رَدَدْتَ بِلَا اخْتِلَافٍ لِحَالِهِ فِي حَدِيثِهِ، وَأَسْلُكُ فِي رَدِّهَا طَرِيقَكَ فَيَكُونُ لِي رَدُّهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّكَ قَدْ رَدَدْتَ مِنْهَا مَا شِئْتَ فَشِئْتُ أَنَا رَدَّهَا كُلَّهَا، وَطَلَبَ الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ اعْتَلَّ فِيهَا بِمَعْنَى عِلَّتِكَ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْكَ، قَالَ: مَا يَجُوزُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ،

 وَمَا الْقَوْلُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُقْبَلَ حَدِيثُهُمْ كَمَا وَصَفْتُ أَوَّلًا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُخَالِفٌ أَوْ يَخْتَلِفُ حَالُهُمْ فِيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ بِلَا دَلَالَةٍ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِمَا وَعُمُومِهِمَا، وَإِنِ احْتَمَلَا الْحُجَّةَ لَكَ عَلَى مَنْ خَالَفَ مَذْهَبَكَ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا سَمِعْنَا مِنْهُمْ أَحَدًا تَأَوَّلَ شَيْئًا إِلَّا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا جَائِزًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ عَلَى غَيْرِ مَا تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ لِسَعَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَبِذَلِكَ صَارَ مَنْ صَارَ مِنْهُمْ إِلَى اسْتِحْلَالِ مَا كَرِهْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ اسْتِحْلَالَهُ، وَجَهِلَ مَا كَرِهْنَا لَهُمْ جَهْلَهُ، قَالَ: أَجَلْ، وَقُلْتُ لَهُ: قَدْ رُوِّينَا وَرُوِّيتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ «أَمَرَ امْرَأَةً أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَرَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ» فَقُلْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ بِهِ، وَقُلْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ مَعًا لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: «لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» ، أَفَرَأَيْتَ إِنِ احْتَجَّ لَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ خَالَفَنَا فِيهِ فَقَالَ: الْحَجُّ عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ إِلَّا عَنْ نَفْسِهِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَتَأَوَّلَ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] وَقَالَ السَّعْيُ الْعَمَلُ، وَالْمَحْجُوجُ عَنْهُ غَيْرُ عَامِلٍ، فَهَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِمَّنْ يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ حَدِيثَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ فَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ وَأَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ وَلَا التَّأَوُّلُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ عَنِ اللَّهِ مَعْنَاهُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُعْطِي خَلْقَهُ بِفَضْلِهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَأَنْ لَيْسَ فِي أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَوْ قَالَ بِخِلَافِهِ حُجَّةٌ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنَّ لَوَ عَلِمَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ اتِّبَاعَهُ، قَالَ: هَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَرُوِّينَا وَرُوِّيتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لِلَّذِي يُعْطَاهَا» فَأَخَذْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ بِهِ، وَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا، أَفَرَأَيْتَ إِنِ احْتَجَّ لَهُ أَحَدٌ فَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَُ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» فَلَا يُؤْخَذُ مَالُ رَجُلٍ إِلَّا بِمَا شَرَطَ أَهْلُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِنْ كَانَ قَالَهُ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» جُمْلَةٌ فَلَا يُرَدُّ بِالْجُمْلَةِ نَصُّ خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَا تَرُدُّ الْجُمْلَةُ نَصَّ خَبَرٍ يَخْرُجُ مِنَ الْجُمْلَةِ

، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ مِمَّا يُخَالِفُ جُمْلَتَهَا، وَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» أَنْ قَالَ النَّبِيُّ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، وَهَذَا مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ. وَقَدْ شَرَطَ أَهْلُ بَرِيرَةَ عَلَى عَائِشَةَ أَنْ تُعْتِقَ بَرِيرَةَ وَلَهُمْ وَلَاءُ بَرِيرَةَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَ: فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ، وَكَفَى بِهَذِهِ حُجَّةً، وَقُلْتُ: فَإِنِ احْتَجَّ بِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ فِي الْعُمْرَى: «مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ» ، قَالَ: هَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ خَالَفَ مَا نُثْبِتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِحَالٍ، وَذَكَرْتُ لَهُ بَعْضَ مَا رُوِّينَا وَرُوَّوْا مِنَ الْحَدِيثِ وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا فَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِ بِمَعَانٍ شَبِيهَةٍ بِمَا وَصَفْتُ، وَاحْتَجَّ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْتُ. فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا قُلْتَ فِيمَنْ قَالَ هَذَا مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: خَالَفَ السُّنَنَ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ أَقَلَّ عُذْرًا لِمَا خَالَفَ فِيهَا مِنَ الَّذِينَ أَصْلُ دِينِهِمْ طَرْحُ الْحَدِيثِ،

 وَلَمْ يَدْخُلْ أَهْلُ الرَّدِّ لِلْحَدِيثِ فِي مَعْنًى إِلَّا فِيمَا خَالَفَ مِنْهُ فِي مِثْلِهِ، بَلْ هُمْ أَحْسَنُ حُجَّةً فِيمَا خَالَفُوهُ مِنْهُ، وَتَوْجِيهًا لَهُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: فَإِذَا كَانَتْ لَنَا وَلَكَ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ سَلَكَ هَذِهِ السَّبِيلَ فَهِيَ عَلَيْكَ إِذَا سَلَكْتَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ طَرِيقَهُ، فَإِذَا حَمِدْتُكَ بِاتِّبَاعِ حَدِيثٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ذَمَمْتُكَ عَلَى رَدِّ آخَرَ مِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ أَحْمَدَكَ بِمُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ وَخِلَافِهِ؛ لِأَنَّكَ لَا تَخْلُو مِنَ الْخَطَأِ فِي أَحَدِهِمَا، قَالَ: أَجَلْ، وَقُلْتُ لَهُ: قَدْ رَوَى أَصْحَابُنَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُعْدِمٍِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَقَالُوا: وَقُلْنَا بِهِ، وَخَالَفَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَقَالُوا بِهِ: وَخَالَفْتُهُ وَذَكَرْتُ لَهُ أَحَادِيثَ خَالَفَهَا، أَخَذَ بِهَا أَصْحَابُنَا وَذَكَرْتُ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهَا شَبِيهًا بِمَا ذَكَرْتُ لَهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِيمَا أَخَذْنَا نَحْنُ وَهُوَ بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ وَخَالَفُوهُ، وَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِمَّنْ أَخَذَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا خَالَفَهُ، قَالَ: فَحَدِيثُ التَّفْلِيسِ وَحَدِيثُ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَضْعَفُ مِنْ حَدِيثِ الْعُمْرَى، وَحَدِيثُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ، قُلْتُ: أَمَّا هُمَا مِمَّا نُثْبِتُ نَحْنُ وَأَنْتَ مِثْلَهُ، قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَالْحُجَّةُ بِهِمَا لَازِمَةٌ وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُمَا أَقْوَى مِنْهُمَا كَمَا تَكُونُ الْحُجَّةُ لَازِمَةً لَنَا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، وَشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ حِينَ خَرَجَا مِنْ أَنْ يَكُونَا مَجْرُوحَيْنِ، وَكَمَا تَكُونُ الْحُجَّةُ لَنَا بِأَنْ نَقْضِيَ بِشَهَادَةِ مِائَةٍ عُدُولٍ غَايَةً، وَشَهَادَةِ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَكِلَاهُمَا دُونَ جَمِيعِ الْغَايَةِ فِي الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَتِ النَّفْسُ عَلَى الْأَعْدَلِ وَعَلَى الْأَكْثَرِ أَطْيَبَ، فَالْحُجَّةُ بِالْأَقَلِّ إِذَا كَانَ عَلَيْنَا قَبُولُهُ ثَابِتَةٌ. وَقُلْتُ: قَدْ شَهِدَ عَلَيْكَ أَصْحَابُنَا الْحِجَازِيُّونَ، وَعَلَى مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَكَ فِي رَدِّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَفِيمَا رَدَدْتَ مِمَّا أَخَذُوا بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّكُمْ تَرَكْتُمُ السُّنَنَ وَابْتَدَعْتُمْ خِلَافَهَا، وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا فِيكُمْ مَا أُحِبُّ الْكَفَّ عَنْ ذِكْرِهِ لِإِفْرَاطِهِ، وَشَهِدْتُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ مِنْهُمْ فِيمَا أَخَذْتَ بِهِ مِنْ حَدِيثِ حَجِّ الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِهِ وَالْعُمْرَى بِالْبِدْعَةِ وَخِلَافِ السُّنَّةِ وَرَدَّاهُمْ ضَعْفُ الْعُقُولِ، فَاجْتَمَعَ قَوْلُكَ وَقَوْلُهُمْ عَلَى أَنْ عَابُوكَ بِمَا خَالَفْتَ مِنَ الْحَدِيثِ وَعِبْتَهُمْ بِمَا خَالَفُوا مِنْهُ، وَعَامَّةُ مَا خَالَفْتَ وَخَالَفُوا حَدِيثُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْهِمْ إِذَا عَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ صَاحِبَهُ بِمَا خَالَفَهُ مِنْ حَدِيثِ الِانْفِرَادِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَائِبُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ حَدِيثِ الِانْفِرَادِ مُصِيبًا، فَيَكُونَ شَاهِدًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَطَأِ فِي تَرْكِهِ مَا يُثْبَتُ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ الِانْفِرَادِ أَوْ مُخْطِئًا بِعَيْبِهِ تَرْكَ حَدِيثِ الِانْفِرَادِ، فَيَكُونُ مُخْطِئًا فِي أَخْذِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ بِحَدِيثِ الِانْفِرَادِ وَعَيْبِ مَنْ خَالَفَهُ، وَقُلْتُ لَهُ: وَهَكَذَا قَالَ الْبَصْرِيُّونَ فِيمَا أَخَذُوا بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ دُونَكُمْ وَدُونَ غَيْرِكُمْ، وَالْكُوفِيُّونَ سِوَاكُمْ فِيمَا أَخَذُوا مِنَ الْحَدِيثِ دُونَكُمْ وَدُونَ غَيْرِكُمْ، فَنَسَبُوا مَنْ خَالَفَ حَدِيثًا أَخَذُوا بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْجَهْلِ إِذَا جَهِلَهُ، وَقَالُوا: كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، وَإِلَى الْبِدْعَةِ إِذَا عَرَفَهُ فَتَرَكَهُ. وَهَكَذَا كُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ فِيهَا عِلْمٌ، فَوَجَدْتُ أَقَاوِيلَ مَنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ كُلَّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى عَيْبِ مَنْ خَالَفَ الْحَدِيثَ الْمُنْفَرِدَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تَثْبِيتِ الْحَدِيثِ الْمُنْفَرِدِ حَجَّةٌ إِلَّا مَا وَصَفْتُ مِنْ هَذَا كَانَ تَثْبِيتُهُ مِنْ أَقْوَى حُجَّةٍ فِي طَرِيقِ الْخَاصَّةِ لِتَتَابُعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَانِ عَلَيْهَا. وَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مَنْ يُسْرِفُ وَيَحْتَجُّ فِي عَيْبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْكُمْ بِأَنْ يَأْخُذَ مَنْ خَالَفَهُ مِنْكُمْ بِحَدِيثٍ وَيَتْرُكَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ، فَقَالَ: هَذَا

كَمَا وَصَفْتَ، وَالْحُجَّةُ بِهَذَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ مَنْ صَحَّحَ الْأَخْذَ بِالْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِبَعْضٍ وَتَرَكَ بَعْضًا، وَلَكِنْ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فَمَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: فَسَنَذْكُرُ مِنَ التَّأْوِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ فِيهِ وَمَا سَلَكَ فِيهِ سَالِكٌ طَرِيقًا خَالَفَ الْحَقَّ عِنْدَنَا كَانَ أَشْبَهَ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْكَ مِنْ أَصْحَابِكَ؛ لِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ، وَلَكُمْ عِلْمٌ بِمَذَاهِبِ النَّاسِ وَبَيَانِ الْعُقُولِ، وَكَلِمَتُهُ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِيمَا تَأَوَّلُوا وَرَأَيْتُهُمْ غَلَطُوا فِيهِ وَخَلَطُوا بِوُجُوهٍ شَتَّى، أَمْثَلُ مِمَّا حَضَرَنِي مِنْهَا مِثَالًا يَدُلُّ عَلَى مَا رَوَاهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَبَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِخَلْقِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ كِتَابَهُ بِلِسَانِ نَبِيِّهِ وَهُوَ لِسَانُ قَوْمِهِ الْعَرَبِ، فَخَاطَبَهُمْ بِلِسَانِهِمْ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ مَعَانِي كَلَامِهِمْ، وَكَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ مَعَانِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ يَلْفِظُونَ بِالشَّيْءِ عَمَّا يُرِيدُونَ بِهِ الْعَامَّ، وَعَامًّا يُرِيدُونَ بِهِ الْخَاصَّ، ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، وَأَبَانَ لَهُمْ أَنَّ مَا قَبِلُوا عَنْ نَبِيِّهِ فَعَنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَبِلُوا بِمَا فَرَضَ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، مِنْهَا {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] وَقَوْلُهُ {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] . قَالَ: وَقَدِ اخْتَصَرْتُ مِنْ تَمْثِيلِ مَا يَدُلُّ الْكِتَابُ عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ الْأَحْكَامِ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ، وَكَتَبْتُ فِي كِتَابٍ غَيْرِ هَذَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ، وَكَتَبْتُ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّا أُنْزِلَ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَكَتَبْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمَّا نَزَلَ عَامَّ الظَّاهِرِ مَا دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِهِ الْخَاصَّ لِإِبَانَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ مَا رَأَيْنَاهُ مُخَالِفًا فِيهِ طَرِيقَ مَنْ رَضِينَا مَذْهَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. مِنْ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] الْآيَةَ، وَقَالَ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] فَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ هَذَا عَامًّا عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخَرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] .

فَدَلَّ أَمْرُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَمَرَ فِيهِمَا بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَأَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَذَلِكَ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ حَتَّى يُسْلِمُوا، وَقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، فَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي دَلَّ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْخَاصَّ لَا أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْآيَتَيْنِ نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى؛ لِأَنَّ لِإِعَمْالِهِمَا مَعًا وَجْهًا بِأَنْ كَانَ كُلُّ أَهْلِ الشِّرْكِ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَصِنْفٌ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ وَلِهَذَا فِي الْقُرْآنِ نَظَائِرُ وَفِي السُّنَنِ مِثْلُ هَذَا. قَالَ: وَالنَّاسِخُ مِنَ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ الْأَمْرِ يُخَالِفُهُ كَمَا حَوَّلَ الْقِبْلَةَ قَالَ {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] وَقَالَ {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] وَأَشْبَاهٌ كَثِيرٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، قَالَ: وَلَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا كِتَابُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] وَقَوْلِهِ {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} [النحل: 101] فَأَبَانَ أَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ، وَأَبَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى رَسُولِهِ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ، فَقَالَ: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ} [الأنعام: 106] وَشَهِدَ لَهُ بِاتَّبَاعِهِ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 53] فَأَعْلَمَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنَّهُ يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطِهِ، قَالَ: فَتُقَامُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَقَامَ الْبَيَانِ عَنِ اللَّهِ عَدَدَ فَرْضِهِ كَبَيَانِ مَا أَرَادَ بِمَا أَنْزَلَ عَامًّا: الْعَامَّ أَرَادَ بِهِ أَوِ الْخَاصَّ، وَمَا أَنْزَلَ فَرْضًا وَأَدَبًا وَإِبَاحَةً وَإِرْشَادًا لَا أَنَّ شَيْئًا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فِي حَالٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ رَسُولَهُ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ نَاسِخٌ لِكِتَابِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ، وَالسُّنَّةُ تَبَعٌ لِلْقُرْآنِ. وَقَدِ اخْتَصَرْتُ مِنْ إِبَانَةِ السُّنَّةِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ بَعْضَ مَا حَضَرَنِي مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]

 فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى عَدَدِ الصَّلَاةِ وَمَوَاقِيتِهَا وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى عَامَّةِ الْأَحْرَارِ وَالْمَمَالِيكِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا الْحُيَّضَ، فَأَبَانَ مِنْهَا الْمَعَانِيَ الَّتِي وَصَفْتُ، وَأَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ عَنِ الْحُيَّضِ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] وَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ الْوُضُوءَ، فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ عَلَى الْقَائِمِينَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى صَلَاتَيْنِ وَصَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قَامَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. وَذَهَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَنَّهَا عَلَى الْقَائِمِينَ مِنَ النَّوْمِ، وَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَشْيَاءَ تُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ اللَّهُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ عَلَى بَعْضِ الْمُتَوَضِّئِينَ دُونَ بَعْضٍ. وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرْهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] وَقَالَ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النور: 56] فَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ الْآيَةِ بِالزَّكَاةِ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، بِدَلَالَةِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ مِنَ أَمْوَالِهِمْ مَا لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، وَأَنَّ مِنْهَا مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَبْلُغَ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا أَوْ عَدَدًا، فَإِذَا بَلَغَهُ كَانَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا يُؤْخَذُ بِعَدَدٍ وَشَيْئًا يُؤْخَذُ بِكَيْلٍ وَشَيْئًا يُؤْخَذُ بِوَزْنٍ، وَأَنَّ مِنْهَا مَا زَكَاتُهُ خُمُسٌ، وَعُشْرٌ، وَرُبُعُ عُشْرٍ، وَشَيْءٌ بِعَدَدٍ. وَقَالَ اللَّهُ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَمَا يَدْخُلُ بِهِ فِيهِ، وَمَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْهُ، وَمَا يَعْمَلُ فِيهِ بَيْنَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] .

وَقَالَ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} وَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ هَذَا عَامًّا، فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَرَادَ بِهَذَا بَعْضَ السَّارِقِينَ بِقَوْلِهِ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَرَجَمَ الْحُرَّيْنِ الزَّانِيَيْنِ الثَّيِّبَيْنِ وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ عَلَى بَعْضِ السُّرَّاقِ دُونَ بَعْضٍ، وَالْجَلْدَ عَلَى بَعْضِ الزُّنَاةِ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدْ يَكُونُ سَارِقًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا يُقْطَعُ، وَسَارِقًا لَا تَبْلُغُ سَرِقَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ فَلَا يُقْطَعُ، وَيَكُونُ زَانِيًا ثَيِّبًا فَلَا يُجْلَدُ مِائَةً. فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ أَنْ لَا يَشُكَّ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا قَامَتْ هَذَا الْمَقَامِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ فِي أَنَّ اللَّهَ أَحْكَمَ فَرْضَهُ بِكِتَابِهِ، وَبَيَّنَ كَيْفَ مَا فَرَضَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، وَأَبَانَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادَ بِهِ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، كَانَتْ كَذَلِكَ سُنَّتُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا تَخْتَلِفُ، وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: تُعْرَضُ السُّنَّةُ عَلَى الْقُرْآنِ فَإِنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَهُ وَإِلَّا اسْتَعْمَلْنَا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَتَرَكْنَا الْحَدِيثَ جَهْلٌ لِمَا وَصَفْتُ، فَأَبَانَ اللَّهُ لَنَا أَنَّ سُنَنَ رَسُولِهِ فَرْضٌ عَلَيْنَا بِأَنْ نَنْتَهِيَ إِلَيْهَا لَا أَنَّ لَنَا مَعَهَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا إِلَّا التَّسْلِيمَ لَهَا وَاتِّبَاعَهَا، وَلَا أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى قِيَاسٍ وَلَا عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهَا، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهَا مِنْ قَوْلِ الْآدَمِيِّينَ تَبَعٌ لَهَا. قَالَ: فَذَكَرْتُ مَا قُلْتَ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالْآثَارِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ فَكُلُّهُمْ قَالَ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمِيعِ مَنْ رَضِينَا مِمَّنْ لَقِينَا، وَحُكِيَ لَنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقُلْتُ لِأَلْحَنَ مَنْ خَبَرْتُ مِنْهُمْ عِنْدِي بِحُجَّةٍ وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا فِيمَا عَلِمْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا زَعَمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَمْرٍ فَهَلْ يَجُوزُ خِلَافُهُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: وَحُجَّتُنَا حُجَّتُكَ عَلَى مَنْ رَدَّ الْأَحَادِيثَ وَاسْتَعْمَلَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، فَقَطَعَ السَّارِقَ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ السَّرِقَةِ يَلْزَمُهُ، وَأَبْطَلَ الرَّجْمَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} وَعَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَ بَعْضَ الْحَدِيثَ مَعَ هَؤُلَاءِ، وَقَالَ: لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَصَدَ الْقَدَمَيْنِ بِغَسْلٍ أَوْ مَسْحٍ، وَعَلَى آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ أَحَلُّوا كُلَّ ذِي رُوحٍ لَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُهُ فِي الْقُرْآنِ لِقَوْلِ اللَّهِ {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145]

 وَقَالُوا: قَالَ بِمَا قُلْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، فَحَرَّمْنَا كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ بِخَبَرٍ مِنْ ثِقَةٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «نَعَمْ هَذِهِ حُجَّتُنَا وَكَفَى بِهَا حُجَّةً» . وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا فِي أَحَدٍ رَدَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ بِلَا حَدِيثٍ مِثْلِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَى الْعَالِمِ بِرَسُولِ اللَّهِ الشَّيْءُ مِنْ سُنَّتِهِ يَعْلَمُهُ مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْعِلْمِ، وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ أَخَذُوا بِبَعْضِ الْحَدِيثِ فَقَدْ سَلَكُوا فِي تَرْكِ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَتَرْكُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ طَرِيقُ مَنْ رَدَّ الْحَدِيثَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا اسْتَعْمَلُوا بَعْضَ الْحَدِيثِ وَتَرَكُوا بَعْضَهُ لَا مُخَالِفَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ فَقَدْ عَطَّلُوا مِنَ الْحَدِيثِ مَا اسْتَعْمَلُوا مِثْلَهُ. وَقُلْتُ: وَلَا حُجَّةَ بِتَوْهِينِ الْحَدِيثِ إِذَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَعُمُومَهُ إِذَا احْتَمَلَ الْقُرْآنُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، وَقَوْلُهُمْ لِمَنْ قَالَ بِالْحَدِيثِ فِي الْمَسْحِ، وَتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَغَيْرِهِ: إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ مُحْتَمِلًا لِأَنْ يَكُونَ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ خَالَفْتَ الْقُرْآنَ ظُلْمٌ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَلَا تُقْبَلُ حُجَّتُهُمْ بِأَنْ أَنْكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَأَلْزَمُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْرَبُ مِنْهُ وَأَحْفَظُ عَنْهُ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ بِالْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَإِنْ لَمْ يَزَلْ فِي النَّاسِ إِلَى الْيَوْمِ مَنْ يَقُولِ بِقَوْلِهِمْ، قَالَ: لَا أَقْبَلُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَلَيْسَ فِي أَحَدٍ رَدَّ خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِلَا خَبَرٍ عَنْهُ حُجَّةٌ قُلْتُ لَهُ: وَإِنَّمَا كَانَتِ الْحُجَّةُ فِي الرَّدِّ لَوْ أَوْرَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَسَحَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَسْحِهِ: لَا تَمْسَحُوا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَلَا يُقْبَلُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ إِذَا قَالَ قَائِلُهُمْ: لَمْ يَمْسَحِ النَّبِيُّ بَعْدَ الْمَائِدَةِ فَإِنَّمَا قَالَهُ بِعِلْمٍ: أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ، قَالَ: لَا، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَمْسَحْ بَعْدَ الْمَائِدَةِ إِذَا لَمْ يُرْوَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ. قُلْتُ لَهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ الْقُرْآنُ السُّنَّةَ إِلَّا أَحْدَثَ رَسُولُ اللَّهِ سُنَّةً تَنْسَخُهَا؟ قَالَ: أَمَّا هَذَا فَأُحِبُّ أَنْ تُبَيِّنَهُ لِي، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ سَنَّ فَتَلْزَمُنَا سُنَّتُهُ ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ سُنَّتَهُ بِالْقُرْآنِ وَلَا يُحْدِثُ النَّبِيُّ مَعَ الْقُرْآنِ سُنَّةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُنَّتَهُ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ أَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مَا حَرَّمَ مِنَ الْبُيُوعِ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِ اللَّهِ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وَقَوْلِهِ {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] أَوْ مَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِ اللَّهِ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] فَلَا بَأْسَ بِكُلِّ بَيْعٍ عَنْ تَرَاضٍ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ قَبْلَ نُزُولِ {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] الْآيَةَ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ كُلِّ ذِي رُوحٍ مَا خَلَا الْآدَمِيِّينَ، ثُمَّ جَازَ هَذَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَجَازَ أَنْ تُؤْخَذَ الصَّدَقَةُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِقَوْلِ اللَّهِ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]

 وَهَذَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَذَكَرْتُ لَهُ فِي هَذَا شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ السُّنَّةَ الْقُرْآنُ إِلَّا وَمَعَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ، وَإِلَّا دَخَلَ هَذَا كُلُّهُ وَكَانَ فِيهِ تَعْطِيلُ الْأَحَادِيثِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْمَائِدَةِ إِذَا لَمْ يُرْوَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَهُ عَلَى عِلْمِهِ، وَقَدْ يَعْلَمُ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْدَهَا وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْلُ غَيْرِهِ: لَمْ يَمْسَحْ بَعْدَهَا، إِذْ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ جَازَ جَازَ أَنْ يُقَالَ: لَا يُقْبَلُ أَبَدًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، إِلَّا بِأَنْ يُقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ صَاحِبِهِ دُونَ قَوْلِ النَّبِيِّ، وَلَا نَجْعَلُ فِي قَوْلِهِ حُجَّةً وَإِنْ وَافَقَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ إِذَا لَمْ يُعِزْهُ إِلَى النَّبِيِّ بِخَبَرٍ يُخَالِفُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَوْ جَازَ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ إِنَّمَا قَالَ: «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» ، وَرَجَمَ الثَّيِّبَيْنِ ثُمَّ نَزَلَ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَنَزَلَ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فَنَسَخَ رَجْمَهُ بِالْجَلْدِ، وَدِلَالَةُ أَنْ لَا يُقْطَعَ إِلَّا مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ مَا يَبْلُغُ رُبُعَ دِينَارٍ قَالَ: نَعَمْ، وَقُلْتُ لَهُ: وَلَا يَجُوزُ إِذَا ذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبُو سَعِيدٍ أَوِ ابْنُ عُمَرَ أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فَقَضَى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْمُتَقَدِّمِي الصُّحْبَةِ بِخِلَافِ مَا رَوَى أَحَدُ هَؤُلَاءِ عَنِ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بِخَبَرٍ صَادِقٍ عَنْهُ، وَعِلْمِي بِأَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَالَ بِخَبَرٍ صَادِقٍ عَنْهُ لَعَلَّهُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَبَرُ صَاحِبِ النَّبِيِّ أَوْلَى بِأَنْ يُثْبَتَ مِنْ خَبَرِ تَابِعِيٍّ، أَوْ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي أَنْ يُثْبَتَا، فَإِذَا اسْتَوَيَا عُلِمَ بِأَنَّ النَّبِيَّ

قَالَ أَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ. وَلَا يَسَعُ مُسْلِمًا أَنْ يَشُكَّ فِي أَنَّ الْفَرْضَ اتِّبَاعُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَطَرْحِ كُلِّ مَا خَالَفَهُ، كَمَا صَنَعَ النَّاسُ بِقَوْلِ عُمَرَ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَصَابِعِ عَلَى بَعْضٍ، وَكَمَا صَنَعَ عُمَرُ بِقَوْلِ نَفْسِهِ إِذْ كَانَ لَا يُوَرِّثُ الْمَرْأَةَ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا حَتَّى وَجَدُوا خِلَافَهُ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: نَعَمْ هَذَا هَكَذَا وَلَا يَسَعُ مُسْلِمًا أَنْ يَشُكَّ فِي هَذَا، قُلْتُ: وَلَا يُقَالُ: لَا يَعْزُبُ عَنْ عُمَرَ الْعِلْمُ يَعْلَمُهُ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَا عَنِ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، قَالَ: لَا لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُ عَزَبَ، قُلْتُ لَهُ: أُعْطِيتَ عِنْدَنَا بِجُمْلَةِ هَذَا الْقَوْلِ النَّصْفَةَ، وَلَزِمَتْكَ الْحُجَّةُ مَعَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمُنْفَرِدًا بِمَا عَلِمْتَ الْقَوْلَ مِنْ هَذَا وَعَلِمْتَ بِمَوْضِعِ الْحُجَّةِ، وَأَنَّ كَثِيرًا قَدْ غَلَظَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالْجَهَالَةِ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعِلْمِ فِيهِ، قَالَ: أَجَلْ قُلْتُ: فَقَدْ وَجَدْتُ لَكَ أَقْاوِيلَ تُوَافِقُ هَذَا فَحَمِدْتُهَا وَأَقَاوِيلَ تُخَالِفُ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ أَحْمَدَكَ عَلَى خِلَافِ مَا حَمِدْتُكَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لَكَ إِلَّا أَنْ تَنْتَقِلَ عَمَّا أَقَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ مَا زَعَمْتَ الْحَقَّ فِيهِ، قَالَ: ذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَيَّ، فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَقَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ حَدِيثًا لِرَسُولِ اللَّهِ تَرَكْتُهُ بِأَضْعَفَ مِنْ حُجَّةِ مَنِ احْتَجَجْتَ لَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِ، قَالَ: فَاذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. قُلْتُ لَهُ: قُلْنَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَرَدَدْتَهَا، وَمَا رَأَيْتُكَ جَمَعْتَ حُجَّتَكَ عَلَى شَيْءٍ كَجَمْعِكَهَا عَلَى مَنْ قَالَ بِهَا، وَسَلَكْتَ سَبِيلَ مَنْ رَدَّ خَبَرَ الْمُنْفَرِدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِتَأَوُّلِ الْقُرْآنِ وَنَسَبْتَ مَنْ قَالَ بِهَا إِلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ خِلَافِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، وَلَا فِي شَيْءٍ يُثْبَتُ عَنِ النَّبِيِّ، وَإِنَّمَا ثَبَتَّ الشَّهَادَةَ عَلَى غَيْرِكَ بِالْخَطَأِ فِيمَا وَصَفْتَ مِنْ رَدِّ الْمَسْحِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ بِمِثْلِ مَا رَدَدْتَ بِهِ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ بَلْ حُجَّتُكَ فِيهَا أَضْعَفُ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ: قَدْ عَلِمْنَا أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَرَدِّ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَأَحَلَّ أَكْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَقَطَعَ كُلَّ مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ سَرَقَةٍ، وَعَطَّلَ الرَّجْمَ إِنْ كَانَ مَنْ حَدَّثَ بِهَا مِمَّنْ يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ حَدِيثَهُ أَوْ حَدِيثًا مِثْلَهُ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَاتِّصَالِهِ، وَقَالَ: هُوَ وَهْمٌ: وَلَكِنَّهَا رُوِيَتْ فِيمَا عَلِمْنَا مِنْ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُهُ. فَقُلْتُ لَهُ: فَقَدْ كَانَتْ لَكَ كِفَايَةٌ تَصْدُقُ بِهَا وَتُصَنِّفُ وَتَكُونُ لَكَ الْحُجَّةُ فِي رَدِّهَا لَوْ قُلْتَ: إِنَّهَا رُوِيَتْ مِنْ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ؛ لِأَنَّا وَإِيَّاكَ وَأَهْلَ الْحَدِيثِ لَا نُثْبِتُ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا بِنَفْسِهِ بِحَالٍ، فَكَيْفَ خَبَّرْتَ بِأَنَّهَا خِلَافُ الْقُرْآنِ فَزَعَمْتَ أَنَّكَ تَرُدُّهَا إِنْ حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ؟ وَأَنْتَ لَا تَرُدُّ حُكْمَ حَاكِمٍ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ رَأَيْتَهُ أَنْتَ جَوْرًا، قَالَ: فَدَعْ هَذَا، فَقُلْتُ: نَعَمْ بَعْدَ عِلْمٍ بِأَنَّكَ أَغْفَلْتَ أَوْ عَمَدْتَ أَنَّكَ تُشَنِّعُ عَلَى غَيْرِكَ بِمَا تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَتْ لَكَ عَلَيْهِ فِيهِ حُجَّةٌ، وَهَذَا طَرِيقُ غَفْلَةٍ أَوْ ظُلْمٍ، قَالَ: فَهَلْ تُثْبِتُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ؟ فَإِنَّمَا عَرَفْنَا فِيهَا حَدِيثًا مُنْقَطِعًا وَحَدِيثًا يُرْوَى عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مُتَّصِلًا فَيُنْكِرُهُ سُهَيْلٌ وَيَرْوِيهِ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْحَافِظِ فَيُحْتَمَلُ لَهُ مِثْلُ هَذَا، قُلْتُ: مَا أَخَذْنَا بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ، وَلَكِنْ عِنْدَنَا فِيهَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَاذْكُرْهُ

قُلْتُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَهُ قَالَ: مَا سَمِعْتُهُ قَبْلَ ذِكْرِكَ الْآنَ، قُلْتُ: أَنُثْبِتُ نَحْنُ وَأَنْتَ مِثْلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَلَزِمَكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَرُدُّهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَقَدْ كَتَبْتُ هَذَا فِي الْأَحَادِيثِ الْجُمَلِ وَالْمُفَسَّرَةِ، وَكَلِمَتُهُ فِيهِ بِمَا عَلِمَ مَنْ حَضَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجَّ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَقَدْ وَصَفْتُ فِي كِتَابِي هَذَا الْمَوَاضِعَ الَّتِي غَلَطَ فِيهَا بَعْضُ مَنْ عَجَّلَ بِالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ قَبْلَ خِبْرَتِهِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ. وَالْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مَا كَانَ مِنْهُ عَامُّ الْمَخْرَجِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ كَمَا وَصَفْتُ فِي الْقُرْآنِ يَخْرُجُ عَامًّا وَهُوَ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ، وَيَخْرُجُ عَامًّا وَهُوَ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَالْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى عُمُومِهِ وَظُهُورِهِ حَتَّى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ خَاصًّا دُونَ عَامٍّ يَكُونُ الْحَدِيثُ الْعَامُّ الْمُخَرَّجُ مُحْتَمِلًا مَعْنَى الْخُصُوصِ بِقَوْلِ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ [ص:599] فِيهِ، أَوْ مَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ سَمَاعًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرَادَ بِهِ خَاصًّا دُونَ عَامٍّ، وَلَا يُجْعَلُ الْحَدِيثُ الْعَامُّ الْمُخَرَّجُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ خَاصًّا بِغَيْرِ دَلَالَةٍ مِمَّنْ لَمْ يَحْمِلْهُ وَيَسْمَعْهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِمْ جُمْلَةً أَنْ لَا يَكُونُوا عَلِمُوهُ وَلَا بِقَوْلِ خَاصَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِمْ جَهْلُهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِيمَنْ عَلِمَهُ وَسَمِعَهُ وَلَا فِي الْعَامَّةِ جَهْلُ مَا سَمِعَ وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ زِيَادَةً لَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ بِهَا عَلَيْهِ. وَكُلَّمَا احْتَمَلَ حَدِيثَانِ أَنْ يُسْتَعْمَلَا مَعًا اسْتُعْمَلَا مَعًا وَلَمْ يُعَطِّلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْآخَرَ كَمَا وَصَفْتُ فِي أَمْرِ اللَّهِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ، كَمَا وَصَفْتُ فِي الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ بِاسْتِقْبَالِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلِ الْحَدِيثَانِ إِلَّا الِاخْتِلَافَ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْقِبْلَةُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ كَانَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا، وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا، وَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ بِقَوْلٍ أَوْ بِوَقْتٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْآخَرَ هُوَ النَّاسِخُ أَوْ بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ أَوِ الْعَامَّةِ كَمَا وَصَفْتُ، أَوْ بِوَجْهٍ آخَرَ لَا يُبَيِّنُ فِيهِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ. وَقَدْ كَتَبْتُهُ فِي كِتَابِي وَمَا يُنْسَبُ إِلَى الِاخْتِلَافِ مِنَ الْأَحَادِيثِ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ فَيُصَارُ إِلَى النَّاسِخِ دُونَ الْمَنْسُوخِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ اخْتِلَافًا فِي الْفِعْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ مُبَاحَانِ كَاخْتِلَافِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَكِلَاهُمَا مُبَاحٌ وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ وَمِنْهَا مَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ أَشْبَهَ بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ أَشْبَهَ بِمَعْنَى سُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا سِوَى الْحَدِيثَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، أَوْ أَشْبَهَ بِالْقِيَاسِ، فَأَيُّ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ كَانَ هَذَا فَهُوَ أَوْلَاهُمَا عِنْدَنَا أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا عَدَّهُ بَعْضُ مَنْ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ مُخْتَلِفًا بِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهِ اخْتَلَفَ، أَوْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْفِعْلُ فِيهِ إِلَّا بِاخْتِلَافِ حُكْمِهِ، أَوِ اخْتَلَفَ الْفِعْلُ فِيهِ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ فَيُشْبِهُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ بِأَنَّهُ الْقَائِلُ بِهِ، وَمِنْهَا مَا جَاءَ جُمْلَةً وَآخَرُ مُفَسَّرًا، وَإِذَا جَعَلْتَ الْجُمْلَةَ عَلَى أَنَّهَا عَامَّةٌ عَلَيْهِ رَوَيْتَ بِخِلَافِ الْمُفَسَّرِ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا إِنَّمَا هَذَا مِمَّا وَصَفْتُ مِنْ سَعَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَأَنَّهَا تَنْطِقُ بِالشَّيْءِ مِنْهُ عَامًّا تُرِيدُ بِهِ الْخَاصَّ وَهَذَانِ يُسْتَعْمَلَانِ مَعًا، وَقَدْ أَوْضَحْتُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَجِمَاعُ هَذَا أَنْ لَا يُقْبَلَ إِلَّا حَدِيثٌ ثَابِتٌ كَمَا لَا يُقْبَلُ مِنَ الشُّهُودِ إِلَّا مَنْ عُرِفَ عَدْلُهُ، فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَجْهُولًا أَوْ مَرْغُوبًا عَمَّنْ حَمَلَهُ كَانَ كَمَا لَمْ يَأْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ

الكتاب: اختلاف الحديث (مطبوع ملحقا بالأم للشافعي)
المؤلف: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)

 

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أخبرنَا الشَّيْخ الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو الْفضل جَعْفَر بن الْحسن ابْن جَعْفَر الْهَمدَانِي قَالَ أخبرنَا الشَّيْخ الامام أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد السلَفِي الاصفهاني قِرَاءَة عَلَيْهِ فِي جُمَادَى الأولى سنة احدى وَسبعين وخمسماية قَالَ أخبرنَا القَاضِي أَبُو اسحق ابراهيم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الغضائري ب (دربند) قِرَاءَة عَلَيْهِ مني فِي شَوَّال سنة ثَلَاثِينَ وخمسماية قَالَ كتب إِلَيّ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم الاصفهاني الْمُقْرِئ من ثغر (آمد) أَن أَبَا الْحسن عَليّ بن الْحَاضِر بن عَليّ الْبَغْدَادِيّ بالفسطاط قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الشَّافِعِي بِمَكَّة قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله الْهَمدَانِي قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد ابْن نَافِع قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن ابراهيم بن مَعْرُوف الصيدلاني قَالَ حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن صَالح التَّمِيمِي قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا عبد الله بن عبد الحميد أَو الْمجِيد الْحَنَفِيّ قَالَ حَدثنَا عُبَيْدَة أَو هُبَيْرَة الْبَاجِيّ الحدادح

وَقَالَ ابْن نَافِع أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد المظفر بن احْمَد المظفر الأشموني الشمار قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن ابراهيم النَّيْسَابُورِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ الْحَنَفِيّ عَن أبي هُبَيْرَة الْبَاجِيّ قَالَ كتب الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ رمحة الله عَلَيْهِ الى رجل من الزهاد يُقَال لَهُ عبد الرَّحِيم أَو عبد الرَّحْمَن بن أنس الرَّمَادِي كَانَ يسكن مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَكَانَ لَهُ فضل وَدين وَذكر وَلم يكن لَهُ فِي الدُّنْيَا عمل الا عبَادَة الله تَعَالَى وانه أَرَادَ الْخُرُوج من مَكَّة الى الْيمن فَبلغ ذَلِك الْحسن وَكَانَ بواخيه فِي الله تَعَالَى فَكتب الهي كتابا يرغبه فِي الْمقَام بِمَكَّة زَادهَا الله شرفا أَوله
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم حفظك الله يَا أخي بِمَا حفظ بِهِ أهل الايمان ووقاك الْمَكْرُوه ووفقك لِلْخَيْرَاتِ وَأتم عَلَيْك النعم فِي كل الْأُمُور وجمعنا وَإِيَّاك فِي دَار السَّلَام فِي جوَار الرَّحْمَن فان ذَلِك بِيَدِهِ وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
أما بعد يَا أخي فَانِي قد كتبت اليك وَأَنا وَمن قبلي من أهل الْعِنَايَة والأقارب والاخوان على أفضل مَا تحب وربنا الْمَحْمُود وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم
اعْلَم يَا أخي أبقاك الله تَعَالَى انه بَلغنِي انك قد أَجمعت رَأْيك على الْخُرُوج من حرم الله تَعَالَى وأمنه والتحول مِنْهُ الى الْيمن وَأَنِّي وَالله كرهت ذَلِك وغمني وَاسْتَوْحَشْت من ذَلِك وَحْشَة شَدِيدَة إِذْ أَرَادَ الشَّيْطَان أَن يزعجك من حرم الله تَعَالَى ويستزلك
فيا عجبا من عقلك اذ نَوَيْت ذَلِك فِي نَفسك بعد أَن جعلك الله من أَهله وَلَو أَنَّك حمدت الله تَعَالَى على مَا أولاك وأبلاك فِي حرمه وأمنه وصيرك من أَهله لَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْك شكره أبدا مَا دمت حَيا ولكنت مَشْغُولًا بِعبَادة الله عز وَجل أَضْعَاف مَا كنت عَلَيْهِ إِذْ جعلك من أهل حرمه وأمنه وجيران بَيته
وَإِيَّاك ثمَّ إياك والقلق والضجر وَعَلَيْك بِالصبرِ والصمت والحلم فانك تغلب بِهن الشَّيْطَان الرَّجِيم وَإِيَّاك ثمَّ إياك يَا أخي وَالْخُرُوج مِنْهَا والانزعاج عَنْهَا فانك فِي خير أَرض وَأحب أَرض الله تَعَالَى اليه وأفضلها وَأَعْظَمهَا قدرا وَأَشْرَفهَا عِنْده
فنسأل الله تَعَالَى أَن يوفقنا وَإِيَّاك لِلْخَيْرَاتِ فانه الحنان المنان وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
اعْلَم يَا أخي أَن الله تَعَالَى فضل مَكَّة على سَائِر الْبِلَاد وَأنزل ذكرهَا فِي كِتَابه الْعَزِيز فِي مَوَاضِع عديدة فَقَالَ تَعَالَى {إِن أول بَيت وضع للنَّاس للَّذي ببكة مُبَارَكًا وَهدى للْعَالمين فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَمن دخله كَانَ آمنا}
وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا}

{وارزق أَهله من الثمرات من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} وَقَالَ تَعَالَى {ثمَّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق}
وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذ بوأنا لإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت أَن لَا تشرك بِي شَيْئا وطهر بَيْتِي للطائفين والقائمين والركع السُّجُود} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى}
وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم}
وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا أمرت أَن أعبد رب هَذِه الْبَلدة الَّذِي حرمهَا}
وَقَالَ تَعَالَى {بَلْدَة طيبَة وَرب غَفُور}
وَقَالَ تَعَالَى {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما وَمن تطوع خيرا فَإِن الله شَاكر عليم} وَقَالَ تَعَالَى {فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات}

فاذكروا الله عِنْد الْمشعر الْحَرَام واذكروه كَمَا هدَاكُمْ
وَقَالَ تَعَالَى {أَو لم نمكن لَهُم حرما آمنا يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شَيْء رزقا من لدنا}
(وَقَالَ تبَارك وَتَعَالَى {جعل الله الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قيَاما للنَّاس والشهر الْحَرَام}
وَقَالَ تَعَالَى لنَبيه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر يَأْتِين من كل فج عميق}
وَقَالَ تَعَالَى {فليعبدوا رب هَذَا الْبَيْت الَّذِي أطْعمهُم من جوع وآمنهم من خوف}
وَقَالَ تَعَالَى {رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم وارزقهم من الثمرات لَعَلَّهُم يشكرون}

وَقَالَ تَعَالَى {قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره}
وَقَالَ تَعَالَى {فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم فاذكروا الله كذكركم آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا}
وَقَالَ تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله}
وَقَالَ تَعَالَى {وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان}
وَقَالَ تَعَالَى {الْحَج أشهر مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج}
وَقَالَ تَعَالَى {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله}

فَهَذِهِ الْآيَات يَا أخي أنزلهَا الله تَعَالَى كلهَا فِي مَكَّة خَاصَّة وَلم ينزلها لبلد سواهَا
ثمَّ أفيدك يَا أخي بعد هَذَا مَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْأَخْبَار فِي فَضَائِل مَكَّة وفضائل أَهلهَا وَمن جاورها
اعْلَم يَا أخي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ حِين خرج من مَكَّة وقف على الْحَزْوَرَة واستقبل الْكَعْبَة وَقَالَ
وَالله إِنِّي لأعْلم أَنَّك أحب بلد الله إِلَيّ وَأَنَّك أحب أَرض الله الى الله عز وَجل وانك خير بقْعَة على وَجه الأَرْض وأحبها الى الله تَعَالَى وَلَوْلَا أَن أهلك أَخْرجُونِي مِنْك مَا خرجت
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث آخر خير بَلْدَة على وَجه الأَرْض وأحبها الى الله تَعَالَى مَكَّة

وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دحيت الأَرْض من مَكَّة فَمدَّهَا الله تَعَالَى من تحتهَا فسميت أم الْقرى
وَأول جبل وضع فِي الأَرْض أَبُو قبيس وَأول من طَاف بِالْبَيْتِ الْمَلَائِكَة قبل أَن يخلق الله تَعَالَى آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بألفي عَام وَمَا من ملك يَبْعَثهُ الله تَعَالَى من السَّمَاء الى الأَرْض فِي حَاجَة الا اغْتسل من تَحت الْعَرْش وانقض محرما فَيبْدَأ بِبَيْت الله تَعَالَى فيطوف بِهِ اسبوعا

ثمَّ يُصَلِّي خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يمْضِي لِحَاجَتِهِ وَمَا بعث اليه
وكل نَبِي من الانبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام اذا كذبه قومه خرج من بَين أظهرهم الى مَكَّة وَمَا من نَبِي هرب من أمته الا هرب الى مَكَّة فعبد الله تَعَالَى بهَا عِنْد الْكَعْبَة حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين وَهُوَ الْمَوْت وان حول الْكَعْبَة قبر ثلثمِائة نَبِي وَمَا بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ والركن الاسود قبر سبعين نَبيا كلهم قَتلهمْ الْجُوع وَالْقمل وقبر اسماعيل وَأمه هَاجر صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم فِي الْحجر تَحت الْمِيزَاب وقبر نوح وَهود وَشُعَيْب وَصَالح صلى الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم وَسلم فِيمَا بَين زَمْزَم وَالْمقَام
وَمَا على وَجه الأَرْض بَلْدَة وَقد اليها جَمِيع النَّبِيين وَالْمَلَائِكَة وَالْمُرْسلِينَ أَجْمَعِينَ وَصَلَاح عباد الله من أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِنّ إِلَّا مَكَّة

وَمَا على وَجه الأَرْض بَلْدَة يرفع الله فِيهَا الْحَسَنَة الْوَاحِدَة غَايَة ألف حَسَنَة إِلَّا مَكَّة وَمن صلى فِيهَا صَلَاة رفعت لَهُ مائَة ألف صَلَاة وَمن صَامَ فِيهَا كتب لَهُ صَوْم مائَة ألف يَوْم وَمن تصدق فِيهَا بدرهم كتب الله لَهُ مائَة ألف دِرْهَم صَدَقَة وَمن ختم فِيهَا الْقُرْآن مرّة وَاحِدَة كتب الله تَعَالَى لَهُ مائَة ألف خَ وكل أَعمال الْبر فِيهَا كل وَاحِدَة بِمِائَة ألف
وَمَا أعلم بَلْدَة يحْشر الله تَعَالَى فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة من الْأَنْبِيَاء والأصفياء والأتقياء والأبرار وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والفقراء والحكماء والزهاد والعباد والنساك والأخيار والأحبار من الرِّجَال وَالنِّسَاء مَا يحْشر الله تَعَالَى من مَكَّة وَإِنَّهُم يحشرون وهم آمنون من عَذَاب الله تَعَالَى
وليوم وَاحِد فِي حرم الله تَعَالَى وأمنه أَرْجَى لَك وَأفضل من صِيَام الدَّهْر كُله وقيامه فِي غَيرهَا من الْبلدَانِ
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ لَا تشد الرّحال إِلَّا الى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى
وَلم يذكر شَيْئا من الْمَسَاجِد غَيرهَا
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا بِأَلف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِن الصَّلَاة فِيهِ بِمِائَة الف صَلَاة فِي غَيره وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَة صَلَاة \ 1 \

وَمَا على وَجه الأَرْض بقْعَة ينزلها كل يَوْم من عِنْد الله تَعَالَى عشرُون وَمِائَة رَحْمَة سِتُّونَ للطائفين وَأَرْبَعُونَ للمصلين وَعِشْرُونَ للناظرين الى الْكَعْبَة إِلَّا مَكَّة
وَالنَّظَر الى الْكَعْبَة عبَادَة قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من نظر الى بَيت الله إِيمَانًا واحتسابا وَتَصْدِيقًا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَحشر يَوْم الْقِيَامَة من الْآمنينَ
ويحشر الله تَعَالَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة آمِنين
وَمَا على وَجه الأَرْض بَلْدَة أَبْوَاب الْجنَّة كلهَا مَفْتُوحَة اليها الا مَكَّة وان أَبْوَاب الْجنَّة لثمانية أَبْوَاب كلهَا منفتحة اليها بِمَكَّة الى يَوْم الْقِيَامَة فباب مِنْهَا للكعبة وَبَاب مِنْهَا تَحت الْمِيزَاب وَبَاب مِنْهَا عِنْد الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَبَاب مِنْهَا عِنْد الرُّكْن الاسود وَبَاب مِنْهَا خلف الْمقَام وَبَاب مِنْهَا عِنْد زَمْزَم وَبَاب مِنْهَا على الصَّفَا وَبَاب مِنْهَا على الْمَرْوَة وَلَا يدْخل الْكَعْبَة أحد إِلَّا برحمة الله وَلَا يخرج مِنْهَا إِلَّا بمغفرة الله عز وَجل قَالَ تَعَالَى {وَمن دخله كَانَ آمنا} أَي من النَّار وَمَا على وَجه الأَرْض بَلْدَة يُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء فِي خَمْسَة عشر موضعا إِلَّا مَكَّة أَولهَا جَوف الْكَعْبَة الدُّعَاء فِيهَا مستجاب وَالدُّعَاء عِنْد الْحجر الْأسود مستجاب وَالدُّعَاء عِنْد الرُّكْن الْيَمَانِيّ مستجاب وَالدُّعَاء عِنْد الْحجر مستجاب وَالدُّعَاء خلف الْمقَام مستجاب وَالدُّعَاء فِيالْمُلْتَزم مستجاب وَالدُّعَاء عِنْد بَاب بِئْر زَمْزَم مستجاب وَالدُّعَاء على الصَّفَا والمروة مستجاب وَالدُّعَاء بَين الصَّفَا والمروة مستجاب وَالدُّعَاء بَين الرُّكْن وَالْمقَام مستجاب وَالدُّعَاء بمنى مستجاب وَالدُّعَاء مستجاب وَالدُّعَاء بِعَرَفَات مستجاب وَالدُّعَاء فِي الْمشعر الْحَرَام مستجاب
فَهَذِهِ يَا أخي خَمْسَة عشر موضعا فاغتنم الدُّعَاء فِيهَا فانها الماضع الَّتِي لَا يرد فِيهَا الدُّعَاء وَهِي الْمشَاهد الْعِظَام الَّتِي ترجى فِيهَا الْمَغْفِرَة فاجتهد يَا أخي فِي الدُّعَاء عِنْد هَذِه الْمشَاهد الْعِظَام
وَأَنَّك إِن خرجت من حرم الله تَعَالَى وأمنه ذهبت عَنْك بركَة هَذِه الْمشَاهد
قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن خير الْبِقَاع وأطهرها وأزكاها وأقربها من الله تَعَالَى مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام
وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْأسود رَوْضَة من رياض الْجنَّة
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من أحد يَدْعُو عِنْد الرُّكْن الْأسود إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ وَكَذَلِكَ عِنْد الرُّكْن الْيَمَانِيّ
وَاعْلَم يَا أخي أَنه لَا يخرج مِنْهَا أحد إِلَّا نَدم قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمقَام بِمَكَّة سَعَادَة وَالْخُرُوج مِنْهَا شقاوة \ 2 \
فَأثْبت مَكَانك وَإِيَّاك والقلق والضجر فَإِن ذَلِك من فعل الشَّيْطَان فَلَا تَبْرَح وَإنَّك إِن تكسب مكسبا يُسَاوِي فلسين من حَلَال بهَا كَانَ أفضل وَخيرا من أَن تكسب فِي غَيرهَا ألفي دِرْهَم
قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مَاتَ حَاجا أَو مُعْتَمِرًا لم يعرض وَلم يُحَاسب، وَقيل لَهُ ادخل الْجنَّة بِسَلام مَعَ الْآمنينَ.
وَقَالَ رَسُول اللَّهِ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: من صَامَ شهر رَمَضَان بِمَكَّة كتب اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مائَة ألف شهر فِي غَيرهَا من الْبلدَانِ، وَصَلَاة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة، فَإِن صلاهَا فِي جمَاعَة فَهِيَ بِأَلف ألف صَلَاة، وَمن مرض بِمَكَّة يَوْمًا وَاحِدًا حرم اله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جسده ولحمه على النَّار.
قَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: من مرض بِمَكَّة يَوْمًا كتب اللَّهِ لَهُ من الْعَمَل الصَّالح الَّذِي كَانَ يعْمل فِي غَيرهَا عبَادَة سِتِّينَ سنة. وَمن صَبر على حر مَكَّة سَاعَة من نَهَار أبعده اللَّهِ تَعَالَى من النَّار مسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وقربه من الْجنَّة مسيرَة مِائَتي عَام، وَإِن مَكَّة وَالْمَدينَة لينفيان خبثهما كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد، أَلا وَأَن مَكَّة أنشئت على المكروهات والدرجات، وَمن صَبر على شدتها كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة، وَمن مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالْمَدِينَةِ بَعثه اللَّهِ يَوْم الْقِيَامَة آمنا من عَذَابه، لَا حِسَاب عَلَيْهِ، وَلَا خوف وَلَا عَذَاب، وَيدخل الْجنَّة بِسَلام، وَكنت لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة.
أَلا إِن أهل مَكَّة هم أهل اللَّهِ تَعَالَى وجيران بَيته، وَمَا على وَجه الأَرْض بَلْدَة فِيهَا شراب الْأَبْرَار، ومصلى الأخيار إِلَّا بِمَكَّة.
قيل لِابْنِ عَبَّاس رَضِي اللَّهِ عَنْهُمَا مَا مصلى الأخيار؟ قَالَ: تَحت الْمِيزَاب. فَقيل لَهُ: مَا شرب الْأَبْرَار؟ قَالَ: مَاء زَمْزَم.

وَخير وَاد على وَجه الأَرْض وَادي إِبْرَاهِيم – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم _ وَخير بِئْر على وَجه الأَرْض بِئْر زَمْزَم.
وَمَا بَلْدَة يُوجد فِيهَا شَيْء إِذا مَسّه الْإِنْسَان خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه إِلَّا بِمَكَّة، فَإِن من مس الْحجر الْأسود خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه.
وَمَا على وَجه الأَرْض بَلْدَة يُصَلِّي فِيهَا أحد حَيْثُ أَمر اللَّهِ نبيه إِلَّا بِمَكَّة فَإِنَّهُ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى -: وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى.
وَمن صلى خلف الْمقَام كَانَ آمنا، قَالَ رَسُول اله – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم _: من صلى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر، وَمن صلى تَحت الْمِيزَاب رَكْعَتَيْنِ خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه، وَمن صلى حول الْكَعْبَة رَكْعَتَيْنِ خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه.
وَأحب الْبِقَاع إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا بَين الْمقَام والملتزم. وَالنَّظَر إِلَى الْكَعْبَة عبَادَة وأمان من النِّفَاق.
وَمَا على وَجه الأَرْض بقْعَة يُوجد فِيهَا الطّواف وَالْحج وَالْعمْرَة إِلَّا بِمَكَّة، وَالنَّظَر فِي بِئْر زَمْزَم عبَادَة، والطائف حول الْبَيْت كالطائف حول عرش الرَّحْمَن، وَالْحجر الْأسود يَد اللَّهِ تَعَالَى فِي أرضه يُصَافح فِيهَا من يَشَاء من عباده، وَالْحجر الْأسود وَالْمقَام يأتيان يَوْم الْقِيَامَة كل وَاحِد مِنْهُمَا مثل جبل أبي قبيس، لَهما عينان ولسانان وشفتان يَشْهَدَانِ لكل من وافاهما بِالْوَفَاءِ.

رُوِيَ عَن النَّبِي – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – أَنه قَالَ: إِن أكْرم الْمَلَائِكَة عِنْد اللَّهِ تَعَالَى الَّذين يطوفون حول بَيته. وَمن نظر إِلَى الْبَيْت نظرة وَكَانَ عَلَيْهِ خَطَايَا مثل زبد الْبَحْر غفرها اللَّهِ لَهُ كلهَا.
قَالَ رَسُول اللَّهِ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: إِن لله عز وَجل لوحا من ياقوتة حَمْرَاء ينظر اللَّهِ فِيهِ كل يَوْم ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ نظرة، مائَة وَثَمَانُونَ نظرة رَحْمَة، وَمِائَة وَثَمَانُونَ نظرة عَذَاب. وَإِن أول من ينظر اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ لأهل حرمه، فَمن رَآهُ قَائِما يُصَلِّي غفر لَهُ. فَتَقول الْمَلَائِكَة وَهُوَ أعلم بذلك رَبنَا لم يبْق إِلَّا النائمون. فَيَقُول تبَارك وَتَعَالَى -: والنائمون حول بَيْتِي ألحقوهم.
وَقَالَ رَسُول اللَّهِ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: من طَاف حول الْبَيْت أسبوعا رفع اللَّهِ لَهُ بِكُل قدم سبعين ألف دَرَجَة، وَأَعْطَاهُ سبعين ألف حَسَنَة، وَأَعْطَاهُ سبعين ألف شَفَاعَة فِيمَن شَاءَ من أهل بَيته من الْمُسلمين، إِن شَاءَ عجلت لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِن شَاءَ ادخرت لَهُ فِي الْآخِرَة.
وَقَالَ رَسُول اللَّهِ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: من طَاف حول بَيت اللَّهِ سبعا فِي يَوْم صَائِف شَدِيد الْحر، حاسرا عَن رَأسه، واستلم الْحجر فِي كل طوفة من غير أَن يُؤْذِي أحدا، وَقل كَلَامه إِلَّا من ذكر اله تَعَالَى كَانَ لَهُ بِكُل قدم يرفعها أَو يَضَعهَا سَبْعُونَ ألف حَسَنَة، ومحي عَنهُ سَبْعُونَ ألف سئية، وَرفع لَهُ سَبْعُونَ ألف دَرَجَة.
وَفضل الْحَاج الْمَاشِي على الْحَاج الرَّاكِب كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: لَو أَن الْمَلَائِكَة صافحت أحدا لصافحت الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ، والبار بِوَالِديهِ، والطائف بِبَيْت اللَّهِ “.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: الْكَعْبَة محفوفة بسبعين ألفا من الْمَلَائِكَة يَسْتَغْفِرُونَ لمن طَاف، وَيصلونَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: الطَّائِف يَخُوض فِي رَحْمَة اللَّهِ، وَإِن اللَّهِ ليباهي بالطائفين حول الْبَيْت الْمَلَائِكَة.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – استكثروا من هَذَا الطّواف قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَينه، فَكَأَنِّي أنظر إِلَى رجل من الْحَبَشَة أصليع أفيدع، أصفح أفيحج، جَالس عَلَيْهَا يَهْدِمهَا حجرا حجرا.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – الْحجَّاج والعمار وَفد اللَّهِ تَعَالَى، إِن سَأَلُوهُ أَعْطَاهُم، وَإِن دَعوه أجابهم، وَإِن أَنْفقُوا أخلف عَلَيْهِم بِكُل دِرْهَم سَبْعمِائة ألف دِرْهَم وَفِي رِوَايَة ألف ألف دِرْهَم وَسَبْعمائة ألف دِرْهَم وَالَّذِي نَفسه بِيَدِهِ، مَا أهل مهل وَلَا كبر مكبر إِلَّا أهل بتهليله، وَكبر بتكبيره كل شَيْء حَتَّى مُنْقَطع التُّرَاب [فَقَالَ رجل] : يَا رَسُول اللَّهِ وَإِلَى هَذِه المضاعفة؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، أما إنفاقهم ليخلفن اللَّهِ عَلَيْهِم السبعمائة ألف دَار الدُّنْيَا قبل أَن يخرجُوا مِنْهَا، وَأما الْألف ألف، فَهِيَ مدخرة لَهُم فِي الْآخِرَة، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الدِّرْهَم الْوَاحِد لأثقل من جبلكم هَذَا وَأَشَارَ إِلَى أبي قبيس.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت فِي أحد الْحَرَمَيْنِ فليمت، فَإِنِّي أول من أشفع لَهُ، وَكَانَ يَوْم الْقِيَامَة آمنا من عَذَاب اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا. وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة.
وَقَالَ رَسُول اللَّهِ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: من حج وَلم يرْفث، وَلم يفسق، خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه.
وَمَا من رجل أوصى بخحجة إِلَّا كتب لَهُ ثَلَاث حجج، حجَّة للَّذي كتبهَا، وَحجَّة للَّذي أوصى بهَا، وَحجَّة للَّذي أحرم بهَا عَنهُ. وَمن حج عَن وَالِديهِ كتب لَهُ حجتان، حجَّة لَهُ وَحجَّة لوَالِديهِ، وَمن حج عَن ميت حجَّة من غير أَن يُوصي بهَا، كتبت لَهُ حجَّة وكتبت للَّذي حج عَنهُ سَبْعُونَ حجَّة.
وَإنَّهُ إِذا كَانَ عَشِيَّة عَرَفَة هَبَط اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَينْظر إِلَى عباده فيباهي بهم الْمَلَائِكَة. يَقُول جلّ جَلَاله -: يَا ملائكتي أما ترَوْنَ إِلَى عبَادي قد أَقبلُوا من كل فج عميق، شعثا غبرا، يرجون رَحْمَتي، أشهدكم يَا ملائكتي أَنِّي وهبت مسيئهم لمحسنهم، وشفعت بَعضهم فِي بعض، وغفرت لَهُم أَجْمَعِينَ، أفيضوا عبَادي كلكُمْ مغفورا لكم مَا مضى من ذنوبكم، صغيرها وكبيرها، قديمها وحديثها.
وَحجَّة مَقْبُولَة خير من الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، وَيُقَال للَّذي لَا تقبل مِنْهُ يخرج من ذنُوبه، وَالَّذِي يقبل اللَّهِ مِنْهُ، فقد فَازَ فوزا عَظِيما.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: أَنه قَالَ: من زارني بعد وفاتي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي، وَمن لم يدركني وَلم يبايعني ثمَّ جَاءَ إِلَى الْمَدِينَة بعد وفاتي، وَسلم عَليّ وزارني عِنْد قَبْرِي فقد بايعني. وَمن أَتَى الرُّكْن الْأسود فَقبله فَكَأَنَّمَا بَايع اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُوله – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم _
قَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: أَن الرُّكْن يَمِين اللَّهِ فِي الأَرْض، يُصَافح بهَا عبَادَة كَمَا يُصَافح أحدكُم أَخَاهُ، وَمن لم يدْرك بيعَة رَسُول اللَّهِ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – واستلم الْحجر فقد بَايع اللَّهِ تَعَالَى، وَرَسُوله – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: أَنه لم يبْق شَيْء من الْجنَّة غير هَذَا الْحجر الْأسود، وَلَوْلَا مَا مَسّه من أنجاس الْمُشْركين وأرجاسهم مَا مَسّه ذُو عاهة يستشفي بِهِ إِلَّا برأَ.
وَمن مَاتَ بِالْحرم فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة، وَمن مَاتَ فِي بَيت الْمُقَدّس فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي سَمَاء الدُّنْيَا، وَمن حج بَيت اللَّهِ تَعَالَى مَاشِيا كتب اللَّهِ لَهُ بِكُل قدم يرفعهُ ويضعه سبعين ألف حَسَنَة من حَسَنَات الْحرم.
قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي اللَّهِ عَنْهُمَا -: حَسَنَة الْحرم بِمِائَة ألف حَسَنَة.
وَقَالَ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -: أَن للْحَاج الرَّاكِب لكل خطْوَة يخطوها بعيره حَسَنَة من حَسَنَات الْحرم. قيل يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا حَسَنَات الْحرم؟ قَالَ: كل حَسَنَة بِمِائَة ألف حَسَنَة.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – أَنه قَالَ: يحْشر اللَّهِ تَعَالَى من مَقْبرَة مَكَّة سبعين ألف شَهِيد يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وُجُوههم كَالْقَمَرِ لَيْلَة بدر، ويشفع كل وَاحِد مِنْهُم فِي سبعين ألف رجل. فَقيل: من هم يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَالَ: الغرباء.
وَمن مَاتَ فِي حرم اللَّهِ تَعَالَى أَو حرم رَسُول اللَّهِ – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مَاتَ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة حَاجا أَو مُعْتَمِرًا بَعثه اللَّهِ يَوْم الْقِيَامَة من الْآمنينَ. أَلا وَإِن التضلع من مَاء زَمْزَم بَرَاءَة من النِّفَاق.
وَمن صلى فِي الْحجر رَكْعَتَيْنِ نَاحيَة الرُّكْن الشَّامي فَكَأَنَّهُ أحيى سبعين ألف لَيْلَة، وَكَانَ كعبادة كل مُؤمن ومؤمنة، وكأنما حج أَرْبَعِينَ حجَّة مبرورة متقبلة، وَمن صلى مُقَابل بَاب الْكَعْبَة أَربع رَكْعَات فَكَأَنَّمَا عبد اللَّهِ تَعَالَى كعبادة جَمِيع خلقه أضعافا مضاعفة، وآمنه اللَّهِ تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة من الْفَزع الْأَكْبَر، وَأمر اللَّهِ عز وَجل جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَجَمِيع الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام أَن يَسْتَغْفِرُوا لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
فاغتنم يَا أخي هَذَا الْخَيْر كُله، وَإِيَّاك أَن يفوتك. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته.
تمت الرسَالَة بِحَمْد اللَّهِ تَعَالَى وَحسن توفيقه، وَوَافَقَ الْفَرَاغ مِنْهَا لَيْلَة الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر شَوَّال من شهور سنة أَربع وَخمسين وَألف، وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى على من لَا نَبِي بعده.

الكتاب: فضائل مكة والسكن فيها
المؤلف: الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد (المتوفى: 110هـ)
المحقق: سامي مكي العاني
الناشر: مكتبة الفلاح – الكويت
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

 

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الناشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد فهذا مصنف جديد – لم يطبع بعد – من نفائس ما خلفه الشيخ المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى من كنوز السنة وهو “صحيح الإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها من سقيمها وسرد ما صح منها في سياق واحد بأسلوب فريد بديع لاتراه في كتاب”1 نقدمه اليوم للعالم الإسلامي لينشر علم
__________
1 هذه هو العنوان الكامل الذي خطه الشيخ رحمه الله بيده على غلاف هذا المصنف وكان يريد أن يسرد ما صح من الأحاديث في سياق واحد فريد بديع ولكنه توفي رحمه الله قبل أن يكون ذلك وسنقوم في الطبعات القادمة إن شاء الله بهذا العمل على الوجه الذي أراده الشيخ. الناشر.

الشيخ ويستفيد منه العلماء وطلبة العلم ويؤجر عليه الشيخ رحمه الله في قبره.
وهذا المصنف – كغيره – من ذخائر ونفائس مشروع الشيخ العظيم: “تقريب السنة بين يدي الأمة” الذي أفنى فيه عمره وقضى نحو سبعين سنة في خدمة السنة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم – في إحيائها وتمييز صحيحها من ضعيفها ودعوة الناس جميعا إليها فجزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خيرا.
ولكن الله – الذي كتب الموت على كل حي – شاء أن يموت الشيخ قبل أن يتم مشروعه العظيم فجاء هذا المصنف “صحيح الإسراء والمعراج” على هذه الصورة غير مكتمل.
ولقد رأت المكتبة الإسلامية بعمان أن تنشره ليعم به النفع مستعينة على إخراجه – في أحسن صورة ممكنة – ببعض طلبة العلم فجزاهم الله خيرا.
ونود الإشارة إل الرموز التي استعملها الشيخ في هذا المصنف وهي: “خ”: البخاري, “م”: مسلم, “حم”: أحمد بن

حنبل, “عبد”: عبد الله بن أحمد بن حنبل, “ت”: الترمذي, “جرير”: ابن جرير ويجدها القارئ داخل الزيادات والروايات للدلالة على مخرجيها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.
عمان – الشام الناشر.
3 ذو القعدة 1420هـ

1- حديث أبي هريرة
وله عنه طرق:
الأولى: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام” – فنعته النبي صلى الله عليه وسلم – “فإذا رجل” – حسبته قال: – “مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة”.
قال: “ولقيت عيسى” – فنعته النبي صلى الله عليه وسلم – “فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس. يعني: حماما”
قال: “ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه وأنا أشبه ولده به.
فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته فقال: هديت الفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك”
أخرجه البخاري 3394 و 3437 و 4709 و 5576 و 5603 ومسلم 272 وأحمد 2/282 و 512 والبغوي في شرح السنة 3761

الثانية: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي. وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم “. يعني: نفسه.
فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه. فالتفت إليه فبدأني بالسلام “.
أخرجه مسلم 278

2 – حديث أنس بن مالك
وقد جاء عنه من طرق مع اختلاف أصحابه في إسناده على وجه:
1 – فرواه الزهري عنه عن أبي ذر رضي الله عنهما.
2 – ورواه قتادة عنه عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما.
3 – ورواه شريك بن أبي نمر وثابت البناني عنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة.
وفي سياق كل من الثلاثة عنه؛ ما ليس عند الآخر كما أفاده الحافظ فيفتح الباري 1/460
فلنسق رواية كل منهم عنه؛ ليتيسر لنا فيما بعد التقاط ما عندهم من الزيادات على بعضهم؛ بشرط الصحة فأقول:
1 – عن الزهري عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“فرج عن سقف بيتي بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه”.

ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم. قال: أرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح”.
[قال: م] ” فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح.
قلت لجبريل: من هذا؟ 1 قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى.
حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الأول ففتح”.
__________
1 قال الحافظ 1 /461: ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم: مرحبا. ورواية مالك بن صعصعة الآتية بعكس ذلك وهي المعتمدة فنحمل هذا عليها إذ ليس في هذه أداة ترتيب.

قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات: آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر: أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة1.
قال أنس: فلما مر جبريل بالنبي وفي رواية: ورسول الله: [م] صلى الله عليه وسلم بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح.
“فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس.
ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى.
ثم مررت بعيسى2 فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى
ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح”.
__________
1 قال الحافظ 1/462: هو موافق لرواية شريك عن أنس والثابت في جميع الروايات – غير هاتين – أنه في السابعة والأرجح رواية الجماعة لقوله فيها: أنه رآه مسندا ظهره إلى البيت المعمور وهو في السابعة بلا خلاف.
2 ليست ثم على بابها في الترتيب إذ الروايات متفقة على أن المرور به كان قبل المرور بموسى.

قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام” 1. قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“ففرض الله على أمتي خمسين صلاة.
[قال: م] فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض [عليهم: م] خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك
[قال: م] [فرجعت فراجعت ربي: خ] فراجعني فوضع شطرها2.
__________
1 أي: تصويتها حالة الكتابة. والمراد: ما تكتبه الملائكة من أقضية الله سبحانه وتعالى
2 في رواية مالك بن صعصعة الآتية: “فوضع عني عشرا” ومثله لشريك. وفي رواية ثابت الآتية أيضا: “فحط عني خمسا ”
قال ابن المنير: “ذكر الشطر أعم من كونه وقع دفعة واحدة ”
قلت: وكذا العشر فكأنه وضع العشر في دفعتين والشطر في خمس دفعات. أو المراد بالشطر في حديث الباب: البعض. وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسا خمسا وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها كما في “الفتح “

[قال: م] فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها. فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق فراجعت فوضع شطرها.
فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك
[قال: م] فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي.
[قال: م] فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك. فقلت: استحييت من ربي.
[قال: م] ثم انطلق بي [جبريل: م] حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟
[قال: م] ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل وفي رواية: جنابذ: [خ عبد] 1 اللؤلؤ وإذا ترابها المسك”.
أخرجه البخاري 349 و 1636 و 3342 ومسلم 263 وروى النسائي بعضه في أول الصلاة لكنه لم يذكر أبا ذر.
ورواه عبد الله بن أحمد 5/143 – 144 لكنه ذكر أبي
__________
1 هذا هو الصواب والرواية الأولى مصحفة وهو بمعنى الرواية الآتية بلفظ: قباب اللؤلؤ. انظر الفتح 1/463.

ابن كعب مكان أبي ذر وهو وهم من بعض الرواة؛ كما أشار إليه ابن كثير.
2 – عن قتادة: ثنا أنس عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“بينا أنا عند البيت وفي رواية: عند الكعبة: حم. وفي أخرى: في الحطيم. وربما قال قتادة: في الحجر مضطجع: [حم خ] بين النائم واليقظان؛ إذ أقبل أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت بطست من ذهب ملأه حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن فغسل القلب بماء زمزم ثم ملئ حكمة وإيمانا [ثم أعيد: حم خ] [مكانه: جرير]
ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار”. [قال: فقال الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم] . [يقع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه: حم خ] .
[ثم انطلقنا حتى أتينا إلى بيت المقدس فصليت فيه بالنبيين والمرسلين إماما: جرير] . ثم انطلقت مع جبريل عليه السلام فأتينا السماء الدنيا قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: ومن معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال:

نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء. [قال: ففتح: حم] .
فأتيت على آدم عليه السلام [فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه: حم خ] فسلمت عليه ف [رد السلام و: حم خ] قال: مرحبا بك من ابن ونبي وفي رواية: بالابن الصالح والنبي الصالح: [حم خ] .
ثم [صعد [بي: خ] حتى: حم] أتينا السماء الثانية [فاستفتح ف: حم] قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فأتيت على يحيى وعيسى عليهما السلام [وهما ابنا الخالة فقال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما: حم خ] فسلمت عليهما ف [ردا السلام ثم: حم خ] قالا: مرحبا بك من أخ ونبي وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ] .
ثم [صعد [بي: خ] حتى: حم] أتينا السماء الثالثة فمثل ذلك.
فأتيت على يوسف عليه السلام [قال: هذا يوسف فسلم عليه. قال: حم خ] فسلمت عليه ف [رد السلام و: حم خ] قال: مرحبا بك من أخ ونبي وفي الرواية الأخرى: بالأخ

الصالح والنبي الصالح: [حم خ] .
ثم [صعد [بي: خ] حتى: حم] أتينا السماء الرابعة فمثل ذلك.
فأتيت على إدريس عليه السلام [قال: هذا إدريس فسلم عليه. قال: حم خ] فسلمت عليه ف [رد السلام ثم: حم] قال: مرحبا بك من أخ ونبي وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ] .
[قال: حم] : ثم [صعد [بي: خ] حتى: حم] أتينا السماء الخامسة فمثل ذلك.
فأتيت على هارون عليه السلام [قال: هذا هارون فسلم عليه. قال: حم خ] فسلمت عليه.
[قال: فرد السلام ثم: حم] قال: مرحبا بك من أخ ونبي وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ] .
[قال: حم] ثم [صعد [بي: خ] حتى: حم] أتينا السماء السادسة فمثل ذلك1.
__________
1 الأصل فأتيت عليه وهو خطأ مطبعي ظاهر.

ثم أتيت على موسى عليه السلام [قال: هذا موسى فسلم عليه: حم خ] . فسلمت عليه ف [رد السلام ثم: حم] قال: مرحبا بك من أخ ونبي وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ] .
فلما جاوزته بكى. قيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر وأفضل مما يدخل من أمتي.
[قال: حم] ثم [صعد [بي: خ] حتى: حم] أتينا السماء السابعة فمثل ذلك.
فأتيت على إبراهيم عليه السلام [فقال: هذا [أبوك: خ] إبراهيم فسلم عليه: حم] فسلمت عليه ف [رد السلام ثم: حم خ] قال: مرحبا بك من ابن ونبي وفي الرواية الأخرى: بالابن الصالح والنبي الصالح: [حم خ] “.
[قال قتادة: وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: حم خ] قال: “ثم رفع إلي البيت المعمور فسألت جبريل عليه السلام؟ فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون

ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم1″.
[ثم رجع إلى حديث أنس قال: حم]
[ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل قال: فأخذت اللبن. قال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك: حم] .
قال: “ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. [فقال: هذه سدرة المنتهى: حم خ] . وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت جبريل؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل”.
قال: “ثم فرضت علي خمسون صلاة [كل يوم: حم خ] ” [قال: “فرجعت: حم خ] فأتيت على موسى عليه السلام فقال: ما صنعت؟ قلت: فرضت علي خمسون صلاة [كل يوم: حم خ] . فقال: إني [والله: خ] أعلم بالناس منك
__________
1 أي: ذلك آخر ما عليهم من دخول.
ثم إن قصة رفع البيت وقعت مضمومة في رواية قتادة هذه عن أنس عن ابن صعصعة ورجح الحافظ أنها مدرجة فيه وأنها من رواية قتادة عن الحسن عن أبي هريرة كما في هذه الزيادة عند أحمد والبخاري.

وفي رواية: قد جربت الناس قبلك و: [خ] إني عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة وإن أمتك لن يطيقوا ذلك فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك”.
قال: “فرجعت إلى ربي عز وجل فسألته أن يخفف عني فجعلها أربعين.
ثم رجعت إلى موسى فأتيت عليه فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها أربعين. فقال لي مثل مقالته الأولى”.
فرجعت إلى ربي عز وجل فجعلها ثلاثين.
فأتيت موسى عليه السلام فأخبرته فقال لي مثل مقالته الأولى فرجعت إلى ربي فجعلها عشرين ثم عشرة ثم خمسة.
فأتيت على موسى فأخبرته فقال لي مثل مقالته الأولى.
فقلت: إني أستحي من ربي عز وجل من كم أرجع إليه؟ [ولكن أرضى وأسلم: حم خ] . ف [لما نفذت: حم] نودي” وفي رواية: “نادى مناد: [حم خ] ) : أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وأجزي بالحسنة عشر أمثالها”.
أخرجه أحمد 4/207 – 210 والسياق له في إحدى رواياته من طريق هشام الدستوائي والبخاري 3207 و 3393

و 3430 و 3887 ومسلم 264 و 265 وابن جرير 15/3.
واعلم أن الرواة قد اختلفوا على قتادة في ترتيب ما بعد السماء السابعة من الآيات ففي رواية الدستوائي منهم – وهو أوثقهم – جعلها على الترتيب الآتي كما سبق:
1 – البيت المعمور.
2 – الأواني.
3 – السدرة.
4 – الأنهار.
أما رواية همام – وهو ثقة ربما وهم عند ابن حجر – فقد رتبها هكذا:
1 – السدرة.
2 – الأنهار.
3 – البيت المعمور.
4 – الأواني.
وهي رواية البخاري. وفي أخرى عنده عنه خلافها لكنه قرن معه سعيدا وهشاما فذكر البيت المعمور أولا ثم السدرة.

ثم الأنهار ولم يذكر الأواني ويغلب على الظن أنها رواية سعيد – وهو ابن أبي عروبة – لموافقتها لرواية سعيد عند أحمد 4/210 لكن هذه عند مسلم مطابقة تماما لرواية الدستوائي في الترتيب لكنها لم تذكر السدرة.
3 – أما رواية أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة فقد رواه عنه ثابت البناني وشريك بن أبي نمر؛ كما تقدم:
أ – أما رواية ثابت؛ فقال: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“أتيت بالبراق – وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه – قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء.
قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت.
فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل: اخترت الفطرة1.
__________
1 كذا وقع في هذه الطريق ذكر الإناءين هنا قبل المعراج ووقع في الطريق المتقدمة ص 16 بعد المعراج عند سدرة المنتهى ولكل منهما شواهد ذكرها في الفتح 10/73.

ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: ومن أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه1. ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: ومن أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. قال: ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا ودعوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت: قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح الباب فإذا
__________
1 لفظ مسلم هنا وفيما يأتي: “وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه”.

بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير ثم قال: يقول الله عز وجل:؟ {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} [مريم /57] .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى عيه السلام فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم وإذا هو مستند وفي رواية: مسند ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد.

من خلق الله يستطيع أن يصفها وفي رواية: ينعتها من حسنها.
قال: فأوحى الله عز وجل إلي ما أوحى وفرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
قال: فرجعت إلى ربي عز وجل فقلت: أي رب! خفف عن أمتي. فحط عني خمسا.
فرجعت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ قلت: حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال: يا محمد! هن خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة.
ومن هم بحسنة فلم يعملها؛ كتبت [له] حسنة فإن عملها كتبت [له] عشرا. ومن هم بسيئة فلم يعملها؛ لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة.

[قال:] فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فقلت:] لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحيت [منه] “.
أخرجه أحمد 3/148 والسياق له ومسلم 259 من طريق حماد بن سلمة: أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال…. فذكره.
والروايات الأخرى مع الزيادات لمسلم.
وفي رواية لأحمد 3/152 و 247 من الوجه المذكور عنه: أنه قرأ هذه الآية: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري ولم يشق شقا فإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته؛ فإذا هو مسكة ذفرة وإذا حصاه اللؤلؤ”.
وهذا طرف من حديث المعراج كما يأتي في بعض الطرق ولذلك أوردته.
وفي رواية عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني وسليمان التيمي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“أتيت وفي رواية: مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره”.
أخرجه مسلم 164 والنسائي في قيام الليل وأحمد 3/148 و 248.
فائدة: قال الحافظ ابن كثير – بعد أن ساق الحديث بطوله من رواية أحمد-:
رواه مسلم بهذا السياق وهو أصح من سياق شريك يعني: الآتي قريبا. قال البيهقي: وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس. وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية.
ورواه النسائي في أول الصلاة من طريق أخرى عن البناني عنه:
(أن الصلوات فرضت بمكة وأن ملكين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبا به إلى زمزم فشقا بطنه وأخرجا حشوه في طست من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم كبسا جوفه حكمة وعلما.
وسنده صحيح.
ب – أما رواية شريك بن أبي نمر؛ فقال: سمعت أنس بن

مالك يقول: وفي رواية: يحدثنا عن ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة:
أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم. فقال أحدهم: خذوا خيرهم.
فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه و [النبي صلى الله عليه وسلم] تنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل.
فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده – يعني: عروق حلقه – ثم أطبقه.
[ثم ركب البراق فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنبيين والمرسلين إماما جرير] 1.
__________
1 لم يقف الحافظ على هذه الزيادة فقال 13/481: في هذا السياق حذف تقديره: ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس. وهذا ثابت في رواية ابن جرير كما ترى.

ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: فمرحبا به وأهلا. فيستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم.
فوجد في السماء الدنيا آدم. فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه. فسلم عليه ورد عليه آدم وقال: مرحبا وأهلا يا بني نعم الابن أنت.
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: “ما هذان النهران يا جبريل؟ “. قال: هذان النيل والفرات: عنصرهما.
ثم مضى به في السماء فإذا بنهر آخر1 عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أذفر. قال: “ما هذا يا جبريل؟ “. قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟
__________
1 قال الحافظ: “هذا مما يستشكل من رواية شريك فإن الكوثر في الجنة والجنة في السماء السابعة … “ثم ذكر حديث حميد الآتي ص 46.

قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به وأهلا.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية.
ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك.
ثم عرج به إلى الخامسة فقالوا له مثل ذلك.
ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك.
ثم عرج به إلى السابعة فقالوا له مثل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية.
وهارون في الرابعة.
وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه.
وإبراهيم في السادسة.
وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقال موسى: رب! لم أظن أن يرفع علي أحد.
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله.
حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى

حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى.
فأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة.
ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة”. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت. فعلا به إلى الجبار فقال – وهو مكانه -: “يا رب! خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا”. فوضع عنه عشر صلوات.
ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه؛ حتى صارت إلى خمس صلوات.
ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد! والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا فارجع فليخفف عنك ربك.
كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل.

فرفعه عند الخامسة1 فقال: “يا رب! إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم؛ فخفف عنا”. فقال الجبار: يا محمد! قال: لبيك وسعديك! قال: إنه لا يبدل القول لدي؛ كما فرضت عليك في الكتاب. قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك.
فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: “خفف عنا؛
__________
1 هذا التنصيص على الخامسة على أنها الأخيرة يخالف رواية ثابت عن أنس أنه وضع عنه كل مرة خمسا وأن المراجعة كانت تسع مرات ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم بعد تقرير الخمس لطلب التخفيف مما وقع من تفردات شريك في هذه القصة والمحفوظ ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم قال لموسى في الأخيرة: “استحييت من ربي” وهذا صرح بأنه راجع في الأخيرة “وأن الجبار سبحانه قال له: يا محمد قال: لبيك وسعديك. قال: إنه لا يبدل القول لدي ”
وقد أنكر ذلك الداودي فيما نقله ابن التين فقال: “الرجوع الأخير ليس بثابت والذي في الروايات أنه قال: استحييت من ربي فنودي: أمضيت فريضتي وخففت من عبادي ”
وقوله هنا: “فقال موسى: ارجع إلى ربك”قال الداودي: “كذا وقع في هذه الرواية: أن موسى قال له: ارجع إلى ربك. بعد أن قال: لا يبدل القول لدي. ولا يثبت لتواطؤ الروايات على خلافه وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد أن يقول الله تعالى له ذلك”. انتهى

أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها”.
قال موسى: قد – والله – راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا موسى! قد – والله – استحييت من ربي مما اختلفت إليه”.
قال: فاهبط باسم الله.
قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام.
أخرجه البخاري 3570 و 7517 ومسلم 262 والرواية الثانية له وهي رواية للبخاري وفيها الزيادة ولم يسق مسلم الحديث إلا طرفه الأول إلى قوله: “وهو نائم في المسجد الحرام” وقال عقبه:
“وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني وقدم فيه شيئا وأخر وزاد ونقص”.
ورواه ابن جرير أيضا 15/3 – 5؛لكن وقع في متنه اختلاف فإنه ذكر نهري الفرات والنيل في السماء الثانية ونهر الكوثر في السماء الثالثة بينما هي عند البخاري في السماء الدنيا.

ولعل هذا الاختلاف هو من شريك نفسه فإنه وإن كان من رجال الشيخين؛ فقد تكلموا في حفظه؛ كما تراه مبسوطا في كتب الرجال وقال الحافظ فيه “في التقريب”: “صدوق يخطئ”.
ومصداق ذلك في هذا الحديث نفسه في مواضع منه ذكرت آنفا أحدها ويأتي ذكر سائرها أو بعضها وكأنه لذلك لم يسق الإمام مسلم لفظ حديثه كما تقدم ولذا قال ابن كثير في “التفسير”:
وهو كما قال مسلم فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه؛ كما سيأتي بيانه في الأحاديث الأخر ومنهم من يجعل هذا مناما توطئة لما وقع بعد ذلك. والله أعلم.
وقد قال الحافظ البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى الله عز وجل. يعني: قوله:
“ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} “.
قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته صلى الله عليه وسلم جبريل أصح.

وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق فإن أبا ذر قال: يا رسول الله! هل رأيت ربك؟ قال: “نور أنى أراه” وفي رواية: “رأيت نورا”. أخرجه مسلم.
وقوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} : إنما هو جبريل عليه السلام؛ كما ثبت في “الصحيحين” عن عائشة أم المؤمنين وعن ابن مسعود وكذلك هو في “صحيح مسلم” عن أبي هريرة ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا”. انتهى كلام ابن كثير.
قلت: وانظر كتابي ظلال الجنة في تخريج كتاب السنة 1/191.
ومن ذلك قول شريك في أول الحديث: “قبل أن يوحى إليه”. قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/480:
أنكره الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي. وعبارة النووي: وقع في رواية شريك – يعني: هذه – أوهام أنكرها العلماء أحدها: قوله: قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه. وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون قبل الوحي؟! انتهى.

وصرح المذكورون بأن شريكا تفرد بذلك وفي دعوى التفرد نظر فقد وافقه كثير بن خنيس – بمعجمة ونون مصغر – عن أنس؛ كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في “كتاب المغازي” من طريقه. انتهى كلام ابن حجر.
قلت: وهذه المتابعة لا تدفع غلط القول المذكور إلا على افتراض أن ذلك كان في الليلة الأولى وهو الظاهر من السياق فقوله بعده: “حتى أتوه ليلة أخرى” ليس فيه ذلك فإنه لم يعين المدة التي بين المجيئين فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه وحينئذ وقع الإسراء والمعراج وبهذا جزم الحافظ في “الفتح” 13/480 ورد به قول من ادعى أنه خالف الإجماع. فراجعه.
ثم أفاض الحافظ في ذكر المواضع التي خالف فيها شريك غيره فبلغت عشرة بل أكثر وأجاب عنها واحدة بعد أخرى؛ إما بدفع دعوى التفرد؛ وإما بالتأويل.
والحق أن بعض ذلك مما لا جواب عليه حتى عند الحافظ؛ كقوله:
“الرابع: مخالفته في محل سدرة المنتهى وأنها فوق السماء

السابعة بما لا يعلمه إلا الله. والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما تقدم.
الخامس: مخالفته في النهرين؛ وهما النيل والفرات وأن عنصرهما في السماء الدنيا. والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة وأنهما من تحت سدرة المنتهى.
السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا والمشهور في الحديث أنه في الجنة كما تقدم التنبيه عليه.
الثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل والمشهور في الحديث أنه جبريل كما تقدم التنبيه عليه.
الحادي عشر: رجوعه صلى الله عليه وسلم بعد الخمس والمشهور في الأحاديث أن موسى عليه السلام أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع.
الثاني عشر: زيادة ذكر التور في الطست.
قلت: ولذلك فإن القلب لا يطمئن للاستفادة من حديثه إلا فيما توبع عليه وهو قليل جدا وقد حسن الحافظ بعضها. والله أعلم.

ثم إن لحديث أنس طرقا أخرى أكثرها مختصر وبعضها فيه بعض الطول فلنسقها أيضا لنتكلم على أسانيدها ثم نلتقط منها فوائدها وزوائدها إذا كانت على شرطنا.
الأولى: عن قتادة عنه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا فاستصعب عليه فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟! فما ركبك أحد أكرم على الله منه.
قال: فارفض عرقا.
أخرجه أحمد 3/164 والترمذي 3131 وابن جرير 15/15 وإسناده صحيح وقال الترمذي:
“حديث حسن غريب”.
وعن قتادة عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: يا جبريل! ما هذان؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات”.

أخرجه أحمد 3/164: ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن قتادة.
قلت: وهذا إسناده صحيح على شرط الشيخين وقد علقه البخاري في “صحيحه” 5610 فقال: وقال إبراهيم بن طهمان عن شعبة عن قتادة به وزاد:
“فأتيت بثلاثة أقداح: قدح فيه لبن وقدح فيه عسل وقدح فيه خمر فأخذت الذي فيه اللبن فشربت فقيل لي: أصبت الفطرة أنت وأمتك”.
وقال الحافظ 10/73:
وصله أبو عوانة والإسماعيلي والطبراني في “الصغير” من طريقه ووقع لنا بعلو في “غرائب شعبة” لابن منده قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلا إبراهيم بن طهمان تفرد به حفص بن عبد الله النيسابوري عنه.
قلت: وهو ثقة من شيوخ البخاري وكذا من فوقه ثقات فالسند صحيح.
وفي رواية للبخاري 4964 وأحمد 3/207 من طريق شيبان: حدثنا قتادة عنه رضي الله عنه قال:

لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: “وفي راوية: بينا أنا أسير في الجنة” حم 3/207 “أتيت على نهر حافتاه قباب” وفي رواية حميد 3/263: “خيام اللؤلؤ” وفي الرواية الأخرى: “الدر المجوف”. فقلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر [الذي أعطاك ربك عز وجل. قال: فضربت بيدي فيه وفي رواية ثالثة: فأهوى الملك بيده فإذا طينه المسك الأذفر وإذا رضراضه اللؤلؤ] ”
والرواية الأخرى للبخاري أيضا 6581 وكذا أحمد 3/191 و 207 و 289 والزيادة له في رواية 3/231 و 232 وهي في الرواية الأخرى للبخاري وأحمد دون قوله: “رضراضه اللؤلؤ”.
وأما الرواية الثالثة فهي في رواية شيبان عند أحمد.
وفي أخرى له 3/232: “قال الملك الذي معي: أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. فضرب بيده إلى أرضه فأخرج من طينه المسك”.
ولم يستحضر الحافظ ابن حجر هاتين الروايتين من المسند فعزا في الفتح 8/732 الأولى منهما للبيهقي فقط!
الثانية: عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عنه قال:

لما جاء جبريل عليه السلام بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنها ضربت بذنبها فقال لها جبرئيل: مه يا براق! فوالله إن ركبك مثله!
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز ناء عن الطريق أي: على جنب الطريق. قال أبو جعفر: ينبغي أن يقال: نائية ولكن أسقط منها التأنيث فقال: “ما هذه يا جبرئيل؟ “. قال: سر يا محمد.
فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد! قال جبرئيل: سر يا محمد!.
فسار ما شاء الله أن يسير.
قال: ثم لقيه خلق من الخلائق فقال أحدهم: السلام عليك يا أول! والسلام عليك يا آخر! والسلام عليك يا حاشر! فقال له جبرئيل: اردد السلام يا محمد! قال: فرد السلام.
ثم لقيه الثاني فقال له مقالة الأول [ثم الثالث كذلك] 1.
__________
1 سقطت من ابن جرير واستدركتها من ابن كثير ووقع فيهما بعض الأخطاء فصححتها باجتهاد مني.

حتى انتهى إلى بيت المقدس فعرض عليه الماء واللبن والخمر فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن فقال له جبرئيل: أصبت يا محمد! الفطرة ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك.
ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة.
ثم قال له جبرئيل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر تلك العجوز.
وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه وأما الذين سلموا عليك فذاك إبراهيم وموسى وعيسى.
أخرجه ابن جرير 15/6 والبيهقي في “الدلائل” كما في “تفسير ابن كثير” 3/5 وقال: “وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة”.
قلت: وعلته عبد الرحمن بن هاشم هذا فإني لم أجد من ترجمه. ومن طريقه أورده السيوطي في “الخصائص” 1/387 برواية ابن مردويه أيضا في “التفسير” والبيهقي.

الثالثة: عن يزيد بن أبي مالك قال: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها فركبت ومعي جبريل عليه السلام.
فسرت فقال: انزل فصل. ففعلت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر.
ثم قال: انزل فصل. فصليت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بـ “طور سيناء” حيث كلم الله عز وجل موسى عليه السلام.
ثم قال: انزل فصل. فنزلت فصليت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بـ “بيت لحم” حيث ولد عيسى عليه السلام ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام فقدمني جبريل حتى أممتهم.
ثم صعد بي إلى السماء الدنيا … قلت: فذكر السماوات السبع والأنبياء الذين فيها ثم قال: ثم صعد بي فوق سبع سماوات فأتينا سدرة المنتهى

فغشيتني ضبابة فخررت ساجدا فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك.
فرجعت إلى إبراهيم فلم يسألني عن شيء.
ثم أتيت على موسى فقال: كم فرض الله عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: قلت: فذكر أمر موسى إياه بمراجعة ربه ليخفف عنه على نحو ما تقدم حتى ردت إلى خمس صلوات ثم قال:
قال: فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما.
فرجعت إلى ربي عز وجل فسألته التخفيف فقال: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فخمس بخمسين فقم بها أنت وأمتك. فعرفت أنها من الله صرى.
فرجعت إلى موسى عليه السلام فقال: ارجع.
فعرفت أنها من الله تبارك وتعالى صرى “أي: حتم” فلم أرجع”.

أخرجه النسائي
ويزيد – هو ابن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي – صدوق ربما وهم يرويه عنه سعيد بن عبد العزيز – وهو التنوخي الدمشقي – وهو ثقة إمام ولكنه اختلط في آخر عمره كما في التقريب ولذلك قال ابن كثير في هذه الطريق:
“فيها غرابة ونكارة جدا”.
وقد تابعه خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن أنس فذكر أوله إلى: “طرفها” وقال:
فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له: باب محمد صلى الله عليه وسلم أتى إلى الحجر الذي ثمة فغمزه جبريل بإصبعه فنقبه ثم ربطها.
ثم صعد فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل: يا محمد! هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال: “نعم”. فقال: انطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن وهن جلوس عن يسار الصخرة. قال: “فأتيتهن فسلمت عليهن فرددن السلام فقلت: من

أنتن؟ فقلن: نحن خيرات حسان نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا وأقاموا فلم يظعنوا وخلداوا فلم يموتوا.
قال: ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة.
قال: فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل عليه السلام فقدمني فصليت بهم.
فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد! أتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله عز وجل.
قال: ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء قلت: فذكر عروجه إلى السماوات ولقاءه الأنبياء فيها بنحو ما سبق ثم قال: ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعليه طير خضر أنعم طير رأيت فقلت: يا جبريل! إن هذا الطير لناعم. قال: يا محمد أتدري أي نهر هذا؟ قال: قلت: لا. قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه. فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على

رضراض من الياقوت والزمرد ماؤه أشد بياضا من اللبن.
قال: فأخذت من آنيته آنية من الذهب فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك.
ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة فغشيتني سحابة فيها من كل لون فرفضني جبريل وخررت ساجدا لله عز وجل فقال الله لي: يا محمد! إني يوم خلقت السماوات والأرض … ” قلت: فذكر الحديث بنحو حديث ابن عبد العزيز إلى خمس صلوات وأنهن خمس بخمسين ثم قال:
قال: ثم انحدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: “ما لي لم آت أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا لي غير رجل واحد فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك لي؟! قال: يا محمد! ذاك مالك خازن جهنم لم يضحك منذ خلق ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك”.
قال: ثم ركب منصرفا فبينما هو في الطريق مر بعير لقريش تحمل طعاما منها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر.

ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا: يا أبا بكر! هل لك في صاحبك؟! يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ورجع في ليلته؟! فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا لنصدقه على خبر السماء.
فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما علامة ما تقول؟
قال: “مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا فنفرت الإبل منا واستدارت وفيها بعير عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء فصرع فانكسر”.
فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك سمي أبو بكر: الصديق.
وسألوه وقالوا: هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟ قال: “نعم”. قالوا: فصفهم لنا. قال:
“نعم أما موسى فرجل آدم كأنه من رجال أزد عمان وأما عيسى فرجل ربعة سبط تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان”.

أخرجه ابن أبي حاتم كما في “تفسير ابن كثير” وقال:
“هذا سياق فيه غرائب عجيبة”.
قلت: وآفته خالد بن يزيد فإنه ضعيف مع كونه فقيها وقد اتهمه ابن معين كما في “التقريب”.
الرابعة: عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
” [لما] انتهيت إلى السدرة [المنتهى] فإذا نبقها مثل الجرار وإذا ورقها مثل آذان الفيلة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتا أو زمردا أو نحو ذلك”.
أخرجه أحمد 3/128: ثنا محمد بن أبي عدي عن حميد به.
قلت: وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الشيخين.
وكذا رواه ابن أبي عاصم في “السنة” 591 – بتحقيقي والزيادتان له وابن جرير 27/53.
وهذه الطريق مما فات على الحافظ ابن كثير ثم السيوطي!
ثم روى أحمد 3/103 بإسناده المذكور عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر.
قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله”.
ثم أخرجه 3/115 – 116 و 263 من طريقين آخرين عن حميد به.
الخامسة: عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك قال:
فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات ليلة أسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسا ثم نودي: يا محمد! إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين.
أخرجه أحمد 3/161 وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
السادسة: عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك [عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“مررت – ليلة أسري بي – على موسى فرأيته قائما يصلي في قبره”.
أخرجه أحمد 3/120 ومسلم 2375 والنسائي في قيام الليل والزيادة له في رواية وكذا أحمد 5/59 و 362

و 365 والبغوي في “شرح السنة” 3760.
وهو عندهم في رواية مقرون مع رواية ثابت البناني وقد مضت ص 23.
“تنبيه”: وقد غمز في صحة الحديث الدكتور خليل الهراس رحمه الله في تعليقه على الخصائص الكبرى بقوله 1/389:
“وقد اضطربت رواية هذا الحديث عن أنس فمرة يروى مرفوعا ومرة موقوفا ومرة يرويه أنس عن غيره من الصحابة. والله أعلم”.
قلت: ومع اعترافي بعلم الدكتور وفضله رحمه الله أراني مضطرا إلى أن أقول: إن هذا الإعلال لا يمت بصلة إلى هذا العلم الشريف فإن كون أنس يرويه – أو يروى عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون واسطة تارة وبالواسطة تارة ليس بعلة عند أهل العلم بالحديث مطلقا لأنه إن كان لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم – وهو الظاهر – فهو مرسل صحابي ومراسيل الصحابة حجة والصحابي الذي حدثه وإن لم يسم فهو ثقة لأن الصحابة كلهم عدول.

وأما أنه يروى مرة موقوفا فهو مجرد دعوى فإنه يشير بذلك إلى ما ذكره السيوطي – عقب حديث مسلم – من رواية أبي يعلى والبيهقي عن أنس قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
أن النبي صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به – مر على موسى وهو يصلي في قبره قال: وذكر لي أنه حمل على البراق قال: “فأوثقت الفرس – أو قال: الدابة – بالحلقة” 1. فقال أبو بكر: صفها لي يا رسول الله فقال: “هي كذه وذه”. قال: وكان أبو بكر قد رآها.
قلت: فلقوله في هذه الرواية: إن النبي صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به – مر … إلخ توهم الدكتور أنه موقوف وهذا أبعد ما يكون عن الصواب لأنه مرفوع وإن لم يقل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يتحدث عنه صلى الله عليه وسلم كأحاديث المناهي والشمائل وغيرها فهل يقول أحد عنها: إنها موقوفة؟!
السابعة والثامنة: عن راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس
__________
1 وقع في الخصائص: بالحرابة والتصحيح من “الدر”.

يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم”.
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح وهو مخرج في الصحيحة 533 وفيه الرد على من أعله بالإرسال.
التاسعة: عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رأيت – ليلة أسري بي – رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار. فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟
قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟! “.
أخرجه أحمد 3/120 و 180 و 231 و 239 والبغوي في شرح السنة 4159 من طريق حماد بن سلمة عنه وقال البغوي: “حديث حسن”.
قلت: وهو كما قال أو أعلى فإن له طرقا أخرى بعضها جيد كما سيأتي وابن جدعان ضعيف. لكنه قد توبع فقد ذكره السيوطي في الخصائص 1/389

– من رواية ابن مردويه – من طريق قتادة وسليمان التيمي وثمامة وعلي بن زيد عن أنس به. ولم يتكلم عليه بشيء كعادته وأما الدكتور الهراس فعلق عليه بقوله:
“هذا ثابت عن أنس من طرق كثيرة فقد رواه الإمام أحمد في “مسنده”…. وعبد بن حميد في “مسنده” وتفسيره … وابن مردويه في “تفسيره” … عن حماد بن سلمة به عن علي بن زيد عن أنس”.
هذا خلاصة تخريجه وليس يخفى على البصير أن هذه الطرق إنما هي عن حماد بن سلمة وليست عن أنس فقوله: “فقد رواه الإمام أحمد … ” إلخ بعد قوله: “طرق كثيرة” خطأ ظاهر.
وأما الطرق الكثيرة فهي في رواية ابن مردويه التي ذكرها السيوطي إن صح السند إليها وما أظن ذلك لا سيما والحافظ ابن كثير لم يذكر من رواية ابن مردويه إلا طريق ابن جدعان لكنه ذكر ما يأتي وهي:
العاشرة: من روايته وكذا ابن حبان في “صحيحه” رقم 35 – موارد وابن أبي حاتم من حديث هشام الدستوائي عن

المغيرة – يعني: ابن حبيب ختن مالك بن دينار – عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس به.
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات معروفون غير المغيرة هذا وقد روى عنه جمع من الثقات – غير هشام – تراهم في الجرح 8/220/991 وذكره ابن حبان في “الثقات” فالحديث بهذه الطريق صحيح. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وقد أورده الهيثمي في “مجمع الزوائد” 7/276 باللفظ المتقدم وقال:
“وفي رواية: “تقرض ألسنتهم بمقاريض من نار أو قال: حديد”.
وفي رواية: “أتيت على سماء الدنيا ليلة أسري بي فرأيت فيها رجالا تقطع ألسنتهم وشفاههم … ” فذكر نحوه.
رواها كلها أبو يعلى والبزار ببعضها والطبراني في “الأوسط” وأحد أسانيد أبي يعلى رجاله رجال الصحيح. وفاته أن الرواية الأولى عند أحمد أيضا.
الحادية عشرة: رواه كثير بن سليم: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“ما مررت ليلة أسري بي بملأ إلا قالوا: يا محمد مر أمتك بالحجامة”.
أخرجه ابن ماجة 3479: حدثنا جبارة بن المغلس: ثنا كثير به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف لضعف جبارة وكثير لكن له شواهد من حديث ابن عباس وابن مسعود يتقوى بها فانتظرها1.
الثانية عشرة: عن سليمان بن المغيرة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عرج بي الملك قال: ثم انتهيت إلى السدرة وأنا أعرف أنها سدرة أعرف ورقها وثمرها قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت حتى ما يستطيع أحد أن يصفها”. أخرجه ابن جرير 27/54 بسند صحيح على شرط البخاري.
__________
1 انظر “الصحيحة”2263.

3 – حديث أبي بن كعب
تقدم حديثه من رواية ابن شهاب عن أنس عنه وأنه وهم من بعض الرواة تحرف عليه أبو ذر إلى أبي بن كعب.
وأخرج ابن مردويه من طريق عبيد بن عمير عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما أسري بي رأيت الجنة من درة بيضاء قلت: يا جبرائيل إنهم يسألوني عن الجنة؟ قال: فأخبرهم أن أرضها قيعان وترابها المسك”.
ذكره السيوطي في “الخصائص” 1/392 وسكت عليه كعادته!
وعبيد بن عمير – هو الليثي – تابعي ثقة وإنما النظر فيمن دونه.
ثم ذكره من رواية ابن مردويه أيضا من طريق قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب مرفوعا بلفظ: “ليلة أسري بي وجدت ريحا طيبة فقلت: يا جبريل! ما هذه؟ قال: هذه الماشطة وزوجها وابنتها بينا هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت: تعس فرعون

فأخبرت أباها فقتلها”.
وسكت عن إسناده أيضا. لكن له شاهد من حديث ابن عباس يتقوى به وسيأتي تحت حديثه إن شاء الله تعالى.

4 – حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي
يرويه أبو تميلة عن الزبير بن جنادة عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“لما كان ليلة أسري بي قال: فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس قال: فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق”.
أخرجه الترمذي 3132 وابن حبان 34 – موارد والحاكم 2/360 والبزار – والسياق له – وقال:
“لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو تميلة ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة”.
قلت: وقال الترمذي: “حديث غريب” أي: ضعيف ولعل ذلك من أجل الزبير بن جنادة فإنه لم يوثقه أحد غير ابن حبان وتساهله في التوثيق معروف وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور. وكأنه لذلك قال الحافظ في “التقريب”: “مقبول”. وأما الذهبي فإنه قال في “الميزان”: “ذكره ابن حبان في الثقات وأخطأ من قال: فيه جهالة

ولولا أن ابن الجوزي ذكره لما ذكرته”.
وكأنه لذلك وافق الحاكم على قوله عقب الحديث: “صحيح الإسناد وأبو تميلة والزبير مروزيان ثقتان”!.
ولم تطمئن النفس لصحة هذا الحديث لعدم شهرة الزبير هذا ولأنه خلاف ما تقدم في حديث ثابت عن أنس الصحيح بلفظ: “فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء”.
وله بعض الشواهد كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وتكلف الزرقاني في “شرح المواهب اللدنية” – تبعا لأصله 6/49 – في الجمع بين الحديثين فلا داعي لذكره.

5 – حديث جابر بن عبد الله الأنصاري
يرويه ابن شهاب: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لما كذبتني قريش [حين أسري بي إلى بيت المقدس] قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه”.
أخرجه أحمد 3/377 والبخاري 3886 و 4710 ومسلم 276 والترمذي 3133 وصححه والبغوي 3762.
والزيادة لأحمد وعلقها البخاري في رواية وقال الحافظ 8/392:
“وصله الذهلي في الزهريات” وأخرجه قاسم بن ثابت في الدلائل من الطريق ذاته ولفظه: جاء ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك! يزعم أنه أتى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟! قال أبو بكر: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لقد صدق.

وعزاه في مكان آخر 7/199 للبيهقي في “الدلائل” أيضا بلفظ: “قال: نعم إني أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء. قال: فسمي بذلك الصديق”.
وروى عبد الكريم الجزري عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليلة أسري بي مررت على جبريل في الملأ الأعلى كالحلس البالي من خشية الله عز وجل”. أخرجه ابن أبي عاصم في “السنة” 621 – بتحقيقي وغيره بإسناد جيد وهو مخرج في “الصحيحة” 2289 وعزاه السيوطي 1/393 لابن مردويه والطبراني في “الأوسط” وصحح إسناده وزاد في “الدر” 4/152 فقال:
“وفي لفظ لابن مردويه: “مررت على جبريل في السماء الرابعة فإذا هو كأنه حلس بال من خشية الله”.

6 – حديث حذيفة بن اليمان
يرويه عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل [الظهر ممدودة هكذا: ت] يضع حافره عند منتهى طرفه فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس.
ففتحت لنا أبواب السماء ورأيت الجنة والنار [ووعد الآخرة أجمع: حم] “.
[ثم عادا عودهما على بدئهما: حم] .
قال حذيفة: ولم يصل في بيت المقدس.
قال زر: فقلت له: بلى قد صلى.
قال حذيفة: ما اسمك يا أصلع؟ فإني أعرف وجهك ولا أعرف اسمك.
فقلت: أنا زر بن حبيش.
قال: وما يدريك أنه قد صلى؟!

قال: فقلت: يقول الله عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
قال: فهل تجده صلى؟ لو صلى لصليتم فيه كما تصلون وفي رواية: لو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه كما كتبت الصلاة: [ت] في المسجد الحرام.
قال زر: وربط الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء عليهم السلام.
قال حذيفة: أو كان يخاف أن تذهب منه وقد أتاه الله بها؟ وفي رواية: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه قال: ويحدثون أنه ربطه لم؟ أيفر منه؟ وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة: [حم] .
أخرجه أحمد 5/387 و 392 و 394 والترمذي 3147 وابن حبان 33 والحاكم 2/359 وصححوه ووافقهم الذهبي وإنما هو حسن فقط للخلاف المعروف في عاصم ابن بهدلة وهو في “الصحيحة” 874.
ورواه ابن أبي شيبة والنسائي وابن مردويه والبيهقي كما

في “الخصائص” 1/393 وابن جرير أيضا 15/15 – 16.
والنسائي إنما رواه في “الكبرى” ولم تطبع بعد ومنه أجزاء في ظاهرية دمشق أحدها في “التفسير” وفيه أخرجه كما في ابن كثير.
واعلم أن في حديث حذيفة هذا عبرة بالغة وهي أن الصحابي قد يقول برأيه ما يخالف الواقع المروي عند غيره من أجل ذلك كان من المتفق عليه بين العلماء: أن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ فنفي حذيفة رضي الله عنه لصلاته صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس وربط البراق بالحلقة مما لا قيمة له مع إثبات غير ما واحد من الصحابة لذلك وهو عمدة زر رحمه الله في معارضة حذيفة فيما نفاه ولهذا قال ابن كثير:
“وهذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنه وما أثبته غيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربط الدابة بالحلقة ومن الصلاة ببيت المقدس – مما سبق وما سيأتي – مقدم على قوله”

7 – حديث شداد بن أوس
يرويه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي:
حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سلام الأشعري عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي: حدثنا الوليد بن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: حدثنا شداد بن أوس قال:
قلنا: يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال:
“صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما فأتاني جبريل عليه السلام بدابة أبيض – أو قال: بيضاء – فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب فاستصعب علي فرازها1 بأذنها ثم حملني عليها فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها.
حتى بلغنا أرضا ذات نخل فأنزلني فقال: صل. فصليت ثم ركبت فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بـ “يثرب” صليت بـ “طيبة”.
__________
1 الأصل فرأزها وكذا في “الخصائص “وعلى هامشه: “قال في “النهاية “: اختبرها “. ولم أرها في مادة: رأز.
ثم وجدته في مادة: روز فالصواب: رازها

فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها.
ثم بلغنا أرضا قال: انزل. ثم قال: صل. فصليت ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بـ “مدين” عند شجرة موسى.
ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها.
ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور فقال: انزل. فنزلت فقال: صل. فصليت.
ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بـ “بيت لحم” حيث ولد عيسى المسيح بن مريم.
ثم انطلق بنا حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني1 فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته.
ودخلنا المسجد من باب تميل فيه2 الشمس والقمر.
__________
1 كذا الأصل وكذا في “الدر”.
وفي “مجمع الزوائد “: الثامن.
وفي “الخصائص “: الثاني.
2 وكذا في “الدر”.
وفي “المجمع “: “باب فيه مثل الشمس”.
وفي “الخصائص “: “باب فيه تميل الشمس”.

فصليت من المسجد حيث شاء الله.
وأخذني من العطش ما أخذني فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل أرسل إلي بهما جميعا فعدلت بينهما ثم هداني الله عز وجل فأخذت اللبن فشربت حتى عرقت به جبيني1 وبين يدي شيخ متكئ على مثواة2 له فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى.
ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة فإذا جهنم تتكشف عن مثل الزرابي3 قلت: يا رسول الله! كيف وجدتها؟ قال: وجدتها مثل الحمة السخنة.
ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد.
__________
1 في “المجمع”: “فرغت به جبي”.
وفي “الدر”: “فرغت منه جنبي”.
وفي “الخصائص”: “قرعت به جبيني” ولعل الصواب ما في الأصل.
2 كذا الأصل ولعله بمعنى المنزل. وفي الخصائص والدر: منبر. وسقط من المجمع.
3 الأصل: الروابي والتصحيح من “المجمع”وغيره.
ولعل وجه التشبيه بها إنما هو من حيث تلهبها.

أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم. فقال بعضهم: هذا صوت محمد.
ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر فقال: يا رسول الله! أين كنت الليلة؟ فقد التمستك في مظانك؟! فقال: علمت أني أتيت بيت المقدس الليلة؟ فقال: يا رسول الله! إنه مسيرة شهر فصفه لي.
قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلا أنبأته به. فقال أبو بكر: أشهد أنك لرسول الله. فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة!.
قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم: أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فجمعه لهم فلان وأن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان”.
فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان من قريبا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكره الحافظ ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم في “تفسيره” والبيهقي وقال: “هذا إسناد صحيح وروي ذلك مفرقا من أحاديث غيره ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله ما حضرنا”.
قال ابن كثير: “ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشاهد لهذا الحديث. .. ولا شك أن هذا الحديث مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك. والله أعلم”.
قلت: وفي تصحيح البيهقي لإسناده نظر عندي – مع ما في متنه من النكارة – وذلك لأن مداره على إسحاق الزبيدي وهو مختلف فيه وبه أعله الهيثمي فقال 1/74:
“رواه البزار والطبراني في “الكبير” وفيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء وثقه يحيى بن معين وضعفه النسائي”.
وقال الحافظ في “التقريب”: “صدوق يهم كثيرا وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب”.

8 – حديث صهيب
يرويه ابن لهيعة بإسناده عنه قال: لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به – الماء ثم الخمر ثم اللبن أخذ اللبن فقال له جبريل: أصبت الفطرة وبه غذيت كل دابة ولو أخذت الخمر غويت وغوت أمتك وكنت من أهل هذه. وأشار [بيده] إلى الوادي الذي فيه وفي رواية: الذي يقال له: وادي جهنم. “فنظرت إليه فإذا هو نار تلتهب”.
أخرجه ابن مردويه والسياق له والطبراني في “الكبير” والرواية الأخرى له وعزاه إليهما السيوطي في “الخصائص” 1/396 – 397 وسكت عنه كعادته.
وأعله الهيثمي 1/78 بابن لهيعة مشيرا إلى ضعفه وذلك لأنه معروف بسوء حفظه.

9 – حديث عبد الرحمن بن قرط
يرويه مسكين بن ميمون: حدثني عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أسري بي ليلة من المسجد الحرام”.
وكان بين المقام وزمزم جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره فطارا حتى بلغ السماوات العلا فلما رجع قال: “سمعت صوتا من السماوات العلا مع تسبيح وتكبير: سبحان رب السماوات العلا ذي المهابة سبحانه وتعالى”.
كذا أورده الذهبي في “الميزان” بإسناده إلى سعيد بن منصور: حدثنا مسكين هذا وقال: “لا أعرفه وخبره منكر”.
ثم ساقه وقال: “رواه أبو نعيم في “عوالي سعيد” وصححه”.
وعزاه الهيثمي 1/78 للطبراني في “الكبير” و “الأوسط” وأعله بمسكين وقول الذهبي فيه.

ومن طريقه أخرجه البخاري في “التاريخ” وابن السكن كما في “الإصابة”. وعزاه السيوطي في “الخصائص” 1/409 لسعيد بن منصور في “سننه” والطبراني وابن مردويه وأبي نعيم في “المعرفة” وسكت عنه كما هي عادته وأما محققه الدكتور الهراس فأعله بالإرسال فقال: “عبد الرحمن بن قرط تابعي فالحديث مرسل”.
وهذا وهم نشأ من ظنه أن عبد الرحمن هذا هو الذي روى عن حذيفة فهو التابعي وإنما هو الثمالي الحمصي وكان من أهل الصفة وقد فرق بينهما في “التهذيب” وغيره وفي ترجمة الأخير أورد الحديث في “الإصابة”.
وجملة القول: إن علة الحديث الجهالة وليس الإرسال.
وسكت عنه ابن كثير!

10 – حديث عبد الله بن عباس
قلت: وله عنه طرق:
الأولى: عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ليلة أسري بنبي الله صلى الله عليه وسلم ودخل الجنة فسمع من جانبها وجسا قال: “يا جبريل! ما هذا؟ “. قال: هذا بلال المؤذن. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم حين جاء إلى الناس: “قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا”.
قال: فلقيه موسى صلى الله عليه وسلم فرحب به وقال: مرحبا بالنبي الأمي. قال: فقال: “وهو رجل آدم طويل سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما”.
فقال: “من هذا يا جبريل؟ “. قال: هذا موسى عليه السلام.
قال: فمضى فلقيه عيسى فرحب به وقال: “من هذا يا جبريل؟ “. قال: هذا عيسى.
قال: فمضى فلقيه شيخ جليل مهيب فرحب به وسلم

عليه وكلهم يسلم عليه قال: “من هذا يا جبريل؟ ” قال: هذا أبوك إبراهيم.
قال: فنظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف. فقال: “من هؤلاء يا جبريل؟ “. قال: هؤلاء الذي يأكلون لحوم الناس.
ورأى رجلا أحمر أزرق جعدا شعثا إذا رأيته قال: “من هذا يا جبريل؟ “. قال: هذا عاقر الناقة.
قال: فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي فالتفت ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه.
فلما انصرف جيء بقدحين: أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال في أحدهما لبن وفي الآخر عسل فأخذ اللبن فشرب منه فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة.
أخرجه أحمد 1/257 وغيره بسند قال فيه ابن كثير: “صحيح” وتبعه السيوطي في “الخصائص” 1/397 وهو تساهل واضح فإن قابوس – وهو ابن أبي ظبيان – فيه لين كما قال في “التقريب”.
الثانية: عن ثابت أبي زيد قال: ثنا هلال عن عكرمة عن

ابن عباس قال:
أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم.
فقال ناس: نحن نصدق محمدا بما يقول؟! فارتدوا كفارا فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل.
وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم هاتوا تمرا وزبدا فتزقموا؟!
ورأى الدجال في صورته – رؤيا عين ليس رؤيا منام – وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم.
فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال؟ فقال: ” [فيلمانيا] 1 أقمر هجانا2 إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري كأن شعر رأسه أغصان شجرة
__________
1 أي: ضخما عظيما.
2 أي: أبيض كما في “النهاية “و “اللسان”.
وتعليق الدكتور الهراس هنا: “الهجان من كل شيء خياره وخالصه”! من وضع الشيء في غير موضعه.

ورأيت عيسى شابا أبيض جعد الشعر حديد البصر مبطن الخلق1.
ورأيت موسى أسحم آدم كثير الشعر وفي رواية: حسن الشعرة شديد الخلق.
ونظرت إلى إبراهيم فلا أنظر إلى إرب من آرابه إلا نظرت إليه مني كأنه صاحبكم.
فقال جبريل عليه السلام: سلم على مالك. فسلمت عليه”
أخرجه أحمد 1/374 والزيادة في الرواية الأخرى له وعزاه السيوطي 1/398 لأبي يعلى أيضا وأبي نعيم وابن مردويه وقال ابن كثير: “ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال – وهو ابن خباب – به وهو إسناد صحيح”.
كذا قال وإنما هو حسن فقط لأن ابن خباب فيه كلام وقال الهيثمي 1/67:
“رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن هلال بن خباب قال يحيى
__________
1 المبطن: الضامر البطن.

القطان: إنه تغير قبل موته. وقال يحيى بن معين: لم يتغير ولم يختلط ثقة مأمون. ورواه أبو يعلى.
قلت: فالإسناد حسن.
الثالثة: عن سفيان: حدثنا عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء/60] قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس [وليست رؤيا منام] .
قال:؟ {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} : هي شجرة الزقوم.
أخرجه البخاري 3888 و 4716 و 6613 وعنه البغوي في شرح السنة 3755 والترمذي 3134 وقال: “حديث حسن صحيح” وابن جرير 15/110 واستدركه الحاكم 2/362 – 363 فوهم هو والذهبي! ورواه الطبراني في الكبير 11641.
الرابعة: عن قتادة عن أبي العالية: حدثنا ابن عم نبيكم – يعني: ابن عباس رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“رأيت – ليلة أسري بي – موسى [بن عمران عليه السلام] رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة.
ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس.
ورأيت مالكا خازن النار والدجال”
في آيات أراهن الله إياه {فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} [السجدة/23] [إنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به] .
أخرجه البخاري 3239 والسياق له ومسلم 267 والزيادة الأولى له وأحمد 1/245 و 259 وابن جرير 21/112 والزيادة الأخرى له وهي عند مسلم من تفسير قتادة غير مسندة إلى ابن عباس وكذلك هي عند البيهقي كما في “تفسير ابن كثير” وزاد:
{وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيلَ} قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل.
وهو رواية لابن جرير.
الخامسة: عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة فقلت: يا جبريل! ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها.
قال: قلت: ما شأنها؟
قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يدها فقالت: بسم الله. فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك: الله. قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم. فأخبرته فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله.
فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها.
قالت له: إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا.
قال: ذلك لك [لما لك] علينا من الحق.
قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها يرضع وكأنها تقاعست من

أجله قال: يا أمه! اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فاقتحمت”.
قال: قال ابن عباس:
تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم عليه السلام وصاحب جريج وشاهد يوسف وابن ماشطة فرعون.
أخرجه أحمد 1/310 وابن حبان 36 و 37 والطبراني 12279 وغيرهم وفيه ضعف لاختلاط عطاء بن السائب وما قيل من سماع حماد منه قبل اختلاطه فقد قيل أيضا: إنه سمع منه بعد الاختلاط كما هو مبين في “التهذيب” و “الأحاديث الضعيفة” 880 فقول السيوطي في الخصائص 1/399) : سنده صحيح مردود ونحوه قول ابن كثير: “إسناده لا بأس به”.
السادسة: عن عوف عن زرارة بن أبي أوفى عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فظعت بأمري1 وعرفت أن الناس مكذبي”.
__________
1 أي اشتد علي وهبته. نهاية.

فقعد معتزلا حزينا فمر به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم”. قال: ما هو؟ قال: “إنه أسري بي”.
قال: إلى أين؟
قال: “إلى بيت المقدس”.
قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: “نعم”.
قال: فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم”.
فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي!
حتى قال: فانتفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.
قال: حدث قومك بما حدثتني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إني أسري بي الليلة”.

قالوا: إلى أين؟ قال: “إلى بيت المقدس”.
قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: “نعم”.
قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب زعم!
قالوا: وهي تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت – قال: – فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال – أو: عقيل – فنعته وأنا أنظر إليه. قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه”.
قال: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب. أخرجه أحمد 1/309 والطبراني 12782 وسنده صحيح وعزاه السيوطي في الخصائص 1/400 لابن أبي شيبة أيضا والنسائي والبزار وأبي نعيم بسند صحيح وحسنه الحافظ في الفتح 7/199.

السابعة: عن عبثر بن القاسم عن حصين – وهو ابن عبد الرحمن – عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم جعل يمر بالنبي والنبيين ومعهم القوم والنبي والنبيين ومعهم الرهط والنبي والنبيين وليس معهم أحد حتى مر بسواد عظيم فقلت: “من هذا؟ قيل: موسى وقومه ولكن ارفع رأسك وانظر. قال: فإذا هو سواد عظيم قد سد الأفق من ذا الجانب ومن ذا الجانب فقيل: هؤلاء أمتك وسوى هؤلاء من أمتك سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب”.
فدخل ولم يسألوه ولم يفسر لهم.
فقالوا: نحن هم.
وقال قائلون: هم أبناء الذين ولدوا على الفطرة والإسلام.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون”. فقام عكاشة بن محصن فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: “نعم”.

ثم جاءه آخر فقال: أنا منهم؟ فقال:
“سبقك بها عكاشة”.
أخرجه الترمذي 2446: حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس: أخبرنا عبثر بن القاسم … وقال: “هذا حديث حسن صحيح”.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي حصين هذا وهو ثقة إلا أنه يبدو أنه وهم هو أو شيخه عبثر في ذكر الإسراء في هذا الحديث فقد رواه جمع من الثقات عن حصين بن عبد الرحمن به دون الإسراء.
أخرجه البخاري 3410 و 5705 و 5752 و 6472 و 6541 ومسلم 374 و 375 وأحمد 1/271.
وقد أشار الحافظ إلى شذوذ هذه الزيادة فقد ذكره بها من رواية الترمذي والنسائي ثم قال: “فإن كان ذلك محفوظا كانت فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء وأنه وقع بالمدينة أيضا غير الذي وقع بمكة فقد وقع عند أحمد والبزار بسند صحيح قال:

أكرينا1 الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [ذات ليلة] ثم غدونا إليه فقال: “عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة والنبي ومعه العصابة..”. فذكر الحديث”.
قلت: الحديث عند أحمد 1/401 و 420 من حديث عبد الله بن مسعود وليس من حديث ابن عباس كما يوهمه صنيع الحافظ رحمه الله بذكره إياه تحت حديث ابن عباس وفي شرحه دون أن يصرح بأنه لابن مسعود وهو من رواية الحسن عن عمران عنه. والحسن – وهو البصري – مدلس لكن قد قرن به أحمد – في رواية – العلاء بن زياد وهو ثقة فصح به الإسناد والحمد لله.
وقد رواه الطيالسي في مسنده 352 وأحمد أيضا 1/403 و 454 من طريق حماد بن سلمة عن عاصم ابن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود مرفوعا
بلفظ: “عرضت علي وفي لفظ: أريت الأمم بالموسم … ” الحديث نحوه مختصرا.
__________
1 الأصل: أكربنا وفي الموضع الأول من المسند: أكثرنا والتصويب من النهاية والموضع الآخر من المسند والمعنى: أطلناه وأخرناه.

قلت: وإسناده حسن وهو صريح أن العرض لم يكن ليلة الإسراء وإنما في موسم الحج والجمع الذي ذهب إليه الحافظ جيد لو كانت تلك الزيادة محفوظة أما وهي شاذة فلا داعي حينئذ للجمع. والله أعلم.
ثم إن الحافظ السيوطي قد أبعد النجعة فعزا حديث الباب لابن مردويه فقط! فانظر “الخصائص” 1/401.
الثامنة: عن شريك عن أبي علوان عبد الله بن عصم عن ابن عباس قال: فرض الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم الصلاة خمسين صلاة فسأل الله عز وجل فجعلها خمس صلوات.
أخرجه أحمد 1/315 وابن ماجة 1400 وإسناده حسن في الشواهد.
التاسعة: عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا: عليك بالحجامة يا محمد! “.

أخرجه أحمد 1/354 والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم والذهبي!
ولا وجه له لضعف عباد إلا بالنظر لشواهده وقد تقدم أحدها من حديث أنس ويأتي آخر من حديث ابن مسعود وقد تكلمت عليها في الصحيحة 2263 ومشكاة المصابيح 4544.

11 – حديث عبد الله بن عمر
يرويه طلحة بن زيد بسنده عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى السماء أوحى الله إليه بالأذان فنزل به فعلمه جبريل. أخرجه الطبراني في “الأوسط” كما في “مجمع الزوائد” 1/329 وقال: “وفيه طلحة بن زيد ونسب إلى الوضع”.

12 – حديث عبد الله بن مسعود
وله طرق:
الأولى: عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة عن عبد الله قال:
لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة1 إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها.
قال: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم/16] . قال: فراش من ذهب.
__________
1 قلت: ظاهره يخالف حديث أنس المتقدم: “ثم عرج بنا إلى السماء السابعة … ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى” فإنه يدل على أن السدرة في السماء السابعة وهو الذي رجحه القرطبي وجمع الحافظ بين الحديثين بتأويل أن أصلها في السماء السادسة منها إلا أصل ساقها.
قلت: ويؤيد هذا الجمع رواية ابن جرير 27/55 عن قتادة مرسلا: “رفعت لي سدرة منتهاها في السماء السابعة”.
وسنده صحيح.

قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس.
وأعطي خواتيم سورة البقرة. وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا: المقحمات1.
أخرجه مسلم 279 وأحمد 1/387 و 422 وابن جرير 27/52 و 55 والبغوي في “شرح السنة” 3756.
وعن سفيان عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} قال: جبريل في وبر رجليه كالدر مثل القطر على البقل.
أخرجه ابن جرير 27/51 من طريقين عن سفيان به. قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم.
الثانية: عن قتادة بن عبد الله التيمي: حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة بن عبد الله – يعني: ابن مسعود – ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وهما جالسان فقال
__________
1 أي: الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار.

محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقال أبو عبيدة: لا بل حدثنا أنت عن أبيك. فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت. قال: أبو عبيدة يحدث – يعني – عن أبيه كما سئل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه وإذا هبط استوت يداه مع رجليه حتى مررنا برجل طوال سبط كأنه من رجال أزد شنوءة فيرفع صوته يقول: أكرمته وفضلته.
قال: فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد. قال: مرحبا بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته.
قال: ثم اندفعنا فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران.
قال: قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك.
قلت: ويرفع صوته على ربه؟! قال: إن الله قد عرف له حدته!

قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرح تحتها شيخ وعياله.
قال: فقال لي: اعمد إلى أبيك إبراهيم. فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام. فقال إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد. قال: فقال: مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته يا بني! إنك لاق ربك الليلة وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها فإن استطعت أن تكون حاجتك – أو جلها – في أمتك فافعل.
قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى فنزلت فربطت الدابة في الحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها.
ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد.
قال: ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن فأخذت اللبن فشربت فضرب جبريل عليه السلام منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد!
قال: ثم أقيمت الصلاة فأممتهم.

ثم انصرفنا فأقبلنا”.
رواه الحسن بن عرفة في جزئه المشهور: حدثنا مروان بن معاوية عن قتادة بن عبد الله التيمي..كما في “تفسير ابن كثير” وقال: “إسناد غريب ولم يخرجوه فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه عليه السلام ابتداء ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه والمشهور في الصحاح – كما تقدم – أن جبريل كان يعلمه بهم أولا ليسلم عليهم سلام معرفة وفيه أنه اجتمع بالأنبياء عليهم السلام قبل دخوله المسجد الأقصى والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السماوات ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيا وهم معه وصلى بهم فيه ثم إنه ركب البراق وكر راجعا إلى مكة. والله أعلم”.
قلت: ولإسناده علتان:
الأولى: الانقطاع بين أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبيه فإنه لم يسمع منه.
والأخرى: جهالة قتادة بن عبد الله التيمي فقد أورده ابن أبي حاتم 7/135/759 ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا وهو

قتادة بن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري وأبوه ثقة من رجال الشيخين وقد ذكر الحافظ – في ترجمته ابنه هذا في الرواة عنه. والله أعلم.
الثالثة: عن موثر بن عفازة1 عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“لقيت – ليلة أسري بي – إبراهيم وموسى وعيسى. قال: فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال: لا علم لي بها. فردوا الأمر إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلمها أحد إلا الله. ذلك وفيما عهد إلي ربي عز وجل: أن الدجال خارج. قال: ومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم! إن تحتي كافرا فاقتله. قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم.
__________
1 تحرف في “تفسير ابن كثير”إلى: “مرثد بن جنادة”!!

قال: فعند ذلك يخرج {يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء/96] فيطؤون بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم الله ويميتهم حتى تجوى1 من نتن ريحهم.
قال: فينزل الله عز وجل المطر فتجرف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم.
قال: ففيما عهد إلي ربي عز وجل: أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم التي لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادها ليلا أونهارا؟! “.
أخرجه أحمد 1/375 وابن ماجه 4081 والحاكم 4/488 – 489 و 545 وغيرهم وقال الحاكم: “صحيح الإسناد” ووافقه الذهبي!
وفيه نظر بينته في “الضعيفة” 4318
الرابعة: عن حماد بن سلمة: ثنا أبو حمزة عن إبراهيم عن
__________
1 أي: تنتن. في “النهاية”: “يقال: جوي يجوى إذا أنتن”.

علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل عليه السلام فسار بنا إذا ارتفع ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه.
قال: فسار بنا في أرض غمة منتنة حتى أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة فقلت: يا جبريل! إنا كنا نسير في أرض غمة منتنة ثم أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة؟ قال: تلك أرض النار وهذه أرض الجنة
قال: فأتيت على رجل قائم يصلي فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمد. فرحب بي ودعا لي بالبركة وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.
قال: فسرنا فسمعت صوتا وتذمرا فأتينا على رجل فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمد. فرحب بي ودعا لي بالبركة وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك موسى. قلت: على من كان تذمره وصوته؟ قال: على ربه. قلت: على ربه؟! قال: نعم قد عرف ذلك من حدته.

قال: ثم سرنا فرأينا مصابيح وضوءا. قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم عليه الصلاة والسلام أتدنو منها؟ قلت: نعم. فدنونا فرحب بي ودعا لي بالبركة.
ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فنشرت لي الأنبياء: من سمى الله عز وجل منهم ومن لم يسم فصليت بهم إلا هؤلاء النفر الثلاثة: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام”.
أخرجه الحاكم 4/606 وقال: “هذا حديث تفرد به أبو حمزة ميمون الأعور وقد اختلفت أقوال أئمتنا فيه وقد أتى بزيادات لم يخرجها الشيخان”. وتعقبه الذهبي بقوله: “قلت: ضعفه أحمد وغيره”. قلت: لكن قال الهيثمي 1/74: “رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح”.

وظاهره أنه عندهم من غير طريق أبي حمزة هذا فإنه ليس من رجال “الصحيح” وجزم في “التقريب” أنه ضعيف فليراجع. وعزاه السيوطي في الخصائص 1/406 – 407 للبزار وأبي يعلى والحارث بن أبي أسامة والطبراني وأبي نعيم وابن عساكر من طريق علقمة وسكت عنه كعادته وكذلك فعل في “الدر المنثور” 4/147.
ثم رجعت إلى “الطبراني الكبير” 9976 و “كشف الأستار عن زوائد البزار” 59 فوجدت الحديث عندهما من طريق حماد بن سلمة به.
فتبينت أن الهيثمي وهم في قوله المتقدم.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
{لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} قال:
رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق.
أخرجه البخاري 4858 والطيالسي 278 وابن جرير 27/57 والطبراني في “الكبير” 9051 – 9053.

الخامسة: عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر”. أخرجه الترمذي 3462 وقال: “حديث حسن غريب من هذا الوجه”.
قلت: وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف اتفاقا فلعل تحسين الترمذي لحديثه إنما هو لأن له شواهد تقويه وقد ذكرت له شاهدين في “الصحيحة” 105 وأحدهما يأتي قريبا.
“تنبيه”: عزا السيوطي الحديث في”الخصائص” 1/407 – 408 لابن مردويه أيضا بزيادة في آخر الحديث: “ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”. وزاد في تخريجه في “الدر المنثور” 4/153: الطبراني مع

الزيادة دون قوله: “العلي العظيم”. وهو كذلك في “المعجم الكبير” 10363.
السادسة: عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله قال: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم/18] قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.
أخرجه مسلم 282 والطبراني 9055.
وفي رواية لمسلم 281: ذكر قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم/11] مكان الآية المتقدمة.
وفي ثالثة له والبخاري 4857 والترمذي 3277 وصححه من طريق الشيباني قال: سألت زر بن حبيش عن قول الله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم/9] ؟ قال: أخبرني ابن مسعود به … وهي رواية لابن جرير 27/46 وأحمد 1/398.
وفي رواية له 1/412 و 460 وابن جرير 27/49 عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود أنه

قال في هذه الآية: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم/13] : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“رأيت جبريل عند سدرة المنتهى عليه ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاويل: الدر والياقوت”.
قلت: وإسناده حسن وعزاه السيوطي في “الخصائص” 1/408 للبيهقي وأبي نعيم فقط!
السابعة: عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رأيت جبريل عليه السلام له ستمائة جناح”. أخرجه الطبراني 10422 بسند جيد.
الثامنة: عن الحسين بن واقد: حدثني عاصم بن بهدلة قال: سمعت شقيق ابن سلمة يقول: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“رأيت جبريل عند سدرة المنتهى وله ستمائة جناح”.
قال: سألت عاصما عن الأجنحة؟ فأبى أن يخبرني قال: فأخبرني بعض أصحابه: أن الجناح ما بين المشرق والمغرب.
أخرجه أحمد 1/407.

قلت: وإسناده حسن أيضا.
وتابعه شريك عن عاصم به ولفظه: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه – من التهاويل والدر والياقوت – ما الله به عليم. أخرجه أحمد أيضا 1/395.
وشريك سيء الحفظ وقوله: “كل جناح منها قد سد الأفق” منكر عندي والله أعلم.
التاسعة: عن إسحاق بن أبي الكهتلة عن ابن مسعود أنه قال: إن محمدا لم ير جبريل في صورته إلا مرتين أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته فأراه صورته فسد الأفق. وأما الأخرى فإنه صعد معه حين صعد به وقوله: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى, ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى, فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى, فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} . قال: فلما أحس جبريل ربه عاد في صورته وسجد فقوله:؟ {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى, عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى, عِنْدَهَا جَنَّةُ

الْمَأْوَى, إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى, مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى, لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} . قال: خلق جبريل عليه السلام. أخرجه أحمد 1/407 والطبراني 10547 وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات معروفون غير إسحاق هذا وقد روى عنه ثقتان وذكره ابن حبان في “الثقات”.
العاشرة: عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} قال:
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض.
أخرجه أحمد 1/394 و 418 والترمذي 3283 وقال: “حديث حسن صحيح” والحاكم 2/468 – 469 وقال:
“صحيح على شرط الشيخين” ووافقه الذهبي. ورواه الطيالسي 323 عن قيس وابن جرير 27/51 عن سفيان كلاهما عن أبي إسحاق به.

13 – حديث علي
يرويه زياد بن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي: لما أراد الله تبارك وتعالى أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابة يقال لها: البراق فذهب يركبها فاستصعبت فقال لها جبريل: اسكني فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى.
قال: فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا جبريل! من هذا؟ “. فقال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله أكبر الله أكبر. قال: فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر
ثم قال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي لا إله إلا أنا. قال: فقال الملك: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أرسلت محمدا.

قال الملك: حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة. ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر.
ثم قال: لا إله إلا الله. قال: فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي: لا إله إلا أنا.
قال: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح. قال أبو جعفر محمد بن علي: فيومئذ أكمل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماوات والأرض. أخرجه البزار “كشف الأستار” 352 وقال: “لا نعلمه يروى عن علي بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد وزياد ابن المنذر شيعي روى عنه مروان بن معاوية وغيره”.
قلت: قال في “المجمع” 1/329: “وهو مجمع على ضعفه”.
وفي “التقريب”: “رافضي كذبه يحيى بن معين”.
فالحديث ضعيف جدا وعلامات الوضع عليه ظاهرة

14 – حديث عمر بن الخطاب
عن أبي سنان عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب:
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بـ “الجابية” فذكر فتح بيت المقدس قال: فقال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟
قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكانت القدس كلها بين يديك.
فقال عمر رضي الله عنه: ضاهيت اليهودية! لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم إلى القبلة فصلى ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس.
أخرجه أحمد 1/38: ثنا أسود بن عامر: ثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان..
قلت: وهذا إسناد ضعيف أبو سنان هذا هو عيسى بن سنان القسملي وهو لين الحديث.
وعبيد بن آدم لم يذكروا له راويا غير أبي سنان ومع ذلك أورده ابن حبان في “الثقات”! بناء على قاعدته في توثيق المجهولين!

15 – حديث مالك بن صعصعة
“تقدم في حديث أنس”

16 – حديث أبي أيوب الأنصاري
يرويه أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر أخبره عن سالم بن عبد الله: أخبرني أبو أيوب الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به – مر على إبراهيم فقال: من معك يا جبريل؟ قال: هذا محمد. فقال له إبراهيم: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة. قال: “وما غراس الجنة؟ “. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
أخرجه أحمد 5/418 وابن جرير 15/255 والطبراني في “الكبير” 3898 إلا أنهما قالا: “عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه عن سالم بن محمد بن كعب القرظي”! وهذا اختلاف شديد ولعله من أبي صخر – واسمه حميد

ابن زياد فإنه كان يهم كما في “التقريب”.
وشيخه عبد الله هذا أورده ابن حجر في “التعجيل” – حسبما ورد في “المسند” – ولم يزد على قوله: “ذكره ابن حبان في الثقات”
وأورده ابن أبي حاتم في “الجرح والتعديل” 5/98/454 – حسبما جاء في رواية ابن جرير – إلا أنه قال: “روى عن سالم ومحمد بن كعب” ولعله الصواب. وعلى كل حال فالرجل مجهول والسند ضعيف لكن المتن له شواهد تقدمت.

17 – حديث أبي ذر
“تقدم في حديث أنس”
وقال عبد الله بن شقيق: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله لسألته! قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه عز وجل؟ قال: فإني قد سألته؟ فقال:
“قد رأيته نورا أنى أراه؟! “.
أخرجه أحمد 5/147 و 175 ومسلم 292.1
__________
1 هذا آخر ما سطره فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى بيده وقد توفي قبل إكمال العمل – في هذا المصنف – بسرد ما صح من أحاديث الإسراء والمعراج في سياق واحد وعسى الله أن ييسر لنا القيام بهذا العمل كما أراده الشيخ رحمه الله في طبعات لاحقة.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله والحمد لله رب العالمين. الناشر.

الكتاب: الإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها
المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)
الناشر: المكتبة الإسلامية
الطبعة: 2000م 1421هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]