islamship-banner flat

باب الاعتصام بالكتاب والسنة
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
140 – عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[5] بَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْعِصْمَةُ: الْمَنْعُ، وَالْعَاصِمُ الْحَامِي، وَالِاعْتِصَامُ الِاسْتِمْسَاكُ بِالشَّيْءِ افْتِعَالٌ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران: 103] أَيْ تَمَسَّكُوا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ كَذَا قِيلَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ.
وَالِاعْتِصَامُ بِهِ مُسْتَلْزِمُ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ هُنَا أَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ وَأَحْوَالُهُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَلِذَا قَالَ: ” بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ” وَفِي نَظْمِ الْبَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَحْثَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ هُوَ الَّذِي وَرَّطَ الْقَدَرِيَّةَ وَالْجَبْرِيَّةَ فِي بَيْدَاءِ الظُّلْمَةِ وَالْحَيْرَةِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحِكَمِ الْمَجْهُولَةِ عِنْدَنَا.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] وَالتَّعَبُّدُ الْمَحْضُ هُوَ مِنْ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ الْمُقْتَضِي لِلْقِيَامِ بِحُقُوقِ الرُّبُوبِيَّةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
140 – (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) : بِالْهَمْزِ وَأَمَّا بِالْيَاءِ فَلَحْنٌ عَامِّيٌّ (قَالَتْ) ، أَيْ: رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ أَحْدَثَ) ، أَيْ: جَدَّدَ وَابْتَدَعَ أَوْ أَظْهَرَ وَاخْتَرَعَ فِي أَمْرِنَا هَذَا) ، أَيْ: فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَفِي إِيرَادِ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلًا أَوْ صِلَةً إِفَادَةُ التَّعْظِيمِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى تَمْيِيزِ الدِّينِ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَمْرِ تَنْبِيهًا عَلَى) أَنَّ هَذَا الدِّينَ هُوَ أَمْرُنَا الَّذِي نَهْتَمُّ لَهُ وَنَشْتَغِلُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا.
قَالَ الْقَاضِي: الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الطَّالِبِ لِلْفِعْلِ، مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ وَالشَّأْنِ، وَالطَّرِيقُ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الدِّينِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ طَرِيقُهُ وَشَأْنُهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ (مَا لَيْسَ مِنْهُ) : كَذَا فِي ” الصَّحِيحَيْنِ “، وَالْحُمَيْدِيِّ وَ ” جَامِعِ الْأُصُولِ ” وَ ” شَرْحِ السُّنَّةِ ” وَفِي ” الْمَشَارِقِ ” وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مَا لَيْسَ فِيهِ (فَهُوَ) ، أَيِ: الَّذِي أَحْدَثَهُ (رَدٌّ) ، أَيْ: مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ الْكَسْرُ اهـ.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّهُ عَلَى مَا فِي ” الْقَامُوسِ “.
بِمَعْنَى الْعِمَادِ.
قَالَ الْقَاضِي: الْمَعْنَى مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ رَأْيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَنَدٌ ظَاهِرٌ أَوْ خَفِيٌّ مَلْفُوظٌ أَوْ مُسْتَنْبَطٌ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، قِيلَ: فِي وَصْفِ الْأَمْرِ بِهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَمْرَ الْإِسْلَامِ كَمُلَ وَانْتَهَى وَشَاعَ وَظَهَرَ ظُهُورَ الْمَحْسُوسِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي بَصَرٍ وَبَصِيرَةٍ، فَمَنْ حَاوَلَ الزِّيَادَةَ فَقَدْ حَاوَلَ أَمْرًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ لِأَنَّهُ مِنْ قُصُورِ فَهْمِهِ رَآهُ نَاقِصًا، فَعَلَى هَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ (هُوَ) رَاجَعٌ إِلَى (مَنْ) أَيْ فَذَلِكَ الشَّخْصُ نَاقِصٌ مَرْدُودٌ عَنْ جِنَابِنَا مَطْرُودٌ عَنْ بَابِنَا، فَإِنَّ الدِّينَ اتِّبَاعُ آثَارِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَاسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، فَالضَّمِيرُ إِلَى الشَّخْصِ أَبْلَغُ وَإِلَى الْأَمْرِ أَظْهَرُ، وَفِي قَوْلِهِ: مَا لَيْسَ مِنْهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِحْدَاثَ مَا لَا يُنَازِعُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ كَمَا سَنُقَرِّرُهُ بَعْدُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَذُكِرَ فِي ” الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ “، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا) أَيْ مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْدَثًا أَوْ سَابِقًا عَلَى الْأَمْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، أَيْ: وَكَانَ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِذْنُنَا بَلْ أَتَى بِهِ عَلَى حَسَبِ هَوَاهُ فَهُوَ رَدٌّ.
، أَيْ: مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَعَمُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عِمَادٌ فِي التَّمَسُّكِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَأَصْلٌ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ الْأَعْلَى، وَرَدٌّ لِلْمُحْدَثَاتِ وَالْبِدَعِ وَالْهَوَى، وَقَدْ أُنْشِدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى: إِذَا مَا دَجَا اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا
بِأَمْرٍ فَظِيعٍ شَقَّ أَسْوَدَ أَدْهَمَا فَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى
وَأَعْمَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى وَمَنْ تَرَكَ الْقُرْآنَ قَدْ ضَلَّ سَعْيُهُ
وَهَلْ يَتْرُكُ الْقُرْآنَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ رُوحٌ نُورَانِيٌّ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ وَنَفْسٌ ظُلْمَانِيَّةٌ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِزَاعٌ وَشَوْقٌ إِلَى عَالَمِهِ فَغَايَةُ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ عَنْ ظُلْمَةِ أَوْصَافِهَا، وَتَحْلِيَتُهَا بِأَنْوَارِ الْأَرْوَاحِ حَتَّى يَنْجَلِيَ فِيهَا أَنَّ الْمَوْجُودَ الْحَقِيقِيَّ ذَاتُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَدُقَّ بِمِطْرَقَةِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ تَمَرُّدَ النَّفْسِ إِلَى أَنْ تُؤْمِنَ بِذَلِكَ وَتَكْفُرَ بِطَاغُوتِ وُجُودِهِ وَوُجُودِ مَا سِوَى اللَّهِ، هَذَا هُوَ الدِّينُ الْحَنِيفِيُّ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهِ بِتَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ غَيْرَ ذَلِكَ بِأَنْ أَيِسَ عَنِ الْحَقِّ وَشَكَّ فِي مَوَاعِيدِهِ وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِغَيْرِهِ وَلَمْ يَنْسَلِخْ عَنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَلَمْ تَنْطَمِسْ ظُلُمَاتُ ذَاتِهِ فِي أَنْوَارِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ لَمْ يَتَّبِعْ إِلَّا الشَّيْطَانَ مُرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهِ، وَبِهَذَا يَتَعَيَّنُ لَكَ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَمَعَ جَمِيعَ أَمْرِ الْآخِرَةِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَجَمِيعَ أَمْرِ الدُّنْيَا فِي كَلِمَةِ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ الْأَعْمَالَ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

Path to Arabic gif

141 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

141 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (أَمَّا بَعْدُ: الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: أَمَّا بَعْدُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ أَوْ مَوْعِظَتِهِ، لِأَنَّهُ فَصْلُ الْخِطَابَ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ قِصَّةٍ أَوْ حَمْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَوْلُهُ: بَعْدُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ بِحَذْفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَعَ نِيَّةِ مَعْنَاهُ، أَيْ: بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ (فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ) ، أَيْ: مَا يُتَحَدَّثُ بِهِ وَيُتَكَلَّمُ فَالْفَاءُ لِمَا فِي إِمَّا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَمَا ذُكِرَ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ أَيِ الْكَلَامِ (كِتَابُ اللَّهِ) : لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ دَقَائِقِ عُلُومِ الْفَصَاحَةِ، وَالْبَلَاغَةِ، وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ بَيَانِ كُلِّ شَيْءٍ تَصْرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا.
قَالَ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، أَيْ: مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، كَالْعُلُومِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، وَالْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْبَهِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ السُّنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ وَرَدَ فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ وَاضِحَةٌ إِلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ (وَخَيْرَ الْهَدْيِ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ إِنَّ وَاسْمِهَا (هَدْيُ مُحَمَّدٍ) : وَالْهَدْيُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ: السِّيرَةُ، وَيُقَالُ: هُدِيَ هَدْيَهَ إِذَا سَارَ سِيرَتَهُ، وَلَا تَكَادُ تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ، وَلِذَا حَسُنَ إِضَافَةُ الْخَيْرِ إِلَيْهِ وَالشَّرِّ إِلَى الْأُمُورِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ ضَمُّ الْهَاءِ وَفَتْحُ الدَّالِ اهـ.
وَاللَّامُ فِي الْهَدْيِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِأَنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يُضَافُ إِلَى مَا هُوَ بَعْضٌ مِنْهُ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ تَفْضِيلُ دِينِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ وَهَذَا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ (وَشَرَّ الْأُمُورِ) : بِالنَّصْبِ وَقِيلَ بِالرَّفْعِ (مُحْدَثَاتُهَا) : بِفَتْحِ الدَّالِ يَعْنِي الْبِدَعَ الِاعْتِقَادِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ وَالْفِعْلِيَّةَ (وَكُلَّ بِدْعَةٍ) : بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ (ضَلَالَةٌ) : قَالَ فِي ” الْأَزْهَارِ “، أَيْ: كُلُّ بِدْعَةٍ سَيِّئَةٍ ضَلَالَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا “.
وَجَمَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ الْقُرْآنَ، وَكَتَبَهُ زِيدٌ فِي الْمُصْحَفِ، وَجُدِّدَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْبِدْعَةُ كُلُّ شَيْءٍ عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَفِي الشَّرْعِ إِحْدَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَوْلُهُ: ” كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ” عَامٌ مَخْصُوصٌ.
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي آخِرِ كِتَابِ ” الْقَوَاعِدِ “: الْبِدْعَةُ إِمَّا وَاجِبَةٌ كَتَعَلُّمِ النَّحْوِ لِفَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَتَدْوِينِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَإِمَّا مُحَرَّمَةٌ كَمَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ، وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنَ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِمَّا مَنْدُوبَةٌ كَإِحْدَاثِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ، وَكُلُّ إِحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَكَالتَّرَاوِيحِ أَيْ بِالْجَمَاعَةِ الْعَامَّةِ وَالْكَلَامُ فِي دَقَائِقِ الصُّوفِيَّةِ، وَإِمَّا مَكْرُوهَةٌ كَزَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقِ الْمَصَاحِفِ يَعْنِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَمُبَاحٌ، إِمَّا مُبَاحَةٌ كَالْمُصَافَحَةِ عَقِيبِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ أَيْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَكْرُوهٌ، وَالتَّوَسُّعُ فِي لَذَائِذِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَالْمَسَاكِنِ، وَتَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ بَعْضِ ذَلِكَ أَيْ كَمَا قَدَّمْنَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الْأَثَرَ أَوِ الْإِجْمَاعَ فَهُوَ ضَلَالَةٌ، وَمَا أُحْدِثَ مِنَ الْخَيْرِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وَقَالَ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: نِعْمَتُ الْبِدْعَةُ.
هَذَا هُوَ آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي ” تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ ” وَاللُّغَاتِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا رَأَوْهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ.
وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: ” لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ “.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: ” أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثٍ بِدَعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ” الْحَدِيثَ.

✩✩✩✩✩✩✩

142 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطْلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

142 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أَبْغَضُ النَّاسِ) : هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْمَفْعُولِ عَلَى الشُّذُوذِ، وَاللَّامُ فِي النَّاسِ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا قَالَهُ بَعْضٌ مِنْ أَنَّهَا لِلْجِنْسِ فَبَعِيدٌ، إِذْ لَا مَعْصِيَةَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُفْرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّهْدِيدِ (إِلَى اللَّهِ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ أَحَبَّهُمْ إِلَى غَيْرِهِ (ثَلَاثَةٌ) ، أَيْ: أَشْخَاصٍ أَحَدُهُمْ أَوْ مِنْهُمْ (مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ) ، أَيْ: ظَالِمٌ أَوْ عَاصٍ فِيهِ، فَإِنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَهَاتِكٌ حُرْمَةَ الْحَرَمِ، وَالْإِلْحَادُ الْمَيْلُ عَنِ الصَّوَابِ وَمِنْهُ اللَّحْدُ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَاعِلُ الصَّغِيرَةِ فِيهِ مَائِلٌ عَنِ الْحَقِّ فَيَكُونُ أَبْغَضَ مِنْ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ الْمُفَعْوِلَةِ فِي غَيْرِهِ.
قُلْتُ: نَعَمْ مُقْتَضَاهُ ذَلِكَ بَلْ مُرِيدُهَا كَذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] وَالظُّلْمُ فَسَّرَهُ هُنَا بَعْضُ السَّلَفِ بِشَتْمِ الْخَادِمِ (وَمُبْتَغٍ) ، أَيْ: طَالِبٍ (فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) : إِطْلَاقُ السُّنَّةِ عَلَى فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِمَّا عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ أَوْ عَلَى التَّهَكُّمِ وَهِيَ مِثْلُ النِّيَاحَةِ وَالْمَيْسِرِ وَالنَّيْرُوزِ وَقَتْلِ الْأَوْلَادِ وَبُغْضِ الْبَنَاتِ وَجَزَاءِ شَخْصٍ بِجِنَايَةِ مَنْ هُوَ مِنْ قَبِيلَتِهِ (وَمُطَّلِبٍ) : بِالتَّنْوِينِ (دَمَ امْرِئٍ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ الْإِطِّلَابِ، أَيْ: مُتَكَلِّفٌ فِي الطَّلَبِ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، أَيْ: مُجْتَهِدٌ فِي الطَّلَبِ، وَأَصْلُهُ مُتَطَلِّبٌ فَحَذَفَ التَّاءَ وَشَدَّدَ الطَّاءَ إِيذَانًا بِالتَّاءِ وَأَدْغَمَ فِيهَا.
كَذَا فِي ” زَيْنِ الْعَرَبِ ” وَ ” الْأَزْهَارِ “، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ اللَّامُ مُشَدَّدَةً يَعْنِي كَالْمُزَّمِّلِ لَكِنَّ الْمَسْمُوعَ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ تَشْدِيدُ الطَّاءِ دُونَ اللَّامِ اهـ.
فَيَكُونُ كَالْمُدَّكِرِ وَوَجْهُهُ أَنَّ مُطَّلِّبَ أَصْلُهُ مُتَطَلِّبٌ عَلَى مُفْتَعِلٍ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مُسْلِمٍ) : كَذَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ صِفَةُ امْرِئٍ (بِغَيْرِ حَقٍّ) : فَالْقَاتِلُ ارْتَكَبَ مَا كَرِهَهُ اللَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا ظُلْمٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَسُوءُ الْعَبْدَ وَاللَّهُ يَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ (لِيُهْرِيقَ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَسْكُنُ (دَمَهُ) : مِنْ هَرَاقَ الْمَاءَ إِذَا صَبَّهُ، وَالْأَصْلُ أَرَاقَ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَهْرَاقَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبْغَضَ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الذَّنْبِ وَمَا يَزِيدُ بِهِ قُبْحًا مِنَ الْإِلْحَادِ، وَكَوْنَهُ فِي الْحَرَمِ، وَإِحْدَاثِ الْبِدْعَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَوْنِهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَتْلِ النَّفْسِ لَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، بَلْ لِكَوْنِهِ قَتْلًا كَمَا يَفْعَلُ شُطَّارُ زَمَانِنَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ، وَمَزِيدُ الْقُبْحِ فِي الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ، وَفِي الثَّانِي بِاعْتِبَارِ الْفَاعِلِ، وَفِي الثَّالِثِ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ لَفْظَيِ الْمُبْتَغِي وَالْمُطَّلِبِ، مُبَالَغَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْغَالِبِ وَالْمُتَمَنِّي فَكَيْفَ بِالْمُبَاشِرِ؟ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Success Habits

143 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى) قِيلَ: وَمَنْ أَبَى؟ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

143 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) : عَلَى صِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (إِلَّا مَنْ أَبَى) أَيِ امْتَنَعَ عَنْ قَبُولِ مَا جِئْتُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ أُرِيدَ مِنَ الْأُمَّةِ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ إِمَّا أُمَّةُ الدَّعْوَةِ فَالْآبِي هُوَ الْكَافِرُ، أَوْ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ فَالْآبِي هُوَ الْعَاصِي اسْتَثْنَاهُ زَجْرًا وَتَغْلِيظًا (قِيلَ: وَمَنْ أَبَى) : هَذِهِ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ أَيْ: عَرَفْنَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَمَنِ الَّذِي أَبَى أَيِ الَّذِي أَبَى لَا نَعْرِفُهُ، وَحَقُّ الْجَوَابِ اخْتِصَارًا أَنْ يَقُولَ: مَنْ عَصَانِي فَعَدَلَ عَنْهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى مَا سَيَأْتِي لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ.
قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) .
تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمْ مَا عَرَفُوا هَذَا وَلَا ذَاكَ، أَوِ التَّقْدِيرُ: مَنْ أَطَاعَنِي وَتَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَزَالَ عَنِ الصَّوَابِ وَضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ فَقَدْ دَخَلَ النَّارَ، وَوَضَعَ أَبَى مَوْضِعَ هَذَا وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

144 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالُوا إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ.
فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ.
فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ.
فَقَالُوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

144 – (وَعَنْ جَابِرٍ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ) ، أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ نَائِمٌ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا الْحَدِيثُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً سَمِعَهَا جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَحَكَاهُ، وَأَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا عَمَّا شَاهَدَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَانْكَشَفَ لَهُ.
قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ مُتَعَيَّنٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيَّ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمًا فَقَالَ: ” إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي ” إِلَخْ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ مِنْ طَرِيقِ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْمِصْرِيِّ أَحَدِ الثِّقَاتِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ جَابِرٍ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ؛ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ لَمْ يَدْرِكْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ.
أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي ” صَحِيحِهِ ” إِلَى رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ تَعْلِيقًا، وَجَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ إِسْنَادٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَوَسَّدَ فَخِذَهُ فَرَقَدَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ أَنَا بِرِجَالٍ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَهُمْ مِنَ الْجَمَالِ، فَجَلَسَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رَأْسِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَطَائِفَةً مِنْهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ: هَذَا صَحِيحٌ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَوَصْفُ التِّرْمِذِيِّ لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ يُرِيدُ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْمُنْقَطِعُ بِحَدِيثِ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ يَعْنِي الْآتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
قَالَ: وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ كَلَامُ مِيرَكِ شَاهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَقَالُوا) ، أَيْ: بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ لِبَعْضٍ (إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ) ، أَيْ: لِمُحَمَّدٍ (هَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَالْمُخَاطَبُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ (مَثَلًا) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ صِفَةُ كَمَالٍ تَبْهَرُ الْعُقُولَ، إِذِ الْمَثَلُ هُوَ الصِّفَةُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ (فَاضْرِبُوا) ، أَيْ: بَيِّنُوا وَاجْعَلُوا (لَهُ مَثَلًا) ، أَيْ: تَمْثِيلًا وَتَصْوِيرًا لِلْمَعْنَى الْمَعْقُولِ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ (قَالَ) : بِغَيْرِ الْفَاءِ (بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ) ، أَيْ: فَلَا يَسْمَعُ فَلَا يُفِيدُ ضَرْبُ الْمَقَالِ شَيْئًا (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) : وَهُمُ الْأَكْمَلُونَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْأَوَّلُونَ (إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ) : بِالنَّصْبِ وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ (يَقْظَانُ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَقِيلَ مُنْصَرِفٌ لِمَجِيءِ فَعْلَانَةَ مِنْهُ.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: يَقْظَانُ مُنْصَرِفٌ لِمَجِيءِ فَعْلَانَةَ، لَكِنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ ” الْمَصَابِيحِ ” عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ يَعْنِي فَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقُولُونَ، فَإِنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَدَارِكِ الْبَاطِنِيَّةِ دُونَ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرِيَّةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ مُنَاظَرَةٌ جَرَتْ بَيْنَهُمْ بَيَانًا وَتَحْقِيقًا لِمَا أَنَّ النُّفُوسَ الْقُدْسِيَّةَ لَا يَضْعُفُ إِدْرَاكُهَا بِضَعْفِ الْحَوَاسِّ أَيْ الْحِسِّيَّةِ لِاسْتِرَاحَةِ الْقُوَى الْبَدَنِيَّةِ، بَلْ رُبَّمَا يَقْوَى إِدْرَاكُهَا عِنْدَ ضَعْفِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الصُّوفِيَّةِ (فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ) ، أَيْ: عَظِيمٍ كَرِيمٍ (بَنَى دَارًا) : يَعْنِي قِصَّتُهُ كَهَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ آخِرِهَا، لَا أَنَّ حَالَهُ كَحَالِ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّاعِي لَا الْبَانِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ، وَيُقَالَ: كَمَثَلِ دَاعِي رَجُلٍ بَنَى دَارًا (وَجَعَلَ) ، أَيِ: الْبَانِي (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الدَّارِ (مَأْدُبَةً) : بِضَمِّ الدَّالِ وَتُفْتَحُ، طَعَامٌ عَامٌّ يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ كَالْوَلِيمَةِ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْأَدَبِ وَهُوَ الدُّعَاءُ إِلَى طَعَامٍ كَالْمَعْتَبَةِ.
بِمَعْنَى الْعَتَبَةِ فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ الضَّمُّ (وَبَعَثَ دَاعِيًا) : يَدْعُو النَّاسَ إِكْرَامًا لَهُمْ (إِلَيْهَا) ، أَيْ: إِلَى مَا يُوصِلُ إِلَيْهَا إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] (فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ) ، أَيْ: قَبِلَ دُعَاءَهُ (دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ) : عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ وَتَمَامِ الْإِنْعَامِ (وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ) : بَلْ طُرِدَ مِنَ الْبَابِ وَحُرِمَ مِنَ الثَّوَابِ وَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ (فَقَالُوا) ، أَيْ: فَقَالَ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ لِبَعْضٍ (أَوِّلُوهَا لَهُ) ، أَيْ: فَسِّرُوا الْحِكَايَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ لِمُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ أَوَّلَ تَأْوِيلًا إِذَا فُسِّرَ.
بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ (يَفْقَهْهَا) : بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ أَيْ يَفْهَمْهَا ثُمَّ يَفْهَمْهَا (قَالَ بَعْضُهُمْ) : بِاعْتِبَارِ مَا فِي ظَنِّهِ (إِنَّهُ نَائِمٌ) : فَهُوَ غَيْرُ فَاهِمٍ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْعَيْنَ) ، أَيْ: عَيْنَهُ (نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ) ، أَيْ: قَلْبَهُ (يَقْظَانُ) : فَيُدْرِكُ الْبَيَانَ وَكَرَّرُوا هَذَا لِيُنَبَّهَ السَّامِعُونَ إِلَى هَذِهِ الْمَنْقَبَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ نَوْمُ الْعَيْنِ وَيَقَظَةُ الْقَلْبِ (فَقَالُوا: الدَّارُ) : أَيْ مِثْلُهَا (الْجَنَّةُ) ، أَيْ: نَفْسُهَا فَإِنَّهَا دَارُ الْمُتَّقِينَ كَمَا فِي الْقُرْآنِ الْمُبِينِ، وَالْمَأْدُبَةُ نَعِيمُهَا وَتَرَكَ بَيَانَهَا لِظُهُورِهَا، وَقِيلَ: لِاشْتِمَالِ الْجَنَّةِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا دَارُ الْمَأْدُبَةِ (وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ) : قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 46] (فَمَنْ أَطَاعَ) : الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ: لَمَّا كَانَ هُوَ الدَّاعِي فَمَنْ أَطَاعَ (مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: رُوعِيَ فِي التَّأْوِيلِ حُسْنُ أَدَبٍ حَيْثُ لَمْ يُصَرَّحُ بِالْمُشَبَّهِ بِالرَّجُلِ، لَكِنْ لَمَّحَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا) : أَظْهَرَ الضَّمِيرَ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِ وَحَمْدِهِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ يَنْدَفِعُ وَهْمُ الرُّجُوعِ إِلَى غَيْرِهِ (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) .
رُوِيَ مُشَدَّدًا عَلَى صِيغَةِ الْفِعْلِ وَمُخَفَّفًا عَلَى الْمَصْدَرِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: فَارِقٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالصَّالِحِ وَالْفَاسِقِ، وَقَالَ مِيرَكُ شَاهْ: كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program

145 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ; فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ ! .
فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا، وَلَا أُفْطِرُ.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَيْهِمْ فَقَالَ: ” أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ ! أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

145 – (وَعَنْ أَنَسٍ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ) : الرَّهْطُ: الْعِصَابَةُ دُونَ الْعَشَرَةِ وَقِيلَ: دُونَ الْأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: هُمْ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ: الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بَدَلَ عَبْدِ اللَّهِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ تَفْسِيرُ الثَّلَاثَةِ بِالرَّهْطِ لِأَنَّهُ مَعْنَى الْجَمَاعَةِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْطِ وَالنَّفَرِ أَنَّهُ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَالنَّفَرُ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَقَعَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّازِقِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورِينَ هُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ.
قَالَ: لَكِنْ فِي عَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْهُمْ نَظَرٌ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَا أَحْسِبُ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَذَكَرَ فِي ” الْخَلْخَالِيِّ ” مَكَانَ عَبْدِ اللَّهِ الْمِقْدَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ، أَيْ: عِبَادَتِهِ فِي الْبَيْتِ، وَالْمُرَادُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ عَادَةِ وَظَائِفِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى يَفْعَلُوا ذَلِكَ (فَلَمَّا أُخْبِرُوا) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: أَخْبَرَتْهُمْ (بِهَا) أَيْ: بِعِبَادَتِهِ (كَأَنَّهُمْ تَقَالُوهَا) : تَفَاعُلٌ مِنَ الْقِلَّةِ أَيِ اسْتَقَلُّوهَا، وَجَدُوهَا أَوْ عَدُّوهَا قَلِيلَةً لِمَا فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِمَّا أُخْبِرُوا بِهِ بِكَثِيرٍ (فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، أَيْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بَوْنٌ بَعِيدٌ فَإِنَّا عَلَى صَدَدِ التَّفْرِيطِ وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ مَأْمُونُ الْخَاتِمَةِ، أَوْ لِأَنَّ لَهُ مُعَامَلَةً بَاطِنِيَّةً مَعَ اللَّهِ تَعَالَى سَاعَةٌ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْ طَاعَةِ سَنَةٍ ظَاهِرِيَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا وَرَدَ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ أَوْ سِتِّينَ سَنَةً لَهُ، لَا سِيَّمَا فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَقِيلَ: فَإِنَّا مُذْنِبُونَ وَمُحْتَاجُونَ إِلَى الْمَغْفِرَةِ (وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ !) فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِبَادَةُ نُصْبَ أَعْيُنِنَا وَلَا نَصْرِفَ عَنْهَا وُجُوهَنَا لَيْلًا وَنَهَارًا، ثُمَّ الذَّنْبُ: مَا لَهُ تَبِعَةٌ دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّنْبِ، وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُعَاتَبًا بِتَرْكِ الْأَوْلَى تَأْكِيدًا لِلْعِصْمَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّنْبِ، أَوْ يَكُونُ مِنْ بَابِ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ “.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: سُتِرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِعِصْمَتِهِ مِنْهُ فَلَمْ يُمْكِنْ صُدُورُهُ مِنْهُ وَلَوْ صَغِيرَةً قَبْلَ النُّبُوَّةِ عَلَى الصَّوَابِ.
هَذَا مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَعْنَاهَا فِي غَيْرِهِمْ سُتْرَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عُقُوبَةِ ذُنُوبِهِمْ اهـ -.
وَفِي قَوْلِهِ: عَلَى الصَّوَابِ تَخْطِئَةٌ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَهُو غَيْرُ صَوَابٍ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى الصَّحِيحِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ حَتَّى فِي كُلِّ حَالَاتِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَلَا تَفَكُّرٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِمْ أَوْ ظَنِّهِمْ ذَلِكَ عَنْهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى عِصْمَتِهِ وَتَنَزُّهِهِ عَنْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ بَاطِنِهِ شَيْءٌ لَا يُتَأَسَّى بِهِ فِيهِ مِمَّا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ اهـ.
وَالْجُمْهُورُ جَوَّزُوا وُقُوعَ الْكَبَائِرِ سَهْوًا وَالصَّغَائِرِ عَمْدًا، لَكِنِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمُ اشْتَرَطُوا أَنْ يُنَبَّهُوا عَلَيْهِ فَيَنْتَهُوا عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ لَا يُنَافِي الْإِجْمَاعَ الْمَذْكُورَ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: ظَنُّوا أَنَّ وَظَائِفَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَثِيرَةٌ: فَلَمَّا سَمِعُوهَا عَدُّوهَا قَلِيلَةً، وَقَدْ رَاعُوا الْأَدَبَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبُوهُ إِلَى التَّقْصِيرِ بَلْ أَظْهَرُوا كَمَالَهُ وَلَامُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مُقَابَلَتِهِمْ إِيَّاهَا بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُرِيدِ بِأَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْخِ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ وَإِنْ رَأَى عِبَادَتَهُ قَلِيلَةً، فَلْيُظْهِرْ عُذْرَهُ وَلْيَلُمْ نَفْسَهُ إِنْ جَرَى فِيهَا إِنْكَارٌ عَلَى شَيْخِهِ لِأَنَّ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى شَيْخِهِ لَمْ يُفْلِحْ أَبَدًا، وَفِيهِ أَنَّ قِلَّةَ وَظَائِفِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَتْ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرُوا بِالِاقْتِدَاءِ، إِذْ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ حَقٌّ وَلِأَزْوَاجِهِمْ عَلَيْهِمْ حَقٌّ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجٌ إِلَى الطَّعَامِ لِيَتَقَوَّى صُلْبُهُ، وَالرِّجَالُ مُحْتَاجُونَ إِلَى النِّسَاءِ لِبَقَاءِ النَّسْلِ (فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا) ، أَيْ: أَمَّا: رَسُولُ اللَّهِ فَقَدْ خُصَّ بِالْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُكْثِرَ الْعِبَادَةَ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِثْلَهُ (فَأُصَلِّي اللَّيْلَ) ، أَيْ: أُحْيِيهِ بِالصَّلَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَمَا قَبْلَهُ عَزَمَ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَيُحْتَمَلُ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ (أَبَدًا) ، أَيْ: طُولَ اللَّيْلِ أَوْ دَائِمًا غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِلَيْلٍ دُونَ لَيْلٍ (وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ) ، أَيْ: أَبَدًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ لَكِنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِ (وَلَا أُفْطِرُ) ، أَيْ: بِالنَّهَارِ يَعْنِي غَيْرَ الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ الْمَنْهِيَّةِ (وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ) : أَيِ أَجْتَنِبُهُنَّ (فَلَا أَتَزَوَّجُ) ، أَيْ: مِنْهُنَّ أَحَدًا (أَبَدًا) ، فَإِنَّهُنَّ وَالِاشْتِغَالَ بِهِنَّ يَمْنَعُ الشَّخْصَ عَنِ الْعِبَادَةِ وَيُوقِعُهُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَالْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِهَا فِي الْعَادَةِ، وَهُوَ خِلَافُ سُلُوكِ أَهْلِ الْإِرَادَةِ مِنَ السَّادَةِ (فَجَاءَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَيْهِمْ) ، وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بِأَنْ جَاءَ إِلَى أَهْلِهِ فَأَخْبَرُوهُ وَإِمَّا بِالْوَحْيِ (فَقَالَ: أَنْتُمْ) ، أَيْ: أَأَنْتُمْ فَحُذِفَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ الَّتِي لِلْإِنْكَارِ مِنْ قَبْلِ أَنْتُمُ الَّذِي هُوَ الْفَاعِلُ الْمَعْنَوِيُّ الْمُزَالُ عَنْ مَقَرِّهِ عَلَى حَدِّ: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] مُبَالَغَةٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ (الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ !) كِنَايَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَ (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ وَاسْتِفْتَاحٍ.
بِمَنْزِلَةِ أَلَا وَيَكْثُرُ قَبْلَ الْقَسَمِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ حَقًّا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ وَمَا: حَرْفُ تَنْبِيهٍ (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ) .
قَالَ الْقَاضِي، أَيْ: أَنَا أَعْلَمُ بِهِ وَبِمَا هُوَ أَعَزُّ لَدَيْهِ وَأَكْرَمُ عِنْدَهُ، فَلَوْ كَانَ مَا اسْتَأْثَرْتُمُوهُ مِنَ الْإِفْرَاطِ فِي الرِّيَاضَةِ أَحْسَنُ مِمَّا أَنَا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِدَالِ لَمَا أَعْرَضْتُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ (لِلَّهِ) : مَفْعُولٌ بِهِ لِأَخْشَاكُمْ، وَأَفْعَلُ لَا يَعْمَلُ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا فِي الظَّرْفِ (وَأَتْقَاكُمْ لَهُ) : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخَشْيَةَ الَّتِي لَا تُورِثُ التَّقْوَى لَا عِبْرَةَ بِهَا (لَكِنِّي أَصُومُ) : اسْتِدْرَاكٌ عَنْ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَنَا أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، فَيَنْبَغِي عَلَى زَعْمِكُمْ أَوْ فِي الْحَقِيقَةِ أَنْ أَقُومَ فِي الرِّيَاضَةِ إِلَى أَقْصَى مَدَاهُ، لَكِنْ أَقْتَصِدُ وَأَتَوَسَّطُ فِيهَا فَأَصُومُ فِي وَقْتٍ (وَأُفْطِرُ) : فِي آخَرَ (وَأُصَلِّي) : بَعْضَ اللَّيْلِ (وَأَرْقُدُ) : فِي بَعْضِهِ (وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ) : وَلَا أَزْهَدُ فِيهِنَّ وَكَمَالُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّهِنَّ مَعَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِيَقْتَدِيَ بِيَ الْأُمَّةُ (فَمَنْ رَغِبَ) ، أَيْ: مَالَ وَأَعْرَضُ (عَنْ سُنَّتِي) ، أَيِ: اسْتِهَانَةً وَزُهْدًا فِيهَا لَا كَسَلًا وَتَهَاوُنًا (فَلَيْسَ مِنِّي) ، أَيْ: مِنْ أَشْيَاعِي، وَضَعَ قَوْلَهُ: عَنْ سُنَّتِي مَكَانَ ذَلِكَ لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ فِي مِنِّي اتِّصَالِيَّةٌ، وَذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ عَنِ الشَّيْخِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّحَ بِذَلِكَ إِلَى طَرِيقَةِ الرَّهْبَانِيَّةِ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا التَّشْدِيدَ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ عَابَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَا وَفُّوا بِمَا الْتَزَمُوهُ اهـ.
قُلْتُ: مَا هُوَ تَلْمِيحٌ بَلْ هُوَ تَصْرِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ ” فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: ذَكَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمًا وَوَصَفَ الْقِيَامَةَ فَرَقَّ لَهُ النَّاسُ وَبَكَوْا، فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَتَشَاوَرُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتَرَهَّبُوا وَيَلْبَسُوا الْمُسُوحَ جَمْعُ الْمُسْحِ وَهُوَ الصُّوفُ، وَيَجُبُوا مَذَاكِيرَهُمْ، أَيْ: يَقْطَعُوهَا، وَيَصُومُوا الدَّهْرَ، وَيَقُومُوا اللَّيْلَ، وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفِرَاشِ، وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ، وَالْوَدَكَ أَيِ الدَّسَمَ مِنَ السَّمْنِ، وَالدُّهْنِ، وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَيَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَتَى دَارَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَلَمْ يُصَادِفْهُ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَاسْمُهَا الْحَوْلَاءُ، وَكَانَتْ عَطَّارَةً: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْ زَوْجِكِ وَأَصْحَابِهِ؟ ” فَكَرِهَتْ أَنْ تَكْذِبَ وَكَرِهَتْ أَنْ تُبْدِي عَلَى زَوْجِهَا أَيْ تُظْهِرَ.
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَخْبَرَكَ عُثْمَانُ فَقَدْ صَدَقَكَ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلَى كَذَا وَكَذَا؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ.
فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ “، ثُمَّ قَالَ: ” إِنَّ لِأَنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَقُومُوا وَنَامُوا فَإِنِّي أَقُومُ وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَآكُلُ اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ وَآتِي النِّسَاءَ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي “.
ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَالطِّيبَ وَالنَّوْمَ وَشَهَوَاتِ الدُّنْيَا إِنِّي لَسْتُ آمُرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ وَلَا اتِّخَاذُ الصَّوَامِعَ، وَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ، وَرَهْبَانِيَّتُهُمُ الْجِهَادُ، وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ وَاسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ لَكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارَاتِ وَالصَّوَامِعِ ” فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Success Habits

146 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شَيْئًا، فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: ” مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ؟ ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

146 – (وَعَنْ عَائِشَةَ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شَيْئًا) ، أَيْ: مِنَ الْمُبَاحَاتِ.
قَالَ الرَّاغِبُ: الصُّنْعُ إِجَادَةُ الْفِعْلِ فَكُلُّ صُنْعٍ فِعْلٌ وَلَا يَنْعَكِسُ وَلَا يُنْسَبُ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ كَمَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْفِعْلُ (فَرَخَّصَ) ، أَيْ: لِلنَّاسِ فِيهِ، أَيْ: فِي ذَلِكَ الصُّنْعِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ (فَتَنَزَّهَ عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ ذَلِكَ الصُّنْعِ (قَوْمٌ) وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الصُّنْعَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ فِعْلَهُ يُنَافِي فِي الْكَمَالِ، وَأَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِنَّمَا فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
قَالَ الشَّيْخُ: لَمْ أَعْرِفْ أَعْيَانَ الْقَوْمِ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ: وَلَا الشَّيْءَ الَّذِي تُرُخِّصُ فِيهِ، وَأَوْمَأَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّهُ الْقِبْلَةُ لِلصَّائِمِ، وَقِيلَ: الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْمَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَالشَّيْءُ الْمُرَخَّصُ مَا ذُكِرَ فِيمَا سَبَقَ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) ، أَيْ: تَنَزُّهُهُمْ (رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَخَطَبَ) ، أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (فَحَمِدَ اللَّهَ) : إِلَخْ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ (ثُمَّ قَالَ) ، أَيْ: فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ، أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا مُعَرِّضًا لَا مُصَرِّحًا سَتْرًا عَلَى الْفَاعِلِ وَرَحْمَةً بِهِ (مَا بَالُ أَقْوَامٍ) : اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ.
بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ، أَيْ: مَا حَالُهُمْ (يَتَنَزَّهُونَ) : صِفَةُ أَقْوَامٍ وَقَعَ مَوْقِعَ الْحَالِ نَحْوَ: مَا لَكَ قَائِمًا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] ، أَيْ: يَتَبَاعَدُونَ وَيَحْتَرِزُونَ (عَنِ الشَّيْءِ) : مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وَالْأَكْلِ بِالنَّهَارِ وَالتَّزَوُّجِ بِالنِّسَاءِ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ (أَصْنَعُهُ؟ !) : حَالٌ مِنَ الشَّيْءِ، وَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ شَيْئًا وَقِيلَ: اللَّامُ فِي الشَّيْءِ لِلْجِنْسِ وَأَصْنَعُهُ صِفَتُهُ (فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ: فَإِنِ احْتَرَزُوا عَنْهُ لِخَوْفِ عَذَابِ اللَّهِ فَأَنَا أَعْلَمُ بِقَدْرِ عَذَابِ اللَّهِ فَأَنَا أَوْلَى بِالِاحْتِرَازِ (وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) : إِشَارَةٌ إِلَى الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَقَدَّمَ الْعِلْمَ عَلَى الْخَشْيَةِ لِأَنَّهَا نَتِيجَتُهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَخْشَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ فَإِنَّهُ (عَدَلَ عَنْهُ وَجُعِلَ أَشَدَّ، ثُمَّ فُسِّرَ بِخَشْيَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأَشَدَّ نَفْسَهُ خَشْيَةٌ) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Path-to-Arabic

147 – وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُمْ يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ .
قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ.
قَالَ: ” لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا.
فَتَرَكُوهُ؟ فَنَقَصَتْ.
قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ.
فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، فَخُذُوا بِهِ ; وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

147 – (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ الْأَنْصَارِيَّ، أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” أَنَا شَهِيدٌ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “، وَانْقَضَتْ جِرَاحَتُهُ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَخَدِيجٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ (قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ) ، أَيْ: طَابَةَ السّكينَةِ (وَهُمْ) ، أَيْ: أَهْلُهَا (يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَيْ: يُلَقِّحُونَ كَمَا فِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَعْنِي: يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ، وَرُوِيَ يَأْبِرُونَ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمَكْسُورَةِ وَقَدْ يُضَمُّ، وَالْأَبْرُ وَالْإِبَّارُ وَالتَّأْبِيرُ الْإِصْلَاحُ، وَالْمَعْنَى يُشَقِّقُونَ طَلْعَ الْإِنَاثِ وَيَذَرُوَنَ فِيهِ طَلْعَ الذَّكَرِ لِيَجِيءَ ثَمَرُهُ جَيِّدًا، إِذِ النَّخْلَةُ خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينَةِ آدَمَ عَلَى مَا وَرَدَ، فَلَابُدَّ عَادَةً فِي صَلَاحِ نَتَاجِهَا مِنِ اجْتِمَاعِ طَلْعِ الذَّكَرِ مَعَ طَلْعِ الْأُنْثَى، كَمَا أَنَّهُ لَابُدَّ عَادَةً فِي تَخَلُّقِ ابْنِ آدَمَ مِنِ اجْتِمَاعِ مَنِيِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟) مَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ (قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُ) ، أَيْ: هَذَا دَأْبُنَا وَعَادَتُنَا (قَالَ: لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ لَكَانَ (خَيْرًا) ، أَيْ: تَتْعَبُونَ فِيمَا لَا يَنْفَعُ كَمَا جَاءَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا (فَتَرَكُوهُ) ، أَيِ: التَّأْبِيرَ (فَنَقَصَتْ) ، أَيِ: النَّخْلُ ثِمَارَهَا أَوِ انْتَقَصَتْ ثِمَارُهَا فَإِنَّ النَّقْصَ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٍ، أَيْ: لَمْ يَأْتِ مِنْهَا شَيْءٌ صَالِحٌ (قَالَ) ، أَيْ: رَافِعٌ (فَذَكَرُوا) ، أَيْ: أَصْحَابُ النَّخْلِ (ذَلِكَ) ، أَيِ: النُّقْصَانُ (لَهُ) : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) ، أَيْ: فَلَيْسَ لِيَ اطِّلَاعٌ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ قُلْتُهُ بِحَسْبَ الظَّنِّ لِشُهُودِي إِذْ ذَاكَ إِلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَاسْتِغْرَاقِي فِي عَجَائِبَ قُدْرَتِهِ وَغَرَائِبِ قُوَّتِهِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبٍ، لَكِنَّهُ تَعَالَى قَضَى لِيُظْهِرَ حِكْمَتَهُ الْبَاهِرَةَ وَتَتَفَاوَتُ شُهُودُ عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِأَنَّ دَائِرَةَ الْأَسْبَابِ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا (إِذَا أَمَرْتُكُمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ أُمِرْتُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مِنْ أَمْرِ دِينِكِمْ أَيْ مِمَّا يَنْفَعُكُمْ فِي أَمْرِ دِينِكُمْ (فَخُذُوا بِهِ) : أَيِ افْعَلُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا نَطَقْتُ بِهِ عَنِ الْوَحْيِ (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي) .
وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ رَأْيٍ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِالدُّنْيَا الَّتِي لَا ارْتِبَاطَ لَهَا بِالدِّينِ وَأَخْطَأْتُ فَلَا تَسْتَبْعِدُوا، وَقِيلَ: فَمَنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْهُ (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) ، أَيْ: فَإِنِّي بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ كَمَا جَاءَ فِي خَبَرِ أَحْمَدَ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ يَلْتَفِتُ غَالِبًا إِلَّا إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
وَفِي ” الْمَصَابِيحِ ” فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ! .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

testogen

148 – وَعَنْ أَبِي مُوسَى – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنِي، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ! فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ.
فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ، فَنَجَوْا.
وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ» ” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

148 – (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّمَا مَثَلِي) : الْمَثَلُ بِفَتْحَتَيْنِ الصِّفَةُ الْعَجِيبَةُ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْمَثَلِ الَّذِي هُوَ النَّظِيرُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْقَوْلِ السَّائِرِ: الْمَثَلُ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَوْلًا فِيهِ غَرَابَةٌ مِنْ قِصَّةٍ وَحَالٍ وَصِفَةٍ (وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ) ، أَيْ: إِلَى أُمَّتِي، وَقِيلَ (مَا) بِمَعْنَى (مِنْ) ، أَيْ: مَنْ أَرْسَلَنِي إِلَيْهِ (كَمَثَلِ رَجُلٍ) : قِيلَ: هَذَا مِنَ التَّشْبِيهَاتِ الْمَفْرُوقَةِ وَهِيَ أَنْ يُؤْتَى بِمُشَبَّهٍ وَمُشَبَّهٍ بِهِ ثُمَّ بِآخَرَ وَآخَرَ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (أَتَى قَوْمًا) ، أَيْ: لِيُنْذِرَهُمْ بِقُرْبِ عَدُوِّهِمْ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى لِقَائِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنْجِيهِمْ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَهْرُبُونَ عَنْهُ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ أَجِلَّتِهِمْ وَأَمِينٌ مِنْ أَخْبَارِهِ عِنْدَهُمْ (فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ) ، أَيْ: أَبْصَرْتُ (الْجَيْشَ) ، أَيِ: الْعَسْكَرَ الْكَثِيرَ الْمُتَوَجِّهَ إِلَيْكُمْ (بِعَيْنِي) : لِلتَّأَكُّدِ وَدَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ، وَهُوَ بِالتَّثْنِيَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ.
وَرُوِيَ بِالْإِفْرَادِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ) : فِيهِ الْحَصْرُ (الْعُرْيَانُ) ، أَيْ: بِلَا غَرَضٍ، وَالنَّذِيرُ الْعُرْيَانُ: مَثَلٌ مَشْهُورٌ سَائِرٌ بَيْنَ الْعَرَبِ يُضْرَبُ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَدُنُوِّ الْمَحْذُورِ وَبَرَاءَةِ الْمُحَذِّرِ عَنِ التُّهْمَةِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى الْعَدُوَّ قَدْ هَجَمَ عَلَى قَوْمِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُفَاجِئَهُمْ وَكَانَ يَخْشَى لُحُوقَهُمْ قَبْلَ لُحُوقِهِ تَجَرَّدَ عَنْ ثَوْبِهِ وَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ خَشَبَةٍ وَصَاحَ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي غَشِيَهُ الْعَدُوُّ وَكَانَ رَبِيئَةَ قَوْمِهِ، أَيْ: جَاسُوسَهُمْ، فَأَخَذُوهُ وَتَعَلَّقُوا بِثِيَابِهِ فَانْسَلَّ مِنْهَا وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ فَأَنْذَرَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَالَتِهِ تِلْكَ ارْتَحَلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي سَلَبَ الْعَدُوُّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ فَأَتَى قَوْمَهُ عُرْيَانًا يُخْبِرُهُمْ فَصَدَّقُوهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ آثَارِ الصِّدْقِ، وَخُصَّ الْعُرْيَانُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي الْعَيْنِ وَأَغَرُّ وَأَشْنَعُ عِنْدَ الْبَصَرِ (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ) : فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَرَّتَيْنِ.
وَفِي نُسْخَةٍ مَرَّةً وَهُوَ بِالْمَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ مَصْدَرُ نَجَا إِذَا أَسْرَعَ.
يُقَالُ: نَاقَةٌ نَاجِيَةٌ أَيْ مُسْرِعَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالْفَاءِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: اطْلُبُوا النَّجَاءَ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ: انْجُوا وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ.
قِيلَ فِي ” شَرْحِ السُّنَّةِ ” وَبَعْضِ نُسَخِ ” الْمَصَابِيحِ ” مَرَّةً، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا مَرَّتَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَعْرُوفِ فِي ” صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: إِذَا أُفْرِدَ النَّجَاءُ مُدَّ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ فِيهَا الْقَصْرَ، وَأَمَّا إِذَا كُرِّرَ فَفِيهِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ مَعًا اهـ.
وَنَقَلَ الْأَبْهَرِيُّ عَنِ الشَّيْخِ بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِمَدِّ الْأُولَى وَقَصْرِ الثَّانِيَةِ وَبِالْقَصْرِ فِيهِمَا تَخْفِيفًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: اطْلُبُوا النَّجَاءَ بِأَنْ تُسْرِعُوا الْهَرَبَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَاوَمَةَ ذَلِكَ الْجَيْشِ (فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِطَاعَةُ تَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ يَعْنِي فَيَحْسُنُ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: كَذَّبَتْ فِيمَا يَأْتِي (فَأَدْلَجُوا) : هَمْزَةُ قَطْعٍ ثُمَّ سُكُونٌ هُوَ الصَّحِيحُ، أَيْ: سَارُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ سَارُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي مَدْلُولِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَأَمَّا بِالْوَصْلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ فَلَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: سَارُوا فِي الدُّلْجَةِ وَهِيَ الظُّلْمَةُ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَالدُّلْجَةُ أَيْضًا السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ، وَكَذَا الدَّلْجُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَادَّلَجُوا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ سَارُوا آخِرَ اللَّيْلِ (فَانْطَلَقُوا) ، أَيْ: ذَهَبُوا وَسَارُوا (عَلَى مَهْلِهِمْ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَهْلُ بِالْحَرَكَةِ الْهَيْئَةُ وَالسُّكُونُ وَبِالسُّكُونِ الْإِمْهَالُ.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي نُسَخِ ” مُسْلِمٍ “: بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِتَاءٍ بَعْدَ اللَّامِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ ” الصَّحِيحَيْنِ ” مَهَلِهِمْ بِحَذْفِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ اهـ.
لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي نُسَخِ ” الْمِشْكَاةِ ” إِلَّا بِدُونِ التَّاءِ اخْتِيَارًا لِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَلَى لَفْظِ مُسْلِمٍ لِكَوْنِهِ أَصَحَّ (فَنَجَوْا) ، أَيْ: بِسَبَبِ تَصْدِيقِ الْمُنْذِرِينَ (وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّكْذِيبُ يَسْتَتْبِعُ الْعِصْيَانَ يَعْنِي فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ) ، أَيْ: دَخَلُوا وَقْتَ الصَّبَاحِ فِي مَكَانِهِمْ (فَصَبَّحَهُمْ) : بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ (الْجَيْشُ) ، أَيْ: أَتَاهُمْ جَيْشُ الْعَدُوِّ صَبَاحًا لِلْإِغَارَةِ (فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ) : بِالْجِيمِ فِي الْأُولَى وَالْمُهْمَلَةِ فِي الثَّانِيَةِ، أَيِ: اسْتَأْصَلَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ بِشُؤْمِ التَّكْذِيبِ، وَهَذَا فَائِدَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (فَذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَثَلُ الْمَذْكُورُ (مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ (مَا جِئْتُ بِهِ) ، أَيْ: مِنَ الْحَقِّ، وَهَذَا لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَرْوَحَ بِظَاهِرِ الطَّاعَةِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ (وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ) .
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: مِنَ التَّشْبِيهَاتِ الْمَفْرُوقَةِ شَبَّهَ ذَاتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالرَّجُلِ، وَمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ إِنْذَارِ الْقَوْمِ بِعَذَابِ اللَّهِ الْقَرِيبِ بِإِنْذَارِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ بِالْجَيْشِ الْمُصَبِّحِ، وَشَبَّهَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَنْ عَصَاهُ بِمَنْ صَدَّقَ الرَّجُلَ فِي إِنْذَارِهِ، وَكَذَّبَهُ اهـ.
فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا
لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي شَبَّهَ الْقُلُوبَ الرَّطْبَةَ بِالْعُنَّابِ وَالْيَابِسَةِ بِالْحَشَفِ عَلَى التَّفْرِيقِ بِطَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

149 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا.
هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوَهَا، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ! فَتَغْلِبُونِي.
تَقَحَّمُونَ فِيهَا» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

149 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَثَلِي) ، أَيْ: صِفَتِي الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ مَعَكُمْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ أَوْ مَعَ النَّاسِ (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ) ، أَيْ: أَوْقَدَ وَزِيدَتِ السِّينُ لِلتَّأْكِيدِ (نَارًا) ، أَيْ: عَظِيمَةً (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) : الْإِضَاءَةُ فَرْطُ الْإِنَارَةِ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى وَهَاهُنَا مُتَعَدٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا وَفَاعِلُهُ (مَا حَوْلَهَا) : وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْأَمَاكِنِ.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ (مَا) مَزِيدَةً أَوْ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَضَاءَتْ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ.
وَقَوْلُهُ: مَا حَوْلَهَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، فَالضَّمِيرُ لِلنَّارِ أَيْ أَضَاءَتِ النَّارُ جَوَانِبَ تِلْكَ النَّارِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: مَا حَوْلَهُ فَالضَّمِيرُ لِلْمُسْتَوْقَدِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَمَا ظَهَرَ لِي وَجْهُ عُدُولِ صَاحِبِ ” الْمِشْكَاةِ ” إِلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَعَ كَوْنِهَا أَصَحُّ، وَمَعَ ثُبُوتِ مُوَافَقَتِهَا لِلَفْظِ الْقُرْآنِ الْأَفْصَحِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَقْصُودِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْضَحِ مَعَ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَحَلُّ خَطَلٍ (جَعَلَ) ، أَيْ: شَرَعَ (الْفَرَاشُ) : هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ دُوَيْبَةٌ: طَيْرٌ تَتَسَاقَطُ فِي النَّارِ يُقَالُ بِالْفَارِسِيِّ بَرْوَانَهْ (وَهَذِهِ الدَّوَابُّ) : قِيلَ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْفَرَاشِ وَأَنَّثَهُ نَظَرًا لِخَبَرِهِ أَوْ لِكَوْنِ الْفَرَاشِ اسْمُ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي} [النحل: 68] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِشَارَةٌ إِلَى غَيْرِ الْفَرَاشِ (الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ) ، أَيْ: عَادَتُهَا إِلْقَاءُ نَفْسِهَا فِي النَّارِ كَالْبَقِّ وَالْبَعُوضِ اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، نَعَمْ الْجَرَادُ بَعْضُهُ كَذَلِكَ (يَقَعْنَ) ، أَيِ: الْفَرَاشُ وَالدَّوَابُّ (فِيهَا، وَجَعَلَ) ، أَيِ: الْمُسْتَوْقِدُ (يَحْجُزُهُنَّ) : بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ يَمْنَعُهُنَّ (وَيَغْلِبْنَهُ) ، أَيْ: لِلْوُقُوعِ فِيهَا (فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا) ، أَيْ: يَدْخُلْنَ فِيهَا بِشِدَّةٍ وَمُزَاحَمَةٍ.
قِيلَ: التَّقَحُّمُ هُوَ الدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْهَلَاكِ وَإِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي الْهَلَاكِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّقَحُّمُ الْإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي أَمْرٍ شَاقٍّ (فَأَنَا) : الْفَاءُ فَصِيحَةٌ، أَيْ: إِذَا صَحَّ هَذَا التَّمْثِيلُ بِأَنِّي كَالْمُسْتَوْقِدِ وَأَنْتُمْ كَالْفَرَاشِ فِيمَا ذُكِرَ فَأَنَا (آخِذٌ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا اسْمُ فَاعِلٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَتَنْوِينِ الذَّالِ، وَالثَّانِي فِعْلٌ مُضَارِعٌ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَهُمَا صَحِيحَانِ (بِحُجَزِكُمْ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ جَمْعُ حُجْزَةَ وَهِيَ مَعْقَدُ الْإِزَارِ، وَمِنَ السَّرَاوِيلِ مَوْضِعُ التِّكَّةِ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَيَجُوزُ ضَمُّ الْجِيمِ فِي الْجَمْعِ (عَنِ النَّارِ) ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْحُجَزَ لِأَنَّ مَحَلَّ الزِّنَا الَّذِي هُوَ أَفْحَشُ الْفَوَاحِشِ تَحْتَهَا أَوْ لِأَنَّ أَخْذَ الْوَسَطِ أَقْوَى وَأَوْثَقُ مِنَ الْأَخْذِ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِي التَّبْعِيدِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَالْأَوَّلُ بِعِيدٌ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا) : مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: تَقْتَحِمُونَ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ (هَذِهِ) ، أَيْ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَوْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ إِلَى هُنَا وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ هَذَا أَيْ هَذَا اللَّفْظُ (رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهَا) ، أَيْ: رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مَعْنًى، وَفِي ” شَرْحِ ابْنِ حَجْرٍ ” مِثْلُهَا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً (وَقَالَ) ، أَيْ: مُسْلِمٌ (فِي آخِرِهَا) ، أَيْ: آخِرَ رِوَايَتِهِ (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (فَذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَثَلُ الْمَذْكُورُ (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا تَأْكِيدٌ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِطُولِ الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَوَّلِهِ كَقَوْلِهِ: أَنَا آخِذٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَبَيَانُهُ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ: فَأَنَا آخِذٌ إِلَخْ.
وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ: فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ أَنَا آخِذٌ إِلَخْ.
وَقَوْلُهُ (أَنَا آخِذٌ) : بِالْوَجْهَيْنِ (بِحُجَزِكُمْ) ، أَيْ: لِلتَّبْعِيدِ (عَنِ النَّارِ) : وَأَقُولُ (هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ) : كَرَّرَ لِفَرْطِ الِاهْتِمَامِ، وَالْمَعْنَى أَسْرِعُوا إِلَيِّ وَأَبْعِدُوا أَنْفُسَكُمْ عَنِ النَّارِ، قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُهُ لُمَّ أَيْ لُمَّ أَنْفُسَكُمْ إِلَيْنَا بِالْقُرْبِ مِنَّا وَهَا لِلتَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا حُذِفَ أَلِفُهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَجُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ هَلْ أَمْ أَيْ هَلْ لَكَ فِي كَذَا أَمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ قُصِدَ فَرُكِّبَ الْكَلِمَتَانِ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ ضَمِّ اللَّامِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اقْرُبْ إِلَيْنَا وَابْعُدْ عَنِ النَّارِ، فَالْخِطَابُ عَامٌّ وَمَحَلُّ هَلُمَّ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَمْنَعُكُمْ قَائِلًا: هَلُمَّ (فَتَغْلِبُونِي) : النُّونُ مُشَدَّدَةٌ إِذْ أَصْلُهُ تَغْلِبُونِي فَأَدْغَمَ نُونَ الْجَمْعِ فِي نُونِ الْوِقَايَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ بِإِدْغَامِ نُونِ الرَّفْعِ فِي نُونِ التَّأْكِيدِ اهـ.
وَرُوِيَ بِتَخْفِيفِهَا عَلَى حَذْفِ إِحْدَى النُّونَيْنِ، وَاخْتَارَ الشَّاطِبِيُّ حَذْفَ الْأَخِيرَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلَى التَّعْكِيسِ كَاللَّامِ فِي لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا (تَقَحَّمُونَ) ، أَيْ: تَتَقَحَّمُونَ (فِيهَا) .
وَهُوَ حَالٌ عَنْ فَاعِلِ تَغْلِبُونِي؟ وَقِيلَ: بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَثَلَ بِوُقُوعِ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ لِجَهْلِهِ بِمَا يَعْقُبُ التَّقَحُّمَ فِيهَا مِنَ الِاحْتِرَاقِ وَلِتَحْقِيرِ شَأْنِهَا.
قَالَ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الدَّوَابِّ وَالْفَرَاشِ لَا يُسَمَّى دَابَّةً عُرْفًا لِبَيَانِ جَهْلِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ} [الأنفال: 22] الْآيَةَ.
كُلُّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ لِطَالِبِ الدُّنْيَا الْمُتَهَالِكِ فِيهَا جَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُهْلِكَاتِ نَفْسَ النَّارِ وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] وَشَبَّهَ إِظْهَارَهُ بِمَحَارِمِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ بِبَيَانَاتِهِ الشَّافِيَةِ الْكَافِيَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِاسْتِيقَادِ الرَّجُلِ النَّارَ، وَشَبَّهَ فُشُوَّ ذَلِكَ الْكَشْفِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بِإِضَاءَةِ تِلْكَ النَّارِ مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقَدِ، وَشَبَّهَ النَّاسَ وَعَدَمَ مُبَالَاتِهِمْ بِذَلِكَ الْبَيَانِ وَالْكَشْفِ وَتَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى اللَّذَّاتِ، وَمَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِيَّاهُمْ بِأَخْذِ حُجَزِهِمْ بِالْفَرَاشِ الَّتِي يَتَقَحَّمْنَ فِي النَّارِ وَيَغْلِبْنَ الْمُسْتَوْقِدَ، وَكَمَا أَنَّ غَرَضَ الْمُسْتَوْقِدِ هُوَ انْتِفَاعُ الْخَلْقِ بِهِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ وَالِاسْتِدْفَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْفَرَاشُ لِجَهْلِهَا جَعَلَتْهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهَا، كَذَلِكَ كَانَ الْقَصْدُ بِتِلْكَ الْبَيَانَاتِ اهْتِدَاءَ تِلْكَ الْأُمَّةِ وَاحْتِمَاءَهَا عَمَّا هُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ جَعَلُوهَا مُوجِبَةً لِتَرَدِّيهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: (آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ) اسْتِعَارَةٌ مَثَّلَتْ حَالَهُ فِي مَنْعِ الْأُمَّةِ عَنِ الْهَلَاكِ بِحَالِ رَجُلٍ آخِذٍ بِحُجْزَةِ صَاحِبِهِ الَّذِي يَهْوِي فِي قَعْرِ بِئْرٍ مُرْدِيَةٍ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
فِيهِ: أَنَّ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا سَبَقَ فَإِيرَادُهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّفَاقِ هُنَا بِحَسَبِ الْمَعْنَى فِي الْأَكْثَرِ.

✩✩✩✩✩✩✩

Business and Website Traffic

150 – وَعَنْ أَبِي مُوسَى – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةً قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

150 – (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ) : الْهُدَى: الدَّلَالَةُ عَلَى الْخَيْرِ مُطْلَقًا أَوِ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْحَقِّ، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ: هُنَا الظَّاهِرُ وَالْخَفِيُّ، وَالْهُدَى وَسِيلَةٌ إِلَى الْعِلْمِ فَلِذَا قَدَّمَهُ، وَفِي الْعَوَارِفِ: الْعِلْمُ جُمْلَةً مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْقُلُوبِ وَالْمَعْرِفَةُ تَمْيِيزُ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، وَالْهُدَى وِجْدَانُ الْقُلُوبِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْهُدَى إِمَّا لِرُجُوعِهِ لِلنَّفْسِ وَرُجُوعِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ لِأَنَّهَا لِلدَّلَالَةِ وَالْعِلْمِ الْمَدْلُولِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهَا الطَّرِيقَةُ وَالْعَمَلُ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ هُدًى – أَيْ قُرْبًا مِنَ اللَّهِ – لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا.
(كَمَثَلِ الْغَيْثِ) ، أَيِ: الْمَطَرِ الْكَثِيرِ، وَاخْتَارَ اسْمَ الْغَيْثِ لِيُؤْذِنَ بِاضْطِرَارِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ إِذْ جَاءَهُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَالْغَيْثُ يُحْيِي الْبَلَدَ الْمَيِّتَ وَالْعِلْمُ يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ (أَصَابَ أَرْضًا) ، أَيْ: صَالِحَةً.
وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْغَيْثِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أَوْ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا (فَكَانَتْ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ (طَائِفَةٌ) ، أَيْ: قِطْعَةٌ، وَمِنْهَا صِفَةُ طَائِفَةٍ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا فَصَارَتْ حَالًا (طَيِّبَةٌ) : أَيْ غَيْرُ خَبِيثَةٍ بِسِبَاخٍ وَنَحْوِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ: فَكَانَتْ مِنْهَا نَقِيَّةٌ بِنُونٍ فَقَافٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَهِيَ بِمَعْنَى طَيِّبَةٍ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ هُنَا اهـ.
وَطَيِّبَةٌ مَرْفُوعَةٌ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ (طَائِفَةٌ) ، وَقَوْلُهُ: (قَبِلَتِ الْمَاءَ) ، أَيْ: دَخَلَ الْمَاءُ فِيهَا لِلِينِهَا مَنْصُوبَةٌ بِخَبَرِ كَانَتْ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ كَانَتْ، وَقَبِلَتِ الْمَاءَ صِفَةٌ لِطَيِّبَةٍ وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي لَفْظِ: أَجَادِبَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرِوَايَةُ قِيلَتْ بِالتَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ قِيلَ تَصْحِيفٌ، وَقِيلَ: صَحِيحَةٌ، وَمَعْنَاهُ شَرِبَتْ مِنَ الْقِيلِ وَهُوَ شُرْبُ بَعْضِ الْأَنْهَارِ (فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ) : بِالْهَمْزِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَقْصُورًا (وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ) : هُمَا مَعَ الْحَشِيشِ أَسْمَاءٌ لِلنَّبَاتِ، لَكِنَّ الْحَشِيشَ مُخْتَصٌّ بِالْيَابِسِ.
وَالْعُشْبُ بِالضَّمِّ وَالْكَلَا مَقْصُورًا مُخْتَصَّانِ بِالرَّطْبِ، وَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ عَلَى زِنَةِ جَبَلٍ يَقَعُ عَلَى الْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، فَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ أَنْسَبُ لِيَكُونَ عَطْفُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ (وَكَانَتْ مِنْهَا) : أَيْ مِنَ الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ أَوْ مِنَ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ (أَجَادِبُ) : كَذَا فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ أَجْدَبَ وَهِيَ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ مِنَ الْجَدْبِ وَهُوَ الْقَحْطُ، سَمَّاهَا أَجَادِبَ لِأَنَّهَا لِصَلَابَتِهَا لَا تَنْبُتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: إِخَاذَاتٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ قَبْلَهَا أَلِفٌ جَمْعُ إِخَاذَةٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ، وَرُوِيَ أَجَاذِبُ بِجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَمَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ مَرْدُودَةٌ (أَمْسَكَتْ) ، أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ، أَوِ الْأَجَادِبُ (الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا) : أَيْ بِالْأَجَادِبِ أَوْ بِتِلْكَ الْأَرْضِ (النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا) ، أَيْ: دَوَابَّهُمْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ أَسْقَوْا: قُلْتُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ وَتَجْوِيزُ اللُّغَوِيِّ غَيْرُ مُرَادٍ (وَزَرَعُوا) .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: وَرَعَوْا مِنَ الرَّعْيِ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ زَرَعُوا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ اهـ.
وَفِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ: زَرَعُوا مُوَافِقًا لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ أَصْلًا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَعَوْا مِنَ الرَّعْيِ، وَرِوَايَةُ: وَزَرَعُوا قِيلَ تَصْحِيفٌ، وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَرَعُوا بِهِ غَيْرَ تِلْكَ الْأَرْضِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ رَبْطٌ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ رَعَوْا تَشْوِيشُ النَّشْرِ لِأَنَّ الشُّرْبَ وَالسَّقْيَ لِلْقِسْمِ الثَّانِي، وَالرَّعْيَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الثَّانِي جَامِعًا لِلثَّلَاثِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الزَّرْعِ وُصُولُ الرَّعْيِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْقِسْمِ الثَّانِي مَرْزُقُونَ مِنْ جَمِيعِ النِّعَمِ مُنْفِقُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَهُمْ كَامِلُونَ مُكَمِّلُونَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ) ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ التَّقْسِيمُ تَرَقِّيًا ثُمَّ تَدَلِّيًا (وَأَصَابَ) ، أَيِ: الْغَيْثُ (مِنْهَا) : أَيْ مِنَ الْأَرْضِ (طَائِفَةً) ، أَيْ: قِطْعَةً (أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ) : تِلْكَ الطَّائِفَةُ (قِيعَانٌ) : بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قَاعٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً) : لِأَنَّهَا سَبْخَةٌ (فَذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَذْكُورُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ (مِثْلُ مَنْ فَقُهَ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَشْهُورُ الضَّمُّ إِذَا فَهِمَ وَأَدْرَكَ الْكَلَامَ، وَالضَّمُّ أَجْوَدُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ الشَّرْعِيَّ صَارَ سَجِيَّةً لَهُ (فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ) ، أَيْ: بِالْعَمَلِ (فَعَلِمَ وَعَلَّمَ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ.
هَذَا مَثَلُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الَّتِي قَبِلَتِ الْمَاءَ وَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ، فَقَبُولُ الْمَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنْبَاتُ الْكَلَأِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْلِيمِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ) ، أَيْ: بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ (رَأْسًا) ، أَيْ: لِلتَّكَبُّرِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، يُقَالُ: لَمْ يَرْفَعْ فُلَانٌ رَأْسَهُ بِهَذَا أَيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مِنْ غَايَةِ تَكَبُّرِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَدَمُ رَفْعِ رَأْسِهِ بِالْعِلْمِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِعَدَمِ الْعَمَلِ، أَوِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِثْلُ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ (وَالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعْدَادَاتِ لَيْسَتْ بِمُكْتَسَبَةٍ، بَلْ هِيَ مَوَاهِبُ رَبَّانِيَّةٌ وَكَمَالُهَا أَنْ تَسْتَفِيضَ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، فَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ الْفَقِيهَ مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: ذَكَرَ فِي تَقْسِيمِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةً، وَفِي تَقْسِيمِ النَّاسِ قِسْمَيْنِ: مَنْ فَقُهَ وَمَنْ أَبَى وَلَمْ يَرْفَعْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ مِنَ الْأَرْضِ كَقِسْمٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ قِسْمَانِ: مَنْ يَقْبَلُ الْعِلْمَ وَأَحْكَامَ الدِّينِ وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُمَا، وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَالنَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَنْ يَقْبَلُ بِقَدْرِ مَا يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الْفَتْوَى وَالتَّدْرِيسِ، وَثَانِيهَا: مَنْ يَبْلُغُهُمَا، وَثَالِثُهَا: مَنْ لَا يَقْبَلُ الْعِلْمَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: اتَّفَقَ الشَّارِحُونَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَالْحَدِيثُ يَنْصُرُ الْأَوَّلَ، فَعَلَى هَذَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الطَّرَفَانِ الْعَالِي فِي الِاهْتِدَاءِ، وَالْغَالِي فِي الضَّلَالِ، وَتَرَكَ قِسْمَانِ مَنِ انْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنْ نَفَعَ فِي غَيْرِهِ اهـ.
وَجَعَلَ الْخَطَّابِيُّ الْقِسْمَةَ ثُنَائِيَّةً بِجَعْلِ الْعُلَمَاءِ قِسْمًا وَالْجُهَلَاءِ قِسْمًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى كَوْنِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ اهـ.
وَخَالَفَهُمُ ابْنُ حَجْرٍ وَجَعَلَ الْقِسْمَةَ ثُلَاثِيَّةً، وَأَغْرَبَ حَيْثُ جَعَلَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ أَفْضَلَهَا مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأَرْضِ لَا يُسَاعِدُهُ، ثُمَّ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ حَيْثُ جَعَلَ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا مُنْحَصِرَةً فِي الْفُقَهَاءِ، وَجَعَلَ بَقِيَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى، وَجَعَلَهُمْ كَالْأَتْبَاعِ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي فَنٍّ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِالْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ فَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ الْكَامِلِينَ الْمُكَمِّلِينَ، فَكَأَنَّهُ ذُهِلَ عَنْ قَوْلِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَّالِيِّ: ضَيَّعْتُ قِطْعَةً مِنَ الْعُمُرِ الْعَزِيزِ فِي تَصْنِيفِ الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ، لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ – كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 60 – 53] فَالْأَظْهَرُ كَلَامُ الْمُظْهِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.
ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِي التَّشْبِيهِ مِنَ اللَّطَافَةِ حَيْثُ جَعَلَ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ الْوَحْيِ مُشَبَّهًا بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَاسِمٌ وَوَاسِطَةٌ فِي إِيصَالِ الْفَيْضِ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ مُشَبَّهٌ بِالسَّحَابِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ وَقُلُوبِ الْعِبَادِ مُشَبَّهَةٌ بِالْأَرَاضِي الْمُخْتَلِفَةِ، فَالْأَوَّلُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَغَيْرُهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْسُوسِ.
بِمِثْلِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58] ثُمَّ الْخَبِيثُ كَأَنَّهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} [الأنعام: 99] الْآيَهَ وَقَدْ قِيلَ: عَلَى مَا فِي الْبَغَوِيِّ قَوْلُهُ {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الأنعام: 99] هَذَا مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ، وَالْأَوْدِيَةُ مَثَلٌ لِلْقُلُوبِ يُرِيدُ: يَنْزِلُ الْقُرْآنُ فَتَحْتَمِلُ مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ وَالْعَقْلِ وَالشَّكِّ وَالْجَهْلِ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} [الرعد: 17] رُؤْيَتُكَ لِأَعْمَالِكَ.
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} [الرعد: 17] عِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [الرعد: 17] فَهُوَ الْيَقِينُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

151 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] وَقَرَأَ إِلَى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269] .
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَإِذَا رَأَيْتَ – وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُمُ – الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

151 – (وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمران: 7] ، أَيِ: الْقُرْآنَ (مِنْهُ) : أَيْ بَعْضِهِ {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] : وَهِيَ مَا أَمِنَ مِنِ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ، كَالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ (وَقَرَأَ إِلَى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269] يُحْتَمَلُ الِاخْتِصَارُ فِي الذِّكْرِ مِنْ عَائِشَةَ، أَوْ مِمَّنْ دُونَهَا، وَالتَّتِمَّةُ: هُنَّ أَيْ تِلْكَ الْآيَاتُ: {أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] أَيْ أَصْلُهُ، وَأُخَرُ أَيْ آيَاتٌ أُخَرُ {مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] الْمُتَشَابَهُ: مَا بَلَغَ فِي الْخَفَاءِ غَايَتُهُ وَلَا يُرْجَى مَعْرِفَتَهُ كَقَوْلِهِ: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] ، {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] أَيْ مَيْلٌ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران: 7] أَيْ يَبْحَثُونَ فِيهِ {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7] ، أَيْ: لِطَلَبِ الْفِتْنَةِ، يَعْنِي إِيقَاعَ الشَّكِّ وَالْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ {وَابْتِغَاءِ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] لِاسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ {وَالرَّاسِخُونَ} [آل عمران: 7] مُبْتَدَأٌ أَيِ الثَّابِتُونَ {فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] ، أَيْ: فِي عِلْمِ الدِّينِ {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] ، أَيْ: بِالْمُتَشَابِهِ وَوَكَلْنَا عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفٌ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
كُلٌّ أَيْ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ {مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، أَيْ: نُزِّلَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ حَقٌّ وَصَوَابٌ وَحِكْمَةُ وُقُوعِ الْمُتَشَابِهِ فِيهِ إِعْلَامٌ (لِلْعُقُولِ) – بِقُصُورِهَا لِتَسْتَسْلِمَ لِبَارِئِهَا وَتَعْتَرِفَ بِعَجْزِهَا وَتَسْلَمَ مِنَ الْغُرُورِ وَالْعَجَبِ وَالتَّكَبُّرِ وَالتَّعَزُّزِ {وَمَا يَذَّكَّرُ} [آل عمران: 7] ، أَيْ: يَتَّعِظُ وَيَنْتَفِعُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَوْعِظَةِ {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] ، أَيْ: أَصْحَابُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ مِنْ عِلَلِ الْخَوَاطِرِ السَّقِيمَةِ.
(قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَإِذَا رَأَيْتَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ، أَيْ: أَيُّهَا الرَّائِي، وَحُكِيَ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لِعَائِشَةَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَامًا (وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُمْ) : وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؟) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَقْتَصِرُونَ عَلَى تَتَبُّعِ الْمُتَشَابِهِ، وَيُحْتَمَلُ الْإِطْلَاقُ سَدًّا لِلْبَابِ (فَأُولَئِكَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَقِيلَ بِالْكَسْرِ (الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ) : أَهْلَ الزَّيْغِ أَوْ زَائِغَيْنِ لِقَوْلِهِ: فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ (فَاحْذَرُوهُمْ) ، أَيْ: لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُكَالِمُوهُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.

✩✩✩✩✩✩✩

pregnancy nutrition

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَأَيْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ، وَلِهَذَا جَمَعَهُ فِي: فَاحْذَرُوهُمْ وَفِي بَعْضِهَا بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى خِطَابِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ بَيَانًا لِشَرَفِهَا وَغَزَارَةِ عِلْمِهَا كَمَا يُقَالُ: يَا فُلَانُ افْعَلُوا كَيْتَ وَكَيْتَ لِرَئِيسِ الْقَوْمِ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَتَقَدُّمِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ: أَنَّ هَذَا التَّحْقِيقَ يَسْتَدْعِي حُضُورَ قَوْمٍ مَعَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ خِطَابُ الْمُذَكَّرِ الْجَمْعِ عَلَى تَعْظِيمِهَا تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الرِّجَالِ لِكَمَالِ عَقْلِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ اخْتِلَافٍ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ مِثْلُ الِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ الْقُرْآنِ، أَوْ فِي مَعْنًى لَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، أَوْ فِيمَا يُوقِعُ فِي شَكٍّ وَشُبْهَةٍ وَفِتْنَةٍ وَخُصُومَةٍ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ لِاسْتِنْبَاطِ فُرُوعٍ فِي الدِّينِ مِنْهُ، وَمُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْفَائِدَةِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَفَضِيلَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآنَ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْوَقْفِ عَلَى الْجَلَالَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ عِلْمَ الْمُتَشَابَهِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُنَافِي هَذَا جَعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرِينَ الْوَقْفَ عَلَى الْعِلْمِ الْمُفِيدِ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِيهِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابَهِ؟ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَلِمُوهُ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ الْمُرَادَةَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَلِمُوهُ بِصَرْفِ ظَاهِرِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَتِهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدُ فَأَمْسَكَ أَكْثَرُ السَّلَفِ عَنِ الْخَوْضِ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَشَابِهِ، وَفَوَّضُوا عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَسْلَمُ لِأَنَّ مَنْ أَوَّلَ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ مَعْنًى غَيْرَ مُرَادٍ لَهُ تَعَالَى فَيَقَعَ فِي وَرْطَةِ التَّعْيِينِ وَخَطَرِهِ، وَخَاضَ أَكْثَرُ الْخَلَفِ فِي التَّأْوِيلِ، وَلَكِنْ غَيْرَ جَازِمِينَ بِأَنَّ هَذَا مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ النُّصُوصِ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا بِذَلِكَ صَرْفَ الْعَامَّةِ عَنِ اعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِأَكْثَرِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ الْمُوَافِقَةِ لِاعْتِقَادَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا بِسَنَدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْ خَبَرٍ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

152 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمًا، قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

152 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَ: هَجَّرْتُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَتَيْتُ فِي الْهَاجِرَةِ أَيْ الظَّهِيرَةِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) .
قَالَ الْمُظْهِرُ: التَّهْجِيرُ السَّيْرُ فِي الْهَاجِرَةِ وَهِيَ وَقْتُ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَلَعَلَّ خُرُوجَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِيُدْرِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحُجْرَةِ فَلَا يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ وَالْإِسْرَاعِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ (يَوْمًا) : أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ أَوِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ (قَالَ) ، أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ (فَسَمِعَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ حُجْرَتِهِ (أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ) : صَرَّحَ الرَّضِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا أُضِيفَ الْجُزْءَانِ إِلَى مُتَضَمِّنَيْهِمَا، وَكَانَ الْمُتَضَمِّنَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَلَفْظُ الْإِفْرَادِ فِي الْمُضَافِ أَوْلَى مِنْ لَفْظِ الْمُثَنَّى، وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِيهِ أَوْلَى مِنَ الْإِفْرَادِ، وَلَكِنْ فِي عَدِّ الْأَصْوَاتِ أَجْزَاءٌ مِنْهُمَا مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَمْعَ الْأَصْوَاتِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَاتِ الرَّجُلَيْنِ صَوْتٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى مَخْرَجِهِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] أَطْلَقَ قُلُوبَ عَلَى قَلْبَيْنِ، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِهِ لِاسْتِثْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ فِيمَا هُوَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ (اخْتَلَفَا) : صِفَةُ رَجُلَيْنِ، أَيْ: تَنَازَعَا وَاخْتَصَمَا (فِي آيَةٍ) ، أَيْ: فِي مَعْنَى آيَةٍ مُتَشَابِهَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي لَفْظِهَا اخْتِلَافَ قِرَاءَةٍ (فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعْرَفُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مِنْ فَاعِلِ خَرَجَ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَغْضَبُ لِلَّهِ، فَيَشْتَدُّ بِهِ ذَلِكَ الْغَضَبُ حَتَّى يُرَى أَثَرُهُ مِنْ حُمْرَةِ اللَّوْنِ وَنَحْوِهَا فِي وَجْهِهِ الْكَرِيمِ (فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) : أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ) ، أَيِ: الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِمْ بِأَنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا شَاءَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ الْمَنْهِيِّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

153 – وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
153 – (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – هُوَ مِنَ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، يُكْنَى أَبَا إِسْحَاقَ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ: مَالِكُ بْنُ وَهِيبٍ الزُّهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَ: كُنْتُ ثَالِثَ الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ مَشْهُورًا بِذَلِكَ، تُخَافُ دَعْوَتُهُ وَتُرْجَى لِاشْتِهَارِ إِجَابَتِهَا عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ فِيهِ: اللَّهُمَّ سَدِّدْ سَهْمَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ وَجَمَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلِلزُّبَيْرِ أَبَوَيْهِ فَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا، مَاتَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي الْمَدِينَةِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا، وَلَّاهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ الْكُوفَةَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ) ، أَيْ: فِي حَقِّهِمْ وَجِهَتِهِمْ (جُرْمًا) : تَمْيِيزٌ أَيْ ذَنْبًا وَظُلْمًا كَائِنًا فِيهِمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ أَجْرَمَ الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ إِلَى أَعْظَمَ، ثُمَّ فُسِّرَ بِـ (جُرْمًا) لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأَعْظَمَ نَفْسَهُ جُرْمٌ (مَنْ سَأَلَ) ، أَيْ: نَبِيَّهُ (عَنْ شَيْءٍ) : بِالتَّنْكِيرِ (لَمْ يُحَرَّمْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّحْرِيمِ (عَلَى النَّاسِ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ شَيْءٍ بِأَنْ يَسْأَلَ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَمْ لَا؟ (فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) .
، أَيْ: فَحُرِّمَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لِأَجْلِ سُؤَالِهِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي سُؤَالِهِ، إِذْ أُمِرَ بِالسُّكُوتِ وَنُهِيَ عَنِ النُّطْقِ فَعُوقِبَ بِتَحْرِيمِ مَا سَأَلَ عَنْهُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَأَلَ عَبَثًا وَتَكَلُّفَا فِيمَا لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ كَمُسَأَلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي شَأْنِ الْبَقَرَةِ دُونَ مَنْ يَسْأَلُ سُؤَالَ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ يُثَابُ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ: أَصْلُ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْحَظْرِ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهُ إِنْ سَكَتَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ جَوَابِهِ يَكُونُ رَدْعًا لِسَائِلِهِ، وَإِنْ أَجَابَ عَنْهُ كَانَ تَغْلِيظًا لَهُ، فَيَكُونُ بِسَبَبِهِ تَغْلِيظًا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَعْظَمَ جُرْمًا لِتَعَدِّي جِنَايَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِشُؤْمِ لَجَاجِهِ، وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ لِاسْتِبَانَةِ حُكْمٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ قَالَ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قِيلَ: لَفْظُ: ” فِي الْمُسْلِمِينَ ” لَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ، وَكَذَا لَفْظُ ” عَلَى النَّاسِ “.

✩✩✩✩✩✩✩

154 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

154 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) ، أَيْ: آخِرِ زَمَانِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (دَجَّالُونَ) : مِنَ الدَّجَلِ وَهُوَ التَّلْبِيسُ جَمْعُ الدَّجَّالِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَكْرِ وَالتَّلْبِيسِ.
، أَيِ: الْخَدَّاعُونَ.
يَعْنِي: سَيَكُونُ جَمَاعَةٌ يَقُولُونَ لِلنَّاسِ: نَحْنُ عُلَمَاءُ وَمَشَايِخٌ نَدْعُوكُمْ إِلَى الدِّينِ وَهُمْ (كَذَّابُونَ) : فِي ذَلِكَ (يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) ، أَيْ: يَتَحَدَّثُونَ بِالْأَحَادِيثِ الْكَاذِبَةِ وَيَبْتَدِعُونَ أَحْكَامًا بَاطِلَةً وَاعْتِقَادَاتٍ فَاسِدَةً اهـ.
كَلَامُ الْمُظْهِرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمَوْضُوعَاتِ، وَأَنْ يُرَادَ مَا بَيْنَ النَّاسِ أَيْ يُحَدِّثُونَكُمْ بِالَّذِي مَا سَمِعْتُمْ عَنِ السَّلَفِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ.
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ فِي الصِّفَاتِ، وَعَنِ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَتَعَلُّمِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: إِيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ.
قِيلَ: وَمَا الْبِدَعُ؟ قَالَ: أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَسْكُتُونَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عِلْمًا لَتَكَلَّمُوا فِيهِ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي الْأَحْكَامِ، وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْكَلَامِ فَقَالَ: دَعِ الْبَاطِلَ؛ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْحَقِّ، اتَّبِعِ السُّنَّةَ وَدَعِ الْبِدْعَةَ.
وَقَالَ: وَجَدْتُ الْأَمْرَ فِي الِاتِّبَاعِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِمَا عَلَيْهِ الْجَمَّالُونَ، وَالنِّسَاءُ فِي الْبُيُوتِ، وَالصِّبْيَانُ فِي الْكُتَّابِ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَأَنْ يُبْتَلَى الرَّجُلُ بِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ خَلَا الشِّرْكِ بِاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلَامِ.
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لِأَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكِ بِاللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ أَلْقَاهُ بِمَسْأَلَةٍ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ: رَأْيِي وَحُكْمِي فِي أَهْلِهِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَاشْتَغَلَ بِالْكَلَامِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ فِيمَا سَبَقَ: إِنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ مِنَ الْبِدْعَةِ الْوَاجِبَةِ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ حَيْثُ الضَّرُورَةِ مِنْ غُلُوِّ الْمُبْتَدِعَةِ وَالْمُلْحِدَةِ، فَحِينَئِذٍ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دَفْعُهُمْ، وَالْمَحْذُورُ جَعْلُهُ صَنْعَةً وَعَادَةً، وَلِهَذَا كَانَ تَعَلُّمُ عِلْمِ الْكَلَامِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَسَائِرِ الصِّنَاعَاتِ الْمُبَاحَةِ.
كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَدْ أَلَّفَ الْإِمَامُ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ رِسَالَةً فِي تَحْرِيمِ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ، وَفِيهَا اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ.
(فَإِيَّاكُمْ) ، أَيْ: أَبْعِدُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْهُمْ (وَإِيَّاهُمْ) ، أَيْ: بَعِّدُوهُمْ عَنْكُمْ (لَا يُضِلُّونَكُمْ) : اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ لِقَائِلٍ: لِمَ نُبْعِدُهُمْ؟ لِئَلَّا يُضِلُّوكُمْ فَحَذَفَ الْجَارَّ وَالنَّاصِبَ فَعَادَ الْفِعْلُ إِلَى الرَّفْعِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ قِيلَ مَاذَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَذَرِ؟ فَأُجِيبَ: لَا يُضِلُّونَكُمُ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ، فَهُوَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَيُؤَيِّدُهُ إِنْ قُرِئَ ” لَا يَضُرُّكُمْ “، وَيَحْتَمِلُ الْجَزْمَ عَلَى الْجَوَابِ أَوِ النَّهْيِ، وَالْقِيَاسُ الْفَتْحُ، لَكِنَّهُ ضُمَّتِ الرَّاءُ اتْبَاعًا لِضَمَّةِ الضَّادِ الْمَنْقُولَةِ إِلَيْهَا مِنَ الرَّاءِ الْمُدْغَمَةِ، وَيَنْصُرُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ” لَا يَضُرَّكُمْ ” بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالرَّفْعِ إِثْبَاتَ النُّونِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ – وَاللَّهُ أَعْلَمُ – مَعَ أَنَّهُ مِنْ لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، أَوْ نَقُولُ: هُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ مُبَالَغَةً فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ بِالْحَذَرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ الْأَمْرِ لِوُجُودِ النُّونِ (وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ) ، أَيْ: يُوقِعُونَكُمْ فِي الْفِتْنَةِ وَهِيَ الشِّرْكُ قَالَ تَعَالَى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] أَوْ يُرَادُ بِهَا عَذَابُ الْآخِرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات: 14] .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

155 – وَعَنْهُ، قَالَ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَ {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] الْآيَةَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

155 – (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ) ، أَيِ: الْيَهُودُ (يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ (وَيُفَسِّرُونَهَا) ، أَيْ: يُتَرْجِمُونَهَا (بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) أَعَمُّ مِمَّنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَا تُصَدِّقُوا) : أَيْ فِيمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ صِدْقُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ (أَهْلَ الْكِتَابِ) ، أَيِ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا كِتَابَهُمْ (وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) : أَيْ فِيمَا حَدَّثُوا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ كَذِبُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا وَإِنْ كَانَ نَادِرًا لِأَنَّ الْكَذُوبُ قَدْ يَصْدُقُ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوَقُّفِ فِيمَا أُشَكِلُ مِنَ الْأُمُورِ وَالْعُلُومِ، فَلَا يُقْضَى بِجَوَازٍ وَلَا بُطْلَانٍ وَعَلَيْهِ السَّلَفُ وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا أَدْرِي فِيمَا يُسْأَلُونَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: مَنْ أَخْطَأَ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ وَ {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] ، أَيْ: صَدَّقْنَا مُعْتَرِفِينَ بِهِ أَوْ مُوقِنِينَ بِهِ {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] : مِنَ الْقُرْآنِ (الْآيَةُ) .
تَمَامُهَا: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِي مُوسَى وَعِيسَى} [البقرة: 136] أَيْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَهَذَا مَحَلُ الشَّاهِدِ وَالْمَقْصُودُ: رَفْعُ النِّزَاعِ ; يَعْنِي تُؤْمِنُ إِيمَانًا إِجْمَالِيًّا {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 136] تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [البقرة: 136] ، أَيْ: فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ وَبِكُتُبِهِمْ وَنَحْنُ لَهُ، أَيْ: لِلَّهِ أَوْ لِمَا أُنْزِلَ مُسْلِمُونَ، أَيْ: مُطِيعُونَ أَوْ مُنْقَادُونَ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

156 – وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

156 – (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (كَفَى بِالْمَرْءِ) : مَفْعُولُ كَفَى وَالْبَاءُ، زَائِدَةٌ (كَذِبًا) : تَمْيِيزٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْكَافِ وَسُكُونُ الذَّالِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِثْمًا ” بَدَلَ ” كَذِبًا (أَنْ يُحَدِّثَ) : فَاعِلُ كَفَى (بِكُلِّ مَا سَمِعَ) : يَعْنِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ كَذِبٌ إِلَّا تَحْدِيثُهُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ مِنْ غَيْرِ تَيَقُّنٍ أَنَّهُ صِدْقٌ أَمْ كَذِبٌ، لَكَفَاهُ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ لَا يَكُونَ بَرِيئًا مِنْهُ، وَهَذَا زَجْرٌ عَنِ التَّحْدِيثِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ، بَلْ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَبْحَثَ فِي كُلِّ مَا سَمِعَ خُصُوصًا فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلِذَا وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

157 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» “.
رَوَاهَ مُسْلِمٌ.

157 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَا مِنْ نَبِيٍّ) : زِيَادَةُ (مِنْ) لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ، وَهُوَ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ نَبِيًّا يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا وَاحِدٌ (بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: (أُمَّةٍ قَبْلِي) : قِيلَ: عَلَى رِوَايَةِ أُمَّتِهِ بِالْهَاءِ يَتَعَلَّقُ قَبْلِي بِبَعَثَ أَوْ يَكُونُ حَالًا مِنْ أُمَّتِهِ، وَعَلَى رِوَايَةِ فِي أُمَّةٍ يَكُونُ قَبْلِي صِفَةً لِأُمَّةٍ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَحْنُ نَرْوِي مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فِي أُمَّةٍ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْهَاءِ بَعْدَ التَّاءِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْأَمْثَلُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَدْ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَالْجَامِعِ وَالْمَشَارِقِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الرِّوَايَةُ بِالْهَاءِ أَصَحُّ.
قِيلَ قَوْلُهُ: نَبِيٌّ نَكِرَةٌ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُؤْتَى بِأُمَّةٍ نَكِرَةً إِذِ الْمَعْنَى مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ لِاقْتِضَاءِ مَا النَّافِيَةِ وَمِنَ الْاسْتِغْرَاقِيَّةِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ (إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِي أُمَّتِهِ عِبَارَةٌ عَنِ النَّكِرَةِ فَهُوَ كَالتَّعْرِيفِ بِاللَّامِ بَعْدَ النَّكِرَةِ (حَوَارِيُّونَ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَخُفِّفَ فِي الشَّوَاذِّ أَيْ نَاصِرُونَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَوَارِيُّ الرَّجُلِ صَفْوَتُهُ وَخَالِصَتُهُ الَّذِي أُخْلِصَ وَنُقِيَّ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَقِيلَ: صَاحِبُ سِرِّهِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِ وَصَفَاءِ طَوِيَّتِهِ مِنَ الْحَوَرِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ، وَقِيلَ: الْحَوَارِيُّ الْقِصَارُ بِلُغَةِ النَّبْطِ، وَكَانَ أَصْحَابُ عِيسَى قَصَّارِينَ لِأَنَّهُمْ يُحَوِّرُونَ الثِّيَابَ أَيْ يُبَيِّضُونَهَا فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الِاسْمُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَنْ يَنْصُرُ نَبِيًّا وَيَتَّبِعُ هُدَاهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ تَشْبِيهًا بِأُولَئِكَ (وَأَصْحَابٌ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ الْأَصْحَابُ غَيْرَ الْحَوَارِيِّينَ أَعَمُّ مِنْهُمْ (يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ) ، أَيْ: بِهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ) ، أَيْ: يَتْبَعُونَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (ثُمَّ) : إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي التَّرَاخِي الزَّمَانِيِّ وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى الْبُعْدِ فِي الْمَرْتَبَةِ (إِنَّهَا) : الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ (تَخْلُفُ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ تَحْدُثُ (مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ) : بِضَمِّ الْخَاءِ جَمْعُ خَلْفٍ بِسُكُونِ اللَّامِ مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ الرَّدِيءُ مِنَ الْأَعْقَابِ، أَوْ وَلَدُ السُّوءِ كَعَدْلٍ وَعُدُولٍ.
قَالَ تَعَالَى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59] وَالْخَلَفُ بِفَتْحَتَيْنِ يُجْمَعُ عَلَى أَخْلَافٍ كَمَا يُقَالُ: سَلَفٌ وَأَسْلَافٌ وَهُوَ الصَّالِحُ مِنْهُمْ (يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) : وَصْفُ الْخُلُوفِ بِأَنَّهُمْ مُتَّصِفُونَ وَمُتَمَدِّحُونَ.
بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَيْثُ يَقُولُونَ: فَعَلْنَا مَا أُمِرْنَا وَلَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ فَعَلُوا مَا نُهُوا عَنْهُ وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: (وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ) : وَهُوَ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} [آل عمران: 188] وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ – كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 – 3] وَأَمَّا السَّلَفُ الصَّالِحُ ; فَإِنَّهُمْ لَمَّا اقْتَدَوْا بِسُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَسِيرَةِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – انْخَرَطُوا فِي سِلْكِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ) : جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَنْ حَارَبَهُمْ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ (بِيَدِهِ فَهُوَ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ (مُؤْمِنٌ) : بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ (وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ) ، أَيْ: أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ (بِقَلْبِهِ) : بِأَنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ وَلَوْ قَدَرَ لَحَارَبَهُمْ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ (فَهُوَ مُؤْمِنٌ) ، قِيلَ: التَّنْكِيرُ فِي مُؤْمِنٍ لِلتَّنْوِيعِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَالثَّالِثَ عَلَى نُقْصَانِهِ، وَالثَّانِي عَلَى الْقَصْدِ فِيهِ (وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) : هِيَ اسْمُ لَيْسَ، وَمِنَ الْإِيمَانِ صِفَتُهُ قُدِّمَتْ فَصَارَتْ حَالًا، وَرَاءَ ذَلِكَ خَبَرُهُ، ثُمَّ ذَهَبَ الْمُظْهِرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ فِي الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارَ بِهِ إِلَى الْإِيمَانِ فِي الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ مِنْ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُنْكِرْ بِالْقَلْبِ رَضِيَ بِالْمُنْكَرِ وَهُوَ كُفْرٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْمُصَدَّرَةُ بِلَيَسَ مَعْطُوفَةً عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا بِكَمَالِهَا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، أَيْ: وَرَاءَ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ يَعْنِي مَنْ لَمْ يُنْكِرْهُمْ بِالْقَلْبِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ جِهَادِهِمْ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يَسْتَحْسِنَ الْمَعَاصِيَ وَيُنْكِرَهَا بِقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْإِيمَانِ وَدَخَلَ فِيمَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَ اللَّهِ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَ أَحْكَامِهِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

158 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا.
وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

158 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهُدَى إِمَّا الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ أَوْ مُطْلَقُ الدَّلَالَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُهْدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَهُوَ بِحَسَبَ التَّنْكِيرِ شَائِعٌ فِي جِنْسِ مَا يُقَالُ هُدًى أَعْظَمُهُ هُدَى مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَأَدْنَاهُ هُدَى مَنْ دَعَا إِلَى إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ، أَيْ: لِلدَّاعِي (مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ) : فَعَمِلَ بِدَلَالَتِهِ أَوِ امْتَثَلَ أَمْرَهُ (لَا يَنْقُصُ) : بِضَمِّ الْقَافِ (ذَلِكَ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَجْرِ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) .
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ تَمْيِيزٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّقْصَ يَأْتِي لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ شَيْئًا مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ شَيْئًا مِنْ أُجُورِهِمْ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ (وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ) ، أَيْ: مَنْ أَرْشَدَ غَيْرَهُ إِلَى فِعْلِ إِثْمٍ وَإِنْ قَلَّ أَوْ أَمَرَهُ بِهِ أَوْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ (كَانَ عَلَيْهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ [لَهُ] : فَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ أَوْ لِلْمُشَاكَلَةِ مِنَ الْإِثْمِ (مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) .
قَالَ الْقَاضِي: أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ إِلَّا أَنَّ عَادَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ جَرَتْ بِرَبْطِهَا بِهَا ارْتِبَاطَ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي صُدُورِهِ بِوَجْهٍ، فَكَمَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى مَا يُبَاشِرُهُ يَتَرَتَّبُ أَيْضًا عَلَى مَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ فِعْلِهِ كَالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَالْبَحْثِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْجِهَةُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْمُسَبَّبُ الْأَجْرَ غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْمُبَاشِرُ لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا اهـ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ لَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ مُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ تَضَاعُفِ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ بِمَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحَدُّ.
وَكَذَا السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ السَّلَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلَفِ، وَكَذَا الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَتْبَاعِهِمْ، وَبِهِ يُعْرَفُ فَضْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ – فِي كُلِّ طَبَقَةٍ وَحِينٍ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَنْبِيهٌ: لَوْ تَابَ الدَّاعِي لِلْإِثْمِ وَبَقِيَ الْعَمَلُ بِهِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ إِثْمُ دَلَالَتِهِ بِتَوْبَتِهِ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا أَوْ لَا لِأَنَّ شَرْطَهَا رَدُّ الظُّلَامَةِ وَالْإِقْلَاعِ وَمَا دَامَ الْعَمَلُ بِدَلَالَتِهِ مَوْجُودًا فَالْفِعْلُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ وَلَمْ يُقْلِعْ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا وَالْمُنْقَدِحُ الْآنَ الثَّانِي اهـ.
وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ نَقُولَ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ رَدُّ الْمَظَالِمِ مُقَيَّدٌ بِالْمُمْكِنِ، وَإِقْلَاعُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ حَتْمًا، وَأَيْضًا اسْتِمْرَارُ ثَوَابِ الِاتِّبَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى اسْتِدَامَةِ رِضَا الْمَتْبُوعِ بِهِ، فَإِذَا تَابَ وَنَدِمَ انْقَطَعَ، كَمَا أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْهُدَى إِنْ وَقَعَ فِي الرَّدَى – نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ – انْقَطَعَ ثَوَابُ الْمُتَابَعَةِ لَهُ، وَأَيْضًا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُفَّارِ دُعَاةً إِلَى الضَّلَالَةِ، وَقُبِلَ مِنْهُمُ الْإِسْلَامُ لِمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فَالتَّوْبَةُ كَذَلِكَ بَلْ أَقْوَى، فَإِنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

159 – وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

159 – (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، فِي الْأَزْهَارِ: بَدَا بِلَا هَمْزَةٍ أَيْ ظَهَرَ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِالْهَمْزَةِ مِنَ الِابْتِدَاءِ، كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: بَدَأَ بِالْهَمْزَةِ مِنَ الِابْتِدَاءِ كَذَا ضَبَطَاهُ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَمَّا بَدَأَ أَوَّلَ الْوَهْلَةِ نَهَضَ بِإِقَامَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ نَاسٌ قَلِيلُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَشَرَّدُوهُمْ عَنِ الْبِلَادِ فَأَصْبَحُوا غُرَبَاءَ أَوْ فَيُصْبِحُ أَحَدُهُمْ مُعْتَزِلًا مَهْجُورًا كَالْغُرَبَاءِ، ثُمَّ يَعُودُ آخِرًا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهِ إِلَّا الْأَفْرَادُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَسَيَعُودُ) ، أَيْ: فِي آخِرِ الزَّمَانِ (كَمَا بَدَأَ (: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْحَالَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، لِقِلَّةٍ مَنْ كَانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ وَقِلَّةِ مَنْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الْآخَرِ) فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ (: الْمُتَشَبِّثِينَ بِذَيْلِهِ يَعْنِي: الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ لِصَبْرِهِمْ عَلَى الْأَذَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغُرَبَاءِ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ هَجَرُوا إِلَى اللَّهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ سُنَّتِهِ كَمَا وَرَدَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي لِلتِّرْمِذِيِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا أَنْ يُسْتَعَارَ الْإِسْلَامُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْغُرْبَةُ هِيَ الْقَرِينَةُ فَيَرْجِعُ مَعْنَى الْوَحْدَةِ وَالْوَحْشَةِ إِلَى نَفْسِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَجْرِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَالْكَلَامُ عَلَى التَّشْبِيهِ وَالْوَحْشَةِ بِاعْتِبَارِ ضَعْفِ الْإِسْلَامِ وَقِلَّتِهِ، فَعَلَى هَذَا: غَرِيبًا إِمَّا حَالٌ أَيْ بَدَأَ الْإِسْلَامُ مُشَابِهًا لِلْغَرِيبِ أَوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أَيْ ظُهُورَ الْغُرَبَاءِ فَرِيدًا وَحِيدًا لَا مَأْوَى لَهُ حَتَّى تَبَوَّأَ دَارَ الْإِيمَانِ.
أَعْنِي: طِيبَةً فَطُوبَى لَهُ وَطَابَ عَيْشًا، ثُمَّ أَتَمَّ اللَّهُ نُورَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ فَيَعُودُ آخِرَ الْأَمْرِ وَحِيدًا شَرِيدًا إِلَى طِيبَةَ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لَهُ، وَلَهْفِي عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ: الْإِيمَانُ لَيَأْرِزُ اهـ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

160 – وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ) فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ، وَحَدِيثَيْ مُعَاوِيَةَ وَجَابِرٍ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) .
وَالْآخَرُ (لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ: ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
160 – (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ) : بِالْكَسْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَرُوِيَ بِالْفَتْحِ، وَحُكِيَ بِالضَّمِّ (إِلَى الْمَدِينَةِ) ، أَيْ: يَأْوِي وَيَنْضَمُّ وَيَنْقَبِضُ وَيَلْتَجِئُ إِلَيْهَا أَيْ تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) ، أَيْ: ثُقْبِهَا.
مِنْ أَرِزَتِ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَى ذَنَبِهَا الْقَهْقَرَى، قِيلَ: هِيَ أَشَدُّ فِرَارًا وَانْضِمَامًا مِنْ غَيْرِهَا، فَلِهَذَا شُبِّهَ بِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يَفِرُّونَ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وِقَايَةً بِهَا عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهَا وَطَنُهُ الَّذِي ظَهَرَ وَقَوِيَ بِهَا، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ الزَّمَانِ حِينَ يَقِلُّ الْإِسْلَامُ، وَقِيلَ: هَذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِاجْتِمَاعِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِيهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَدِينَةِ جَمِيعُ الشَّامِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّامِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمَدِينَةُ وَجَوَانِبُهَا وَحَوَالَيْهَا لِيَشْمَلَ مَكَّةَ فَيُوَافِقَ رِوَايَةَ الْحِجَازِ وَهَذَا أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ) ، أَيْ: إِلَى آخِرِهِ (فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَنَذْكُرُ (وَحَدِيثَيْ مُعَاوِيَةَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَجَابِرٍ) : عَطْفٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) ، أَيْ: أَحَدِهِمَا أَوْ لَهُ هَذَا (وَ) : الْآخَرُ (لَا يَزَالُ) : بِالْيَاءِ أَوِ التَّاءِ (طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي) : كِلَاهُمَا (فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
وَهُوَ اعْتِذَارٌ مُتَضَمِّنٌ لِاعْتِرَاضٍ؛ تَأَمَّلْ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
161 – عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «أُتِي نَبِيُّ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ، وَلِتَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ.
قَالَ: (فَنَامَتْ عَيْنِي، وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَعَقَلَ قَلْبِي) .
قَالَ: فَقِيلَ لِي: سَيِّدٌ بَنَى دَارًا، فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَأَرْسَلَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ، لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ) .
قَالَ: (فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ» ) .
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
161 – (عَنْ رَبِيعَةَ) : هُوَ ابْنُ عَمْرٍو (الْجُرَشِيُّ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ نَاحِيَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ.
كَذَا فِي الِاسْتِيعَابِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: أُتِيَ) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (نَبِيُّ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، أَيْ: أَتَاهُ آتٍ (فَقِيلَ لَهُ) ، أَيْ: لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (لِتَنَمْ عَيْنَكَ، وَلِتَسْمَعْ: بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا (أُذُنُكَ) : بِضَمِّ الذَّالِ وَسُكُونِهَا (وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ) .
قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ: أَتَى مَلَكٌ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ لَا تَنْظُرْ بِعَيْنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُصْغِ بِأُذُنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُجْرِ شَيْئًا فِي قَلْبِكَ أَيْ كُنْ حَاضِرًا حُضُورًا تَامًّا لِتَفْهَمَ هَذَا الْمَثَلَ (قَالَ (فَنَامَتْ عَيْنِي) : بِالْإِفْرَادِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَيْنَايَ (وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَعَقَلَ قَلْبِي) : يَعْنِي فَأَجَابَهُ بِأَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، قِيلَ: الْأَوَامِرُ الثَّلَاثَةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْجَوَارِحِ ظَاهِرًا وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْخِلَالِ الثَّلَاثِ: نَوْمُ الْعَيْنِ وَحُضُورُ السَّمْعِ وَالْقَلْبِ، وَعَلَى هَذَا جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ: فَنَامَتْ: أَيِ امْتَثَلَتْ لِمَا أَمَرْتُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّةَ قَوْلٌ وَلَا جَوَابٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] وَقَالَ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] الْكَشَّافُ: أَخَطَرَ بِبَالِكَ النَّظَرُ فِي الدَّلَائِلِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ فَنَظَرَ فَعَرَفَ، وَالْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَعَانِيَ فَاجْتَمَعَتْ فِيهِ، كَذَا حَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ، وَرَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يُرَكَّبَ فِي الْجَمَادِ عَقْلٌ وَيُخَاطَبُ، وَيَكُونُ مَعْنَى أَسْلَمَ اسْتَسْلِمْ لِأَمْرِي اسْتِسْلَامًا يَلِيقُ بِخَلَّتِكَ وَجُعِلُ النَّوْمُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ بِهِ الْإِخْبَارُ عَنْهُ، أَيْ: أَنْتَ نَائِمٌ سَامِعٌ وَاعٍ لِأَنَّ الْمَلَكَ إِنَّمَا جَاءَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِمْرَارِ فِي الْكُلِّ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ نَوْمَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا لَا يَسْتَوْلِي عَلَى قُلُوبِهِمْ لَا يَسْتَوْلِي عَلَى أَسْمَاعِهِمْ، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ أَنَّ نَوْمَهُمْ إِنَّمَا يَسْتَوْلِي عَلَى ظَوَاهِرَ أَبْدَانِهِمْ، وَمِنْهَا الْعَيْنُ دُونَ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَسْمَعُ لِأَنَّهَا فِي جَوْفِ الرَّأْسِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ كَالْقَلْبِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ السَّمَاعَ الْبَاطِنِيَّ غَيْرُ مَسْلُوبٍ عَنْهُ بِالنَّوْمِ فَإِنَّهُ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا السَّمَاعُ الظَّاهِرِيُّ فَمَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ.
(قَالَ) : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (فَقِيلَ لِي) ، أَيْ: بِطَرِيقِ الْمَثَلِ مِنْ جِهَةِ الْمَلَكِ (سَيِّدٌ) ، أَيْ: سَيِّدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ كَثِيرُ الْإِحْسَانِ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي هُوَ وَقَوْلُهُ: (بَنَى دَارًا) : صِفَتُهُ أَيْ مِثْلُ سَيِّدٍ بَنَى دَارًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَبَنَى خَبَرُهُ وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ سَوَّغَهُ كَوْنُهُ فَاعِلًا مَعْنًى (فَصَنَعَ مَأْدُبَةً) : بِضَمِّ الدَّالِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ أَنَّ طَعَامًا (وَأَرْسَلَ دَاعِيًا) : يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الطَّعَامِ (فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ) : بِالْإِكْرَامِ (وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ) : عَلَى وَجْهِ الْإِنْعَامِ (وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ) : بِسَبَبِ الْإِجَابَةِ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ (وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ) : تَكَبُّرًا وَعِنَادًا أَوْ جَهْلًا وَاسْتِبْعَادًا (لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ) : بَلْ طُرِدَ مِنَ الْبَابِ (وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ) : بَلْ عُذِّبَ بِالْحِجَابِ (وَسَخَطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ) : فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْوَاعُ الْعَذَابِ؟ قِيلَ: السُّخْطُ فَوْقَ الْغَضَبِ وَالْمُقْتُ فَوْقَ السُّخْطِ (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوِ الْمَلَكُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ أَرَدْتَ بَيَانَ هَذَا الْمِثَالِ (فَاللَّهُ السَّيِّدُ) ، أَيِ: الْبَانِي الْمُرْسِلُ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ تَعَالَى (وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ) : كَانَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ مَقَامِ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَذْكُورَاتِ فِي التَّمْثِيلِ كُلَّهَا مُبْتَدَآتٍ وَيُخْبِرَ عَنْهَا بِالصِّفَاتِ الْمُتَمَيِّزَاتِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَغْيِيرِ الْأُسْلُوبِ أَنَّ اللَّهَ وَمُحَمَّدًا عَلَمَانِ وَالْعَلَمُ لِكَوْنِهِ أَعْرَفَ مِنَ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَعَانِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ: زَيْدٌ أَخُوكَ، وَعَمْرٌو الْمُنْطَلِقُ، وَعَكْسُهُمَا حَيْثُ قَالُوا وَالضَّابِطُ فِي التَّقْدِيمِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلشَّيْءِ صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ التَّعْرِيفِ وَعَرَفَ السَّامِعُ اتِّصَافَهُ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَأَيُّهُمَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْرِفُ السَّامِعُ اتِّصَافَ الذَّاتِ بِهِ وَهُوَ كَالطَّالِبِ بِحَسَبِ زَعْمِكَ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْأُخْرَى يَجِبُ أَنْ تُقَدِّمَ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ تَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً، أَوْ أَيُّهُمَا كَانَ بِحَيْثُ يَجْهَلُ اتِّصَافَ الذَّاتِ بِهِ وَهُوَ كَالطَّالِبِ أَنْ تَحْكُمَ بِثُبُوتِهِ لِلذَّاتِ أَوِ انْتِفَائِهِ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ يُؤَخِّرَ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ فَتَجْعَلَهُ خَبَرًا.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ شَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ الْجَنَّةَ بِالدَّارِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِسْلَامَ بِالدَّارِ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَأْدُبَةً؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ سَبَبًا لِدُخُولِهَا اكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِالْمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ، وَلَمَّا كَانَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْجَنَّةِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ وُضِعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، وَلَمَّا كَانَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ وَبَهْجَتُهَا هُوَ الْمَطْلُوبُ الْأَصْلِيُّ جَعَلَ الْجَنَّةَ نَفْسَ الْمَأْدُبَةِ مُبَالَغَةً.
كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَوْسَعُ مِنَ الْجَنَّةِ.
قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ حَدِيثُ: «مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

162 – وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» ) .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ)
162 – (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) : مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اسْمُهُ أَسْلَمُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، كَانَ قِبْطِيًّا وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا بُشِّرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِإِسْلَامِ عَبَّاسٍ أَعْتَقَهُ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ بَدْرٍ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِيَسِيرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (لَا أُلْفِيَنَّ) : بِالنُّونِ الْمُؤَكِّدَةِ مِنَ الْإِلْفَاءِ أَيْ لَا أَجِدَنَّ.
(أَحَدَكُمْ) : وَهُوَ كَقَوْلِكَ لَا أُرِيَنَّكِ هَاهُنَا نَهَى نَفْسَهُ أَنْ تَرَاهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهُمْ عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ (مُتَّكِئًا) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) ، أَيْ: سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ بِالْحُلَلِ وَالْأَثْوَابِ فِي قُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ كَمَا لِلْعَرُوسِ يَعْنِي الَّذِي لَزِمَ الْبَيْتَ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ.
قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ التَّرَفُّهُ وَالدَّعَةُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَجَبِّرِ الْقَلِيلِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ (يَأْتِيهِ الْأَمْرُ) ، أَيِ: الشَّأْنُ مِنْ شُئُونِ الدِّينِ، وَقِيلَ اللَّامُ زَائِدَةٌ (مِنْ أَمْرِي) : بَيَانُ الْأَمْرِ أَوْ مَعْنَاهُ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي أَيِ الشَّأْنِ مِنْ شُئُونِي (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ) : بَدَلٌ مِنْ أَمْرِي (أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) : عَطَفَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَعَمُّ مِنَ الْأَمْرِ (فَيَقُولُ) : مُرَتَّبٌ عَلَى يَأْتِيهِ، وَالْجُمْلَةُ كَمَا هِيَ حَالٌ أُخْرَى مِنَ الْمَفْعُولِ وَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْصَبًّا عَلَى الْمَجْمُوعِ، أَيْ: لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ وَيَأْتِيهِ الْأَمْرُ فَيَقُولُ (لَا أَدْرِي) ، أَيْ: لَا أَعْلَمُ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَلَا أَتَّبِعُ غَيْرَهُ أَوْ لَا أَدْرِي قَوْلَ الرَّسُولِ (مَا وَجَدْنَا) : مَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ (فِي كِتَابِ اللَّهِ) ، أَيِ: الْقُرْآنِ (اتَّبَعْنَاهُ) : يَعْنِي: وَمَا وَجَدْنَاهُ فِي غَيْرِهِ لَا نَتَّبِعُهُ، أَيْ: وَهَذَا أَمْرُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ نَهَى عَنْهُ لَمْ نَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا نَتَّبِعْهُ، وَالْمَعْنَى لَا يَجُوزُ الْإِعْرَاضُ عَنْ حَدِيثِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّ الْمُعْرِضَ عَنْهُ مَعْرِضٌ عَنِ الْقُرْآنِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى – إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 – 4] وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ، كَذَا فِي الدُّرِّ، ثُمَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مُجْتَهِدًا يُنَزِّلُ اجْتِهَادَهُ مَنْزِلَةَ الْوَحْيِ لِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ، وَإِذَا أَخْطَأَ يُنَبِّهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بَالْبَيْهَقِيِّ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الْمُقَدَّرِ.

✩✩✩✩✩✩✩

163 – وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ ; أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» ) .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: (كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) .

163 – (وَعَنِ الْمِقْدَامِ) : آخِرُهُ مِيمٌ كَأَوَّلِهِ، وَهُوَ أَبُو كَرِيمَةَ عَلَى الْأَشْهَرِ وَهُوَ كِنْدِيٌّ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَلَهُ إِحْدَى وَتِسْعُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (ابْنِ مَعْدِ يكَرِبَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَأَمَّا الْبَاءُ فَيَجُوزُ كَسْرُهَا مَعَ التَّنْوِينِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُ عَلَى الْبِنَاءِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ النُّسَخِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (أَلَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ، أَيْ: أُنَبِّهُكُمْ فَتَنَبَّهُوا (إِنِّي أُوتِيتُ) ، أَيْ: أَتَانِيَ اللَّهُ (الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ) ، أَيْ: أُعْطِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَ الْقُرْآنِ – حَالَ كَوْنِهِ مُنْضَمًّا – (مَعَهُ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ غَيْرِ الْمَتْلُوِّ مِثْلَ مَا أُعْطِي مِنَ الظَّاهِرِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَحْيًا وَأُوتِيَ مِنَ التَّأْوِيلِ مِثْلَهُ، أَيْ: أُذِنَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ فِي الْكِتَابِ فَيُعَمِّمَ وَيُخَصِّصَ وَيَزِيدَ وَيَنْقُصَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَلُزُومِ قَبُولِهِ كَالظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ مِنَ الْقُرْآنِ يَعْنِي: أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَأَحْكَامًا وَمَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا تُمَاثِلُ الْقُرْآنَ فِي كَوْنِهَا وَاجِبَةَ الْقَبُولِ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ (أَلَا) : فِي تَكْرِيرِ كَلِمَةِ التَّنْبِيهِ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ نَشَأَ مِنْ غَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ وَالْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ اسْتِغْنَاءً بِالْكِتَابِ، فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْيَ عَلَى الْحَدِيثِ.
كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلِذَا رَجَّحَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ الْحَدِيثَ وَلَوْ ضَعِيفًا عَلَى الرَّأْيِ وَلَوْ قَوِيًّا (يُوشِكُ) : بِكَسْرِ الشِّينِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، أَيْ: يَقْرُبُ (رَجُلٌ شَبْعَانٌ) : بِالضَّمِّ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا وَصَفَهُ بِالشِّبَعِ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِمَّا الْبَلَادَةُ وَسُوءُ الْفَهْمِ، وَمِنْ أَسْبَابِهِ الشِّبَعُ وَكَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَإِمَّا الْحَمَاقَةُ وَالْبَطَرُ وَمِنْ مُوجِبَاتِهِ التَّنَعُّمُ وَالْغُرُورُ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ وَالشِّبَعُ يُكْنَى بِهِ عَنْ ذَلِكَ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) ، أَيْ: مُتَّكِئًا أَوْ جَالِسًا عَلَيْهَا، وَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِحَمَاقَةِ الْقَائِلِ وَبَطَرِهِ وَسُوءِ أَدَبِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْمُتَّكِئُ الْقَاعِدُ الْمُتَقَوِّي عَلَى وِطَاءٍ مُتَمَكِّنًا، وَالْعَامَّةُ لَا تَعْرِفُ الْمُتَّكِئَ إِلَّا مِنْ مَالٍ فِي قُعُودِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاتِّكَاءَ عَامٌّ فِي اللُّغَةِ شَامِلٌ لِكَلَامِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَقَامُ يَخُصُّهُ، وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» أَيْ جَالِسًا جُلُوسَ الْمُتَمَكِّنِ الْمُتَرَبِّعِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْهَيْئَاتِ الْمُسْتَدْعِيَةِ لِكَثْرَةِ الْأَكْلِ، بَلْ كَانَ جُلُوسُهُ لِلْأَكْلِ مُسْتَوْفِزًا مُقْعِيًا غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ وَلَا مُتَمَكِّنٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَيْلَ عَلَى شِقٍّ كَمَا يَظُنُّهُ عَوَامُّ الطَّلَبَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَقَامَنَا يَقْتَضِي الْمَيْلَ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ النَّاشِئِ عَنِ التَّكَبُّرِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَنْ كَثُرَ أَكْلُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِمْسَاكِ نَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ” شَبْعَانٌ ” كِنَايَةً عَنْ غُرُورِهِ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَادِّعَائِهِ أَنْ لَا مَزِيدَ عَلَى فَضْلِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ السَّالِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَائِمًا حَرِيصًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَالْجِيعَانِ ” فِي طَلَبِ الرِّزْقِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ الْعِلْمِ وَطَالَبُ الدُّنْيَا» : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُبَايَنَةِ بَيْنَهُمَا.
(يَقُولُ) ، أَيْ: لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ خَبَرٌ يُوشِكُ (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ) ، أَيِ: الْزَمُوهُ وَاعْمَلُوا بِهِ وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِهِ (فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْقُرْآنِ (مِنْ حَلَالٍ) : بَيَانٌ لِمَا (فَأَحِلُّوهُ) : أَيِ اعْتَقِدُوهُ حَلَالًا أَوْ احْكُمُوا بِأَنَّهُ حَلَالٌ وَاسْتَعْمِلُوهُ (وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ) ، أَيِ: اجْتَنِبُوهُ أَوِ انْسُبُوهُ إِلَى الْحَرَامِ اعْتِقَادًا وَحُكْمًا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكُوا السُّنَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ بَيَانَ الْقُرْآنِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا (وَإِنَّ) : هَذَا ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَهُوَ بِعِيدٌ (مَا حَرَّمَ) .
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مَا مَوْصُولَةٌ مَعْنًى مَفْصُولَةٌ لَفْظًا أَيْ الَّذِي حَرَّمَهُ (رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، أَيْ: فِي (غَيْرِ) الْقُرْآنِ (كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) ، أَيْ: فِي الْقُرْآنِ وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّحْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ إِبَاحَتُهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مَا حَرَّمَ وَأَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا حَرَّمَ وَأَحَلَّ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ) : شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْكِتَابِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا التَّحْدِيدِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ أَيْ أَثَرٌ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَفِي آيَةِ {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] الْأَثَرُ وُجُودٌ وَلَكِنَّهُ خَفِّيٌّ دَقِيقٌ أَدْرَكَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَرِهَ لَحْمَ الْخَيْلِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْأَهْلِيُّ) : التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ لِنَفْيِ عُمُومِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْبَرِّيَّ حَلَالٌ (وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) ، أَيْ: سِبَاعُ الْوُحُوشِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ أَوْ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَنَّهَا مِنَ الْخَبَائِثِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] (وَلَا لُقَطَةُ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا ضَاعَ مِنْ شَخْصٍ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ (مُعَاهِدٍ) ، أَيْ: كَافِرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ بِأَمَانٍ فِي تِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِي مَعْنَاهُ: الذِّمِّيُّ (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا) ، أَيْ: يَتْرُكُهَا لِمَنْ أَخَذَهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِأَنْ كَانَتْ شَيْئًا حَقِيرًا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ كَالنَّوَاةِ وَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِالْإِضَافَةِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي لُقَطَةِ الْمُسْلِمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ التَّخْصِيصِ الِاهْتِمَامَ بِشَأْنِ الْمُعَاهَدِ لِعَهْدِهِ لِأَنَّ النَّفْسَ رُبَّمَا تَتَسَاهَلُ فِي لُقَطَتِهِ لِكَوْنِهِ كَافِرًا وَلِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 286] إِذِ الِالْتِقَاطُ اكْتِسَابٌ فَاللُّقَطَةُ مِنَ الْكَسْبِ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِأَنَّ مَنْ تَمَلَّكَ لُقَطَةً بِشُرُوطِهَا لَا يُحَاسَبُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ بِخِلَافِ الدُّيُونِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتٍ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَعْمَالِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ أَنَّ اللَّامَ لِلْمَنْفَعَةِ وَعَلَى لِلْمَضَرَّةِ مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِقَوْلِهِ: إِذِ الِالْتِقَاطُ اكْتِسَابٌ وَاللُّقَطَةُ مِنَ الْكَسْبِ (وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ) : أَخْرَجَهُ مِنْ سِيَاقِ الْمَنْهِيَّاتِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمُضِيفِ أَنْ لَا يُكْرِمَ ضَيْفَهُ وَأَبْرَزَهُ فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَلَكِنْ خَارِجٌ مِنْ سَمْتِ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ وَهَدْيِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَيَسْتَأْهِلُ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْذَلَ وَيُسْتَهْجَنَ فِعْلُهُ، وَيُجَازَى بِكُلِّ قَبِيحٍ، وَالْمَعْنَى: مَنِ اسْتَضَافَ قَوْمًا (فَعَلَيْهِمْ) : أَيْ عَلَى الْقَوْمِ (أَنْ يُقِرُّوهُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يُضِيفُوهُ مَنْ قَرَيْتُ الضَّيْفَ قِرًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَقِرَاءً بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ إِذَا أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْأَشْرَفُ، أَيْ: سُنَّةً وَاسْتِحْبَابًا لِأَنَّ قِرَى الضَّيْفِ غَيْرُ وَاجِبٍ قَطْعًا لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ” اهـ.
وَقِيلَ: وَاجِبٌ لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَى لِلْوُجُوبِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الْأَكْثَرُونَ الْقَائِلُونَ بِنَدْبِ الْإِضَافَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ» ” وَلِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِطْعَامُهُ إِجْمَاعًا، وَقِيلَ هَذَا كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَبْعَثُ الْجُيُوشَ إِلَى الْغَزْوِ، وَكَانُوا يَمُرُّونَ فِي طَرِيقِهِمْ بِأَحْيَاءِ الْعَرَبِ لَيْسَ هُنَاكَ سُوقٌ يَشْتَرُونَ مِنْهُ الطَّعَامَ وَلَا مَعَهُمْ زَادٌ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَتَهُمْ لِئَلَّا يَنْقَطِعُوا عَنِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ وَغَلَبَتِ الشَّفَقَةُ وَالرَّحْمَةُ عَلَى النَّاسِ نُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْبَابُ (فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ) ، أَيْ: لِلنَّازِلِ (أَنْ يُعْقِبَهُمْ) : مِنَ الْإِعْقَابِ بِأَنْ يَتْبَعَهُمْ وَيُجَازِيَهُمْ مِنْ صَنِيعِهِ يُقَالُ: أَعْقَبَهُ بِطَاعَتِهِ إِذَا جَازَاهُ، وَرُوِيَ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ (بِمِثْلِ قِرَاهُ) : بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ لَا غَيْرُ.
قَالَ فِي نِهَايَةِ الْجَزَرِيِّ، أَيْ: فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَمَّا حَرَمُوهُ مِنَ الْقِرَى، يُقَالُ: عَقَّبَهُمْ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا، وَأَعْقَبَهُمْ إِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عُقْبَى وَعَقَبَةً، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَدَلًا عَمَّا فَاتَهُ، وَهَذَا فِي الْمُضْطَرِّ أَوْ مَنْسُوخٌ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ الْآتِي: وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ .
إِلَى قَوْلِهِ: إِذَا أَعْطُوكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الَّذِينَ نَزَلَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ سُكَّانِ الْبَادِيَةِ إِذَا وَضَعَ عَلَيْهِمُ الْإِمَامُ ضِيَافَةَ الْمُسْلِمِ الْمَارِّ بِهِمْ بِقَدْرِ ضِيَافَتِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ يُقَدَّرُ قَهْرًا أَوْ خِفْيَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَ بِأَخْذِ مِقْدَارِ الْقِرَى مِنْ مَالِ الْمَنْزُولِ بِهِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي نُسِخَتْ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا ذَكَرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا حَرَّمَهُ فَأَيْنَ مَا أَحَلَّهُ؟ قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَهُ أَيْضًا بِالنَّصِّ حَيْثُ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا.
وَقَالَ: فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ .
إِلَخْ.
وَعَجِيبٌ مِنَ الطِّيبِيِّ حَيْثُ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَدْفَعُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النَّظَرِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] فَخُصَّتْ مِنْهَا أَشْيَاءٌ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ وَبَقَى مَا عَدَاهَا فِي مَعْرِضِ التَّحْلِيلِ، وَخُصَّ مِنْهَا بِنَصِّ الْحَدِيثِ بَعْضٌ فَبَقِيَ سَائِرُهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَصَّ عَلَى تَحْلِيلِهَا فَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ اهـ.
وَكَلَامُ الطِّيبِيُّ كَالْمِسْكِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْلِيلِ الِابْتِدَائِيِّ نَصًّا، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ احْتِيَاجُ النَّاسِ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ تَقْرِيعٌ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ فِي قَبُولِ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ وَمُجَازَاةٍ لَهُمْ، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ إِجَازَةٌ لِأَنْ يَأْخُذُ حَقَّهُ بِيَدِ الْقُوَّةِ مِنْهُمْ، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ التَّحْلِيلِ الَّذِي هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ الْحَرَامِ حَلَالًا مَعَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْمُضْطَرِّ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِبَاحَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ تَحْلِيلٌ مُخْتَصٌّ بِالْحَدِيثِ مَعَ نَصِّهِ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) ، بِالْمَعْنَى (وَكَذَا) : رَوَى نَحْوَهُ (ابْنُ مَاجَهْ) ، لَكِنْ إِلَى قَوْلِهِ: (كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) .

✩✩✩✩✩✩✩

164 – وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ” «أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ؟ ! أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنَ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ» ” رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ: أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّيصِيُّ، قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ.

164 – (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ الْبَكَّائِينَ الْمُشْتَاقِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: كَبُرَتْ سِنِّي وَوَهَنَ عَظْمِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ (ابْنُ سَارِيَةَ) : يُكْنَى أَبَا نَجِيحٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَرْوِيَّاتُهُ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، أَيْ: خَطِيبًا أَوْ خَطَبَ (فَقَالَ: (أَيَحْسَبُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ أَيَظُنُّ (أَحَدُكُمْ) : حَالَ كَوْنِهِ (مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: بَدَلٌ مِنْ يَحْسَبُ بَدَّلَ الْفِعْلَ مِنَ الْفِعْلِ أَيْ لِلْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} [آل عمران: 188] إِلَى قَوْلِهِ: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} [آل عمران: 188] .
(إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ؟ !) ، أَيِ: الْعَظِيمِ الشَّأْنِ الْكَثِيرِ الْبَيَانِ (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنِّي) : الْوَاوُ لِلْحَالِ (وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ) : فِيهِ ثَلَاثُ تَأْكِيدَاتٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاوُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ فِي ” وَإِنَّمَا ” فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ لِلْإِنْكَارِ، أَيْ: هَمْزَةُ أَيَحْسَبُ، وَوَهَمَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: فَالْهَمْزَةُ فِي أَيَحْسَبُ لِلْإِنْكَارِ، وَكَذَا فِي أَلَا، وَحَرْفُ التَّنْبِيهِ مُقْحَمٌ .
إِلَخْ.
مَعَ مُنَاقَضَتِهِ لِقَوْلِهِ السَّابِقِ مِنْ أَنَّ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلَا النَّافِيَةُ تُفِيدُ تَحَقُّقَ مَا بَعْدَهَا، وَمِنْ ثَمَّ صُدِّرَتْ بِمَا يُصَدَّرُ بِهِ جَوَابُ الْقَسَمِ وَمِثْلُهَا (أَمَا) اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَوَقَعَ فِي (أَمَا) فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي (أَلَا) ، نَعَمْ أَصْلُ هَذِهِ الْهَمْزَةِ لِلْإِنْكَارِ لِأَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَتِ التَّحْقِيقَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ لَكِنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلِانْفِصَالِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَزَلَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَالْمَعْنَى أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَصَرَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحَالُ أَنِّي قَدْ حَرَّمْتُ، فَأَقْحَمَ حَرْفَ التَّنْبِيهِ الْمُتَضَمِّنَ لِلْإِنْكَارِ بَيْنَ الْحَالِ وَعَامِلِهَا، كَمَا أُقْحِمَ حَرْفُ الْإِنْكَارِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} [الزمر: 19] جَاءَتِ الْهَمْزَةُ مُؤَكِّدَةً مُعَادَةً بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَضَمِّنِ لِلشَّرْطِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ، ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ (عَنْ أَشْيَاءَ) : مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ فَحَسْبُ وَمُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالْمَوْعِظَةِ مَحْذُوفٌ أَيْ بِأَشْيَاءَ (إِنَّهَا) ، أَيِ: الْأَشْيَاءَ الْمَأْمُورَةَ وَالْمَنْهِيَّةَ عَلَى لِسَانِي بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى – إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَيٌّ يُوحَى} [النجم: 3 – 4] (لَمِثْلُ الْقُرْآنِ) : فِي الْمِقْدَارِ (أَوْ أَكْثَرُ) ، أَيْ: بَلُ أَكْثَرُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَكْثَرُ لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ عِلْمًا طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، إِلْهَامًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وَمُكَاشَفَةً لَحْظَةً فَلَحْظَةً فَكُوشِفَ لَهُ أَنَّ مَا أُوتِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرَ الْقُرْآنِ مِثْلُهُ، ثُمَّ كُوشِفَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ مُتَّصِلًا بِهِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] بِنَاءً عَلَى بَقَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ أَيْ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ، يُجَابُ بِأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا إِلَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ وَاسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مَا يُؤَيِّدُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ” «إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا أُحَرِّمُ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» “.
وَقَالَ: جَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الْأَئِمَّةُ شَرْحٌ لِلسُّنَّةِ، وَجَمِيعُ السُّنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ.
وَقَالَ: مَا نَزَلَ بِأَحَدٍ مِنَ الدِّينِ نَازِلَةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِحَدِيثٍ أَنْبَأْتُكُمْ بِتَصْدِيقِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا وَجَدْتُ مِصْدَاقَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ) : مِنَ الْإِحْلَالِ (أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا (أَهْلِ الْكِتَابِ) : يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ (إِلَّا بِإِذْنٍ) : كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ” إِلَّا بِإِذْنِهِمْ ” أَيْ إِلَّا أَنْ يَأْذَنُوا لَكُمْ بِالطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ كَمَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ (وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ) : يُرِيدُ الضَّرْبَ الْمَعْرُوفَ بِالْخَشَبِ يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَضْرِبُوا نِسَاءَهُمْ وَتَأْخُذُوا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْهُنَّ بِالْقَهْرِ، وَقِيلَ: الضَّرْبُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ يَعْنِي لَا تَظُنُّوا أَنَّ نِسَاءَهُمْ مُحَلَّلَاتٌ لَكُمْ كَنِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ (وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ) ، أَيْ: بِالْقَهْرِ مِنْ بَسَاتِينِهِمْ فَضْلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ (إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: مِنَ الْجِزْيَةِ، وَالْحَاصِلُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِإِيذَائِهِمْ فِي الْمَسْكَنِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ، وَإِذَا أَبَوْا عَنْهَا انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُمْ وَحَلَّ دَمُهُمْ وَمَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ.
كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُضِعَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِمْ مَوْضِعَ الْجِزْيَةِ لِيُؤْذِنَ بِفَخَامَةِ الْعِلَّةِ، وَبِأَنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ مُعَلَّلٌ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا لَمْ يُفَخَّمْ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً فِي دَارِنَا وَأَنْ يَتَمَيَّزُوا فِي زِيِّهِمْ وَمَرْكَبِهِمْ وَسُرُجِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فَلَا يَرْكَبُوا خَيْلًا وَلَا يَلْبَسُوا مَا يَخُصُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ وَيَرْكَبُوا عَلَى سُرُجٍ كَالْإِكَافِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ الَّذِي عَلَيْهِمْ بِالْجِزْيَةِ فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى غَايَتُهُ أَنَّهُ وَضَعَ ” أَعْطَوْا ” مَوْضِعَ ” فَعَلُوا ” تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهَا مُعْظَمُ مَا عَلَيْهِمْ (رَوَاهُ) : كَذَا فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ بَعْدَ قَوْلِهِ ” رَوَاهُ ” وَسَبَبُهُ تَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ فَأَلْحَقَهُ مِيرَكُ شَاهْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ.
وَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ: أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّيصِيُّ، تُكُلِّمَ فِيهِ اهـ.
وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الْأَوْلَى نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ بِالشَّامِ.

✩✩✩✩✩✩✩

165 – وَعَنْهُ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ.
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ ” أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا الصَّلَاةَ.

165 – (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ الْعِرْبَاضِ (قَالَ: صَلَّى بِنَا) ، أَيْ: إِمَامًا لَنَا (رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَاتَ يَوْمٍ) : أَقْحَمَ ذَاتَ لِدَفْعِ الْمَجَازِ أَيْ نَهَارًا (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : تَأْكِيدٌ (فَوَعَظَنَا) : بِفَتْحِ الظَّاءِ، أَيْ: نَصَحَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (مَوْعِظَةً) : وَهِيَ مَا يُوعَظُ بِهِ (بَلِيغَةً) ، أَيْ: تَامَّةً فِي الْإِنْذَارِ قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، أَيْ: وَجِيزَةَ اللَّفْظِ كَثِيرَةَ الْمَعْنَى، أَوْ بَالَغَ فِيهَا بِالْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ اهـ.
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، أَيْ: بَالَغَ فِيهَا الْإِنْذَارَ وَالتَّخْوِيفَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَجَازَةَ اللَّفْظِ وَكَثْرَةَ الْمَعْنَى مَعَ الْبَيَانِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لِأَنَّ قَوْلَهُ.
ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِرَادَةِ وَجَازَةِ اللَّفْظِ عَدَمُ إِفَادَةِ الْإِنْذَارِ الَّذِي سَبَّبَ الْبُكَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (ذَرَفَتْ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ، أَيْ: دَمَعَتْ (مِنْهَا الْعُيُونُ) : أَيْ: سَالَتْ مِنْ مَوْعِظَتِهِ دُمُوعُ الْعُيُونِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة: 83] (وَوَجِلَتْ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْوَجَلُ خَوْفٌ مَعَ الْحَذَرِ، أَيْ: خَافَتْ (مِنْهَا الْقُلُوبُ) : لِتَأْثِيرِهَا فِي النُّفُوسِ وَاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الْخَشْيَةِ عَلَى الْقُلُوبِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَرَفَتْ أَيْ سَالَتْ وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْعُيُونِ مُبَالَغَةٌ وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِ ذَرَفَتْ عَلَى وَجِلَتْ وَحَقُّهُ التَّأْخِيرُ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَوْعِظَةَ أَثَّرَتْ فِيهِمْ وَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْخِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، يُسْتَدَلُّ بِالدَّمْعَةِ عَلَى الْخَشْيَةِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُوجِبَةً لِلدَّمْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَقَالَ رَجُلٌ) : وَفِي الْأَرْبَعِينَ: قُلْنَا (يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ) : بِالتَّشْدِيدِ (هَذِهِ) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوْعِظَةَ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ: كَأَنَّهَا (مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) : بِالْإِضَافَةِ فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يَهُمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ: كَأَنَّكَ تُوَدِّعُنَا بِهَا لِمَا رَأَى مِنْ مُبَالَغَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا رَأَى تَأْثِيرًا عَجِيبًا مِنْ مَوْعِظَتِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِحَيْثُ أَدَّى إِلَى الْبُكَاءِ، فَشَبَّهَ مَوْعِظَتَهُ بِمَوْعِظَةِ الْمُوَدِّعِ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرِ وَالْبُكَاءِ، أَوْ لِكَمَالِ التَّأْثِيرِ تَوَهَّمُوا أَنَّهُ يُعْقِبُهُ الزَّوَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
(فَأَوْصِنَا) ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمُرْنَا بِمَا فِيهِ كَمَالُ صَلَاحِنَا وَإِرْشَادِنَا فِي مَعَاشِنَا وَمَعَادِنَا بَعْدَ وَفَاتِكَ (فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ) ، أَيْ: بِمَخَافَتِهِ وَالْحَذَرِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبِلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131] ، أَيْ: بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ وَهِيَ تَقْوَى الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَتَقْوَى مَا سِوَى اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّ التَّقْوَى امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَهِيَ زَادُ الْآخِرَةِ تُنْجِيكُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَبَدِيِّ وَتُبَلِّغُكُمْ إِلَى دَارِ السُّرُورِ، وَتُوجِبُ الْوُصُولَ إِلَى عَتَبَةِ الْجَلَالِ وَالْقُدْسِ وَالنُّورِ.
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مَنِ التُّقَى
وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ
وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا وَهَذَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ (وَالسَّمْعِ) ، أَيْ: وَبِسَمْعِ كَلَامِ الْخَلِيفَةِ وَالْأَئِمَّةِ (وَالطَّاعَةِ) : لِمَنْ يَلِي أَمْرَكُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ عَادِلًا كَانَ أَوْ جَائِرًا، وَإِلَّا فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ مُحَارَبَتُهُ (وَإِنْ كَانَ) ، أَيِ: الْمُطَاعُ يَعْنِي مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ (عَبْدًا حَبَشِيًّا) : فَأَطِيعُوهُ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى نَسَبِهِ بَلِ اتَّبِعُوهُ عَلَى حَسَبِهِ، وَلَفْظُ الْأَرْبَعِينَ: وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، أَيْ: صَارَ أَمِيرًا أَدْنَى الْخَلْقِ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا عَنْ طَاعَتِهِ، أَوْ وَلَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَأَطِيعُوهُ مَخَافَةَ إِثَارَةِ الْفِتَنِ، فَعَلَيْكُمُ الصَّبْرَ وَالْمُدَارَاةَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَقِيلَ: هَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَثِّ وَالْمُبَالَغَةِ عَلَى طَاعَةِ الْحُكَّامِ لَا التَّحْقِيقِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ” وَقِيلَ: ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ إِذْ لَا تَصِحُّ خِلَافَتُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» “.
قُلْتُ: لَكِنْ تَصِحُّ إِمَارَتُهُ مُطْلَقًا، وَكَذَا خِلَافَتُهُ تَسَلُّطًا كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَكَأَنَّ ذِكْرَ الْحَبَشِيِّ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ كَالزِّنْجِيِّ أَخَسُّ مِنْهُ فَكَانَ أَنْسَبَ بِالْغَايَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَبَشِيِّ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ فَيَشْمَلُ الزِّنْجِيَّ وَالْهِنْدِيَّ ثُمَّ التُّرْكِيُّ يُعْلَمُ بِالْأَوْلَى (فَإِنَّهُ) ، أَيِ: الشَّأْنُ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ: وَإِنَّهُ بِالْوَاوِ (مَنْ يَعِشْ) : بِالْجَزْمِ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ: بِالرَّفْعِ (مِنْكُمْ بَعْدِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ جَعَلَ مَا بَعْدَهَا سَبَبًا لِمَا قَبْلَهَا يَعْنِي مِنْ قَبْلِ وَصِيَّتِي وَالْتَزَمَ تَقْوَى اللَّهِ وَقَبِلَ طَاعَةَ مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُهَيِّجِ الْفِتَنَ أَمِنَ بَعْدِي مِمَّا يَرَى مِنَ الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ وَتَشَعُّبِ الْآرَاءِ وَوُقُوعِ الْفِتَنِ اهـ.
وَكَتَبَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ تَحْتَهُ: وَفِيهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ نَظَرِهِ ظَاهِرًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ ظُهُورِ وَجْهِ السَّبَبِيَّةِ، وَثَانِيهِمَا: عَدَمُ وُجُودِ الْأَنْسَبِيَّةِ بَلِ الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وَالْمَعْنَى الْزَمُوا مَا قُلْتُ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي لَا مُخَلِّصَ لَهُ إِلَّا نَصِيحَتِي (فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، أَيْ: مِنْ مِلَلٍ كَثِيرَةٍ كَلٌّ يَدَّعِي اعْتِقَادًا غَيْرَ اعْتِقَادِ الْآخَرِ إِشَارَةٌ إِلَى ظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ أَوِ اخْتِلَافًا عَلَى الْمُلْكِ وَغَيْرِهِ كَثِيرًا يُؤَدِّي إِلَى الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي وَوَلَايَةُ الْأَخِسَّاءِ حَتَّى الْعَبِيدِ (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي) : اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْزَمُوا، أَيْ: بِطَرِيقَتِي الثَّابِتَةِ عَنِّي وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ) : فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي، فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهِمْ إِمَّا لِعَمَلِهِمْ بِهَا أَوْ لِاسْتِنْبَاطِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهَا (الْمَهْدِيِّينَ) ، أَيِ: الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْحَقِّ.
قِيلَ: هُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: ” «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً» “.
وَقَدِ انْتَهَتْ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَوَصْفُ الرَّاشِدِينَ بِالْمَهْدِيِّينَ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْخَلْقَ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يُشْعِرُهُمْ، الصِّدِّيقُ، وَالْفَارُوقُ، وَذُو النُّورَيْنِ، وَأَبُو تُرَابٍ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ وَوَاظَبُوا عَلَى اسْتِمْطَارِ الرَّحْمَةِ مِنَ السَّحَابَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَخَصَّهُمُ اللَّهُ بِالْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَنَاقِبِ السَّنِيَّةِ، وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَشَاقِّ الْأَسْفَارِ وَمُجَاهَدَةِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ الْعُظْمَى وَالتَّصَدِّي إِلَى الرِّئَاسَةِ الْكُبْرَى لِإِشَاعَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ أَعْلَامِ الشَّرْعِ الْمَتِينِ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمْ وَازْدِيَادًا لِمَثُوبَاتِهِمْ، فَخَلَفَ الصِّدِّيقُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ لِحِلْمِهِ وَوَقَارِهِ وَسَلَامَةِ نَفْسِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ، وَالنَّاسُ مُتَحَيِّرُونَ، وَالْأَمْرُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَحَمَى بَيْضَةَ الدِّينِ، وَدَفَعَ غَوَائِلَ الْمُرْتَدِّينَ، وَجَمَعَ الْقُرْآنَ، وَفَتَحَ بَعْضَ الْبُلْدَانِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ الْفَارُوقَ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَقِرٌّ وَالْقَوْمَ مُطِيعٌ وَالْفِتَنَ سَاكِنَةٌ، فَرَفَعَ رَايَاتِ الْإِسْلَامِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَفَتَحَ أَكْثَرَ أَقَالِيمِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةِ الصَّلَابَةِ وَكَمَالِ الشَّهَامَةِ وَمَتَانَةِ الرَّأْيِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَخِلَافَتُهُ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، ثُمَّ بُويِعَ لِعُثْمَانَ لِشَوْكَةِ أَقَارِبِهِ، وَبَسْطِ أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ فِي حُكُومَةِ الْأَطْرَافِ زَمَنَ عُمَرَ، فَلَوْ نُصِّبَ غَيْرُهُ لَوَقَعَ الْخِلَافُ، فَأَظْهَرَ فِي مُدَّةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مَسَاعِيَ جَمِيلَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ بَعْدَ مَا كَانُوا يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى حَسَبِ السَّمَاعِ، وَبَعْثَ بِهِ إِلَى الْآفَاقِ، وَلِذَا نُسِبَ الْمُصْحَفُ إِلَيْهِ وَجُعِلَ إِمَامًا، ثُمَّ بُويِعَ بَعْدَهُ لِعَلِيٍّ الْمُرْتَضَى لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُمْ، وَسَيِّدُ بَنِي هَاشِمٍ مَا خَلَا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْخِلَافَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ لَحُرِمَ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصِبِ الْمَشْكُورِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدَّالِّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِذِكْرِ هَذَا الْغَيْبِ وَقَالَ: ” «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» وَوَقَعَ كَمَا قَالَ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَأَمَّا ذِكْرُ سُنَّتِهِمْ فِي مُقَابَلَةِ سُنَّتِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُخْطِئُونَ فِيمَا يَسْتَخْرِجُونَ مِنْ سُنَّتِهِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا مَا اشْتَهَرَ إِلَّا فِي زَمَانِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ انْتِفَاءَ الْخِلَافَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى يُنَافِيَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (يَكُونُ فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً) بَلِ الْمُرَادُ تَصْوِيبُ رَأْيِهِمْ وَتَفْخِيمُ أَمْرِهِمْ، وَقِيلَ هُمْ وَمَنْ عَلَى سِيرَتِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي إِحْيَاءِ الْحَقِّ وَإِرْشَادِ الْخَلْقِ وَإِعْلَاءِ الدِّينِ وَكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ (تَمَسَّكُوا بِهَا) أَيْ بِالسُّنَّةِ (وَعَضُّوا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السُّنَّةِ (بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَقِيلَ هُوَ النَّابُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَكَامَلَتِ الْأَسْنَانُ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ ثَنَايَا وَهِيَ أَوَائِلُ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ مُقَدَّمِ الْفَمِ ثُمَّ أَرْبَعُ رَبَاعِيَاتٍ ثُمَّ أَرْبَعُ أَنْيَابٍ ثُمَّ أَرْبَعُ ضَوَاحِكَ ثُمَّ اثْنَا عَشَرَ أَضْرَاسًا وَهُوَ الطَّوَاحِنُ ثُمَّ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ وَهِيَ أَوَاخِرُ الْأَسْنَانِ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَضْرَاسَ عِشْرُونَ شَامِلَةً لِلضَّوَاحِكِ وَالطَّوَاحِنِ وَالنَّوَاجِذِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَضُّ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةٍ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا أَخْذًا شَدِيدًا يَأْخُذُهُ بِأَسْنَانِهِ أَوِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ كَمَنْ أَصَابَهُ أَلَمٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فَيَشْتَدُّ بِأَسْنَانِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حَالَ الْمُتَمَسِّكِ بِالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَيْهِ بِحَالِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِشَيْءٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يَسْتَعِينُ عَلَيْهِ اسْتِظْهَارًا لِلْمُحَافَظَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْصِيلَ السَّعَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ بَعْدَ مُجَانَبَةِ كُلِّ صَاحِبٍ يُفْسِدُ الْوَقْتَ، وَكُلِّ سَبَبٍ يَفْتِنُ الْقَلْبَ مَنُوطٌ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَمْتَثِلَ الْأَمْرَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْإِخْلَاصِ، وَيُعَظِّمَ النَّهْيَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْخَوْفِ، بَلْ بِاقْتِفَاءِ آثَارِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ وَمَصَادِرِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَيَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ، حَتَّى يُلْجِمَ النَّفْسَ بِلِجَامِ الشَّرِيعَةِ، وَيَتَجَلَّى فِي الْقَلْبِ حَقَائِقُ الْحَقِيقَةِ بِتَصْقِيلِهِ مِنْ مَفَاتِحِ الْأَخْلَاقِ وَتَنْوِيرِهِ بِأَنْوَارِ الذِّكْرِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْوِفَاقِ، وَتَعْدِيلِهِ بِإِجْرَاءِ جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ عَلَى قَانُونِ الْعَدْلِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهِ هَيْئَةً عَادِلَةً مَسْنُونَةً مِنْ آثَارِ الْفَضْلِ، يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ الْمَخْصُوصُ بِسُلُوكِ أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ، هَذَا وَقِيلَ: تَمَسَّكُوا وَعَضُّوا فِعْلَا مَاضٍ صِفَتَانِ لِلْخُلَفَاءِ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) : عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فَعَلَيْكُمْ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ، أَيِ: احْذَرُوا عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي أُحْدِثَتْ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَاتَّقُوا أَحْدَاثَهَا (فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ) ، أَيْ: فِي الشَّرِيعَةِ (وَكُلَّ بِدْعَةٍ) : بِنَصْبِ كُلَّ، وَقِيلَ: بِرَفْعِهِ (ضَلَالَةٌ) : إِلَّا مَا خُصَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

✩✩✩✩✩✩✩

(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (لَمْ يَذْكُرَا الصَّلَاةَ) ، أَيْ: لَمْ يُورِدَا أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعِرْبَاضِ: ” صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ” بَلْ قَالَا: ” وَعَظَنَا كَمَا فِي ” الْمَصَابِيحِ “، فَإِنَّهُ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

✩✩✩✩✩✩✩

166 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَطًّا.
ثُمَّ قَالَ: ” هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ “، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَالَ: ” هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ “، وَقَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] الْآيَةَ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.

166 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا) ، أَيْ: لِأَجْلِنَا تَعْلِيمًا وَتَفْهِيمًا وَتَقْرِيبًا لِأَنَّ التَّمْثِيلَ يَجْعَلُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَعْنَى كَالْمَحْسُوسِ مِنَ الْمُشَاهَدِ فِي الْمَبْنَى (رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَطًّا) ، أَيْ: مُسْتَوِيًا مُسْتَقِيمًا (ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ، أَيْ: هَذَا الرَّأْيُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُمَا الِاعْتِقَادُ الْحَقُّ وَالْعَمَلُ الصَّالِحِ، وَهَذَا الْخَطُّ لَمَّا كَانَ مِثَالًا سَمَّاهُ سَبِيلَ اللَّهِ.
كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هَذَا هُوَ الْخَطُّ الْمُسْتَوِي، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا مَثَلُ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مَثَلًا، وَقِيلَ: تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ مَعْكُوسٌ أَيْ سَبِيلُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ مِثْلُ الْخَطِّ فِي كَوْنِهِ عَلَى غَايَةِ الِاسْتِقَامَةِ (ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا) ، أَيْ: سَبْعَةً صِغَارًا مُنْحَرِفَةً (عَنْ يَمِينِهِ) ، أَيْ: عَنْ يَمِينِ الْخَطِّ الْمُسْتَوِي (وَعَنْ شِمَالِهِ) : كَذَلِكَ (وَقَالَ: (هَذِهِ) ، أَيِ: الْخُطُوطُ (سُبُلٌ) ، أَيْ: غَيْرُ سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ سَبِيلٌ لِلشَّيْطَانِ لِقَوْلِهِ (عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ) ، أَيْ: رَأْسِهِ (مِنْهَا) ، أَيْ: مِنَ السُّبُلِ (شَيْطَانٌ) : مِنَ الشَّيَاطِينِ (” يَدْعُو “) ذَلِكَ الشَّيْطَانُ النَّاسَ (إِلَيْهِ) ، أَيْ: إِلَى سَبِيلٍ مِنَ السُّبُلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ وَسَطٌ لَيْسَ فِيهِ تَفْرِيطٌ وَلَا إِفْرَاطٌ، بَلْ فِيهِ التَّوْحِيدُ وَالِاسْتِقَامَةُ وَمُرَاعَاةُ الْجَانِبَيْنِ فِي الْجَادَّةِ، وَسُبُلُ أَهْلِ الْبِدَعِ مَائِلَةٌ إِلَى الْجَوَانِبِ، وَفِيهَا تَقْصِيرٌ وَغُلُوٌّ وَمَيْلٌ وَانْحِرَافٌ وَتَعَدُّدٌ وَاخْتِلَافٌ، كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ.
(وَقَرَأَ) ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنَّ هَذَا: بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ، وَتَقْدِيرُهُ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُقَدَّرُ اللَّامُ، وَبِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ، وَبِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى أَنَّ فِيهِ ضَمِيرَ الْقِصَّةِ وَهَذَا رَفْعٌ وَقَوْلُهُ: صِرَاطِي خَبَرٌ وَهُوَ بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا {صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 153] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى التَّنْبِيهِ أَوِ الْإِشَارَةِ فَاتَّبِعُوهُ، أَيْ: صِرَاطِي وَسَبِيلِي (الْآيَةَ) : بَعْدَهَا {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153] أَيْ سُبُلَ الشَّيَاطِينِ الْمُنْحَرِفَةَ الزَّائِغَةَ الْمُتَشَعِّبَةَ مِنْ طُرُقِ الشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقَوْلِهِ: ” «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا الَّتِي عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَنَا وَأَصْحَابِي» ” وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يَنْدَفِعُ زَعْمُ كُلِّ فَرِيقٍ أَنَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ عَنْ سَبِيلِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ سَبِيلِ الْحَقِّ مَعَ السُّبُلِ الْبَاطِلَةِ.
{ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ} [الأنعام: 153] ، أَيِ: اللَّهُ {بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] أَيْ لِكَيْ تَتَّقُوهُ، أَيْ: عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ أَوْ سَبِيلَ غَيْرِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

167 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» ) .
رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةَ) ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي (أَرْبَعِينِهِ) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ (الْحُجَّةِ) .
بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

167 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ) ، أَيْ: مَيْلُ نَفْسِهِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَهْوِي صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الدَّاهِيَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، فَكَأَنَّهُ مِنْ هَوِيَ يَهْوِي هَوًى إِذَا سَقَطَ (تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) .
يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْإِيمَانِ، أَيْ: حَتَّى يَكُونَ تَابِعًا مُقْتَدِيًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ عَنِ اعْتِقَادٍ لَا عَنْ إِكْرَاهٍ وَخَوْفِ سَيْفٍ كَالْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَمَالِ، أَيْ: لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَكُونَ مَيْلُ نَفْسِهِ، أَيْ: مَا تَشْتَهِيهِ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ وَافَقَهَا هَوَاهُ اشْتَغَلَ بِهَا لِشَرْعِيَّتِهَا لَا لِأَنَّهَا هَوًى، وَإِنْ خَالَفَهَا اجْتَنَبَ هَوَاهُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا.
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَيْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ – الَّذِي مِنْ أَصْلِ صِفَاتِهِ النَّفْسَانِيَّةِ بَلِ الْمَعْبُودُ الْبَاطِلُ الْمُطَاعُ وَالْمَحْبُوبُ الِاتِّبَاعِ – تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ الزَّهْرَاءِ، وَالْمِلَّةِ النَّقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ، حَتَّى تَصِيرَ هُمُومُهُ الْمُخْتَلِفَةُ وَخَوَاطِرُهُ الْمُتَفَرِّقَةُ الَّتِي تَنْبَعِثُ عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَمَيْلِ الطَّبْعِ هَمًّا وَاحِدًا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ رَبِّهِ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَشَفَقَةً عَلَى خَلْقِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: كَانَتْ لِقَلْبِيَ أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ
فَاسْتَجْمَعَتْ مُذْ رَأَتْكَ الْعَيْنُ أَهْوَاي فَصَارَ يَحْسُدُنِي مَنْ كُنْتُ أَحْسُدُهُ
وَصِرْتُ مَوْلَى الْوَرَى مُذْ صِرْتَ مَوْلَايَ تَرَكْتُ لِلنَّاسِ دُنْيَاهُمْ وَدِينَهُمُ
شُغُلًا بِحُبِّكَ يَا دِينِي وَدُنْيَايَ فَلَا يَمِيلُ إِلَّا بِحُكْمِ الدِّينِ، وَلَا يَهْوَى إِلَّا بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْفَرِيدُ الْكَامِلُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْحِيدُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ مُتَّبِعًا لِمَا هَوَاهُ مُبْتَغِيًا لِمَرْضَاهُ فَهُوَ الْكَافِرُ الْخَاسِرُ فِي دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ دُونَ فُرُوعِهَا فَهُوَ الْفَاسِقُ، وَمَنْ عَكَسَ فَهُوَ الْمُنَافِقُ.
وَالْهَوَى: مَصْدَرُ هَوِيَهُ: أَحَبَّهُ، وَشَرَعًا: مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ الْهَوَى الْهُدَى، فَهُوَ كَالزُّبْدَةِ عَلَى الْعَسَلِ، وَنُورٌ عَلَى نُورٍ، وَسُرُورٌ عَلَى سُرُورٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] فَإِنْ قُلْتَ: مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نُورٌ وَضِيَاءٌ، وَالْهَوَى ظُلْمَةٌ فِي النَّفْسِ انْبَعَثَتْ مِنَ الطَّبِيعَةِ التُّرَابِيَّةِ، فَكَيْفَ يَصِيرُ الْهَوَى الظُّلْمَانِيُّ تَبَعًا لِلدِّينِ النُّورَانِيِّ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ النَّفْسَ لَطِيفَةٌ فِي الْجَسَدِ تَوَلَّدَتْ مِنِ ازْدِوَاجِ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ وَاتِّصَالِهِمَا، وَالرُّوحُ لَطِيفٌ رُوحَانِيٌّ، وَالْجَسَدُ كَثِيفٌ ظُلْمَانِيُّ، وَالنَّفْسُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُمَا تَقْبَلُ اللَّطَافَةَ الرُّوحَانِيَّةَ وَالْكَثَافَةَ الْجُسْمَانِيَّةَ، وَهَذَا هُوَ التَّسْوِيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7] بِاسْتِقَامَةِ الرُّوحِ الرُّوحَانِيِّ فِي الرُّوحِ الْحَيَوَانِيِّ بِمَثَابَةِ النُّورِ فِي الْحَدَقَةِ، فَصَارَتِ النَّفْسُ بِهَا قَابِلَةً لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْفُجُورِ وَالتَّقْوَى، فَإِذَا غَلَبَ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى صَارَتْ مُزَكَّاةً عَنِ الْكُدُورَاتِ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الدِّينِ قَابِلَةً لِلْيَقِينِ، وَإِذَا غَلَبَ الْأَمْرُ بِالْفُجُورِ صَارَتْ تَابِعَةً لِلْهَوَى، سَالِكَةً مَسَالِكِ الرَّدَى.
نُونُ الْهَوَانِ مِنَ الْهَوَى مَسْرُوقَةٌ
فَصَرِيعُ كُلِّ هَوًى صَرِيعُ هَوَانِ قَالَ الرَّاغِبُ: مَثَلُ النَّفْسِ فِي الْبَدَنِ كَمُجَاهِدٍ بُعِثَ إِلَى ثَغْرٍ يُرَاعِي أَحْوَالَهُ، وَعَقْلُهُ خَلِيفَةُ مَوْلَاهُ، ضُمَّ إِلَيْهِ لِيُرْشِدَهُ وَيَشْهَدَ لَهُ وَعَلَيْهِ إِذَا عَادَ، وَبَدَنُهُ بِمَنْزِلَةِ مَرْكُوبِهِ، وَهَوَاهُ وَشَهَوَاتُهُ سَائِسٌ خَبِيثٌ ضُمَّ إِلَيْهِ لِيَفْقِدَ مَرْكُوبَهُ، وَالْقُرْآنُ بِمَنْزِلَةِ كِتَابٍ أَتَاهُ عَنْ مَوْلَاهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً، وَالنَّبِيُّ رَسُولٌ أَتَاهُ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ جَاهَدَ أَعْدَاءَهُ وَقَهَرَهُمْ وَاسْتَعَانَ بِالْعَقْلِ وَسَلَّطَهُ حُمِدَ إِذَا عَادَ إِلَى حَضْرَتِهِ وَهُوَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَمَنْ ضَيَّعَ ثَغْرَهُ وَأَهْمَلَ رَعِيَّتَهُ وَصَرَفَ هَمَّهُ إِلَى تَفَقُّدِ مَرْكُوبِهِ، وَأَقَامَ سَائِسَ الْمَرْكُوبِ مَقَامَ خَلِيفَةِ رَبِّهِ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
(رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ، أَيْ: بِإِسْنَادِهِ (وَقَالَ النَّوَوِيُّ) : بِالْقَصْرِ وَيَجُوزُ مَدُّهُ (فِي أَرْبَعِينِهِ) ، أَيِ: الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا الَّذِي صَنَّفَهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَقِيلَ مَجْهُولٌ (فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ) ، أَيْ: فِي اتِّبَاعِ الْمَحَجَّةِ اسْمُ كِتَابٍ لِأَبِي الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْفَهَانِيِّ التَّيْمِيِّ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ) .

✩✩✩✩✩✩✩

168 – وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا (يَرْضَاهَا) اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ عَلَيْهِ (مِنَ الْإِثْمِ) مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ (أَوْزَارِهِمْ) شَيْئًا» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

168 – (وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَارِثٌ (الْمُزَنِيُّ) : أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَدَنِيٌّ، سَكَنَ بِالْإِسْتِعْرَى وَرَاءَ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ الْوَقَّاصِ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً) ، أَيْ: مَنْ أَظْهَرَهَا وَأَشَاعَهَا بِالْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ (مِنْ سُنَّتِي) : قَالَ الْأَشْرَفُ: ظَاهِرُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ مِنْ سُنَنِي، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ اهـ.
فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ، أَيْ: طَرِيقَةً مِنَ الطُّرُقِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيَّ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً أُخِذَتْ عَنِّي بِنَصٍّ أَوِ اسْتِنْبَاطٍ، كَمَا أَفَادَهُ إِضَافَةُ سُنَّةٍ إِلَى الضَّمِيرِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعُمُومِ (قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: تُرِكَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ عَنِ الْعَمَلِ بِهَا يَعْنِي مَنْ أَحْيَاهَا مِنْ بَعْدِي بِالْعَمَلِ بِهَا أَوْ حَثَّ الْغَيْرَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا (فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ) ، أَيِ: الثَّوَابِ الْكَامِلِ (مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَشْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ الْعُمَّالَ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ وَبَعْدِهِ، وَفِيهِ أَنَّ شُمُولَهُ لِمَا قَبْلَ الْإِحْيَاءِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : مُتَعَدٍّ وَيُحْتَمَلُ اللُّزُومُ (مِنْ أُجُورِهِمْ) : مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ: مِنْ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا فَأَفْرَدَ أَوَّلًا رِعَايَةً لِلَفْظِهِ وَجَمَعَ ثَانِيًا لِمَعْنَاهُ (شَيْئًا) : مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْحَثِّ وَلِلْعَامِلِينَ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ حُصُولَ أَحَدِهِمَا يَنْقُصُ الْآخَرَ (وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً) : يُرْوَى بِالْإِضَافَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ نَعْتًا وَمَنْعُوتًا وَهِيَ مَا أَنْكَرَهُ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَالْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ وَتَجْصِيصِهَا وَقَيْدُ الْبِدْعَةِ بِالضَّلَالَةِ لِإِخْرَاجِ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ كَالْمَنَارَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) : صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلضَّلَالَةِ أَوِ احْتِرَازِيَّةٌ لِلْبِدْعَةِ (كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ) ، أَيِ: الْوِزْرِ (مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْإِثْمُ (مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا) : مَفْعُولٌ بِهِ لَا غَيْرُ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَادِ شَيْءٍ صَحَّتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ وَبِدَوَامِ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ يُضَاعَفُ ثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ عَنْ بِلَالٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

169 – وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

169 – (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ، أَيِ: ابْنِ عَوْفٍ مُزَنِيٍّ مَدَنِيٍّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) .
، أَيْ: جَدُّ كَثِيرٍ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ، كَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [التوبة: 92] رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّارِحُونَ: فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ مِلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ مِلْحَةَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، وَعَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ، وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَرَوَى عَنْ حَدِيثِهِ: ” «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» “، وَصَحَّحَهُ، فَلِذَا لَا يَعْتَمِدُ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِهِ، كَذَا فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ مُلْحَةَ جَاهِلِيٌّ لَمْ يُدْرِكِ الْإِسْلَامَ.

✩✩✩✩✩✩✩

170 – وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مِعْقَلَ الْأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ.
إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي» ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

170 – (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) : هُوَ مُزَنِيٌّ، كَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [التوبة: 92] سَكَنَ الْمَدِينَةِ وَمَاتَ بِهَا فِي آخِرَ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ، أَيْ: يَنْضَمُّ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَاسْتِيلَاءِ الْكَفَرَةِ (إِلَى الْحِجَازِ) : وَهُوَ اسْمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَوَالَيْهِمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَسُمِّيتْ حِجَازًا لِأَنَّهَا حَجَزَتْ أَيْ مَنَعَتْ وَفَصَلَتْ بَيْنَ بِلَادِ نَجْدٍ وَالْغَوْرِ قِيلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ إِنْ سُلِّمَ أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ مُتَرَادِفَانِ أَنَّهُ يَأْرِزُ أَوَّلًا إِلَى الْحِجَازِ أَجْمَعَ، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهَا مُسْتَقَرُّهُ أَوَّلًا فَعَادَ إِلَيْهَا لِتَكَوُّنَ مُسْتَقَرَّهُ آخِرًا أَيْضًا، فَإِنَّ النِّهَايَةَ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبِدَايَةِ، وَلِأَنَّ الْمَدِينَةَ مَغِيبُ النُّبُوَّةِ فَتَصِيرُ مَغِيبَ الشَّرِيعَةِ (كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: وَاللَّهِ لَيَعْتَصِمَنَّ (الدِّينُ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَطْفٌ عَلَى لَيَأْرِزُ أَوْ عَلَى إِنَّ وَمَعْمُولَهَا، أَيْ: لَيَتَحَصَّنَنَّ وَيَنْضَمَّ وَيَلْتَجِئَ الدِّينُ، أَبْرَزَهُ وَحَقُّهُ الْإِضْمَارُ إِعْلَامًا بِعَظِيمِ شَرَفِهِ وَمَزِيدِ فَخَامَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ ضُوعِفَتْ أَدَوَاتُ التَّأْكِيدِ وَأُتِيَ بِالْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ (مِنَ الْحِجَازِ) ، أَيْ: بِمَكَانٍ مِنْهُ أَوْ مَكَانًا مِنْهُ، يُقَالُ: عَقَلَ الْوَعْلُ أَيِ امْتَنَعَ بِالْجِبَالِ الْعَوَالِي يَعْقِلُ عُقُولًا، أَيْ: لَيَمْتَنِعَنَّ بِالْحِجَازِ وَيَتَّخِذَنَّ مِنْهُ حِصْنًا وَمَلْجَأً (مَعْقِلَ الْأُرْوِيَّةِ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتُكْسَرُ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعِزِ الْجَبَلِيِّ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْعَقْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَكَانٍ أَيْ كَاتِّخَاذِ الْأُرْوِيَّةِ (مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ) : حِصْنًا، وَخَصَّ الْأُرْوِيَّةَ دُونَ الْوَعْلِ لِأَنَّهَا أَقْدَرُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْجِبَالِ الْوَعِرَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الدِّينَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَاسْتِيلَاءِ الْكَفَرَةِ وَالظَّلَمَةِ عَلَى بِلَادِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَعُودُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا بَدَأَ مِنْهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ بَعْدَ انْضِمَامِ أَهْلِ الدِّينِ إِلَى الْحِجَازِ يَنْقَرِضُونَ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ (إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ) : بِالْهَمْزَةِ هُوَ الصَّحِيحُ (غَرِيبًا) : أَيْ: كَالْغَرِيبِ أَوْ حَالٍ (وَسَيَعُودُ) ، أَيْ: غَرِيبًا (كَمَا بَدَأَ) ، يَعْنِي: إِنْ أَهَّلَ الدِّينِ فِي الْأَوَّلِ كَانُوا غُرَبَاءَ يُنْكِرُهُمُ النَّاسُ وَلَا يُخَالِطُونَهُمْ، فَكَذَا فِي الْآخَرِ (فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) : أَيْ: أَوَّلًا وَآخِرًا، وَسُمُّوا غُرَبَاءَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِمْ بِالدُّنْيَا وَأَهْلِهَا (وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي) .
أَيْ: يَعْمَلُونَ بِهَا وَيُظْهِرُونَهَا بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

171 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنَّ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً، لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ.
وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً ” قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ” مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

171 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي) : الْإِتْيَانُ الْمَجِيءُ بِسُهُولَةٍ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِمَعْنَى الْغَلَبَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْهَلَاكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} [الذاريات: 42] وَالْمُرَادُ بَعْضُ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ إِمَّا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ أَضَافَهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، أَوْ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ مِلَلَ الْكُفْرِ أَيْضًا) (كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) : فَاعِلُ لَيَأْتِيَنَّ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَالْكَافُ مَنْصُوبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى الْمَصْدَرِ) ، أَيْ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ إِتْيَانًا مِثْلُ الْإِتْيَانِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مُخَالَفَةٌ لِمَا أَنَا عَلَيْهِ مِثْلُ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي أَتَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَهْلَكَتْهُمْ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ الْكَافُ فَاعِلًا أَيْ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مِثْلُ مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ) : حَذْوَ النَّعْلِ اسْتِعَارَةٌ فِي التَّسَاوِي، وَقِيلَ: الْحَذْوُ: الْقَطْعُ، وَالتَّقْدِيرُ أَيْضًا يُقَالُ: حَذَوْتُ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ إِذْ قَدَّرْتَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ طَاقَاتِهَا عَلَى صَاحِبَتِهَا لِتَكُونَا عَلَى السَّوَاءِ وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ يَحْذُونَهُمْ حَذْوًا مِثْلَ حَذْوِ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، أَيْ: تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي غَايَةِ الْمُطَابَقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ كَمُطَابَقَةِ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ (حَتَّى إِنَّ كَانَ مِنْهُمْ) : حَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْوَاقِعُ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ الْآتِي (لَكَانَ) إِمَّا جَوَابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ وَالْمَجْمُوعُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَإِمَّا إِنْ بِمَعْنَى (لَوْ) كَمَا يَقَعُ عَكْسُهُ، وَلَيْسَتْ (إِنْ) هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ كَمَا زَعَمَ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ، وَفِي الْأَزْهَارِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ مُخَفَّفَةٌ أَيْ حَتَّى إِنَّهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ حَذْفُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنْ إِنَّ الْمَكْسُورَةِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَجَوَّزَهُ ابْنُ مَالِكٍ (مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً) : إِتْيَانُهَا كِنَايَةٌ عَنِ الزِّنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا زَوْجَةَ الْأَبِ لَوْ مَوْطُوءَتَهُ وَسَائِرَ مَنْ حُرِّمْنَ عَلَيْهِ بِرِضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْغَرَابَةَ وَالِاسْتِبْعَادَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِعَلَانِيَةٍ (لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ) ، أَيْ: يَفْعَلُ (ذَلِكَ) ، أَيِ: الْإِتْيَانِ (وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) : يَعْنِي النَّصَارَى أَوْ أَهْلَ الْكِتَابِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبْرَزَ ضَمِيرَهُمْ زِيَادَةً فِي تَقْبِيحِ صَنِيعِهِمْ وَبَيَانًا لِكَوْنِ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ وَعَادَتَهُمُ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أُبْرِزَ حَتَّى لَا يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى غَيْرِهِمْ (تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً) : سَمَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَرِيقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِلَّةً اتِّسَاعًا وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَا شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى الْقُرْبِ مِنْ حَضْرَتِهِ تَعَالَى، وَيُسْتَعْمَلُ فِي جُمْلَةِ الشَّرَائِعِ دُونَ آحَادِهَا وَلَا تَكَادُ تُوجَدُ مُضَافَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا إِلَى آحَادِ أُمَّةِ النَّبِيِّ، بَلْ يُقَالُ: مِلَّةُ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْ مِلَّتُهُمْ، كَذَا ثُمَّ إِنَّهَا اتَّسَعَتْ فَاسْتُعْمِلَتْ فِي الْمِلَلِ الْبَاطِلَةِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَظُمَ تَفَرُّقُهُمْ وَتَدَيَّنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَا تَتَدَيَّنُ بِهِ غَيْرُهَا كَانَتْ طَرِيقَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ كَالْمِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي التَّدَيُّنِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا مَجَازًا، وَقِيلَ: الْمِلَّةُ كُلُّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وَقَدْ يَكُونُ بَاطِلًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَفْتَرِقُونَ فِرَقًا تَتَدَيَّنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا تَتَدَيَّنُ بِهِ الْأُخْرَى (وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً) ، قِيلَ: فِيهِ إِشَارَةٌ لِتِلْكَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ زِيَادَةِ هَؤُلَاءِ فِي ارْتِكَابِ الْبِدَعِ بِدَرَجَةٍ، ثُمَّ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ فَيَنْدَرِجُ سَائِرُ الْمِلَلِ الَّذِينَ لَيْسُوا عَلَى قِبْلَتِنَا فِي عَدَدِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ، وَيَحْتَمِلُ أُمَّةَ الْإِجَابَةِ فَيَكُونُ الْمِلَلُ الثَّلَاثُ وَالسَّبْعُونَ مُنْحَصِرَةً فِي أَهْلِ قِبْلَتِنَا، وَالثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ، وَنَقَلَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ (كُلُّهُمْ فِي النَّارِ) : لِأَنَّهُمْ يَتَعَرَّضُونَ لِمَا يُدْخِلُهُمُ النَّارَ فَكُفَّارُهُمْ مُرْتَكِبُونَ مَا هُوَ سَبَبٌ فِي دُخُولِهَا الْمُؤَبَّدَةِ عَلَيْهِمْ وَمُبْتَدِعَتُهُمْ مُسْتَحِقَّةٌ لِدُخُولِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُمْ (إِلَّا مِلَّةً) : بِالنَّصْبِ أَيْ إِلَّا أَهْلَ مِلَّةٍ (وَاحِدَةً) قَالُوا: مَنْ هِيَ؟) ، أَيْ: تِلْكَ الْمِلَّةُ، أَيْ أَهْلُهَا، النَّاجِيَةُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) .
، أَيْ: هِيَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي، قِيلَ: جَعَلَهَا عَيْنَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُبَالَغَةً فِي مَدْحِهَا وَبَيَانًا لِبَاهِرِ اتِّبَاعِهَا حَتَّى يُخَيَّلَ إِنَّهَا عَيْنُ ذَلِكَ الْمُتَّبَعِ، أَوِ الْمُرَادُ بِـ (مَا) الْوَصْفِيَّةُ عَلَى حَدِّ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7] ، أَيِ: الْقَادِرُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ سَوَّاهَا، فَكَذَا هُنَا الْمُرَادُ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، فَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَهْلُهَا مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي مِنَ الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِالْإِجْمَاعِ، فَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ حَقٌّ وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الْبِدَعِ كَمَا نُقِلَ فِي الْمَوَاقِفِ ثَمَانِيَةٌ: الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعِبَادَ خَالِقُو أَعْمَالِهِمْ وَبِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَبِوُجُوبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهُمْ عِشْرُونَ فِرْقَةً، وَالشِّيعَةُ الْمُفْرِطُونَ فِي مَحَبَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ فِرْقَةً، وَالْخَوَارِجُ الْمُفْرِطَةُ الْمُكَفِّرَةُ لَهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَمَنْ أَذْنَبَ كَبِيرَةً وَهُمْ عِشْرُونَ فِرْقَةً، وَالْمُرْجِئَةُ الْقَائِلَةُ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ، وَهِيَ خَمْسُ فِرَقٍ، وَالنَّجَّارِيَّةُ الْمُوَافِقَةُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ وَحُدُوثِ الْكَلَامِ، وَهُمْ ثَلَاثُ فِرَقٍ، وَالْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلَةُ بِسَلْبِ الِاخْتِيَارِ عَنِ الْعِبَادِ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْمُشَبِّهَةُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ الْحَقَّ بِالْخَلْقِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالْحُلُولِ فِرْقَةٌ أَيْضًا فَتِلْكَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ، وَالْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ الْبَيْضَاءِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالطَّرِيقَةِ النَّقِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَلَهَا ظَاهِرٌ سُمِّيَ بِالشَّرِيعَةِ شِرْعَةً لِلْعَامَّةِ، وَبَاطِنٌ سُمِّيَ بِالطَّرِيقَةِ مِنْهَاجًا لِلْخَاصَّةِ وَخُلَاصَةٌ خُصَّتْ بِاسْمِ الْحَقِيقَةِ مِعْرَاجًا لِأَخَصِّ الْخَاصَّةِ، فَالْأَوَّلُ نَصِيبُ الْأَبْدَانِ مِنَ الْخِدْمَةِ، وَالثَّانِي نَصِيبُ الْقُلُوبِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ: وَالثَّالِثُ نَصِيبُ الْأَرْوَاحِ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ وَالرُّؤْيَةِ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَالشَّرِيعَةُ أَمْرٌ بِالْتِزَامِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْحَقِيقَةُ مُشَاهَدَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكُلُّ شَرِيعَةٍ غَيْرُ مُؤَيَّدَةٍ بِالْحَقِيقَةِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ، وَكُلُّ حَقِيقَةٍ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالشَّرِيعَةِ فَغَيْرُ مَحْصُولٍ.
فَالشَّرِيعَةُ قِيَامٌ بِمَا أُمِرَ وَالْحَقِيقَةُ شُهُودٌ لِمَا قُضِيَ وَقُدِّرَ وَأُخْفِيَ وَأُظْهِرَ، وَالشَّرِيعَةُ حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا وَجَبَتْ بِأَمْرِهِ، وَالْحَقِيقَةُ شَرِيعَةٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَعَارِفَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَجَبَتْ بِأَمْرِهِ، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ: أَلَا فَالْزَمُوا سُنَّةَ الْأَنْبِيَاءِ
أَلَا فَاحْفَظُوا سِيرَةَ الْأَصْفِيَاءِ وَمَنْ يَبْتَدِعْ بِدْعَةً لَمْ يُكَرَّمْ
بِوِجْدَانِهِ رُتْبَةَ الْأَتْقِيَاءِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو كَذَا.

✩✩✩✩✩✩✩

172 – وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ: ” «ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ» .

172 – (وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ) ، أَيْ: أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ) : أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) ، أَيْ: أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى اتِّبَاعِ آثَارِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ، وَلَمْ يَبْتَدِعُوا بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ.
قَالَ شُرَيْحٌ: إِنَّ السُّنَّةَ قَدْ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ فَاتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَضِلَّ مَا أَخَذْتَ بِالْأَثَرِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا رَأْيِي بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ إِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهَا أَكَلْتَهَا، وَعَنْ سُفْيَانَ: لَوْ أَنَّ فَقِيهًا عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَكَانَ هُوَ الْجَمَاعَةُ (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ أَيْ يَظْهَرُ (فِي أُمَّتِي) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ أُمَّتِي (أَقْوَامٌ) ، أَيْ: جَمَاعَاتٌ (تَتَجَارَى) : بِالتَّاءَيْنِ أَيْ تَدْخُلُ وَتَجْرِي وَتَسْرِي (بِهِمْ) ، أَيْ: فِي مَفَاصِلِهِمْ (تِلْكَ الْأَهْوَاءُ) : جَمْعُ هَوًى وَهُوَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا تَشْتَهِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْبِدْعَةُ، فَوَضَعَهَا مَوْضِعَهَا وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ لِأَنَّ هَوَى الرَّجُلِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى إِبْدَاعِ الرَّأْيِ الْفَاسِدِ أَوِ الْعَمَلِ بِهِ، وَذِكْرُ الْأَهْوَاءِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْهَوَى وَأَصْنَافِ الْبِدَعِ يُقَالُ: تَجَارُوا فِي الْحَدِيثِ إِذَا جَرَى كُلٌّ مِنْهُمْ مَعَ صَاحِبِهِ (كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ) : بِفَتْحَتَيْنِ دَاءٌ مَخُوفٌ يَحْصُلُ مِنْ عَضِّ الْكَلْبِ الْمَجْنُونِ وَيَتَفَرَّقُ أَثَرُهُ (بِصَاحِبِهِ) ، أَيْ: مَعَ صَاحِبِهِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، أَيْ: مِثْلُ جَرْيِ الْكَلْبِ فِي الْعُرُوقِ (لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ (وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ) .
فَكَذَلِكَ تَدْخُلُ الْبِدَعُ فِيهِمْ وَتُؤَثِّرُ فِي أَعْضَائِهِمْ، قِيلَ: الْكَلْبُ دَاءٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ الْكَلِبِ أَيْ الْمَكْلُوبِ، وَهُوَ الْمَجْنُونُ فَيُصِيبُهُ شِبْهُ الْجُنُونِ، وَلَا يَعَضُّ الْمَجْنُونُ أَحَدًا إِلَّا كَلِبَ أَيْ جُنَّ، وَيَعْرِضُ لَهُ أَعْرَاضٌ رَدِيئَةٌ تُشْبِهُ الْمَالِيخُولْيَا مُهْلِكَةٌ غَالِبًا، وَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشًا، وَأَجْمَعَتِ الْعَرَبُ أَنَّ دَوَاءَهُ قَطْرَةٌ مِنْ دَمٍ يُخْلَطُ بِمَاءٍ فَيُسْقَاهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

173 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ – عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

173 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي) أَوْ قَالَ: (أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ) ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حَقِّيَّةِ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قِيلَ قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَعَلَّ هَذَا أَظْهَرُ فِي الدِّرَايَةِ مِنْهَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَقْتَضِي هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي امْتَازَتْ بِهَا أُمَّتُهُ عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، أَيْ: لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ غَيْرَ الْكُفْرِ، وَلِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى الْكُفْرِ مُمْكِنٌ بَلْ وَاقِعٌ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَبْقَى بَعْدَ الْكُفْرِ أُمَّةٌ لَهُ وَالْمَنْفِيُّ اجْتِمَاعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الْأُمَّةَ عَلَى أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى الْكُفَّارِ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْمُسْلِمِينَ حَقٌّ، وَالْمُرَادُ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِجْمَاعِ الْعَوَامِّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَنْ عِلْمٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قَوْلُهُ: عَلَى ضَلَالَةٍ أَيْ عَلَى خَطَأٍ، وَقِيلَ: عَلَى كُفْرٍ وَمَعْصِيَةٍ (وَيَدُ اللَّهِ) : كِنَايَةٌ عَنِ النُّصْرَةِ وَالْغَلَبَةِ أَوِ الْحِفْظِ وَالرَّحْمَةِ، أَوْ مَعْنَاهُ إِحْسَانُهُ وَتَوْفِيقُهُ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابُهُ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ (عَلَى الْجَمَاعَةِ) أَيِ: الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى الدِّينِ يَحْفَظُهُمُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْخَطَأِ أَوْ لِلتَّوْفِيقِ لِمُوَافَقَةِ إِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (وَمَنْ شَذَّ) أَيِ: انْفَرَدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَمْ يَكُونُوا عَلَيْهِ (شَذَّ فِي النَّارِ) .
أَيِ انْفَرَدَ فِيهَا، وَمَعْنَاهُ: انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

174 – وَعَنْهُ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « (اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

174 – (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ) : يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمُرَادُ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ قِيلَ: وَهَذَا فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ كَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْفُرُوعُ كَبُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالْمَسِّ مَثَلًا فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الْإِجْمَاعِ، بَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا وَقَعَ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ فِي مَسَائِلَ فَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى الْفُرُوعِ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهَا ظَنِّيَّاتٌ، فَلَمْ تَكُنْ مِنَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِيَّاتِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْكُلِّ لَفْظِيٌّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ السُّلْطَانُ الْأَعْظَمُ، وَقِيلَ: الْجَمَاعَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لِكَثْرَةِ مَعَانِيهِمَا، وَقِيلَ: كُلُّ عَالَمٍ عَامِلٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فِي الْأَزْهَارِ: اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعَاظِمَ النَّاسِ الْعُلَمَاءُ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَلَمْ يَقُلِ الْأَكْثَرَ لِأَنَّ الْعَوَامَ وَالْجُهَّالَ أَكْثَرُ عَدَدًا (فَإِنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنُ (” مَنْ شَذَّ “) أَيْ فِي الدِّينِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مُتَابَعَةِ الْأَكْثَرِينَ (شَذَّ فِي النَّارِ) رَوَاهُ .
) : بَعْدَهُ بَيَاضٌ وَأَلْحَقُ مَيْرَكُ شَاهْ (ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ) .
وَزَادَ الطِّيبِيُّ: وَابْنُ عَاصِمٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

175 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ) .
ثُمَّ قَالَ: (يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

175 – (وَعَنْ أَنَسٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: قَالَ لِي) أَيْ وَحْدِي أَوْ مُخَاطِبًا لِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي (رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا بُنَيَّ) : بِضَمِّ الْبَاءِ تَصْغِيرُ ابْنٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ وَهُوَ تَصْغِيرُ لُطْفٍ وَمَرْحَمَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ هَذَا لِمَنْ لَيْسَ ابْنَهُ وَمَعْنَاهُ اللُّطْفُ وَإِنَّكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ وَلَدِي فِي الشَّفَقَةِ (إِنْ قَدَرْتَ) : أَيِ اسْتَطَعْتَ وَالْمُرَادُ اجْتَهِدْ قَدْرَ مَا تَقْدِرُ (أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ) أَيْ تَدْخُلَ فِي وَقْتِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْمُرَادُ جَمِيعُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ أَيْ: وَلَيْسَ كَائِنًا فِي قَلْبِكَ (غِشٌّ) : ضِدُّ النُّصْحِ الَّذِي هُوَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ (لِأَحَدٍ) : وَهُوَ عَامٌّ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَإِنَّ نَصِيحَةَ الْكَافِرِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إِيمَانِهِ وَيَسْعَى فِي خَلَاصِهِ مِنْ وَرْطَةِ الْهَلَاكِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالتَّأَلُّفِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
(فَافْعَلْ) : جَزَاءُ كِنَايَةٍ عَمَّا سَبَقَ فِي الشَّرْطِ أَيِ افْعَلْ نَصِيحَتَكَ (ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! وَذَلِكَ) أَيْ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِشِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَفِيعُ الْمَرْتَبَةِ أَيْ بَعِيدُ التَّنَاوُلِ (مِنْ سُنَّتِي) أَيْ طَرِيقَتِي (وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي) : فَعَمِلَ بِهَا (فَقَدْ أَحَبَّنِي) أَيْ حُبًّا كَامِلًا لِأَنَّ مُحِبَّةَ الْآثَارِ عَلَامَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ مَصْدَرِهَا (وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِيَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ مَعِيَّةَ مُقَارَبَةٍ لَا مَعِيَّةً مُتَّحِدَةً فِي الدَّرَجَةِ (فِي الْجَنَّةِ) : فَإِنَّ «الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» كَمَا فِي حَدِيثٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69] الْآيَةَ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

176 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» ) .
رَوَاهُ .
)
176 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ تَمَسَّكَ) أَيْ: عَمِلَ (بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي) أَيْ: عِنْدَ غَلَبَةِ الْبِدْعَةِ وَالْجَهْلِ وَالْفِسْقِ فِيهِمْ (فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ: لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِالْعَمَلِ بِهَا بِإِحْيَائِهَا وَتَرْكِهِمْ لَهَا كَالشَّهِيدِ الْمُقَاتِلِ مَعَ الْكُفَّارِ لِإِحْيَاءِ الدِّينِ بَلْ أَكْثَرُ.
(رَوَاهُ .
) : بَعْدَهُ بَيَاضٌ، وَأُلْحِقَ بِهِ مَيْرَكُ وَغَيْرُهُ: الْبَيْهَقِيَّ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

177 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ «أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ تُعْجِبُنَا، أَفْتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ ! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» “.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
177 – (وَعَنْ جَابِرٍ) – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ (إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ) أَيْ: حِكَايَاتٍ وَمَوَاعِظَ (مِنْ يَهُودَ) : قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْأَصْلُ فِي (يَهُودَ) وَ (مَجُوسَ) تَرْكُ اللَّامِ لِأَنَّهُمَا عَلَمَانِ لِقَوْمَيْنِ، وَمَنْ عَرَفَ فَإِنَّهُ أَجْرَى يَهُودِيًّا وَيَهُودَ مَجْرَى شَعِيرَةٍ وَشَعِيرٍ اهـ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَهُودُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبِيلَةِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْقَبَائِلِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ يَجُوزُ صَرْفُهَا حَمْلًا عَلَى الْحَيِّ وَعَدَمُ صَرْفِهَا حَمْلًا عَلَى الْقَبِيلَةِ، وَيَهُودُ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا عَدَمُ الصَّرْفِ (تُعْجِبُنَا) : بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: تَحْسُنُ عِنْدَنَا وَتَمِيلُ قُلُوبُنَا إِلَيْهَا (أَفَتَرَى) : بِفَتْحِ التَّاءِ، أَيْ: أَتُحَسِّنُ لَنَا اسْتِمَاعَهَا فَتَرَى يَعْنِي فَتَأْذَنُ (أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ) : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ زَجْرًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ (أَمُتَهَوِّكُونَ) أَيْ: أَمُتَحَيِّرُونَ فِي دِينِكُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِكُمْ وَنَبِيِّكُمْ (أَنْتُمْ) : لِلتَّأْكِيدِ (كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ !) أَيْ: كَتَحَيُّرِهِمْ حَيْثُ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَ أَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ (لَقَدْ جِئْتُكُمْ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ (بِهَا) أَيْ: بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ بِقَرِينَةِ الْكَلَامِ (بَيْضَاءَ) أَيْ: وَاضِحَةً، حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ ” بِهَا ” (نَقِيَّةً) : صِفَةُ بَيْضَاءَ، أَيْ: ظَاهِرَةٌ صَافِيَةٌ خَالِصَةٌ خَالِيَةٌ عَنِ الشِّرْكِ وَالشُّبْهَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا أَنَّهَا مَصُونَةٌ عَنِ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ خَافِيَةٌ عَنِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، لِأَنَّ فِي دِينِ الْيَهُودِ (إِخْرَاجُ رُبُعِ مَالِهِمْ زَكَاةً، وَقَطْعُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ بَدَلًا عَنِ الْغَسْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَتَحَتُّمِ الْقِصَاصِ فِي دِينِ الْيَهُودِ، وَتَحَتُّمِ الدِّيَةِ فِي دِينِ النَّصَارَى، وَأَخَّرَ (نَقِيَّةً) لِأَنَّهَا صِفَةُ (بَيْضَاءَ) إِذْ يُقَالُ: أَبْيَضُ نَقِيٌّ دُونَ الْعَكْسِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُفَسَّرِ بِالْمِلَّةِ اهـ.
قِيلَ: وَوَصَفَ الْمِلَّةَ بِالْبَيَاضِ تَنْبِيهًا عَلَى كَرَمِهَا وَفَضْلِهَا، وَكَرَمُهَا إِفَادَتُهَا كُلَّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيَاضَ لَمَّا كَانَ أَفْضَلَ لَوْنٍ عِنْدَ الْعَرَبِ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْكَرَمِ وَالْفَضْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَتَاهُمْ بِالْأَعْلَى وَالْأَفْضَلِ، وَاسْتِبْدَالُ الْأَدْنَى عَنْهُ مَظِنَّةٌ لِلتَّحَيُّرِ (وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ) أَيْ: مَا جَازَ لَهُ (إِلَّا اتِّبَاعِي) : فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَطْلُبُوا فَائِدَةً مِنْ قَوْمِهِ مَعَ وُجُودِي.
قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} [آل عمران: 81] الْآيَةَ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا، آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ، فَيَكُونُ التَّنْكِيرُ فِي ” رَسُولٍ ” لِلتَّعْظِيمِ فَهُوَ نَبِيُّ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الرُّسُلِ، وَلِذَا قَالَ: «آدَمَ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ) ، أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَدِيثُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ حَرَامٌ، وَعَنْ مُجَالِدٍ تَجَالُدٌ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ رِيَاحٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدِيثُ مُجَالِدٍ حُلْمٌ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ جَاءَ عَنْ غَيْرِ مُجَالِدٍ فَتَأَيَّدَ بِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

178 – وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ) .
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ قَالَ: (وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

178 – (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا أَيْ: مَنْ كَانَ قُوتُهُ حَلَالًا، وَلَمْ يَقُلْ حَلَالًا، لِأَنَّ الطَّيِّبَ مَا يَفُوحُ عَنْهُ رِيحُ الْوَرِعِ أَخْذًا مِنَ الطَّيِّبِ، فَمَا اكْتُسِبَ عَلَى وَجْهٍ، تَعَلَّقَ بِسَوَابِقِهِ أَوْ قَرَائِنِهِ أَوْ لَوَاحِقِهِ مَعْصِيَةٌ – لَمْ يَكُنْ طَيِّبًا (وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ) أَيْ: فِي مُوَافَقَةِ سُنَّةٍ وَرَدَتْ فِيهِ، أَيْ: وَعَمِلَ كُلَّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ وَكُلَّ قَوْلٍ يَقُولُهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ، يَعْنِي: وَيَكُونُ مُتَمَسِّكًا فِي كُلِّ عَمَلٍ بِسُنَّةٍ، أَيْ: بِحَدِيثٍ جَاءَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ حَتَّى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى، فَالْمُرَادُ شُمُولُ كُلِّ سُنَّةٍ لَا وَاحِدَةٍ مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وَقِيلَ: تَنْكِيرُهَا لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِي مُوَافَقَةِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَعَ أُخْتَيْهَا مِمَّا يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَقُدِّمَ أَكْلُ الْحَلَالِ لِأَنَّهُ مُوَرِّثٌ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] (وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ) : الْبَائِقَةُ: الدَّاهِيَةُ وَهِيَ الْمِحْنَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الشُّرُورُ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْبَوَائِقُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، فَرُوِيَ: ظُلْمُهُ وَغِشُّهُ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) : أَيِ: اسْتَحَقَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا) : أَيِ: الرَّجُلُ الْمَوْصُوفُ الْمَذْكُورُ (الْيَوْمَ) : ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِخَبَرِ ” إِنَّ ” (لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟) : بِحَمْدِ اللَّهِ، فَمَا حَالُ الْمُسْتَقْبَلِ؟ (قَالَ) : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَسَيَكُونُ) أَيْ هُمْ كَثِيرُونَ الْيَوْمَ وَسَيُوجَدُ مَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (فِي قُرُونٍ بَعْدِي) .
فِي الْأَزْهَارِ: الْقَرْنُ أَهْلُ عَصْرٍ، وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ مُدَّةٍ أَوْ طَبَقَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ سَنَةٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ.
وَقِيلَ: مِائَةٌ اهـ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَرْنَ هَاهُنَا أَهْلُ الْعَصْرِ، فَإِنَّ كُلَّ عَصْرٍ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَكُونُ الصُّلَحَاءُ فِيهِمْ أَقَلَّ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَلِذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ» ” الْحَدِيثَ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيًا لِلِاسْتِعْجَابِ عَنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
كَذَا قِيلَ، وَأَقُولُ: وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ حَمْدًا لِلَّهِ وَتَحَدُّثًا بِنِعَمِهِ، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الْقَرْنِ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
وَكَذَا الْحَاكِمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

179 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا» ) .
رُوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

179 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّكُمْ) : أَيُّهَا الصَّحَابَةُ (فِي زَمَانٍ) أَيْ: زَمَانٍ عَظِيمٍ مِنْ عِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَمْنِ أَهْلِهِ، وَهُوَ زَمَانُ نُزُولِ الْوَحْيِ وَسَمَاعِ كَلَامِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ (مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ) أَيْ: فِيهِ وَهُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِمَوْصُوفِهَا وَهُوَ زَمَانٌ (عُشْرَ) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَضَمِّهَا (مَا أُمِرَ بِهِ) أَيْ: مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِذْ لَا يَجُوزُ صَرْفُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى عُمُومِ الْمَأْمُورَاتِ لِأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّ مُسْلِمًا لَا يُعْذَرُ فِيمَا يُهْمِلُ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ.
هَكَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ هَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِبَابِ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ: بَلْ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَهُوَ مَنْ عَمِلَ فِي سُنَّةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ كَانَ أَنْسَبَ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَيَجْرِي مَعْنَى قَوْلِهِ ” مَا أُمِرَ بِهِ ” فِي أَمْرِ النَّدْبِ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَفِيهِ أَنَّ الْهَلَاكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ النَّدْبِ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ عُشْرِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ وَافَقَنِي فِي الْمَحَلَّيْنِ (هَلَكَ) : لِأَنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ وَالْحَقُّ ظَاهِرٌ، وَفِي أَنْصَارِهِ كَثْرَةٌ فَالتَّرْكُ يَكُونُ تَقْصِيرًا مِنْكُمْ فَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي التَّهَاوُنِ (ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ) : يَضْعُفُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرُ الظَّلَمَةُ وَالْفُسَّاقُ وَقَلَّ أَنْصَارُهُ، فَيُعْذَرُ الْمُسْلِمُونَ فِي التَّرْكِ إِذْ ذَاكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ لَا لِلتَّقْصِيرِ (مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا) : لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

180 – وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَذِهِ الْآيَةَ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

180 – (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْهُدَى (إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) أَيْ: أُعْطَوْهُ وَهُوَ حَالٌ، وَقَدَّمَ مَقْدِرَةً وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمُّ عَامَّ الْأَحْوَالِ، وَصَاحِبُهَا الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي خَبَرِ ” كَانَ “، وَالْمَعْنَى مَا كَانَ ضَلَالَتُهُمْ وَوُقُوعُهُمْ فِي الْكُفْرِ إِلَّا بِسَبَبِ الْجِدَالِ وَهُوَ الْخُصُومَةُ بِالْبَاطِلِ مَعَ نَبِيِّهِمْ، وَطَلَبُ الْمُعْجِزَةِ مِنْهُ عِنَادًا أَوْ جُحُودًا، وَقِيلَ: مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا الْعِنَادُ، وَالْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ ضَرْبُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِتَرْوِيجِ مَذَاهِبِهِمْ وَآرَاءِ مَشَايِخِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ نُصْرَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا الْمُنَاظَرَةُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَإِظْهَارِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَذِهِ الْآيَةَ) أَيِ: اسْتِشْهَادٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ (مَا ضَرَبُوهُ) أَيْ: هَذَا الْمَثَلُ (لَكَ) : يَا مُحَمَّدُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: آلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟ أَرَادُوا بِالْآلِهَةِ هُنَا الْمَلَائِكَةَ يَعْنِي: الْمَلَائِكَةُ خَيْرٌ أَمْ عِيسَى؟ يُرِيدُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خَيْرٌ مِنْ عِيسَى، فَإِذَا عَبَدَتِ النَّصَارَى عِيسَى فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ أَيْ: مَا قَالُوا ذَلِكَ الْقَوْلَ {إِلَّا جَدَلًا} [الزخرف: 58] أَيْ إِلَّا لِمُخَاصَمَتِكَ وَإِيذَائِكَ بِالْبَاطِلِ لَا لِطَلَبِ الْحَقِّ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْأَصَحُّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ ابْنَ الزَّبْعَرِيِّ جَادَلَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] آلِهَتُنَا أَيِ الْأَصْنَامُ خَيْرٌ عِنْدَكَ أَمْ عِيسَى؟ فَإِنْ كَانَ فِي النَّارِ فَلْتَكُنْ آلِهَتُنَا مَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَأَوَّلًا: أَنَّ (مَا) لِغَيْرِ ذَوِي الْعُقُولِ، فَالْإِشْكَالُ نَشَأَ عَنِ الْجَهْلِ بِالْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، وَثَانِيًا: أَنَّ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ خُصُّوا عَنْ هَذَا بِقُولِهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ – بَلْ هُمْ} [الأنبياء: 101 – 42] : أَيِ الْكُفَّارُ {قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] : أَيْ: كَثِيرُو الْخُصُومَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا الْحَاكِمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

181 – وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ: ( «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

181 – (وَعَنْ أَنَسٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّكْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أَيْ: بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ كَصَوْمِ الدَّهْرِ وَإِحْيَاءِ اللَّيْلِ كُلِّهِ وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ لِئَلَّا تَضْعُفُوا عَنِ الْعِبَادَةِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْفَرَائِضِ (فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) : بِالنَّصْبِ جَوَابُ النَّهْيِ أَيْ: يَفْرِضُهَا عَلَيْكُمْ فَتَقَعُوا فِي الشِّدَّةِ، أَوْ بِأَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ ضَعْفِكُمْ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ عَلَى سَبِيلِ النَّذْرِ أَوِ الْيَمِينِ، فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَيُوجِبَ عَلَيْكُمْ بِإِيجَابِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَتَضْعُفُوا عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ وَتَمَلُّوا وَتَكْسَلُوا وَتَتْرُكُوا الْعَمَلَ فَتَقَعُوا فِي عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُلَائِمُ لِلتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ قَوْمًا) أَيْ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) : بِالْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ، وَالرِّيَاضَاتِ الصَّعْبَةِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ التَّامَّةِ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإِتْمَامِهَا وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا، وَقِيلَ: شَدَّدُوا حِينَ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ لَوْنِهَا وَسِنِّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهَا.
(فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) : بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ عَلَى صِفَةٍ، لَمْ تُوجَدْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ إِلَّا بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبِعْهَا صَاحِبُهَا إِلَّا بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ (فَتِلْكَ) : الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ تَصَوُّرِ جَمَاعَةٍ بَاقِيَةٍ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشَدِّدِينَ بَقِيَتْ فِي الصَّوَامِعِ يُفَسِّرُهَا قَوْلُهُ (بَقَايَاهُمْ) أَيْ: بَقَايَا قَوْمٍ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (فِي الصَّوَامِعِ) : جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وَهِيَ مَوْضِعُ عِبَادَةِ الرُّهْبَانِ مِنَ النَّصَارَى.
قِيلَ: هُوَ بِنَاءٌ صَغِيرٌ عَلَى شَكْلِ دَائِرَةٍ (وَالدِّيَارِ) : جَمْعُ الدَّيْرِ، وَهُوَ الْكَنِيسَةُ وَهِيَ مَعْبَدُ الْيَهُودِ، قِيلَ: وَهُوَ بِنَاءٌ وَسِيعٌ فِيهِ مَحَلُّ الْعِبَادَةِ، وَبَاقِيهِ لِنَحْوِ نُزُولِ الْمَارَّةِ وَإِيوَاءِ الْغَرِيبِ (رَهْبَانِيَّةً) : نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، أَيِ: ابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً (ابْتَدَعُوهَا) يُقَالُ: ابْتَدَعَ إِذَا أَتَى بِشَيْءٍ بَدِيعٍ أَيْ: جَدِيدٍ لَمْ يَفْعَلْهُ قَبْلَهُ أَحَدٌ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ بِالْفَتْحِ الْخَصْلَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الرُّهْبَانِ، وَهُوَ الْخَائِفُ، فُعْلَانٌ مِنْ رَهِبَ رَهْبَةً أَيْ خَافَ، وَبِالضَّمِّ نِسْبَةً إِلَى الرُّهْبَانِ جَمْعُ رَاهِبٍ، وَفِي الْآيَةِ قُرِئَتْ بِالضَّمِّ شَاذًّا، وَقِيلَ: الرَّهْبَةُ الْخَوْفُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى عِبَادَةِ الرُّهْبَانِ، وَهُوَ جَمْعُ الرَّاهِبِ أَيْ: عَابِدُ النَّصَارَى وَهِيَ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ (مَا كَتَبْنَاهَا) أَيْ: مَا فَرَضْنَا تِلْكَ الرَّهْبَانِيَّةَ (عَلَيْهِمْ) : مِنْ تَرْكِ التَّلَذُّذِ بِالْأَطْعِمَةِ وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ وَالِاعْتِزَالِ عَنِ النَّاسِ، وَالتَّوَطُّنِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعُمْرَانِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ: وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ.
قَالَ تَعَالَى {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] أَيْ: لَمْ يَرْعَوُا الرَّهْبَانِيَّةَ حَقَّ رِعَايَتِهَا وَضَيَّعُوا وَكَفَرُوا بِدِينِ عِيسَى، فَتَهَوَّدُوا وَتَنَصَّرُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ مُلُوكِهِمْ وَتَرَكُوا التَّرَهُّبَ، وَأَقَامَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حَتَّى أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَآمَنُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27] كَذَا فِي الْمَعَالِمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

182 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ.
فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْأَمْثَالِ» ) .
هَذَا لَفَظُ الْمَصَابِيحِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) ، وَلَفْظُهُ ( «فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَمَ» ) .

182 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (نَزَلَ الْقُرْآنُ) أَيْ: بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ (عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ) : مِنْ وُجُوهِ الْكَلَامِ (حَلَالٍ) : بِالْجَرِّ، وَهُوَ بَدَلٌ بَعْدَ الْعَطْفِ قَبْلَ الرَّبْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57] وَقَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] وَغَيْرِهِمَا.
(وَحَرَامٍ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: 173] الْآيَةَ وَغَيْرِهَا (وَمُحْكَمٍ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمَوْعِظَةِ (وَمُتَشَابِهٍ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (وَأَمْثَالٍ) : يَعْنِي قَصَصَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرِهِمَا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْثَالَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت: 41] وَلِذَا عَقَّبَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] (فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ) : أَيِ: اعْتَقِدُوا حِلِّيَّتَهُ وَجَوِّزُوا مَنْفَعَتَهُ (وَحَرَّمُوا الْحَرَامَ) أَيِ: اجْتَنِبُوهُ وَاعْتَقِدُوا حُرْمَتَهُ وَاحْكُمُوا بِمَضَرَّتِهِ (وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ) : مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ) مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِكَيْفِيَّتِهِ (وَاعْتَبِرُوا بِالْأَمْثَالِ) : أَيِ: الظَّاهِرِيَّةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ (هَذَا) : أَيِ الْمَذْكُورُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ (لَفْظُ الْمَصَابِيحِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) أَيْ: مَعْنَاهُ وَحَذَفَ هَذَا لِلْعِلْمِ بِهِ (وَلَفْظُهُ) أَيْ: لَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ (فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ) : وَلَا تَجْتَنِبُوهُ (وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ) : وَلَا تَرْتَكِبُوهُ (وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَمَ) : وَلَا تَتْرُكُوهُ فَفِيهِ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ مِنَ الْمُصَنِّفِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ.

✩✩✩✩✩✩✩

183 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «الْأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ) .
رَوَاهُ أَحْمَدُ.

183 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْأَمْرُ) : وَاحِدُ الْأُمُورِ أَيِ: الْحُكْمُ وَالشَّأْنُ وَالْحَالُ فِي الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ (” أَمْرٌ “) أَيْ: مِنْهَا أَمْرٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْرٌ (بَيِّنٌ رُشْدُهُ) أَيْ ظَاهِرٌ صَوَابُهُ كَأُصُولِ الْعِبَادَاتِ، مِثْلَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ) أَيْ ضَلَالَتُهُ، كَمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَعْيَادِهِمْ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَنْسَبُ بِحُسْنِ الْمُقَابَلَةِ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَوَّلِ كَأُصُولِ الْعَقَائِدِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْقِيَامَةِ، وَفِي الثَّانِي كَقَتْلِ النَّفْسِ وَالزِّنَا (فَاجْتَنِبْهُ) : أَيِ احْتَرِزْ عَنْهُ (وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، وَضُبِطَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا تَكُونَ الضَّمَّةُ مَكْتُوبَةً أَوْ تُكْتَبَ بِالْحُمْرَةِ لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ، حَتَّى فِي الْمُصْحَفِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْقَارِعَةِ} [القارعة: 1] وَ {أَلْهَاكُمُ} [التكاثر: 1] ثُمَّ هَمْزَةُ ” اخْتُلِفَ ” مَضْمُومَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِذَا سَقَطَتْ فِي الدَّرَجِ يَجُوزُ ضَمُّ التَّنْوِينِ وَكَسْرُهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اشْتَبَهَ وَخَفِيَ حُكْمُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ، أَيْ: وَالْأَدِلَّةُ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى أَنَّ يُفَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَا وَرَدَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ اهـ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ الشَّرْعُ مِثْلَ الْمُتَشَابِهَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حُكْمَهُ، كَتَعْيِينِ وَقْتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحُكْمِ أَطْفَالِ الْكَفَرَةِ (فَكِلْهُ) : أَمَرٌ مِنْ وَكَلَ يَكِلُ (إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ: فَوِّضْ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَقُلْ فِيهِ شَيْئًا مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
184 – عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ وَالْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ وَإِيَاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ» ) .
رَوَاهُ أَحْمَدُ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
184 – (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ) : الذِّئْبُ مُسْتَعَارٌ لِلْمُفْسِدِ وَالْمُهْلِكِ وَهُوَ بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (كَذِئْبِ الْغَنَمِ) أَيْ: فِي الْعَدَاوَةِ وَالْإِهْلَاكِ.
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] الْآيَةَ (يَأْخُذُ) أَيْ: ذِئْبَ الْغَنَمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ الذِّئْبِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ وَالْعَامِلُ مَعْنَى التَّشْبِيهِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَالَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآيَةِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَدِيثِ فَالْإِطْلَاقُ أَوْلَى مِنَ التَّقْيِيدِ، وَالْمَعْنَى يَأْخُذُ غَالِبًا أَوْ بِالسُّهُولَةِ مِنْ غَيْرِ تَدَارُكٍ (الشَّاذَّةَ) : بِتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ: النَّافِرَةَ الَّتِي لَمْ تُؤْنَسْ بِأَخَوَاتِهَا، وَلَمْ تَخْتَلِطْ بِهِنَّ (وَالْقَاصِيَةَ) : الَّتِي قَصَدَتِ الْبُعْدَ عَنْهُنَّ لِأَجْلِ الْمَرْعَى مَثَلًا لَا لِلتَّنَفُّرِ (وَالنَّاحِيَةَ) : الَّتِي غُفِلَ عَنْهَا، وَبَقِيَتْ فِي جَانِبٍ مِنْهَا فَإِنَّ النَّاحِيَةَ هِيَ الَّتِي صَارَتْ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ عَنْ أَخَوَاتِهَا لِغَفْلَتِهَا.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ النَّاحِيَةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ الْجِيمِ: النَّجَاءُ السُّرْعَةُ، يُقَالُ: نَجَا يَنْجُو إِذَا أَسْرَعَ، وَنَجَا مِنَ الْأَمْرِ إِذَا خَلَصَ وَأَنْجَى غَيْرَهُ، وَمِنْهُ: إِنَّمَا يَأْخُذُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ وَالشَّاذَّةَ وَالنَّاجِيَةَ، أَيِ: السَّرِيعَةَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْحَرْبِيِّ بِالْجِيمِ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ هُوَ الْحَاءُ، وَأَمَّا الْجِيمُ فَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَلِهَذَا أَطْبَقَتْ نُسَخُ الْمِشْكَاةِ عَلَى الْحَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ) : بِالْكَسْرِ وَالنَّصْبِ مِنَ الشِّعْبِ، وَهُوَ الْوَادِي مَا اجْتَمَعَ مِنْهُ طَرَفٌ وَتَفَرَّقَ طَرَفٌ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: شَعَّبْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَّعْتَهُ، وَشَعَّبْتُهُ إِذَا فَرَّقْتَهُ، وَالْمُرَادُ الْمُنْعَطَفَاتُ فِي الْأَوْدِيَةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ السِّبَاعِ وَالْهَوَامِّ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ وَأَمَاكِنِ الْجِنِّ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّمْثِيلِ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِيَّاكُمْ، وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ) : تَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ (وَالْعَامَّةٍ) أَيْ عَامَّةِ الْجَمَاعَةِ، يَعْنِي: عَلَيْكُمْ بِمُتَابَعَةِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَوْ عَلَيْكُمْ بِمُخَالَطَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِيَّاكُمْ وَمُفَارَقَتَهُمْ وَالْعُزْلَةَ عَنْهُمْ وَاخْتِيَارَ الْجِبَالِ وَالشِّعَابِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعُمْرَانِ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِلَفْظِ التَّمْثِيلِ وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

✩✩✩✩✩✩✩

185 – وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» “.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.

185 – (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا) أَيْ: وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ وَلَوْ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ تَرْكُ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعُ الْبِدْعَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُفَارَقَةَ الْجَمَاعَةِ مُتَارَكَةُ إِجْمَاعِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَقَدْ خَلَعَ) أَيْ: نَزَعَ (رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ) أَيْ: ذِمَّتَهُ (مِنْ عُنُقِهِ) : إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْإِسْلَامُ عَلَى كَمَالِهِ، أَوِ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّخْوِيفِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ تُؤَدِّي إِلَى الْخَلْعِ الْحَقِيقِيِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّبْقَةُ: عُرْوَةٌ فِي حَبْلٍ تُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَهِيمَةِ أَوْ يَدِهَا تَمْسِكُهَا، فَاسْتُعِيرَتْ لِانْقِيَادِ الرَّجُلِ وَاسْتِسْلَامِهِ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ وَخَلْعُهَا ارْتِدَادُهُ وَخُرُوجُهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

186 – وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ» “.
رَوَاهُ فِي (الْمُوَطَّأِ)
186 – (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (مُرْسَلًا) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ أَنَّ قَوْلَ مَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ أَيْضًا يُسَمَّى مُرْسَلًا، وَبِهِ ذَهَبَ الْخَطِيبُ، لَكِنْ قَالَ: إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوصَفُ بِهِ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اهـ.
فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِ ; فَإِنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ) أَيْ: شَيْئَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَوْ حَكَمَيْنِ بِفَتْحِهِمَا (لَنْ تَضِلُّوا) ؟ أَيْ: لَنْ تَقَعُوا فِي الضَّلَالَةِ (مَا تَمَسَّكْتُمْ) أَيْ: مُدَّةَ تَمَسُّكِكُمْ (بِهَا) أَيْ: بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا (كِتَابَ اللَّهِ) : أَيِ: الْقُرْآنَ (وَسُنَّةَ رَسُولِهِ) أَيْ: حَدِيثَ رَسُولِهِ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي.
وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِهِمَا، ثُمَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ سُنَّتِي مُبَالَغَةٌ فِي زِيَادَةِ شَرَفِهِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ بِذِكْرِهِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافَتُهُ عَنِ اللَّهِ وَقِيَامُهُ بِرِسَالَتِهِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَيْسَ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الرِّسَالَةِ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

(رَوَاهُ) أَيْ: مَالِكٌ وَفِيهِ أَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ مَالِكٍ فِي (الْمُوَطَّأِ) : فَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ التَّابِعِيَّ مَكَانَ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْآخِرِ: رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا لِأَنَّهُ مِنَ الْمُخْرِجِينَ، أَوْ يَقُولُ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ مَعَ أَنَّهُ يَبْقَى مُنَاقَشَةٌ أُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ” عَنْ ” فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى رَاوٍ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ثُمَّ الْمُوَطَّأُ بِالْهَمْزِ، وَقِيلَ بِالْأَلْفِ كِتَابٌ مَشْهُورٍ مُصَنَّفٌ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ، قَرَأَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَقِّهِ: هُوَ أَصَحُّ الْكُتُبِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ، لَكِنَّ هَذَا قَبْلَ وُجُودِ الصَّحِيحَيْنِ وَإِلَّا فَصَحِيحُ الْبُخَارِيِّ هُوَ الْأَصَحُّ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

187 – وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ ; فَتَمَسُّكٌ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ» “.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.

187 – (وَعَنْ غُضَيْفٍ) : بِالْمُعْجَمَتَيْنِ مُصَغَّرًا، وَقِيلَ بِالظَّاءِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ غُضَيْفٍ فَأَثْبَتَ صُحْبَتَهُ، وَغُضَيْفٌ تَابِعِيٌّ وَهُوَ أَشْبَهُ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: يُكَنَّى أَبَا أَسْمَاءَ، شَامِيٌّ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ وَقَالَ: وُلِدْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَبَايَعْتُهُ وَصَافَحَنِي، وَسَمِعَ عُمَرَ، وَأَبَا ذَرٍّ، وَعَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهُ مَكْحُولٌ وَسُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ (ابْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِيِّ) : بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ نِسْبَةً إِلَى ثُمَالَةَ بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا أَحْدَثَ) أَيْ: أَبْدَعَ وَجَدَّدَ (قَوْمٌ بِدْعَةً) أَيْ: مُزَاحِمَةً لِسُنَّةٍ (إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا) أَيْ: مِقْدَارُهَا فِي الْكَمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ (مِنَ السُّنَّةِ) وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سُمِّيَ الضِّدُّ مِثْلًا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ خُطُورًا بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَأَسْرَعُ ثُبُوتًا عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاسُبٌ مَا (فَتَمَسُّكٌ) : جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا عَزَمْتَ ذَلِكَ فَتَمَسُّكٌ (بِسُنَّةٍ) أَيْ: صَغِيرَةٍ أَوْ قَلِيلَةٍ كَإِحْيَاءِ آدَابِ الْخَلَاءِ مَثَلًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ: أَيْ سُنَّةٍ قَذِرَةٍ، فَلَغْزَةُ قَلَمٍ وَزَلَّةُ قَدَمٍ مِمَّا يَنْفُرُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَيَمُجُّهُ السَّمْعُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَوْلَا اشْتِهَارُ عِلْمِ الرَّجُلِ وَتَحْقِيقِهِ وَحُسْنِ حَالِهِ وَطَرِيقِهِ لَقُضِيَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، كَيْفَ؟ ! وَأَصْحَابُنَا مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ مَنِ اسْتَقْذَرَ شَيْئًا مَنْسُوبًا إِلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَفَرَ وَالسُّنَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهِ فَوَصْفُهَا بِالْقَذَارَةِ يُوقِعُ فِي تِلْكَ الْوَرْطَةِ لَوْلَا إِمْكَانُ تَأْوِيلِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْهَا بِالْقَذَارَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا سُنَّةً، بَلْ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِ فِعْلِهَا بِمُسْتَقْذَرٍ، وَهَذَا بِفَرْضِ قَبُولِهِ إِنَّمَا يَمْنَعُ الْكُفْرَ فَحَسْبُ لَا الشَّنَاعَةَ وَالْقُبْحَ وَسُوءَ الْأَدَبِ! (خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ) أَيْ: أَفْضَلُ مِنْ حَسَنَةٍ عَظِيمَةٍ كَبِنَاءِ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنَ الْخَلِّ، وَعَلَى حَدِّ: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ، فَالتَّقْدِيرُ حِينَئِذٍ التَّمَسُّكُ بِسُنَّةٍ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ، وَبِبِدْعَةٍ لَا خَيْرَ فِيهِ أَصْلًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَمَا مَثَّلَهُ الطِّيبِيُّ أَوَّلًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْبِدْعَةَ الْحَسَنَةَ مُلْحَقَةٌ بِالسُّنَنِ الْمَنْصُوصَةِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ تُؤْلَفْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ سُمِّيَتْ بِدْعَةً، وَأَمَا ثَانِيًا فَنَحْوُ الْمَدْرَسَةِ نَفْعُهَا عَامٌّ دَائِمٌ وَثَوَابُهَا مُتَضَاعِفٌ بَاقٍ بِبَقَائِهَا، فَكَيْفَ يُفَضَّلُ عَلَيْهَا مَا نَفْعُهُ قَاصِرٌ وَثَوَابُهُ مُنْقَطِعٌ بِانْقِضَاءِ فِعْلِهِ هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُبَالَغَةُ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَأَنَّ سُنَّتَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا سُنَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ بِدْعَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحْسَنَةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا مُتَعَدِّيَةً أَوْ قَاصِرَةً أَوْ دَائِمَةً أَوْ مُنْقَطِعَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ سُنَّةٍ أَيِّ سُنَّةٍ تَكَاسُلًا يُوجِبُ اللَّوْمَ وَالْعِتَابَ وَتَرْكُهَا اسْتِخْفَافًا يُثْبِتُ الْعِصْيَانَ وَالْعِقَابَ وَإِنْكَارُهَا يَجْعَلُ صَاحِبَهُ مُبْتَدِعًا بِلَا ارْتِيَابٍ، وَالْبِدْعَةُ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحْسَنَةٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا جَعْلُ خَيْرٍ بِغَيْرِ مَعْنَى التَّفْضِيلِ فَبَعِيدٌ، بَلْ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ فَائِدَةٌ تَامَّةٌ وَلَا مُبَالَغَةٌ كَامِلَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) ، قَالَ مَيْرَكُ: بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

188 – وَعَنْ حَسَّانَ، قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

188 – (وَعَنْ حَسَّانَ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى أَنَّهُ فَعْلَانُ، وَقَدْ يَنْصَرِفُ عَلَى أَنَّهُ فَعَّالٌ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَجْمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى أَنَّ أَشْعَرَ أَهْلِ الْمَدَرِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَوَى عَنْهُ عُمَرُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَمَاتَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: سَنَةُ خَمْسِينَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، عَاشَ مِنْهَا سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ (قَالَ) أَيْ: حَسَّانُ (مَا ابْتَدَعَ قُوْمٌ بِدْعَةً) أَيْ سَيِّئَةً مُزَاحِمَةً لِسُنَّةٍ (فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا) أَيْ فِي الْعَدَدِ وَالْقَدْرِ، أَوْ مِنْ شَآمَةِ ارْتِكَابِ الْبِدْعَةِ يُحْرَمُونَ مِنْ بَرَكَاتِ السُّنَّةِ (ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا) : أَيِ اللَّهُ تِلْكَ الْحَسَنَةَ (إِلَيْهِمْ) أَيْ إِلَى ذَلِكَ الْقَوْمِ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى ابْتِدَاعِ السَّيِّئَةِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ مُتَأَصِّلَةً مُسْتَقِرَّةً فِي مَكَانِهَا، فَلَمَّا أُزِيلَتْ عَنْهُ لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ أَبَدًا فَمَثَلُهَا كَمَثَلِ شَجَرَةٍ ضَرَبَتْ عُرُوقَهَا فِي تُخُومِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قُلِعَتْ لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
أَيْ: مَوْقُوفًا، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إِخْبَارٍ بِغَيْبٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ إِلَى إِلَخْ.
فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.

✩✩✩✩✩✩✩

189 – وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ» “.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) مُرْسَلًا.

189 – (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ الطَّائِفِيِّ، يُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ، ثِقَةٌ صَحِيحُ الْحَدِيثِ، حَدِيثُهُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ وَقَّرَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: عَظَّمَ أَوْ نَصَرَ (صَاحِبَ بِدْعَةٍ) : سَوَاءٌ كَانَ دَاعِيًا لَهَا أَمْ لَا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَأَنْ قَامَ وَصَدَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ خَدَمَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُلْجِئُهُ إِلَى ذَلِكَ (فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) أَيْ: إِسْلَامِهِ أَوْ كَمَالِ إِسْلَامِهِ أَوْ عَلَى هَدْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ السُّنَّةُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ، فَإِذَا كَانَ حَالُ الْمُوَقِّرِ كَذَا، فَمَا حَالُ الْمُبْتَدِعِ؟ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ سُنَّةٍ كَانَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَكَذَا مَنْ أَهَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ يُخَالِفُ حُكْمَهُ.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) .
لِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيِّ مِنَ السَّنَدِ.

✩✩✩✩✩✩✩

190 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ ; هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] .
رَوَاهُ رَزِينٌ.

190 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ) أَيْ مَوْقُوفًا (مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ) : نَظَرًا أَوْ حِفْظًا أَوْ عِلْمًا بِمَعْنَاهُ (ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ) : مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ) : ضَمَّنَ هَدَى مَعْنَى آمَنَ، فَعَدَّاهُ بِمَنْ أَيْ آمَنَهُ اللَّهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ مَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْهِدَايَةِ، وَوَقَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الضَّلَالَةِ مَا دَامَ يَعِيشُ (فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ) أَيْ: حَفِظَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ) أَيْ: مُنَاقَشَتَهُ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى السُّوءِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ عُذِّبَ» ” قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ مَنُوطَةٌ بِمُتَابَعَةِ كِتَابِ اللَّهِ اهـ.
وَمُتَابَعَتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ سُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُتَابَعَتِهِ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ شَرْعًا لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ:) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ) أَيْ: فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا (لَا يَضِلُّ) أَيْ: لَا يَقَعُ فِي الضَّلَالَةِ (فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى) أَيْ: لَا يَتْعَبُ وَلَا يُعَذَّبُ (فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) اسْتِشْهَادًا لِمَا قَالَهُ {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} [طه: 123] أَيْ مَا يُهْدَى بِهِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ مُبَالَغَةً، وَهُوَ الْقُرْآنُ بِقَرِينَةِ الْإِضَافَةِ أَيِ: الْهِدَايَةُ الْمَخْصُوصَةُ بِي الْمَنْسُوبَةُ إِلَيَّ، وَفِي مَعْنَاهَا الْهِدَايَةُ النَّبَوِيَّةُ وَالسُّنَّةُ الْمُصْطَفَوِيَّةُ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمَعَالِمِ أَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] : ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَنَفْيَ التَّعَبِ فِي الْآخِرَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَّرِيُّ: مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَهُوَ مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لَا يَضِلُّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعِدَّ التَّعَبَ الدُّنْيَوِيَّ مَعَ النَّعِيمِ الْأُخْرَوِيِّ تَعَبًا أَوْ لِانْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَاطْمِئْنَانِ قَلْبِهِ وَتَسْلِيمِهِ تَحْتَ الْقَضَاءِ مَعَ الرِّضَا ارْتَفَعَ التَّعَبُ كُلُّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

191 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرَخَاةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو، كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ! لَا تَفْتَحْهُ ; فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ “.
ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ: ” أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» “.
رَوَاهُ رَزِينٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.

191 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) أَيْ: بَيَّنَ مَثَلًا (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) : بَدَلٌ مِنْ مَثَلًا عَلَى إِهْدَامِ الْمُبْدَلِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: زِيدٌ رَأَيْتُ غُلَامَهُ رَجُلًا صَالِحًا (وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ) : بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقَلَهُ مَيْرَكُ أَيْ: عَنْ طَرَفَيْهِ وَجَانِبَيْهِ يَعْنِي يَمِينَهُ وَيَسَارَهُ (سُورَانِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَنْ صِرَاطًا (فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ سُورَانِ أَيْ: جِدَارَانِ فَاصِلَانِ بَيْنَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَطَرَفَيْهِ الْخَارِجَيْنِ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَوِيمِ، الْمُشَبَّهَيْنِ بِسُورِ الْبَلَدِ مِنْ جَنَبَتَيْهِ، أَحَدُ جَانِبَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَالْآخَرُ مِنَ الْعَدُوِّ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ) : جَمْعُ السِّتْرِ بِالْكَسْرِ (مُرَخَاةٌ) أَيْ: مُرْسَلَةٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْأَبْوَابِ فِي ” مُفَتَّحَةٌ “، وَوَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى صَاحِبِهَا لِإِفَادَةِ التَّفْخِيمِ (وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ) أَيْ: عَلَيْهِ (دَاعٍ) : عَطُوفٌ عَلَى وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ (يَقُولُ) : أَيِ الدَّاعِي (اسْتَقِيمُوا) : أَيِ اسْتَوُوا (عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا) : بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ الِاعْوِجَاجِ، كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، أَيْ: لَا تَمِيلُوا إِلَى الْأَطْرَافِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطَفَ عَلَى ” اسْتَقِيمُوا ” عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، لِأَنَّ مَفْهُومَ كُلٍّ مِنْهُمَا يُقَرِّرُ مَنْطُوقَ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ (وَفَوْقَ ذَلِكَ) : عَطْفٌ عَلَى: وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الصِّرَاطُ أَوِ الدَّاعِي (دَاعٍ يَدْعُو، كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ) أَيْ: قَصَدَ وَأَرَادَ (أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا) أَيْ: قَدْرًا يَسِيرًا (مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ) أَيْ: سُتُورِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلَّمَا ظَرْفٌ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ وَهُوَ: قَالَ اهـ.
وَالضَّمِيرُ فِي (قَالَ) : رَاجِعٌ إِلَى الدَّاعِي (وَيْحَكَ) : زَجْرٌ لَهُ عَنْ تِلْكَ الْهِمَّةِ، وَهِيَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، يَعْنِي ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ عَمَّا هَمَّ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ (لَا تَفْتَحْهُ) أَيْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ أَيْ سُتُورِهَا.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَبْوَابَ مَرْدُودَةٌ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ سَابِقًا ” أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ “: غَيْرُ مُغْلَقَةٍ اهـ.
وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ (فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ) أَيْ: تَدْخُلْهُ يَعْنِي: لَا تَقْدِرُ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَكَ وَتُمْسِكَهَا عَنِ الدُّخُولِ بَعْدَ الْفَتْحِ.
(ثُمَّ فَسَّرَهُ) أَيْ: أَرَادَ تَفْسِيرَهُ (فَأَخْبَرَ: أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ) : وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَبْدِ الِاسْتِقَامَةُ عَلَيْهِ (وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ) : فَإِنَّهَا أَبْوَابٌ لِلْخُرُوجِ عَنْ كَمَالِ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الْعَذَابِ وَالْمَلَامَةِ (وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَحَارِمِ اللَّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] اهـ.
وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السُّتُورِ الْأُمُورُ الْمَسْتُورَةُ غَيْرُ الْمُبَيَّنَةِ مِنَ الدِّينِ الْمُسَمَّاةُ بِالشُّبْهَةِ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِ ” حَوْلَ الْحِمَى ” فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ.
(وَأَنَّ الدَّاعِيَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَالدَّاعِي بِالرَّفْعِ (عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ) أَيْ: فَوْقِ الصِّرَاطِ أَوْ مِنْ فَوْقِ الدَّاعِي الْأَوَّلِ (هُوَ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ لَمَّةُ الْمَلَكِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللَّمَّةُ الْأُخْرَى هِيَ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ اهـ.
أَيِ: الَّتِي أَثَرُهَا الْهَمُّ، وَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ: وَالْهَمُّ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) .
أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) .

✩✩✩✩✩✩✩

192 – وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ.

192 – (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ النَّوَّاسِ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (ابْنِ سِمْعَانَ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، كِلَابِيٌّ سَكَنَ الشَّامَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْهُمْ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الْخَوْلَانِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ.
(وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) أَيْ: رَوَى عَنِ النَّوَّاسِ (إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ) .
أَيْ: مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ أَخْصَرَ مِمَّا ذَكَرَ غَيْرُهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

193 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا ; فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ.
رَوَاهُ رَزِينٌ.

193 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: مُقْتَدِيًا بِسُنَّةِ أَحَدٍ وَطَرِيقَتِهِ (فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ) أَيْ: عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَعَلِمَ حَالَهُ وَكَمَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقَامَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أُخْرِجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَتَحَرِّي طَرِيقِ الصَّوَابِ بِنَفْسِهِ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَلْيَقْتَدِ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَنَّهُمْ نُجُومُ الْهُدَى وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُوصِي الْقُرُونَ الْآتِيَةَ بَعْدَ قُرُونِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِاقْتِفَاءِ أَثَرِهِمْ وَالِاهْتِدَاءِ بِسِيَرِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوصِي التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ بِالِاقْتِدَاءِ بِالصَّحَابَةِ، لَكِنْ خَصَّ أَمْوَاتَهُمْ لِأَنَّهُ عَلِمَ اسْتِقَامَتَهُمْ عَلَى الدِّينِ وَاسْتِدَامَتَهُمْ عَلَى الْيَقِينِ بِخِلَافِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَيًّا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مِنْهُمُ الِافْتِتَانُ وَوُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ وَالطُّغْيَانِ، بَلِ الرِّدَّةُ وَالْكُفْرَانُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَاتِمَةِ، وَهَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ فِي حَقِّهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لِكَمَالِ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمَّا رَأَى مِنَ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ وَوُقُوعِ الْهَالِكِينَ فِيهَا وَإِلَّا فَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْجَنَّةِ وَقَالَ: ” «رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رُضِيَ لَهُمْ» ” وَأَنَّهُ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلِذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ تَشَهُّدَهُ عَلَى تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفِتْنَةُ كَالْبَلَاءِ يُسْتَعْمَلَانِ فِيمَا يُدَافَعُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ اهـ.
وَهُمَا فِي الشِّدَّةِ أَظْهَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانُوا قَدْ أَمِنُوا مِنَ الْفِتْنَةِ.
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 3] فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَنْ مَاتَ، أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي ” مَاتَ ” نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ.
وَقَالَ: (أُولَئِكَ) نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي لَقِيَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَآمَنَ بِهِ وَمَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَمَّا مَنْ عَاشَ مِنْهُمْ فَهُوَ فِي خَطَرٍ مِنَ الرِّدَّةِ، سَوَاءٌ آمَنَ بَعْدَهَا أَوْ لَا، فَإِنَّ بِالرِّدَّةِ تَبْطُلُ الصُّحْبَةُ فِي مَذْهَبِنَا (كَانُوا أَفَضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ فَكَانُوا أَفْضَلَ الْأُمَمِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى انْقِرَاضِ الْعَالَمِ اهـ.
أَوْ يُقَالُ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَوْجُودِينَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْأَفْضَلِيَّةُ عَلَى سَائِرِ الْقُرُونِ لِحَدِيثِ: ” «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ” الْحَدِيثَ.
(أَبِرَّهَا قُلُوبًا) أَيْ: أَطْوَعَهَا وَأَحْسَنَهَا وَأَخْلَصَهَا وَأَعْلَمَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا إِيمَانًا قَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 177] الْآيَةَ.
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [الحجرات: 3] أَيْ ضَرَبَهَا بِأَنْوَاعِ الْمِحَنِ وَالتَّكْلِيفَاتِ الصَّعْبَةِ وَالشَّدَائِدِ الَّتِي لَا تُطَاقُ لِأَجْلِ أَنْ يَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهَا مِنَ التَّقْوَى، إِذْ لَا تَظْهَرُ حَقِيقَتُهَا إِلَّا عِنْدَ ذَلِكَ فَوَجَدَهَا مَعَ ذَلِكَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالرِّضَا أَوْ أَخْلَصَهَا لِلتَّقْوَى مِنْ قَوْلِهِمْ: امْتَحَنْتُ الذَّهَبَ وَفَتَنْتُهُ إِذَا أَذَبْتَهُ بِالنَّارِ حَتَّى خَرَجَ خَالِصًا نَقِيًّا، أَوْ أَذْهَبَ الشَّهَوَاتِ وَالْحُظُوظَ الدُّنْيَوِيَّةَ عَنْهَا كَمَا قَالَهُ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا) أَيْ: أَكْثَرَهَا غَوْرًا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وَأَدَقَّهَا فَهْمًا وَأَوْفَرَهَا حَظًّا مِنَ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفَرَائِضِ وَالتَّصَوُّفِ لِسَعَةِ صُدُورِهِمْ وَشَرْحِ قُلُوبِهِمْ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أُمَّةً جَامِعًا لِلشَّمَائِلِ السَّنِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ الْبَهِيَّةِ لَا تُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَقَدِ افْتَرَقُوا فَبَعْضُهُمْ صَارَ مُفَسِّرًا وَبَعْضُهُمْ مُحَدِّثًا وَغَيْرُ ذَلِكَ لِعَدَمِ تِلْكَ الْقَابِلِيَّةِ الْعُظْمَى وَالِاسْتِعْدَادَاتِ الْكَامِلَةِ الْعُلْيَا، وَلِذَا اعْتَرَضَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ عَلَى الْعَلَّامَةِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [البقرة: 189] أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يُدْرِكُونَ تَحْقِيقَ مَاهِيَّةِ الْأَهِلَّةِ، وَلِذَا عَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] مَعَ أَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الَّذِي قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهِ: ” هُوَ أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ “.
(وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا) أَيْ: فِي الْعَمَلِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَمْشُونَ حُفَاةً، وَيُصَلُّونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ كُلِّ آنِيَةٍ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ سُؤْرِ النَّاسِ، وَكَذَا فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِمْ، وَيَقُولُونَ فِيمَا لَا يَدْرُونَ: لَا نَدْرِي، وَكَانُوا يَتَدَافَعُونَ الْفَتْوَى عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَيُشِيرُونَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، وَكَذَا فِي الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتْلُونَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ عَلَى لُحُونِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ النَّغَمَاتِ وَالتَّمْطِيطَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا فِي الْأَحْوَالِ الْبَاطِنِيَّةِ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَرْقُصُونَ وَلَا يَصِيحُونَ وَلَا يُطِيحُونَ وَلَا يَطْرُقُونَ، وَلَا يَجْتَمِعُونَ لِلْغِنَاءِ وَالْمَزَامِيرِ، وَلَا يَتَحَلَّقُونَ لِلْأَذْكَارِ وَالصَّلَوَاتِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا فِي بُيُوتِهِمْ، بَلْ كَانُوا فَرْشِيِّينَ بِأَبْدَانِهِمْ، عَرْشِيِّينَ بِأَرْوَاحِهِمْ، كَائِنِينَ مَعَ الْخَلْقِ فِي الظَّاهِرِ، بَائِنِينَ عَنِ الْخَلْقِ مَعَ الْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ بِالْأَوْصَافِ الْمَخْصُوصَةِ وَالْمُرَقَّعَاتِ الْمُنْتَقَشَةِ، وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مَا تَهَيَّأَ لَهُمْ مِنَ الْحَلَالَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ، غَيْرَ مُحْتَرِزِينَ مِنَ اللَّحْمِ أَوِ اللَّبَنِ أَوِ الْفَوَاكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّ هَذَا بِتَرْبِيَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمُرَبِّي الْكَامِلِ الْمُكَمَّلِ الَّذِي قَالَ: ” «أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي» ” كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – بِقَوْلِهِ: (اخْتَارَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ (لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ) : الَّذِي كَانَ كَالْإِكْسِيرِ فِي كَمَالِ التَّأْثِيرِ (وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ) : فَإِنَّهُمْ نَقَلَةُ أَقْوَالِهِ وَحَمَلَةُ أَحْوَالِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَيْضًا جَاهَدُوا حَقَّ الْجِهَادِ حَتَّى فَتَحُوا الْبِلَادَ وَأَظْهَرُوا الدِّينَ لِلْعِبَادِ، مَعَ اشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ فِي يَوْمِ التَّنَادِ (فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ) أَيْ: عَلَى غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، أَيْ زِيَادَةَ قَدْرِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْغَزْوِ وَالْإِنْفَاقِ وَمَزِيَّةِ الثَّوَابِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: 10] (وَاتَّبِعُوهُمْ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ أَيْ: كُونُوا مُتَّبِعِينَ لَهُمْ حَالَ كَوْنِكُمْ مَاشِينَ (عَلَى أَثَرِهِمْ) : بِفَتْحِهِمَا وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: عَقِبَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَإِنَّهُمُ اتَّبَعُوا أَثَرَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مَا شَاهَدُوا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ” (وَتَمَسَّكُوا) أَيْ: خُذُوا وَاعْمَلُوا (بِمَا اسْتَطَعْتُمْ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَجْزِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الْمُتَابَعَةِ الْكَامِلَةِ، لَكِنْ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ وَالْمَحَبَّةُ عَلَى قَدْرِ الْمُتَابَعَةِ كَمَا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَحَبَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] (مِنْ أَخْلَاقِهِمْ) : الْحَمِيدَةِ (وَسِيَرِهِمُ) : السَّعِيدَةِ (فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ) : لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَتْبَاعَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ فِي الدِّينِ الْقَوِيمِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: ” فَاعْرِفُوا لَهُمْ ” قَدْ أَجْمَلَ هَاهُنَا ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: فَضْلَهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25] وَالْمُرَادُ مِنَ الْعِرْفَانِ مَا يُلَازِمُهُ مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ” وَاتَّبِعُوهُمْ ” عَطْفٌ عَلَى اعْرِفُوا عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ: ” عَلَى أَثَرِهِمْ ” حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنْ فَاعِلِ ” اتَّبِعُوا ” نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَفْعُولِ اهـ.
وَخَطَرَ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ أَنَّ هَذَا مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – شَهَادَةٌ عَلَى حَقِّيَّةِ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدًّا عَلَى الرَّافِضَةِ وَالْمُلْحِدِينَ.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

194 – وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَسَكَتَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَغَيَّرُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ! مَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ! فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي لَاتَّبَعَنِي» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

194 – (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِنُسْخَةٍ) : بِضَمِّ النُّونِ أَيْ: بِشَيْءٍ نُسِخَ وَنُقِلَ (مِنَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ) أَيْ: فَهَلْ تَأْذَنُ لَنَا أَنْ نُطَالِعَ فِيهَا لِنَطَّلِعَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ وَشَرَائِعِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
(فَسَكَتَ) : مِنْ كَمَالِ حِلْمِهِ وَغَايَةِ لِينِهِ وَرَحْمَتِهِ (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ عُمَرُ (يَقْرَأُ) : تِلْكَ النُّسْخَةَ ظَنًّا أَنَّ السُّكُوتَ عَلَامَةُ الرِّضَا وَالْإِذْنِ (وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَغَيَّرُ) : مِنْ أَثَرِ الْغَضَبِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لِعُمَرَ: ثَكِلَتْكَ) : بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ فَقَدَتْكَ (الثَّوَاكِلُ) أَيْ: مِنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَأَصْلُهُ دُعَاءٌ لِلْمَوْتِ، لَكِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ غَيْرَ قَاصِدِينَ بِهِ حَقِيقَةَ ذَلِكَ كَتَرِبَتْ يَمِينُهُ وَرَغِمَ أَنْفُهُ (مَا تَرَى) : مَا: نَافِيَةٌ بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ (مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ !) ” مَا ” هَذِهِ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ (فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : فَعَرِفَ آثَارَ الْغَضَبِ فِيهِ (فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ) : غَضَبُ اللَّهِ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ غَضَبِ رَسُولِهِ إِيذَانًا بِأَنَّ غَضَبَهُ غَضَبُهُ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّ التَّعَوُّذَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا يَتَعَوَّذُ مَنْ غَضِبِ رَسُولِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِغَضَبِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) : قَالَهُ اعْتِذَارًا عَمَّا صَدَرَ عَنْهُ، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ إِرْشَادًا لِلسَّامِعِينَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى أَنِّي مَعَ الْحَاضِرِينَ فِي مَقَامِ الرِّضَا طَلَبًا لِلرِّضَا وَاجْتِنَابًا عَنِ الْغَضَبِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أَيْ: بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ (لَوْ بَدَا) : بِالْأَلِفِ دُونَ الْهَمْزَةِ، أَيْ: ظَهَرَ (لَكُمْ مُوسَى) : عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي) : لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ فِي اتِّبَاعٍ يُؤَدِّي إِلَى التَّرْكِ (لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) : فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِي وَعَدَمِ ظُهُورِ مُوسَى تَتَّبِعُونَ كِتَابَهُ الْمَنْسُوخَ وَتَتْرُكُونَ الْأَخْذَ مِنِّي (وَلَوْ كَانَ) أَيْ: مُوسَى كَمَا فِي نُسْخَةٍ (حَيًّا) أَيْ: فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ (وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي) أَيْ: زَمَانَهَا (لَاتَّبَعَنِي) : لِأَنَّ دِينَهُ صَارَ مَنْسُوخًا فِي زَمَانِي، وَلِأَخْذِ الْمِيثَاقِ مِنْهُ وَمِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] الْآيَةَ.
قِيلَ: رَسُولٌ عَامٌّ فَالتَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ، وَقِيلَ: خَاصٌّ وَهُوَ مُحَمَّدٌ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ نَهْيٌ بَلِيغٌ عَنِ الْعُدُولِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى غَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحُكَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

195 – وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا» ”
195 – (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ» ) : النَّسْخُ لُغَةً التَّبْدِيلُ وَشَرْعًا بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَمِنْهُ نَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ” وَأُجِيبَ: بِأَنَّ النَّاسِخَ إِنَّمَا هُوَ آيَةُ الْمِيرَاثِ وَفِيهِ بَحْثٌ إِذِ الْكَلَامُ فِي الْوَصِيَّةِ لَا فِي مِقْدَارِ الْمُوصَى بِهِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» ” (وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْجَوَازِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَمِثَالُهُ نَسْخُ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ خِلَافٌ لِلْأُصُولِيِّينَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ كُلٍّ بِالْآخَرِ لِاسْتِوَائِهِمَا مِنْ حَيْثُ ظَنِّيَّةِ الدَّلَالَةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وَلَا يَرِدُّ عَلَيْهِمْ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ أَوْ حُسْنِهِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْسَخُ لَفْظُهُ (وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا) : وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ كَآيَاتِ الْمُسَالَمَةِ بِآيَاتِ الْقِتَالِ، وَالْمَنْسُوخُ أَنْوَاعٌ.
مِنْهَا: التِّلَاوَةُ وَالْحُكْمُ مَعًا وَهُوَ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْإِنْسَاءِ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَمِنْهَا: الْحُكْمُ دُونَ التِّلَاوَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] وَمِنْهَا التِّلَاوَةُ دُونَ الْحُكْمِ كَآيَةِ الرَّجْمِ وَهِيَ: ” الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “، وَبَقِيَ فِي الْحَدِيثِ قِسْمٌ رَابِعٌ وَهُوَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، وَجَوَازُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِثَالُهُ: ” «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» ” فَاجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

196 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِنَّ أَحَادِيثَنَا يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْخِ الْقُرْآنِ» ”
196 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَحَادِيثَنَا) أَيْ: بِشَرْطِ صِحَّتِهَا (يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا) أَيْ: بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ (كَنَسْخِ الْقُرْآنِ) أَيْ: كَمَا نَسَخَ بَعْضُ آيَاتِهِ بَعْضًا، وَالتَّشْبِيهُ فِي مُجَرَّدِ النَّسْخِ لَا فِي أَنْوَاعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

✩✩✩✩✩✩✩

197 – وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» ” رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ.

197 – (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) : مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَاسْمُهُ جُرْثُومُ بْنُ نَاشِرٍ (الْخُشَنِيِّ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ الْأَوْلَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، وَأَرْسَلَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمُوا، وَنَزَلَ بِالشَّامِ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَمَرْوِيَّاتُهُ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ) : بِالْهَمْزِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ وَالتَّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، وَهِيَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ الثَّوَابُ وَعَلَى تَرْكِهِ الْعِقَابُ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْفَرْضُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ مَعَالِمَ وَحُدُودًا، وَاصْطِلَاحًا: هُوَ مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ شَرْعًا وَيُذَمُّ تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا وَيُرَادِفُهُ الْوَاجِبُ، هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالْوَاجِبُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، كَذَا فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَالْوَاجِبُ عِنْدَنَا فَرْضٌ عَمَلِيٌّ أَيْضًا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ الْعِقَابُ، لَكِنْ دُونَ عِقَابِ الْفَرْضِ، وَالْمَقَامُ يُنَاسِبُ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ، أَيْ: أَوْجَبَ أَحْكَامَهَا مَقَدَّرَةً مَقْطُوعَةً كَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَكَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، سَوَاءٌ يَكُونُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَوِ الْعَيْنِيَّةِ، وَسَوَاءٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ (فَلَا تُضَيِّعُوهَا) : بِتَرْكِهَا رَأْسًا أَوْ بِتَرْكِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا أَوْ بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ أَوْ بِالْعَجَبِ وَالْغُرُورِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَعِنْدَ الْعَارِفِينَ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَقْصُودُ الْخَلْقِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أَيْ: لِيَعْرِفُونِ وَلَا تَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ غَالِبًا إِلَّا بِالْمُجَاهَدَةِ وَهِيَ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنْ ظُلْمَةِ أَخْلَاقِهَا وَتَخْلِيَتِهَا عَنْ أَوْصَافِ الرَّذَائِلِ وَتَحْلِيَتِهَا بِأَنْوَارِ الْفَضَائِلِ كَالتَّوْبَةِ وَالتَّقْوَى وَالزُّهْدِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَالِارْتِقَاءِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالتَّصَاعُدِ مِنْ مَقَامٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى تَنْجَلِيَ شَمْسُ صِفَاتِ الْجَلَالِ، وَتَظْهَرَ طَوَالِعُ أَنْوَارِ الْجَمَالِ، وَيَسْتَوْلِيَ سُلْطَانُ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَمَالِكِ الْخَلِيقَةِ، وَيُطْوَى بِأَيْدِي سَطَوَاتِ الْجُودِ سُرَادِقَاتِ الْوُجُودِ فَمَا بَقِيَ الْأَرْضُ وَلَا السَّمَاءُ، وَلَا الظُّلْمَةُ وَلَا الضِّيَاءُ، وَتَلَاشَى الْعَبْدُ فِي كَعْبَةِ الْعِنْدِيَّةِ، وَنُودِيَ بِفَنَاءِ الْفَنَاءِ مِنْ عَالَمِ الْبَقَاءِ، رُفِعَتِ الْقِبْلَةُ وَمَا بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] وَهَذَا حَالُ السَّلِكِ الْمَجْذُوبِ أَوِ الْمَجْذُوبِ السَّالِكِ، وَمَعْنَى الْجَذْبَةِ أَنَّهُ يُنَاجِي الْمَجْذُوبَ مِنْ أَمْرِ الْمَلَكُوتِ مَا يُدْهِشُ عَقْلَهُ وَيَأْخُذُهُ عَنْ نَفْسِهِ (وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ) أَيْ: مُحَرَّمَاتٍ مِنَ الْمَعَاصِي، وَفِي الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ: وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ، أَيْ: كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ (فَلَا تَنْتَهِكُوهَا) أَيْ: لَا تَقْرَبُوهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَنَاوَلُوهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ تَنَاوُلُهَا بِمَا لَا يَحِلُّ، وَقِيلَ: الِانْتِهَاكُ خَرْقُ مَحَارِمِ الشَّرْعِ كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
وَقَالَ مَيْرَكُ: وَهُوَ عِنْدَ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ مُتَابَعَةُ الشَّيْطَانِ وَالْهَوَى وَالْإِقْبَالُ عَلَى الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْعُقْبَى، إِذْ يَجِبُ أَنْ يَنْقَطِعَ الْمُحِبُّ عَنْ كُلِّ مَطْلُوبٍ، بَلْ يَنْقَطِعُ عَمَّا سِوَى الْمَحْبُوبِ (وَحَدَّ حُدُودًا) أَيْ: بَيَّنَ وَعَيَّنَ حُدُودًا فِي الْمَعَاصِي مِنَ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ (فَلَا تَعْتَدُوهَا) أَيْ: لَا تَتَجَاوَزُوا عَنِ الْحَدِّ لَا بِالزِّيَادَةِ وَلَا بِالنُّقْصَانِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحُدُودُ هِيَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَعُقُوبَاتُهَا الَّتِي قَرَنَهَا بِالذُّنُوبِ، وَأَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَكَأَنَّ حُدُودَ الشَّرْعِ فَصَلَتْ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَمِنْهَا مَا لَا يُقْرَبُ كَالْفَوَاحِشِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] وَمِنْهَا مَا لَا تُتَعَدَّى كَالْمَوَارِيثِ الْمُعَيَّنَةِ وَتَزْوِيجِ الْأَرْبَعَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] وَالتَّلْخِيصُ أَنَّ حُدُودَ اللَّهِ مَا مَنَعَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا بَعْدَ أَنْ قَدَّرَهَا بِمَقَادِيرَ مَخْصُوصَةٍ وَصِفَاتٍ مَضْبُوطَةٍ، وَمِنْهُ تَعْيِينُ الرَّكَعَاتِ وَالْأَوْقَاتِ وَمَا وَجَبَ إِخْرَاجُهُ فِي الزَّكَوَاتِ وَإِثْبَاتِهَا فِي الْحَجِّ وَحُدُودِ الْعُقُوبَاتِ، فَكَأَنَّهُ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِلْقِسْمَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
هَذَا وَفِي كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَقَلَّبُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْحُدُودِ، وَلِكُلِّ عَمَلٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ وَقْتٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ حَالٍ وَمَقَامٍ حَدٌّ، فَمَنْ تَخَطَّاهَا فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ) أَيْ: تَرَكَ ذِكْرَ أَشْيَاءَ أَيْ: حُكْمَهَا مِنَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَالْحَلِّ (مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ) : بَلْ مِنْ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ.
وَفِي الْأَرْبَعِينَ: رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ بِنَصْبِ (رَحْمَةً) عَلَى الْعِلَّةِ، وَنَصْبِ (غَيْرَ) عَلَى الْحَالِيَّةِ، وَالنِّسْيَانُ: هُوَ تَرْكُ الْفِعْلِ بِلَا قَصْدٍ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِخِلَافِ السَّهْوِ (فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) أَيْ: لَا تُفَتِّشُوا عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] هَذَا وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَلَّى عَلَى عَامَّةِ عِبَادِهِ بِأَفْعَالِهِ وَآيَاتِهِ الْمُنْبَثَّةِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ وَلِخَوَاصِّ أَصْفِيَائِهِ بِصِفَاتِهِ الْعُظْمَى، وَلِأَعْظَمِ أَنْبِيَائِهِ بِذَاتِهِ وَحَقَائِقِ صِفَاتِهِ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عُرَفَائِهِ رَحْمَةً لَهُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ، إِذْ مَا قَامَ عَظِيمٌ عِنْدَ عَظَمَتِهِ إِلَّا كَلَّ وَزَلَّ وَلَا اسْتَقَامَ كَبِيرٌ دُونَ كِبْرِيَائِهِ إِلَّا هَامَ وَقَامَ كَمَا قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ: لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ وَلَا رَطْبٌ إِلَّا تَفَرَّقَ، وَإِنَّمَا يَرَانِي أَهْلُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا تَمُوتُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ، وَلِذَا قَالَ: فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا أَيْ: لَا تَتَفَكَّرُوا فِيهَا، فَإِنَّ الْبَابَ إِلَى وُصُولِ مَعْرِفَةِ كُنْهِ الذَّاتِ مَرْدُودٌ، وَالطَّرِيقُ إِلَى كُنْهِ الصِّفَاتِ مَسْدُودٌ، «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ» .
الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ وَالْبَحْثُ عَنْ سِرِّ ذَاتِ الرَّبِّ إِشْرَاكُ (رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ) .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَخِيرِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

 

Originally posted on Thu _22 _September _2022AH 22-9-2022AD @ 10:54 am

Path to Arabic flat banner

Responses

Your email address will not be published. Required fields are marked *

+