islamship bannere

باب السهو
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1014 – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ “، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(20) بَابُ السَّهْوِ أَيْ: حُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ هُنَا، فَيَشْمَلُ: الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لُغَةً: الْغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ، وَذَهَابُ الْقَلْبِ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ مُتَرَادِفَانِ، أَوِ الْمُرَادُ: سُجُودُ السَّهْوِ وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا بِتَرْكِ وَاجِبٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1014 – (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ “) ، أَيْ: شَرَعَ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَ الْقِيَامَ لِلْغَالِبِ (” يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ “) : ” أَلْـ ” فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلْجِنْسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَهُوَ إِبْلِيسُ أَوِ الشَّيْطَانُ الْمُسَلَّطُ عَلَى الْمُصَلِّينَ مِنْ مَرَدَتِهِ وَأَعْوَانِهِ (” فَلَبَسَ “) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ، أَيْ: خَلَطَ (” عَلَيْهِ “) : وَشَوَّشَ خَاطِرَهُ، فِي النِّهَايَةِ: لَبَسْتُ الْأَمْرَ، بِالْفَتْحِ، أَلْبَسُهُ إِذَا خَلَطْتُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] وَرُبَّمَا شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: هُوَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: خَلَطَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَشَبَّهَهَا عَلَيْهِ وَشَكَّكَهُ فِيهَا، نَقَلَهُ مِيرَكُ (” حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ “) ، أَيْ: رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ غَيْرَهُمَا لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ وَتَشَتُّتِ سِرِّهِ، (” فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ “) ، أَيِ: التَّرَدُّدَ وَعَدَمَ الْعِلْمِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ (” أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ “) ، أَيْ: وُجُوبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَنَدْبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (” سَجْدَتَيْنِ “) ، أَيْ: لِلسَّهْوِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ سَهَا بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، (” وَهُوَ جَالِسٌ “) : بَعْدَ السَّلَامِ عِنْدَنَا وَقَبْلَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِيهِ تَفْصِيلٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى الْخَاقَانِيَّةِ رَجُلٌ صَلَّى وَلَمْ يَدْرِ مَثَلًا أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ قَالَ: إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَا سَهَا اسْتَأْنَفَ فَقِيلَ: أَوَّلُ مَا سَهَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ فِي سُنَّتِهِ، وَقِيلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَقِيلَ أَوَّلُ مَا سَهَا فِي عُمْرِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَلَا يَتَحَرَّى مَا هُوَ الْأَحْرَى، فَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ ثُنَائِيَّةٍ يُضِيفُ إِلَيْهَا أُخْرَى وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مَثَلًا يَجْعَلُ كَأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً فَيَقْعُدُ مَعَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالْقَعْدَةُ عَلَيْهِ فَرْضٌ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

✩✩✩✩✩✩✩

islamship banner

1015 – وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ “، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا، وَفِي رِوَايَتِهِ: ” شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ “.

1015 – (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : هُوَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ “) ، أَيْ: تَرَدَّدَ بِلَا رُجْحَانٍ فَإِنَّهُ مَعَ الظَّنِّ يَبْنِي عَلَيْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، (” فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا “) : تَمْيِيزٌ رَافِعٌ لِإِبْهَامِ الْعَدَدِ فِي كَمْ (” أَوْ أَرْبَعًا “) ، أَيْ: مَثَلًا (” فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ “) ، أَيْ: مَا يَشُكُّ فِيهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (” وَلْيَبْنِ “) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهِ (” عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ “) ، أَيْ: عَلِمَ يَقِينًا وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (” ثُمَّ يَسْجُدْ “) : بِالْجَزْمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (” سَجْدَتَيْنِ “) : فِي الْأَزْهَارِ: وَيَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ عَطْفًا عَلَى لِيَبْنِ، وَالرَّفْعُ خَبَرٌ أَوْ بِمَعْنَى الْأَمْرِ إِشَارَةً إِلَى الْمُغَايَرَةِ فِي الْحُكْمِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا (” قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ “) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: مَوْضِعُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَتَمَسُّكًا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، قُلْتُ: الْحَدِيثَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِي وَافَقَهُمَا الْأَرْبَعَةُ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَالْعِلْمُ بِالْأَصَحِّ وَالْأَكْثَرِ أَوْلَى، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ مَالِكٌ – وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيِمٌ لِلشَّافِعِيِّ – إِنْ كَانَ السُّجُودُ لِنُقْصَانٍ قَدَّمَ وَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ أَخَّرَ، وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ عَلَى الصُّورَتَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: لَكِنْ أَبُو يُوسُفَ أَلْزَمَ مَالِكًا بِقَوْلِهِ: فَكَيْفَ إِذَا وَقَعَ نُقْصَانٌ وَزِيَادَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاقْتَفَى أَحْمَدُ مَوَارِدَ الْحَدِيثِ وَفَصَلَ بِحَسْبِهَا فَقَالَ: إِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَدَّمَ وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا ثُمَّ تَدَارَكَهُ أَخَّرَ، وَكَذَا إِنْ فَعَلَ مَا لَا نَقْلَ فِيهِ، قُلْتُ: هُوَ أَيْضًا فِيمَا لَا نَقْلَ فِيهِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ لَا فِي الْجَوَازِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(” فَانْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا “) : تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، أَيْ: فَإِنْ كَانَ مَا صَلَّاهُ فِي الْوَاقِعِ أَرْبَعًا فَصَارَ خَمْسًا بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ رَكْعَةً أُخْرَى (” شَفَعْنَ “) : بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِهَا (” لَهُ صَلَاتَهُ “) : وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى الْخَمْسِ مَجَازِيٌّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي ” شَفَعْنَ ” لِلرَّكَعَاتِ الْخَمْسِ، وَفِي ” لَهُ ” لِلْمُصَلِّي يَعْنِي: شَفَعَتِ الرَّكَعَاتُ الْخَمْسُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ بِالسَّجْدَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: شَفَعَهَا هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، أَيْ: شَفَعَ الْمُصَلِّي الرَّكَعَاتِ الْخَمْسَ بِالسَّجْدَتَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الرَّكْعَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّجْدَتَانِ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ، كَانَتِ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ، أَيْ: وَصَارَتْ صَلَاتُهُ شَفْعًا بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ، وَفِيهِ أَوْضَحُ رَدٍّ عَلَى مَنْ قَالَ: يَأْتِي بِرَكْعَةٍ سَادِسَةٍ حَتَّى تَصِيرَ صَلَاتُهُ شَفْعًا؛ انْتَهَى، وَفِيهِ أَنَّ الشَّفْعَ الْحُكْمِيَّ مَا يُنَافِي الشَّفْعَ الْحَقِيقِيَّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَجَعَلَ كَلَامَ الطِّيبِيِّ بِالْمُحَالِ أَشْبَهَ، وَيُشْبِهُ أَنَّهُ مَا فَهِمَ كَلَامَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَهُوَ قَدْ أَرَادَ بِهِ الْمَجَازَ، (” وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ “) : قِيلَ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ يَعْنِي: إِنْ كَانَ صَلَّى مَا يَشُكُّ فِيهِ لِإِتْمَامِ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: أَنَّهُ حَالٌ، أَيْ: إِنْ صَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَمِّمًا لِلْأَرْبَعِ، فَيَكُونُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، (” كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ “) ، أَيْ: وَإِنْ صَارَتْ صَلَاتُهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ أَرْبَعًا كَانَتَا، أَيِ: السَّجْدَتَانِ تَرْغِيمًا، أَيْ: إِذْلَالًا لِلشَّيْطَانِ حَيْثُ أَتَى مَا أَبَى عَنْهُ لِلْعَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْجُدَ إِذِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا، لَكِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَخْلُو عَنْ أَحَدِ خَلَلَيْنِ: إِمَّا الزِّيَادَةُ وَإِمَّا أَدَاءُ الرَّابِعَةِ عَلَى التَّرَدُّدِ، فَيَسْجُدُ جَبْرًا لِلْخَلَلِ، وَالتَّرَدُّدُ لَمَّا كَانَ مِنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسِهِ سُمِّيَ جَبْرُهُ تَرْغِيمًا لَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلَا يَضُرُّ تَقْصِيرُ مَنْ أَرْسَلَهُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ، (وَفِي رِوَايَتِهِ) ، أَيْ: رِوَايَةِ مَالِكٍ بَدَلَ: ” شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ “، (” شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ “) ، أَيْ: لَمَّا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى، فَإِذَا صَارَتْ صَلَاتُهُ خَمْسًا شَفَعَهَا، أَيْ: جَعَلَ الْخَمْسَ شَفْعًا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ سِتًّا بِهِمَا حَيْتُ أَتَى بِمُعْظَمِ أَرْكَانِ الرَّكْعَةِ وَهُوَ السُّجُودُ، فَكَأَنَّهُ أَتَى بِالرَّكْعَةِ السَّادِسَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ هُنَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُصَلِّي رَكْعَةً سَادِسَةً سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَخَطَأٌ بَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْمُقَدَّرِ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُحَقَّقِ، نَعَمْ كَلَامُهُ يُلَائِمُ الْحَدِيثَ الْآتِي، مَعَ أَنَّ ضَمَّ رَكْعَةٍ أُخْرَى مَنْدُوبٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

Business and Website Traffic

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: ” «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَةُ نَافِلَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ إِتْمَامًا لِلصَّلَاةِ، وَالسَّجْدَتَانِ مُرْغِمَتَانِ أَنْفَ الشَّيْطَانِ» “، وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا؛ انْتَهَى، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِي النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1016 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ” وَمَا ذَاكَ؟ ” قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ” إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» “، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

Free Delivery Deals

1016 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا» ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ: ” زَادَ أَوْ نَقَصَ ” عَلَى الشَّكِّ (فَقِيلَ لَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ (أَزِيدَ) : بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ (فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: ” وَمَا ذَاكَ؟ “) : أَوْ مَا ذَاكَ الْقَوْلُ أَوْ مَا سَبَبُ قَوْلِكَ هَذَا؟ يَعْنِي لِمَ تَقُولُونَ أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَقِيلَ: ” مَا ” نَافِيَةٌ، وَذَاكَ إِشَارَةٌ إِلَى الزِّيَادَةِ وَالتَّذْكِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَصْدَرِ، أَوْ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) : وَهُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ وَإِلَّا يَتَحَوَّلُ الْفَرْضُ نَفْلًا، (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَذْهَبَنَا أَنَّ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ حِينَ سَأَلُوهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ لِتَعَذُّرِهِ قَبْلَهُ.
قُلْتُ: مَا كَانَ السَّلَامُ مُتَعَذِّرًا بَعْدَ السُّجُودِ لِيَقَعَ السَّلَامُ آخِرًا قَصْدًا لِكَوْنِهِ رُكْنًا عِنْدَكُمْ، فَإِنَّ السَّلَامَ الْأَوَّلَ لَا يُعْبَأُ بِهِ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ، مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ أَعَادَ السَّلَامَ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالسَّلَامِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَمِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلِمَ السَّهْوَ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ يَرُدُّهُ فَقَوْلُهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ” ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ “، وَالْكَلَامُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَانَ جَائِزًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتَابَعُوهُ لِتَجْوِيزِهِمُ الزِّيَادَةَ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ كَانَ قَابِلًا لِذَلِكَ كَذَا قِيلَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُمْ سَلَّمُوا جَاهِلِينَ بِأَنَّ عَلَيْهِمْ سَهْوًا وَتَكَلَّمُوا مُعْتَقِدِينَ فَرَاغَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا عَادَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – عَادُوا مَعَهُ، وَاغْتُفِرَ لَهُمْ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ لِعُذْرِهِمْ؛ انْتَهَى، وَعَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَلَا إِشْكَالَ.
(وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ) ، أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ (” إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ “) ، أَيْ: فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ يُوحَى إِلَيَّ (” أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي “) : فَكَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يُذَكِّرُوهُ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ قِيَامِهِ إِلَى الْخَامِسَةِ، (” وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ “) : التَّحَرِّي: طَلَبُ الْحَرِيِّ: وَهُوَ اللَّائِقُ وَالْحَقِيقُ وَالْجَدِيرُ، أَيْ: فَلْيَطْلُبْ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ وَاجْتِهَادِهِ، أَيِ: (” الصَّوَابَ “) : قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّحَرِّي: الْقَصْدُ، وَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّلَبِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَحْصِيلِ الشَّيْءِ بِالْفِعْلِ، وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي (” فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ “) : رَاجِعٌ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ فَلْيَتَحَرَّ، وَالْمَعْنَى فَلْيُتِمَّ عَلَى ذَلِكَ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ بِأَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلْيَقْعُدْ فِي مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وُجُوبًا، وَفِي مَكَانٍ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُخْرَى فَرْضًا، وَبَقِيَ حُكْمٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اجْتِهَادٌ وَغَلَبَةُ ظَنٍّ فَلْيَبْنِ عَلَى الْأَقَلِّ الْمُسْتَيْقَنِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، (” ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ “) : بِالْجَزْمِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ (” سَجْدَتَيْنِ “) : وَ ” ثُمَّ ” لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَلَوْ وَقَعَ تَرَاخٍ يَجُوزُ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مُنَافٍ، وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ ” ثُمَّ ” بِمَعْنَى الْوَاوِ هُنَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُ: ” بَعْدَمَا سَلَّمَ ” رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَمْ يَرْوِهِ مُسْلِمٌ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا لَكِنَّ عُذْرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ اتِّفَاقَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى أَصْلِ إِخْرَاجِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي كُلِّ أَلْفَاظِهِ، فَاسْتَحْضِرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قُلْتُ: هَذَا التَّقْدِيرُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيرٍ، إِذْ الِاعْتِرَاضُ أَنَّ قَوْلَهُ: بَعْدَ مَا سَلَّمَ، لَيْسَ إِلَّا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، وَإِلَّا فَأَيُّ لَفْظٍ يَكُونُ لِمُسْلِمٍ يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَبْعُدُ غَايَةَ الْبُعْدِ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ مُسْلِمٍ بَعْدَ السَّلَامِ مَثَلًا، وَيَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ بِجَعْلِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ الِاتِّحَادَ فِي اللَّفْظِ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ الْعِبَارَةُ، بَلْ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ اللَّفْظَانِ فِي الصَّوْغِ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ، وَالِاتِّحَادُ فِي الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَسُوقًا بِمَعْنًى، وَيَلْزَمُ مَا سَبَقَ لَهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْمُحَدِّثِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالتَّابِعِ، وَذَكَرُوا أَنَّ الشَّاهِدَ: حَدِيثٌ بِمَعْنَى حَدِيثٍ، وَالتَّابِعَ: مَا يَكُونُ بِلَفْظِهِ، وَذَكَرُوا فِي مِثَالِ الْمُتَابَعَةِ قَوْلَهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ” «أَلَا نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ» ” وَجَعَلُوهُ مُتَابِعًا لِقَوْلِهِ: ” «لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَاسْتَمْتَعُوا بِهِ» ” وَذَكَرُوا شَاهِدًا لَهُ قَوْلَهُ: ” «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ” فَأَحْسِنِ التَّأَمُّلَ؛ لَوْ بَلَغْتَ حَقِيقَةَ التَّحْقِيقِ بِمَعُونَةِ التَّوْفِيقِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1017 – وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ.
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا – قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتْ سَرَعَانُ الْقَوْمِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ ! وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: ” لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ “، فَقَالَ: ” أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ” فَقَالُوا: نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَدَلَ ” لَمْ أَنْسَ “، وَلَمْ تُقْصَرْ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! .
»
1017 – (وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، قَالَ مَوْلَانَا عِصَامُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَغِسْلِينَ، وَأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعَلَمِيَّةُ، لَكِنْ قُيِّدَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِالْفَتْحِ، وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالْعُجْمَةُ فِيهِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، لِأَنَّهُ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، قُلْتُ: إِنَّهُ مَضْبُوطٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْحَاضِرَةِ بِالْفَتْحِ، وَيُوَجَّهُ مَنْعُ صَرْفِهِ عَلَى رَأْيِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فِي اعْتِبَارِ مُطْلَقِ الزَّائِدَيْنِ كَحَمْدُونَ وَعِلِّيُّونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، مَوْلَى أَنَسٍ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَأَدْرَكَ ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا، أُمَّةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، لَمَّا رَأَى أَنَّ الْجَوْزَاءَ تَقَدَّمَتِ الثُّرَيَّا أَوْصَى وَقَالَ: يَمُوتُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، ثُمَّ أَنَا لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنِّي فَمَاتَ قَبْلَهُ بِمِائَةِ يَوْمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: أَمَّنَا، يَدْخُلُ فِيهِ حَرْفُ التَّعْدِيَةِ، فَيُفِيدُ مَعْنَى قَوْلِنَا: أَمَّنَا فَجَعَلَنَا مِنَ الْمُؤْتَمِّينَ بِصَلَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: صَلَّى لَنَا؛ اللَّامُ فِيهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَاءِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ صَلَّى مِنْ أَجْلِنَا لِمَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ مِنْ فَائِدَةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُصِيبُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَرَكَةِ بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ، قُلْتُ: وَالْبَاءُ تُحْتَمَلُ أَيْضًا لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَكُونُ فِي مَعْنَى اللَّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ، (إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، يَأْتِ فِي رِوَايَةٍ: جَزَمَ بِالظُّهْرِ، وَفِي أُخْرَى بِالْعَصْرِ، قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ.
وَالْعَشِيُّ: مِنْ حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَغِيبَ اهـ.
فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِمَّا الْمَغْرِبُ وَإِمَّا الْعِشَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَالْعَشِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا وَقَالَ: بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنَ الْعُشَاءِ، وَهُوَ الظُّلْمَةُ، وَمِنْهُ عَشَا الْبَصَرُ وَأَظْلَمُ اهـ، وَقَدْ خَبَطَ خَبْطَ عُشْوَاءٍ، أَيْ: رَكَّبَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: عَشَا النَّارَ رَآهَا لَيْلًا مِنْ بُعْدٍ فَقَصَدَهَا مُسْتَضِيئًا، وَالْعُشْوَةُ، بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ: تِلْكَ النَّارُ، وَرُكُوبُ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ بَيَانٍ وَيُثَلَّثُ، وَبِالْفَتْحِ: الظُّلْمَةُ كَالْعُشْوَاءِ أَوْ مَا بَيْنَ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى رُبُعِهِ، وَالْعِشَاءُ: أَوَّلُ الظَّلَامِ أَوْ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَتَمَةِ، أَوْ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ وَالْعَشِيَّةُ: آخِرُ النَّهَارِ، وَصَلَاةُ الْعَشِيِّ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ اهـ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ.

✩✩✩✩✩✩✩

pregnancy nutrition

(- قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ، أَيْ: تِلْكَ الصَّلَاةُ بِالْخُصُوصِ، (وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا -) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ أَوِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ قَالَ: وَإِحْدَى صَلَاتَيْهِ هُنَا الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ، كَمَا أَفْصَحَتْ بِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ أَيْضًا: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلِصِحَّةِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ وَاقِعَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَعَدِّدَةٌ، فَكَانَتْ مَرَّةً فِي الظُّهْرِ وَمَرَّةً فِي الْعَصْرِ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَّحِدَةٌ وَالصَّلَاةَ هِيَ الْعَصْرُ، فَإِنَّهَا مَجْزُومَةٌ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي غَيْرِهَا فَيُتْرَكُ الشَّكُّ وَيُعْمَلُ بِالْمُتَيَقَّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ) ، أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ) ، أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَأَتَى (إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ) ، أَيْ: مَطْرُوحَةٍ وَمَوْضُوعَةٍ بِالْعَرْضِ، كَقَوْلِهِمْ: عَرَّضْتُ الْعُودَ عَلَى الْإِنَاءِ، (فِي الْمَسْجِدِ) ، أَيْ، بِمُقَدَّمِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَخْطُبُ مُسْتَنِدًا إِلَيْهِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ اهـ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: جِذْعًا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ يَبْعُدُ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِنَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، (فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ) : وَلَعَلَّ غَضَبَهُ لِتَأْثِيرِ التَّرَدُّدِ وَالشَّكِّ فِي فِعْلِهِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ غَضْبَانَ فَوَقَعَ لَهُ الشَّكُّ لِأَجْلِ غَضَبِهِ (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) ، أَيْ: أَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ مِنْ فَوْقِ الْكَفِّ (وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: الْأَيْسَرِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ مِنْهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِتَّشْبِيكِ فِي الْمُتَوَجِّهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا وَثَوَابًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ إِنْ كَانَ لِمَدِّ الْأَصَابِعِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، أَوْ لِأَخْذِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْجُلُوسِ، أَوْ لِوَضْعِ الْوَجْهِ أَوِ الرَّأْسِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنْ كَانَ لِلَعِبٍ فَمَكْرُوهٌ اهـ.
وَهُوَ عَجِيبٌ ; لِأَنَّ التَّشْبِيكَ مُطْلَقٌ فِي الصَّلَاةِ وَحَالِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ لِلَعِبٍ فَمُبَاحٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَسَيَأْتِي مَعَ بَيَانِ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ أُخْرَى، (وَخَرَجَتْ سَرَعَانُ النَّاسِ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَيُسَكَّنُ جَمْعُ: سَرِيعٍ، وَرُوِيَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَرُدَّ بِأَنَّهُ خَطَأٌ، وَفِي نُسْخَةٍ ” الْقَوْمِ ” بَدَلَ ” النَّاسِ “، (مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: سَرَعَانُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ خَرَجَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ ” خَرَجَ سَرَعَانُ “، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْفَاعِلِيَّةِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: السَّرَعَانُ، بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ: أَوَائِلُ النَّاسِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ إِلَى الشَّيْءِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الرَّاءِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ ضَبَطَ بِضَمٍّ ثُمَّ إِسْكَانٍ كَأَنَّهُ جَمْعُ سَرِيعٍ، (فَقَالُوا: قَصُرَتْ) : بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، أَيْ: صَارَتْ قَصِيرَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا أَرْجَحُ وَأَكْثَرُ نَقَلَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقِيلَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ، أَيْ: إِنَّ اللَّهَ قَصَرَهَا (الصَّلَاةُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ أَوِ النِّيَابَةِ (وَفِي الْقَوْمِ) : أَيِ الْبَاقِي فِي الْمَسْجِدِ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاهُ) ، أَيْ: عَظَّمَاهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) ، مِمَّا وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ عَمْدٌ، فَـ ” أَنْ يُكَلِّمَاهُ “: بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ ضَمِيرِ ” هَابَاهُ ” لِبَيَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ هَيْبَةُ تَكْلِيمِهِ، لَا نَحْوَ نَظَرِهِ وَاتِّبَاعِهِ، فَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ الْحَسَنَ: ” «كَانَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ سِوَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا» “، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: فَخَشِيَا أَنْ يُكَلِّمَا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي نُقْصَانِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِعْظَامًا لِمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَثَرِ الْغَضَبِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ عَنْ ذِي الْيَدَيْنِ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – تَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ) ، أَيْ: كَانَتْ يَدَاهُ أَطْوَلُ مِنْ يَدَيِ الْقَوْمِ (يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُوهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَا الْيَدَيْنِ إِمَّا لِطُولِ يَدِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا كِنَايَةً عَنِ الْبَذْلِ وَالْعَمَلِ، قِيلَ: اسْمُهُ: خِرْبَاقٌ السُّلَمِيُّ الْحِجَازِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خِرْبَاقٌ لَقَبٌ لَهُ وَاسْمُهُ: عُمَيْرٌ وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ، صَحَابِيٌّ حِجَازِيٌّ، شَهِدَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ، وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا ذُو الشِّمَالَيْنِ، فِيمَا رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذُو الْيَدَيْنِ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ، وَإِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ هُوَ الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَأَنَّهُ الْخِرْبَاقُ، وَأَمَّا ذُو الشِّمَالَيْنِ فَإِنَّهُ: عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ خُزَاعِيٌّ قَدِمَ مَكَّةَ، أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهَا، قَالَ: وَذُو الْيَدَيْنِ عَاشَ حَتَّى رَوَى عَنْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَحَدِيثُ سُجُودِ السَّهْوِ قَدْ شَهِدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ.
أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَعْوَامٍ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ.
وَكَانَ الزُّهْرِيُّ مَعَ عِلْمِهِ بِالْمَغَازِي وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ يَقُولُ: إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ هُوَ ذُو الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ، وَإِنَّ قِصَّةَ السَّهْوِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ ثُمَّ أُحْكِمَتِ الْأُمُورُ، قَالَ: وَذَلِكَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدِ اضْطَرَبَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ اضْطِرَابًا يُوجِبُ رَدَّ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَتِهِ خَاصَّةً، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ تَرَكُوهُ لِاضْطِرَابِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ لَهُ إِسْنَادًا وَلَا مَتْنًا وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَظِيمًا، فَإِنَّ الْغَلَطَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَا النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ) : بِالْخِطَابِ (أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) : بِالْوَجْهَيْنِ وَأَمَّا بِفَتْحَتَيْنِ فَمُتَعَدٍّ فَـ ” مِنْ ” فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101] إِمَّا زَائِدَةٌ أَوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، وَقِرَاءَةُ الزُّهْرِيِّ بِذَلِكَ مَعَ تَشْدِيدِ الصَّادِ مِنْ ” قَصَّرَ ” الْمُضَعَّفِ، فَهَذَانَ مُتَعَدِّيَانِ اتِّفَاقًا وَدَخَلَتْ مِنْ فِي حَيِّزِهِمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ الْفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا نُسْخَةٌ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أُصُولِنَا وَيَأْبَى عَنْهَا أَيْضًا قَوْلُهُ: (فَقَالَ: ” لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْتَصَرْ “) : بِالْوَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ (فَقَالَ) ، أَيْ: بَعْدَ تَرَدُّدِهِ بِقَوْلِ السَّائِلِ (” أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ! “) ، أَيْ: أَتَقُولُونَ كَقَوْلِهِ، أَوْ أَكَانَ كَمَا يَقُولُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: ” فَلَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ “، فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اهـ.
فَلَمَّا جَزَمَ بِالنِّسْيَانِ اسْتَثْبَتَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فَقَالَ: أَوَقَعَ مِنِّي أَنِّي تَرَكْتُ نِصْفَ الصَّلَاةِ كَمَا يَقُولُ؟ وَعَدَلَ عَنْ قَالَ لِتَصْوِيرِ صُورَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ حَتَّى يَسْتَحْضِرَ وَيَتَأَمَّلَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَسْمِيَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَا الْيَدَيْنِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّلْقِيبِ لِلتَّعْرِيفِ دُونَ التَّهْجِينِ، (فَقَالُوا: نَعَمْ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَحِينَئِذٍ تَيَقَّنَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَنَّهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِمَّا لِتَذَكُّرِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، أَوْ لِإِخْبَارِ اللَّهِ لَهُ بِالْحَالِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بِقَوْلِهِمْ: نَعَمْ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا لِمَا مَرَّ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُصَحَّحَةُ، أَنَّهُ يَجِبُ إِجَابَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِنْ كَثُرَ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَحِينَئِذٍ لَا يُحْتَاجُ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا نَعَمْ، بَلْ أَوْمَئُوا بِالْإِشَارَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ رِوَايَةً صَحِيحَةً أَنَّهُمْ أَوْمَئُوا، أَيْ: نَعَمْ، (فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ) .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَحَوَّلَ عَنِ الْقِبْلَةِ سَهْوًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحَوُّلِ الْقِبْلَةِ: نَعَمْ هَذَا يَرِدُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنْسُوخَاتِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَتَقَدَّمَ أَيْ: مَشَى إِلَى مَحَلِّ صَلَاتِهِ إِمَّا لِقُرْبِهِ فَلَمْ يَمْشِ إِلَّا خُطْوَتَيْنِ، وَإِمَّا لِبُعْدِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ تَتَوَالَ خُطُوَاتُهُ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ، فَلَا دَلِيلَ فِيهَا لِجَوَازِ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ الْمُتَوَالِي فِي الصَّلَاةِ، قُلْتُ: مَعْنَاهُ تَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّكَلُّفَاتِ الْعَجِيبَةِ وَالتَّفْرِيعَاتِ الْغَرِيبَةِ وَفِي قَوْلِهِ: فَصَلَّى مَا تَرَكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَوْضَحُ حُجَّةٍ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي زَعْمِهِ أَنَّ سَلَامَ التَّحَلُّلِ سَهْوًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْنِ، مُنْقَطِعٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، قُلْتُ: وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِي الْمَذْهَبِ (ثُمَّ سَلَّمَ) : قَالَ الْقَاضِي: دَلَّ حَدِيثُ عَطَاءٍ عَلَى تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلَى السَّلَامِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى تَأْخِيرِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كُلٌّ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَّا أَنَّ تَقْدِيمَ السُّجُودِ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَ: قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يُحْكَمْ أَمْرُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَزَلْ نَسْخُ الْكَلَامِ اهـ.
وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ الْكَلَامِ نَسْخُ جَمِيعِ مَا وَقَعَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُرَجَّحُ الْأَصَحُّ وَالْأَبْيَنُ وَالْأَقْيَسُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصَّلَاةِ خَارِجٌ عَنْهَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إِجْمَاعًا، مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، حَتَّى لَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَنَا يَجُوزُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهَمَّامِ، وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ ” ثُمَّ “، بِمَعْنَى ” الْوَاوِ ” وَقَعَ سَهْوًا أَيْضًا اهـ، وَفِيهِ جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(ثُمَّ كَبَّرَ) ، أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ “، وَبِهَا أَخَذَ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالْجُمْهُورُ اكْتَفَوْا بِتَكْبِيرَةِ السُّجُودِ أَخْذًا بِمَا فِي غَالِبِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَبِأَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ شَاذَّةٌ فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، (وَسَجَدَ) ، أَيْ: لِلسَّهْوِ (مِثْلَ سُجُودِهِ) ، أَيْ: لِلْفَرْضِ مِنَ الصَّلَاةِ، يَعْنِي: لَبِثَ فِيهِ مَا لَبِثَ فِي سَجْدَةِ الْفَرْضِ، وَغَلَطَ مَنْ قَالَ: أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ لِقَوْلِهِ: (أَوْ أَطْوَلَ) : أَيْ: أَكْثَرَ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) : أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ الْجُلُوسَ حَالَةٌ غَيْرُ الرَّفْعِ، (وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ) : أَيْ لِلْهُوِيِّ (وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ) : لِلْفَرْضِ (أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ) : الضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَلَّمَ؟) : وَقَوْلُهُ (فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ) : جَوَابُ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ سُؤَالِهِمْ (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ) ، أَيْ: بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يُقَالُ هَذَا مُنْقَطِعٌ لَا يَحْتَجُّ بِهِ ; لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يُدْرِكْ عِمْرَانَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُتَّصِلٌ كَمَا يَأْتِي عَنْ مُسْلِمٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَشْهَدُ لِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ إِنْ سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ.
قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّشَهُّدِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ، عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: ثُمَّ يَتَشَهَّدُ -: أَشَارَ إِلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَّا رَفْعُ الْقَعْدَةِ فَلَا، ثُمَّ قِيلَ: حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَلِذَا لَمْ يَسْتَأْنِفُوا، وَقِيلَ: أَحْكَامُ هَذَا الْحَدِيثِ خُصَّتْ بِمَنْ شَهِدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَلَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعُذِرُوا فِي مَبْدَأِ أَمْرِ السَّهْوِ فِيمَا فَعَلُوا، وَقَالُوا: وَكَانَ الْحُكْمُ فِيمَا امْتُحِنُوا بِهِ يَوْمَئِذٍ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُ تِلْكَ الْحَادِثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ اتَّفَقَا عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَلَا يُنَافِيهِ خُلُوُّ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ذِكْرِ وَضْعِ الْيَدِ وَالتَّشْبِيكِ، وَطُرُقُ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَيْسَ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ أَكْثَرَ مِنْهُ طُرُقًا إِلَّا قَلِيلًا اهـ، فَهُوَ مِنْ قِسْمِ الْمُسْتَفِيضِ الْمُسَمَّى بِالْمَشْهُورِ، (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ سَهَا بِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى سَجْدَتَيْنِ، فَإِنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَشَذَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ: يَلْزَمُهُ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي خَبَرِ: ” «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» ” لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ وَوَصَلِهِ هُوَ مُئَوَّلٌ وَمُعَارَضٌ بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ، (وَفِي أُخْرَى) ، أَيْ: رِوَايَةٌ أُخْرَى (لَهُمَا) : أَيْ لِلشَّيْخَيْنِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَدَلَ: ” لَمْ أَنْسَ “) ، أَيْ: مَكَانَ ” لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ “: ” كُلُّ ذَلِكَ “) ، أَيْ: كُلٌّ مِنَ النِّسْيَانِ وَالْقَصْرِ (” لَمْ يَكُنْ “) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا فَقَالَ فَعَلْتُهُ، أَوْ قَالَ مَا فَعَلْتُهُ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُ مَا ظَنَّ لَمْ يَأْثَمْ لِأَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ كَانَ السَّهْوُ، (فَقَالَ) ، أَيْ: ذُو الْيَدَيْنِ (قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : يَعْنِي: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي قَصْرُهَا سَهْوًا أَوْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَصْرِهَا، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: احْتَجَّ الْأَوْزَاعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْعَمْدَ إِذَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ تَكَلَّمَ عَامِدًا، وَالْقَوْمُ أَجَابُوا النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِنَعَمْ عَامِدِينَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ، بِمَكَّةَ وَحُدُوثُ هَذَا الْأَمْرِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ; لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، أَمَّا كَلَامُ الْقَوْمِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ أَوْمَئُوا بِنَعَمْ، وَلَوْ صَحَّ أَنَّهُمْ قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِجَابَةُ الرَّسُولِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – «مَرَّ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ” أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] » وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّكَ تُخَاطِبُهُ فِي الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ، فَتَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهَذَا الْخِطَابُ مَعَ غَيْرِهِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ نَسْخٍ، فَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى هَذَا التَّوَهُّمِ فِي حُكْمِ النَّاسِي.
وَأَمَّا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنَّمَا جَرَى عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَمَّلَ الصَّلَاةَ، فَكَانَ فِي حُكْمِ النَّاسِي، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ” إِنَّمَا أَنْسَى ” كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَقَدْ زَعَمَ الْقَائِلُ بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَيَجِبُ بِهِ الْعَمَلُ، فَقَدْ أَخْبَرَ ذُو الْيَدَيْنِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَأْمُونٌ، فَالْتَفَتَ بَعْدَ إِخْبَارِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَكَانَ مُتَكَلِّمًا بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَذْهَبِ هَذَا الْمُخَالِفِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْرِجًا مِنَ الصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا مَنْسُوخًا وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ كَانَ حَاضِرًا ذَلِكَ، وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَنَسْخُ الْكَلَامِ كَانَ بِمَكَّةَ، قِيلَ لَهُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ عَنْ وَقْتِ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ كَمَا ذَكَرْتَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ فَمَنْ رَوَى لَكَ هَذَا؟ وَأَنْتَ لَا تَحْتَجُّ إِلَّا بِسَنَدٍ وَلَا تُسَوِّغُ خَصْمَكَ الْحُجَّةَ عَلَيْكَ إِلَّا بِمِثْلِهِ، فَمَنْ أَسْنَدَ لَكَ هَذَا وَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ؟ وَهَذَا «زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ الْأَنْصَارِيُّ يَقُولُ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأُمِرَ بِالسُّكُوتِ» ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي كِتَابِنَا، وَصُحْبَةُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِحَدِيثِهِ هَذَا أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، مَعَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَحْضُرْ تِلْكَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَصْلًا ; لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ أَحَدُ الشُّهَدَاءِ، قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ فَقَالَ: كَانَ إِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَمَا قُتِلَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَعْنِي بِالْمُسْلِمِينَ – وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «إِنَّا وَإِيَّاكُمْ كُنَّا نُدْعَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ» “، فَهَذَا النَّزَّالُ يَقُولُ: ” قَالَ لَنَا “، وَهُوَ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ قَالَ لِقَوْمِنَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ” «كُنَّا نَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ» “، وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السِّنِّ أَيْضًا لَعَلَّهُ دُونَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ بَلْ هُوَ كَذَلِكَ اهـ، مُخْتَصَرًا.

Path-to-Arabic

✩✩✩✩✩✩✩

– 1018 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1018 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) : ابْنِ مَالِكٍ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَأُمُّهُ (ابْنُ بُحَيْنَةَ) : مُصَغَّرًا بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَأَبُوهُ مَالِكٌ لَهُ صُحْبَةٌ أَيْضًا، وَقَدْ قِيلَ فِي أَبِيهِ: مَالِكُ ابْنُ بُحَيْنَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ وَغَلَطٌ، وَإِنَّمَا بُحَيْنَةُ امْرَأَتُهُ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ بُحَيْنَةَ نَاسِكًا فَاضِلًا صَائِمَ الدَّهْرِ اهـ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ كُتِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ أَلِفُ ” ابْنٍ ” وَيُنَوَّنَ مَالِكٌ لِيَنْدَفِعَ الْوَهْمُ، وَيُعْرَفَ أَنَّ ابْنَ بُحَيْنَةَ نَعْتٌ لِعَبْدِ اللَّهِ لَا لِمَالِكٍ، فَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ، ( «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ» ) ، أَيْ: فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ حَيْثُ تَرَكُوا الْقُعُودَ الْأَوَّلَ وَتَشَهُّدَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: أَنَّهُ لَمَّا قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ لِلتَّشَهُّدِ سَبَّحُوا لَهُ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ، (حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ) ، أَيْ: بَقِيَّتَهَا (وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) ، أَيْ: لِلسَّهْوِ (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ) : وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَكِنْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَثَبَتَ سُجُودُ عُمَرَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ سُجُودَ عُمَرَ بَعْدَ السَّلَامِ اجْتِهَادٌ فِي غَايَةٍ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ السُّجُودِ بِأَنَّهُ سُجُودُ الصَّلَاةِ لَا السَّهْوِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَلَكِنَّهُ بِعِيدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: وَقَعَ بَعْدَ السُّجُودِ سَهْوًا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَيْضًا: وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ، أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ الْمَأْمُومُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَآخَرُونَ، خِلَافًا ; لِأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ مَذْهَبُنَا إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1019 – عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1019 – (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) : أَسْلَمَ هُوَ وَابْنُهُ عَامَ خَيْبَرَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ، النَّبِيَّ (صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) ، أَيْ: بَعْدَمَا سَلَّمَ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُهُ الْآتِي (ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِتَفَرُّدِ رُوَاتِهِ بِزِيَادَةِ التَّشَهُّدِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِبَقِيَّةِ الرُّوَاةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَحِفْظِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ وَعَدَمِ لُحُوقِهِ بِمَرْتَبَتِهِمْ، قُلْتُ: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِ غَيْرِهِ تَعَرُّضٌ لِلتَّشَهُّدِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ غَيْرُ مُضِرٍّ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ أَخَذُوا مِنْ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ التَّشَهُّدَ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ مَنْدُوبٌ، بَلِ ادَّعَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إِمَامُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: وَدَعْوَى التِّرْمِذِيِّ غَرَابَتَهُ لَا تُؤَثِّرُ ; لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَالضَّعِيفِ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا.
قُلْتُ الْمُقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْغَرَابَةَ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ وَالْحُسْنَ.
وَلِذَا قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ فَإِطْلَاقُ الضَّعْفِ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا ابْنُ حَجَرٍ، فَرَدَّ كَلَامَ أَصْحَابِهِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ مَا إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ يُعَارِضُهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا بَيَّنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّشَهُّدِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ أَنَّ مَحَلَّ السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ.

PlantingTheSeeds-banner

✩✩✩✩✩✩✩

– 1020 – وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ» “، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.

1020 – (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا قَامَ الْإِمَامُ “) ، أَيْ: شَرَعَ فِي الْقِيَامِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُنْفَرِدُ (” فِي الرَّكْعَتَيْنِ “) ، أَيْ: بَعْدَهُمَا مِنَ الثُّلَاثِيَّةِ أَوِ الرُّبَاعِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَتَشَهَّدَ (” فَإِنْ ذَكَرَ “) ، أَيْ: تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنَ الصَّلَاةِ (قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا “) : سَوَاءٌ يَكُونُ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، أَوْ إِلَى الْقُعُودِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْهَمَّامِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ، (” فَلْيَجْلِسْ “) : وَفِي وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يُعَدَّ قِيَامًا، فَكَانَ قُعُودًا، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ: ” وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ” خَاصٌّ بِالْقِسْمِ الثَّانِي، فَلَا يَسْجُدْ هُنَا لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي عِدَّةٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ” «لَا سَهْوَ فِي وَثْبَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا قِيَامٌ عَنْ جُلُوسٍ، أَوْ جُلُوسٌ عَنْ قِيَامٍ» ” وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ ” لِتَلَبُّسِهِ بِغَرَضٍ فَلَا يَقْطَعْهُ (” وَيَسْجُدُ “) : بِالرَّفْعِ (” سَجْدَتَيِ السَّهْوِ “) : لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأُولَى، ثُمَّ لَوْ عَادَ بَعْدَمَا اسْتَوَى قَائِمًا فَسَدَتْ فِي الْأَصَحِّ لَتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِرَفْضِ الْفَرْضِ بَعْدَ مَا شَرَعَ فِيهِ لِأَجْلِ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَلَوْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ إِلَى الْخَامِسَةِ، أَوْ قَعَدَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَامَ إِلَى الرَّابِعَةِ فِي الْمَغْرِبِ، أَوِ الثَّالِثَةِ فِيهِ، أَوْ فِي الْفَجْرِ، أَوْ قَعَدَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ فِي صُورَةٍ، وَبِمُجَرَّدِ الْقُعُودِ فِي صُورَةٍ لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ التَّشَهُّدُ وَالسَّلَامُ فِي صُورَةِ الْقِيَامِ، وَلِتَأْخِيرِ الرُّكْنِ وَهُوَ الْقِيَامُ فِي صُورَةِ الْقُعُودِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَهُ شَوَاهِدُ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهَا وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بَاقِيهَا وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، لَكِنْ قَالَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَعَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ أَيْ: عَلَى انْفِرَادِهِ.

pregnancy nutrition

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1021 – عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ هَذَا؟ قَالُوا نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1021 – (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) : وَفِي رِوَايَةٍ: ” حُجْرَتَهُ ” وَفِيهِ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْيُ الْكَثِيرُ سَهْوًا وَهُوَ مُبْطِلٌ عِنْدَنَا، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ كَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، (فَقَامَ إِلَيْهِ) : أَيْ: فِي أَثْنَاءِ دُخُولِ مُنْزِلِهِ (رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَفِي آخِرِهِ قَافٌ، لَقَبُهُ أَوِ اسْمُهُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَسْلَمَ فِي أَوَاخِرِ زَمَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَاشَ حَتَّى رَوَى عَنْهُ مُتَأَخِّرُو التَّابِعِينَ، وَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ السَّابِقُ كَمَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَغَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّارِحِ هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ الْعَلَائِيَّ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي اسْمِ ذِي الْيَدَيْنِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ فَضْلَةَ السُّلَمِيُّ، ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَالثَّانِي: خِرْبَاقٌ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، قُلْتُ: وَعُمَيْرُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ فَضْلَةَ هُوَ ذُو الشِّمَالَيْنِ لَا ذُو الْيَدَيْنِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهِمَ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ اهـ.
وَذَهَبَ أَبُو حَاتِمِ، وَابْنُ حِبَّانَ إِلَى أَنَّ الْخِرْبَاقَ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ وَذِي الشِّمَالَيْنِ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقُرْطُبِيُّ فَقَالَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِرْبَاقُ ذَا الْيَدَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، (وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ) : أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَلِذَا كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ) : أَيْ: مِنْ تَسْلِيمِهِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هَلْ هُوَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِقَصْرِ الصَّلَاةِ؟ (فَخَرَجَ) : أَيْ: مِنْ مَنْزِلِهِ (غَضْبَانَ) : لِأَمْرٍ مَا (يَجُرُّ رِدَاءَهُ) : أَيْ: مُسْتَعْجِلًا (حَتَّى؛ انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ” أَصَدَقَ هَذَا؟ ” قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؟ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

Path to Arabic gif

✩✩✩✩✩✩✩

1022 – وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ” «مَنْ صَلَّى صَلَاةً يَشُكُّ فِي النُّقْصَانِ، فَلْيُصَلِّ حَتَّى يَشُكَّ فِي الزِّيَادَةِ» “، رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1022 – (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ” مَنْ صَلَّى صَلَاةً يَشُكُّ فِي النُّقْصَانِ “) : أَيْ: وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَلَبَةُ ظَنٍّ وَطَرَفٌ رَاجِحٌ (” فَلْيُصَلِّ “) : أَيْ: فَلْيَبْنِ عَلَى الْأَقَلِّ الْمُتَيَقَّنِ (” حَتَّى يَشُكَّ فِي الزِّيَادَةِ “) : فَإِنَّ زِيَادَةَ الطَّاعَةِ خَيْرٌ مِنْ نُقْصَانِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ: كَمَنْ صَلَّى الرُّبَاعِيَّةَ مَثَلًا وَشَكَّ هَلْ هِيَ ثَالِثَةٌ أَوْ رَابِعَةٌ؟ فَيُصَلِّي الرَّابِعَةَ فَهُوَ فِي هَذَا شَاكٌّ أَهِيَ رَابِعَةٌ أَمْ خَامِسَةٌ؟ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

Success rituals

✩✩✩✩✩✩✩

[بَابِ سُجُودِ الْقُرْآنِ] (21) بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1023 – عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَجَدَ (بِالنَّجْمِ) وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ» ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

[21]- بَابِ سُجُودِ الْقُرْآنِ أَيْ: سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَهِيَ سَجْدَةٌ مُفْرَدَةٌ مَنْوِيَّةٌ مَخْفُوفَةٌ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ، مَشْرُوطٌ فِيهَا مَا شُرِطَ لِلصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ يَدٍ وَقِيَامٍ وَتَشَهُّدٍ وَتَسْلِيمٍ، وَتَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ وَالسَّامِعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سُنَّةٌ عَلَى الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِعًا لِلْقِرَاءَةِ بَلْ حَصَلَ لَهُ سَمَاعٌ، عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الِاسْتِحْبَابُ أَيْضًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ إِذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ، فَقِيلَ: عَلَيْهِمَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَقِيلَ: لَا سَجْدَةَ لَهُمَا اهـ، وَعِنْدَنَا تَتَدَاخَلُ السَّجَدَاتُ إِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ سَجَدَ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1023 – (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالنَّجْمِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ سُورَةُ النَّجْمِ، قُلْتُ: الْمُرَادُ آيَةُ السَّجْدَةِ مِنْهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، (وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْجِنُّ، وَالْإِنْسُ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ اللَّامَاتُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لِلْعَهْدِ، أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ، وَهَذَا كَانَ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَبَبُ تَقْدِيمِ الْجِنِّ لِمَا فِي سُجُودِهِمْ مِنَ الْغَرَابَةِ، وَسَبَبُ سُجُودِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – لَمَّا وَصَلَ فِيهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم: 19] الْآيَاتِ الثَّلَاثَ قَرَأَ الشَّيْطَانُ مُحَاكِيًا لِصَوْتِهِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى وَأَدْخَلَ ذَلِكَ فِي جُمْلَةِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُ قَدْ أَثْنَى عَلَى آلِهَتِهِمْ فَفَرِحُوا، فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدُوا، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} [الحج: 52] ، أَيْ: قَرَأَ {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] ، أَيْ: قِرَاءَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – جَرَى عَلَى لِسَانِهِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَحَاشَا مَقَامِهِ عَنْ ذَلِكَ، كَذَا نَقَلَهُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَالْغَرَانِيقُ: بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ، طُيُورُ الْمَاءِ شُبِّهَتِ الْأَصْنَامُ الْمُعْتَقِدُونَ فِيهَا أَنَّهَا تَشْفَعُ لَهُمْ بِالطُّيُورِ، وَتَعْلُو فِي السَّمَاءِ وَتَرْتَفِعُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: وَقِيلَ: أَنَّهُ شَقَّ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَوَلِّي قَوْمِهِ عَنْهُ وَمُبَاعَدَتُهُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ، فَجَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي نَادِيَةٍ مِنْ أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ، وَتَمَنَّى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ بِمَا يُقَارِبُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ، وَأَنْ لَا يَأْتِيَهُ بِمَا يَنْفِرُونَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ النَّجْمِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ حَتَّى بَلَغَ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى – وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19 – 20] أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقَ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُمْ لَتُرْتَجَى، فَفَرِحَتْ قُرَيْشٌ، وَمَضَى كُلٌّ عَلَى قِرَاءَتِهِ وَسَجَدَ فِي آخِرِ السُّورَةِ، فَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ لِسُجُودِهِ، وَسَجَدَ جَمِيعُ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَتَفَرَّقُوا مَسْرُورِينَ بِمَا سَمِعُوا مِنْهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَمَا رَأَوْهُ مِنَ السَّجْدَةِ، وَقَالُوا: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا فَأَحْسَنَ الذِّكْرَ، فَنَحْنُ نُوَافِقُهُ كَمَا وَافَقَنَا فِي مَدْحِ الْأَصْنَامِ، فَلَمَّا انْتَهَى – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ! تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَقُلْتَ مَا لَمْ أَقُلْ لَكَ؟ فَحَزِنَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – حُزْنًا شَدِيدًا، فَخَافَ مِنْهُ تَعَالَى خَوْفًا بَلِيغًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ مَدْحِ آلِهَتِنَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَازْدَادُوا شَرًّا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا سُجُودُ الْجِنِّ، فَكَانَ مِنْهُمْ مُسْلِمُونَ وَمُشْرِكُونَ فَوَافَقُوا الرَّسُولَ كَمَا وَافَقَ الْإِنْسُ اهـ.

Simple Habits of Greatness

✩✩✩✩✩✩✩

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، أَيْ: أَلْقَى الشَّيْطَانُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ عَلَى مِنْوَالِ لِسَانِهِ وَحِكَايَةِ صَوْتِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ الْإِلْقَاءِ، وَلَا قُدْرَةُ الْإِغْوَاءِ عَلَى سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَنَدِ الْأَصْفِيَاءِ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – سَجَدَ هَذِهِ السَّجْدَةَ لِمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُفْتَتَحِ السُّورَةِ مِنْ أَنَّهُ {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] وَذَكَرَ شَأْنَ قُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، وَأَنَّهُ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ الْعُظْمَى، وَالْمُشْرِكُونَ لَمَّا سَمِعُوا أَسْمَاءَ طَوَاغِيتِهِمُ اللَّاتِ وَالْعُزَّى سَجَدُوا مَعَهُ، وَأَمَّا مَا يُرْوَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا لَمَّا مَدَحَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبَاطِيلَهُمْ فَقَوْلٌ بَاطِلٌ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الزَّنَادِقَةِ اهـ.
لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ السَّجْدَةَ، بِمَا ذَكَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ سَجْدَتَهُ سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ لَا سَجْدَةُ شُكْرٍ بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: سَبَبُ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ فِي مَحَالِّهَا الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ، أَنَّ آيَاتِهَا مَسُوقَةٌ لِمَدْحِ السَّاجِدِينَ أَوْ ذَمِّ مَنْ أَبَى السُّجُودَ أَوِ الْأَمْرَ بِهِ وَالْحَثَّ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ لَا سَجْدَةُ شُكْرٍ اهـ.
فَشَكَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى حُسْنِ التَّوَارُدِ، وَيُؤَيِّدُهُ عُنْوَانُ الْبَابِ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ رَدَّهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ الطِّيبِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ لَكِنَّ الشَّيْخَ ابْنَ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَطَالَ فِي ثُبُوتِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي التَّأْوِيلِ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَى ذَلِكَ فِي سَكْتَةٍ مِنْ سَكَتَاتِهِ، وَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَسَمِعَهَا غَيْرُهُ فَأَشَاعَهَا، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَافِرِينَ هُمُ السَّامِعُونَ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا جَرَتْ عَلَى لِسَانِهِ سَهْوًا وَنَبَّهَ عَلَيْهِ، قَالَ شَيْخُنَا عُمْدَةُ الْمُفَسِّرِينَ الشَّيْخُ عَطِيَّةُ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ: أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الْعِصْمَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ اهـ.
لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ: إِجْرَاءُ الشَّيْطَانِ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – جَبْرًا بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْهُ مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] فَفِي حَقِّهِ بِالْأَوْلَى؛ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ سَهْوًا أَوْ غَفْلَةً مَرْدُودٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذِهِ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِ، سِيَّمَا فِي حَالِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ، وَلَوْ جَازَ لَبَطَلَ الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ اخْتَارَ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَتَكَلَّمُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَيُسْمَعُ كَلَامُهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَادَى يَوْمَ أُحُدٍ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وَقَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} [الأنفال: 48] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

1024 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] ، وَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] » ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1024 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] » ، أَيْ: عَقِبَ: لَا يَسْجُدُونَ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، أَيْ: آخِرِهَا، وَهُمَا مِنَ الْمُفَصَّلِ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.

✩✩✩✩✩✩✩

1025 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقْرَأُ (السَّجْدَةَ) وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1025 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقْرَأُ السَّجْدَةَ) ، أَيْ: آيَةَ سَجْدَةٍ مُتَّصِلَةً بِمَا قَبْلَهَا، أَوْ بِمَا بَعْدَهَا لَا مُنْفَرِدَةً، أَوِ التَّقْدِيرُ يَقْرَأُ سُورَةَ السَّجْدَةِ، أَيْ: سُورَةً فِيهَا آيَةُ سَجْدَةٍ، (وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ) ، أَيْ: نَجْتَمِعُ حَيْثُ ضَاقَ الْمَكَانُ عَلَيْنَا (حَتَّى مَا يَجِدُ) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ (أَحَدُنَا) : قَالَ مِيرَكُ: أَيْ ” بَعْضُنَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلُّ وَاحِدٍ وَلَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ (لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) ، أَيْ: مَعَهُمْ فَيُؤَخِّرُ السَّجْدَةَ عَنْهُمْ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: «كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» ، قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: رُوِيَ «عَنْهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَنَّهُ تَلَا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ» ، وَالسُّنَّةُ فِي أَدَائِهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ التَّالِي وَيُصَفَّ السَّامِعُونَ خَلْفَهُ، وَلَيْسَ هَذَا اقْتِدَاءٌ حَقِيقَةً بَلْ صُورَةً، وَلِذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْبِقُوهُ بِالْوَضْعِ وَلَا بِالرَّفْعِ، فَلَوْ كَانَ حَقِيقَةُ الِائْتِمَامِ لَوَجَبَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَشْرُوعِيَّةُ السُّجُودِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهِ، فَعِنْدَنَا هُوَ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أُمِرْنَا بِالسُّجُودِ يَعْنِي لِلتِّلَاوَةِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ، فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى قَرَأَهَا فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ.
قُلْتُ: الْحَدِيثَانِ مَوْقُوفَانِ، وَمَعَ هَذَا فَإِمَّا مَحْمُولَانِ عَلَى اجْتِهَادِهِمَا، أَوْ عَلَى بَيَانِ نَفْيِ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ، قَالَ: وَيَتَأَكَّدُ لِلْمُسْتَمِعِ أَكْثَرَ لِمَا صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ فَوْرِيَّتُهُ عَلَيْهِ لِمَا فِي تَأْخِيرِهِ مِنْ ظُهُورِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْمُومَةِ، سِيَّمَا إِذَا سَجَدَ الْقَارِئُ، أَوْ سَجَدَ، مَعَهُ الْحَاضِرُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1026 – وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (وَالنَّجْمِ) ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1026 – (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالنَّجْمِ) ، أَيْ: سُورَتَهَا إِلَى آخِرِهَا (فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) : قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ سُجُودٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَسْجُدْ ذَكَرَهُ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طُهْرٍ، أَوْ مَنَعَهُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، أَوْ سَجَدَ فِي وَقْتٍ وَتُرِكَتْ فِي آخَرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الْفَرْضِ، وَأَيْضًا فَالْوُجُوبُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّمَا تَرَكَهُ ; لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ هُوَ الْإِمَامُ أَيِ: الْقَارِئُ؛ وَلَمْ يَسْجُدْ فَتَرَكَهُ تَبَعًا لَهُ أَيْ: بِنَاءً عَلَى تَوَقُّفِ سُجُودِ السَّامِعِ عَلَى الْقَارِئِ كَمَا قِيلَ بِهِ عَجِيبٌ مِنْهُ، فَإِنَّ كَوْنَ التَّرْكِ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وَالتَّرْكُ مَعَ ثُبُوتِ الْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي النَّسْخَ وَإِنْ عَلِمَ تَأْخِيرَهُ، وَبِهَذَا يُرَدُّ اتِّفَاقُ الْقُرَّاءِ عَلَى أَنَّ التِّلْمِيذَ إِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ لَمْ يَسْجُدِ الشَّيْخُ إِنْ لَمْ يَسْجُدِ التِّلْمِيذُ.
قُلْتُ: هَذَا نَقْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلِذَا قَالَ السُّبْكِيُّ: إِنْ صَحَّ مَا قَالُوهُ، فَحَدِيثُ زَيْدٍ حُجَّةٌ لَهُمْ، وَأَمَّا تَصْرِيحُ النَّوَوِيِّ: بِأَنَّهَا لَا تُسَنُّ لِلْمُفَسِّرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْقِرَاءَةَ؛ وَهُوَ يَبْعُدُ جِدًّا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْرَأِ اللَّفْظَ وَيُعَبِّرْ عَنْهُ بِغَيْرِهِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

1027 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «سَجْدَةُ (ص) ، لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْجُدُ فِيهَا» .

1027 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجْدَةُ ” ص “) : بِسُكُونٍ أَوْ فَتْحٍ أَوْ كَسْرٍ بِتَنْوِينٍ وَبِدُونِهِ، وَقَدْ تُكْتَبُ ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ بِاعْتِبَارِ اسْمِهَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَوْلَى لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْقُرَّاءِ (لَيْسَ) : تَذْكِيرُهُ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى السُّجُودِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَيْسَ فِعْلُهَا (مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) : الْعَزِيمَةُ: عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى إِمْضَاءِ الشَّيْءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْأَصَالَةِ كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْفَرِيضَةِ أَكْثَرُ مِنَ السُّنَّةِ، فَمَعْنَاهُ لَيْسَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: سُجُودُ التِّلَاوَةِ سُنَّةٌ، فَمَعْنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ لَيْسَتْ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ، بَلْ سَجْدَةُ شُكْرٍ، (وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْجُدُ فِيهَا) : أَيْ: فِي سَجْدَةِ (ص) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.

✩✩✩✩✩✩✩

1028 – وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَأَسْجُدُ فِي (ص) ؟ فَقَرَأَ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام: 84] حَتَّى أَتَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1028 – (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَأَسْجُدُ فِي (ص) فَقَرَأَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) : أَيْ: ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَيْ: ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ لُوطًا مِنْ جُمْلَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ إِجْمَاعًا، دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ حَتَّى أَتَى) : أَيْ: وَصَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى، أَوْ حَتَّى أَتَى عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، (فَقَالَ) : أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِتْيَانِ السَّجْدَةِ (نَبِيُّكُمْ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ (بِهِمْ) : أَيْ: بِهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ لِتَجْتَمِعَ فِيهِ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهِمْ مُتَفَرِّقَةً، وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ دَاوُدُ، وَهُوَ قَدْ سَجَدَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَنْتَ أَوْلَى بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، أَوْ بِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فَإِنَّهُ اقْتَدَى بِدَاوُدَ وَسَجَدَ فِيهَا، وَهَذَا بِإِطْلَاقِهِ أَيْضًا يَشْمَلُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1029 – عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ، وَفِي سُورَةِ (الْحَجِّ) ، سَجْدَتَيْنِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1029 – (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْرَأَ) : أَيْ: عَمْرًا (رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَقْرَأَنِي، أَيْ: أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْهِ (خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ حَمَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ فِي قِرَاءَتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً (فِي الْقُرْآنِ) : فِي النِّهَايَةِ: إِذَا قَرَأَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ، أَوِ الْحَدِيثَ عَلَى الشَّيْخِ يَقُولُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ، أَيْ: حَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْهِ، (مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ) : وَهِيَ: (النَّجْمُ) ، (وَانْشَقَّتْ) ، وَ (اقْرَأْ) ، وَقَدْ عَلِمَ مَحَالَّهَا، (وَفِي سُورَةِ (الْحَجِّ) : أَيْ: وَذَكَرَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ (سَجْدَتَيْنِ) : أَيْ: عَقِبَ مَا يَشَاءُ، وَ (تُفْلِحُونَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَبِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ سَجْدَةَ (ص) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الْحَجِّ، قُلْتُ: وَأَخْرَجَ مَالِكٌ الْمُفَصَّلَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ، بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً» وَإِسْنَادَهُ وَاهٍ اهـ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنَيْنٍ، بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَبِنُونَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَابْنُ مُنَيْنٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَذَلِكَ لِجَهَالَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ حَالٌ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ نَقْلًا عَنِ السَّبِيعِيِّ التَّابِعِيِّ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُونَهَا، فَلَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ الْعَشَرَةُ الْبَاقِيَةُ فِي الْأَعْرَافِ عَقِبَ آخِرِهَا، وَالرَّعْدِ عُقَيْبِ (الْآصَالِ) ، وَالنَّحْلِ عَقِبَ (يُؤْمَرُونَ) ، وَقِيلَ: (يَسْتَكْبِرُونَ) ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ، وَ (سُبْحَانَ) عَقِبَ (خُشُوعًا) وَ (مَرْيَمَ) عَقِبَ (وَبُكِيًّا) ، (وَالْفُرْقَانِ) عَقِبَ (نُفُورًا) ، وَ (النَّمْلِ) عَقِبَ (الْعَظِيمِ) ، وَقِيلَ: (يُعْلِنُونَ) وَرُدَّ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ يُعْلَمُ هُنَا، وَ (الم السَّجْدَةَ) عَقِبَ (يَسْتَكْبِرُونَ) وَفُصِّلَتْ عَقِبَ (يَسْأَمُونَ) ، وَقِيلَ: (يَعْبُدُونَ) ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ سَجَدَاتِ الْقُرْآنِ فَقَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَ عَشْرَةَ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَمْرٍو هَذَا فَأَدْخَلَ سَجْدَةَ (ص) فِيهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، مِنْهَا ثِنْتَانِ فِي الْحَجِّ، وَثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ، وَلَيْسَتْ سَجْدَةَ (ص) مِنْهُنَّ، بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ” «سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا» “، أَيْ: عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي آتَاهَا اللَّهُ تَعَالَى دَاوُدَ، وَهِيَ قَبُولُ التَّوْبَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَأَسْقَطَ الثَّانِيَةَ مِنَ الْحَجِّ، وَأَثْبَتَ سَجْدَةَ (ص) ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِحْدَى عَشْرَةَ، فَأَسْقَطَ سَجْدَةَ (ص) وَسَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، «لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – لَا يَسْجُدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ» ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا فِي آخِرِ سُورَةٍ، فَالرُّكُوعُ يَكْفِي عَنِ السَّجْدَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ اهـ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَفْصِيلُهُ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: كُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَرَكَعَ وَنَوَاهَا فِيهِ، أَوْ لَمْ يَنْوِ فَسَجَدَ لِلصَّلَاةِ سَقَطَتْ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَقْرَأْ بَعْدَهَا ثَلَاثَ آيَاتٍ، وَفِيمَا إِذَا قَرَأَ ثَلَاثًا خِلَافٌ، فَإِنْ قَرَأَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فَلَا بُدَّ مِنَ السُّجُودِ لَهَا قَصْدًا، وَلَا يَتَأَدَّى بِالرُّكُوعِ وَلَا بِسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ لَا تَقْضِي خَارِجَهَا.

✩✩✩✩✩✩✩

1030 – وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ (الْحَجِّ) بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: ” نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا» “، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَفِي ” الْمَصَابِيحِ “: ” فَلَا يَقْرَأْهَا “، كَمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.

1030 – (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلَتْ) : بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا قُصِدَ بِهِ طَلَبُ التَّقْرِيرِ مِنْهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ (سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟) : وَفِي غَيْرِهَا سَجْدَةٌ؟ (قَالَ: ” نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا “) ، أَيِ: السَّجْدَتَيْنِ (” فَلَا يَقْرَأْهُمَا “) ، أَيْ: آيَتَيِ السَّجْدَةِ حَتَّى لَا يَأْثَمَ بِتَرْكِ السَّجْدَةِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ وُجُوبَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَلَمْ يَقْرَأْهُمَا، أَيْ: فَكَأَنَّهُ مَا قَرَأَهُمَا حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِمَا، وَفِي الْمَصَابِيحِ: فَلَا يَقْرَأْهَا بِإِعَادَةِ الضَّمِيرِ إِلَى السُّورَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ السُّورَةُ كَمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأْهَا بِكَمَالِهَا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَذَا وَجَدْنَاهَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ فَلَا يَقْرَأْهُمَا بِإِعَادَةِ الضَّمِيرِ إِلَى السَّجْدَتَيْنِ، وَكَذَا وَجَدْنَا فِي كِتَابَيْ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ النَّهْيِ أَنَّ السَّجْدَةَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ التَّالِي بِتِلَاوَتِهِ، وَالْإِتْيَانُ بِهَا مِنْ حَقِّ التِّلَاوَةِ، فَإِذَا كَانَ بِصَدَدِ التَّضْيِيعِ، فَالْأَوْلَى بِهِ تَرْكُهَا، لِأَنَّهَا إِمَّا وَاجِبَةٌ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا، أَوْ سُنَّةٌ فَيَتَضَرَّرُ بِالتَّهَاوُنِ بِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَجِّ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا؟ لِأَنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالْأَمْرِ بِالرُّكُوعِ، وَالْمَعْهُودُ فِي مِثْلِهِ مِنَ الْقُرْآنِ كَوْنُهُ مِنْ أَوَامِرِ مَا هُوَ رُكْنُ الصَّلَاةِ بِالِاسْتِقْرَاءِ نَحْوَ: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) : قَالَ مِيرَكُ: يُرِيدُ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ لَهِيعَةَ، وَمِشْرَحَ بْنَ هَاعَانَ وَفِيهِمَا كَلَامٌ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِمَا، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى تَصْحِيحِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ كَأَنَّهُ لِأَجْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَقَالَ: أَيْ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ أُسْنِدَ هَذَا وَلَا يَصِحُّ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا نُقِمَ أَيْ: كُرِهَ اخْتِلَاطُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَجْهُ ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُجُودِ الْحَجِّ: الْأُولَى عَزْمَةٌ، وَالْأُخْرَى تَعْلِيمٌ، فَبِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا نَأْخُذُ.
(وَفِي الْمَصَابِيحِ: ” فَلَا يَقْرَأْهَا “) ، أَيِ: السُّورَةَ، أَوْ آيَةَ السَّجْدَةِ، (كَمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَلَا يَقْرَأْهَا بِغَيْرِ مِيمٍ وَهُوَ غَلَطٌ، وَالَّذِي ثَبَتَ فِي أُصُولِ رِوَايَاتِنَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

– 1031 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَوْا أَنَّهُ قَرَأَ (تَنْزِيلَ السَّجْدَةَ) » ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1031 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ) ، أَيْ: سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ (ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَمَّا قَامَ مِنَ السُّجُودِ إِلَى الْقِيَامِ رَكَعَ وَلَمْ يَقْرَأْ بَعْدَ السَّجْدَةِ شَيْئًا مِنْ بَاقِي السُّورَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جَائِزَةً، قُلْتُ: بَلِ الْقِرَاءَةُ بَعْدَهَا أَفْضَلُ، وَلَعَلَّهَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَطُولُ أَوْ تَرَكَهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، مَعَ أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي عَدَمِ قِرَاءَتِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – آخِرَ السُّورَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالرُّكُوعِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَيْضًا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا اخْتِيَارًا لِلْعَمَلِ بِالْأَفْضَلِ، قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: ثُمَّ النَّصُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ السُّجُودَ بِهَا أَفْضَلُ هَكَذَا مُطْلَقًا فِي الْبَدَائِعِ، وَوَجْهَهُ أَنَّهُ إِذَا سَجَدَ ثُمَّ قَامَ وَرَكَعَ حَصَلَ قُرْبَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَكَعَ، وَلِأَنَّهُ بِالسُّجُودِ مُؤَدٍّ لِلْوَاجِبِ بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَمَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَفْضَلُ، ثُمَّ قَالُوا: إِنَّ تَأَدِّيَهَا فِي ضِمْنِ الرُّكُوعِ هُوَ الْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ عَدَمُهُ.
وَجْهُ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَنَّ مَعْنَى التَّعْظِيمِ فِيهِمَا وَاحِدٌ، فَكَانَا فِي حُصُولِ التَّعْظِيمِ بِهِمَا جِنْسًا وَاحِدًا، وَالْحَاجَةُ إِلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ إِمَّا اقْتِدَاءٌ بِمَنْ عَظُمَ، وَإِمَّا مُخَالَفَةٌ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ، فَكَانَ الظَّاهِرُ هُوَ الْجَوَازُ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّعْظِيمُ بِجِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ السُّجُودُ، ثُمَّ أَخَذُوا بِالْقِيَاسِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَوْا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا أَجَازَا أَنْ يَرْكَعَ عَنِ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمَا خِلَافُهُ، (فَرَأَوْا) ، أَيْ: عَلِمُوا (أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السَّجْدَةَ) : بِنَصْبِ (تَنْزِيلَ) عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَبِرَفْعِهِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَ (السَّجْدَةَ) مَجْرُورَةٌ، وَيَجُوزُ نَصْبُهَا بِتَقْدِيرِ (أَعْنِي) وَرَفْعُهَا بِتَقْدِيرِ (هُوَ) ، وَالْمَعْنَى: سَمِعُوا بَعْضَ قِرَاءَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِبَعْضِ مَا يَقْرَأُ بِهِ فِي الصَّلَوَاتِ السِّرِّيَّةِ، لِيَعْلَمُوا سُنِّيَّةَ قِرَاءَةِ تِلْكَ السُّورَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّامِعِينَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ يَلُونَهُ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَزَادَ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاعْتُرِضَ بِمَا لَا يُجْدِي، وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الْقُرْطُبِيُّ، مِنْ أَكَابِرِ الْمَالِكِيَّةِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْعَ مَالِكٍ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي نَدْبِهِ، فَضْلًا عَمَّا صَرَّحَ بِهِ مِنْ جَوَازِهِ إِذْ لَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَحْمِلَهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1032 – وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1032 – (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إِلَّا لِلسُّجُودِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَتَيْنِ مَنْدُوبَتَانِ لَا وَاجَبَتَانِ، فَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ أَيِ: الرَّفْعُ، لِلْتَحْرِيمَةِ، وَلَا تُحَرَّمُ وَإِنِ اشْتُرِطَ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُكَبَّرُ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ، وَعَنْهُ يُكَبَّرُ عِنْدَهُ لَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: يُكَبَّرُ فِي الِابْتِدَاءِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الِانْتِهَاءِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ نَعَمْ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ أَيْ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِلِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ فَيَسْجُدَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّ الْخُرُورَ الَّذِي مُدِحَ بِهِ أُولَئِكَ فِيهِ أَكْمَلُ اهـ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ، وَفِيهِ كَلَامٌ، لَكِنْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

✩✩✩✩✩✩✩

– 1033 – وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1033 – (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ) ، أَيْ: فَتْحِ مَكَّةَ (سَجْدَةً) ، أَيْ: آيَةَ سَجْدَةٍ بِانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، أَوْ مُفْرَدَةٌ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ; لِأَنَّ الِانْفِرَادَ بِهَا خِلَافُ الِاسْتِحْبَابِ عِنْدَنَا لِإِيهَامِ تَفْضِيلِ آيِ السَّجْدَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْكُلُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فِي رُتْبَةٍ، وَإِنْ كَانَ لِبَعْضِهَا بِسَبَبِ اشْتِمَالِهِ عَلَى ذِكْرِ صِفَاتِ الْحَقِّ جَلَّ جَلَالُهُ زِيَادَةَ فَضِيلَةٍ، قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهَا آيَاتٍ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى مُرَادِ الْآيَةِ، وَلِيَحْصُلَ بِحَقِّ الْقِرَاءَةِ لَا بِحَقِّ إِيجَابِ السَّجْدَةِ، إِذِ الْقِرَاءَةُ لِلسُّجُودِ لَيْسَتْ بِمُسْتَحَبَّةٍ، فَيَقْرَأُ مَعَهَا آيَاتٍ لِيَكُونَ قَصْدُهُ إِلَى التِّلَاوَةِ لَا إِلَى إِيجَابِ السُّجُودِ (فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الْأَرْضِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالسَّاجِدِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَمَّا كَانَ الرَّاكِبُ لَا يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ جَعَلَ غَيْرَ السَّاجِدِ عَلَيْهَا قَسِيمًا لَهُ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ لِلسُّجُودِ بِالْأَرْضِ (حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ) : بِكَسْرِ إِنَّ وَتُفْتَحُ (لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ) ، أَيِ: الْمَوْضُوعَةِ عَلَى السَّرْجِ أَوْ غَيْرِهِ لِيَجِدَ الْحَجْمَ حَالَةَ السَّجْدَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ يَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ يَصِحُّ إِذَا انْحَنَى عُنُقُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِي الْمَذْهَبِ، فَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: لَوْ سَجَدَ بِسَبَبِ الزِّحَامِ عَلَى فَخِذِهِ جَازَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ مَنَعَهُ عَنِ السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْفَخِذِ فِي الْمُخْتَارِ، وَلَا يَجُوزُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ وَضَعَ كَفَّهُ بِالْأَرْضِ وَسَجَدَ عَلَيْهَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: إِذَا تَلَا رَاكِبًا أَوْ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَجْزَأَهُ الْإِيمَاءُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

1034 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رِضَى اللَّهُ عَنْهُمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1034 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ» ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ إِنْ صَحَّ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ حُجَّةٌ لِمَا صَحَّ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] وَفِي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَهَا فِيهِ فَالْإِثْبَاتُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرْوِي فِي الصِّحَاحِ «أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – سَجَدَ بِالنَّجْمِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِي الصِّحَاحِ أَقْوَى مِنَ الْمَرْوِيِّ فِي الْحِسَانِ.
قُلْتُ: عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ بِهِ الِاحْتِجَاجُ، لَكِنْ وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَحْمِلَ سُجُودَهُ فِي النَّجْمِ عَلَى مَا قَبْلَ تَحَوُّلِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَالْمُعْتَمَدُ قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ أَبُو قُدَامَةَ الْبَصْرِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لَا جَرَمَ! .
قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، قُلْتُ: مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا مُنَافٍ لِلْمُثَبَتِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ سَجَدَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الِانْشِقَاقِ، وَ (اقْرَأْ) ، وَهُمَا مِنَ الْمُفَصَّلِ عَلَى أَنَّ التَّرْكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.

✩✩✩✩✩✩✩

1035 – وَعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: ” سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» “، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

1035 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ) : حِكَايَةً لِلْوَاقِعِ لَا لِلتَّقْيِيدِ بِهِ (” سَجَدَ وَجْهِي “) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا، وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ (” لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ “) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَيْ: فَتَحَهُمَا وَأَعْطَاهُمَا الْإِدْرَاكَ، وَأَثْبَتَ لَهُمَا الْإِمْدَادَ بَعْدَ الْإِيجَادِ (” بِحَوْلِهِ “) : أَيْ: بِصَرْفِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمَا (” وَقُوَّتِهِ “) : أَيْ: وَقُدْرَتِهُ بِالثَّبَاتِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِمَا، قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَيَقُولُ فِي السَّجْدَةِ مَا يَقُولُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 108] لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَقَالَ: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا – وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 107 – 108] وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَا صُحِّحَ عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنْ كَانَتِ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ فَيَقُولُ فِيهَا مَا يُقَالُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، أَوْ نَفْلًا قَالَ: مَا شَاءَ مِمَّا وَرَدَ، كَسَجَدَ وَجْهِي، وَقَوْلِ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي إِلَخْ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ قَالَ كُلَّ مَا أُثِرَ مِنْ ذَلِكَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: بَعْدَ ” خَلَقَهُ ” وَ ” صَوَّرَهُ “، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ بَعْدَ: ” وَقُوَّتِهِ ” فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ “) .

✩✩✩✩✩✩✩

1036 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

1036 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) : قَالَ مِيرَكُ: هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ) : أَيْ: أَبْصَرْتُ ذَاتِي الْبَارِحَةَ (وَأَنَا نَائِمٌ) : حَالٌ فَاعِلٌ أَوْ مَفْعُولٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَأَى هُنَا قَلْبِيَّةٌ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّحَدَ فَاعِلُهَا وَمَفْعُولُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَاسِبُ الرُّؤْيَا، وَلِذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ) : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَةُ صَلَاتِيَّةً، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ، وَأَنَّ الْآيَةَ آيَةُ (ص) ، (فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا) : أَيِ: الشَّجَرَةَ (تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي) : أَيِ: أَثْبِتْ لِأَجْلِي (بِهَا) : أَيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ السَّجْدَةِ أَوْ بِمُقَابَلَتِهَا، وَالضَّمِيرُ لِلسَّجْدَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ سَجَدْتُ (عِنْدَكَ) : ظَرْفٌ لِـ ” اكْتُبْ ” أَيْ: حَيْثُ لَا يَتَبَدَّلُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ فَضْلِكَ (أَجْرًا) : أَيْ: عَظِيمًا (وَضَعْ) : أَيْ: حُطَّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (عَنِّي بِهَا وِزْرًا) ، أَيْ: ذَنْبًا ثَقِيلًا جَسِيمًا (وَاجْعَلْهَا لِي) : أَيْ: بِاعْتِبَارِ ثَوَابِهَا (عِنْدَكَ ذُخْرًا) : أَيْ: كَنْزًا ضَخِيمًا، قِيلَ: ذُخْرًا بِمَعْنَى: أَجْرًا، وَكُرِّرَ لِأَنَّ مَقَامَ الدُّعَاءِ يُنَاسِبُ الْإِطْنَابَ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ طَلَبُ كِتَابَةِ الْأَجْرِ، وَهَذَا طَلَبُ بَقَائِهِ سَالِمًا مِنْ مُحْبِطٍ أَوْ مُبْطِلٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، (وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ) : عَبْدًا كَرِيمًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ سَجْدَةَ (ص) لِلتِّلَاوَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: هُوَ مُسَلَّمٌ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ مَدْفُوعٍ بِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَ كَوْنِهَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ وَسَجْدَةَ شُكْرٍ؛ لِمَا قَرَّرْنَا فِيمَا سَبَقَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ كَوْنُ الْقَائِلِ مَلَكًا، وَيَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا نُطْقًا، كَمَا فِي شَجَرَةِ مُوسَى – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قُلْتُ: حَالَةُ الرُّؤْيَا خَيَالِيَّةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّعْبِيرِ، وَلَيْسَتْ مُحَقَّقَةً لِتَحْتَاجَ إِلَى التَّأْوِيلِ.

✩✩✩✩✩✩✩

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَجْدَةً) ، أَيْ: آيَةَ سَجْدَةٍ مَعَ مَا قَبْلَهَا أَوْ مَا بَعْدَهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا آيَةُ (ص) ، أَوْ سُورَةُ سَجْدَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَهَا لِيُبَيِّنَ مَشْرُوعِيَّةَ مَا سَمِعَهُ أَبُو سَعِيدٍ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَنْ يَكُونَ وَقَعَتْ قِرَاءَتُهُ اتِّفَاقًا، فَبَيَّنَ مَشْرُوعِيَّةَ ذَلِكَ فِيهَا، قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ الثَّانِي بَعِيدٌ، وَيُعَارِضُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ لَا يُنْدَبُ وَلَا يُكْرَهُ قِرَاءَةُ آيَةِ سَجْدَةٍ لِيَسْجُدَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، (ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَرَأَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: (مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مَسْنُونٌ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِقِرَاءَتِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
قُلْتُ: لَا سِيَّمَا فِي سَجْدَةِ (ص) ، وَلَعَلَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَوَّلَ الشَّجَرَةَ بِذَاتِهِ الْأَقْدَسِ، وَالصَّحَابِيُّ مُقْتَدٍ بِهِ، وَأَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ لِيُقْتَدَى بِهِ، وَلَمَّا كَانَ نَقْلُ الصَّحَابِيِّ رُؤْيَاهُ إِلَيْهِ سَبَبًا لِسُجُودِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – رَأَى أَنَّهُ سَجَدَ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ، هَذَا مِمَّا خَطَرَ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ: ” اللَّهُمَّ احْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا “، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى تَصْحِيحِهِ، (إِلَّا أَنَّهُ) ، أَيِ: ابْنُ مَاجَهْ (لَمْ يَذْكُرْ: وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ غَيْرُهُ، وَبِفَرْضِ ضَعْفِهِ يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْفَضَائِلِ، قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَرَابَةَ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ وَالْحُسْنَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَرِيبًا كَوْنُهُ ضَعِيفًا.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1037 – عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَرَأَ: وَالنَّجْمِ، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى – أَوْ تُرَابٍ – فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1037 – (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَرَأَ وَالنَّجْمِ) ، أَيْ: سُورَةَ (وَالنَّجْمِ) ، إِلَى آخِرِهَا (فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ: مَنْ كَانَ حَاضِرًا قِرَاءَتَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، حَتَّى شَاعَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَأَمَّا مَا يَرْوِيهِ الْإِخْبَارِيُّونَ وَالْمُفَسِّرُونَ، أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى آلِهَتِهِمْ فِي سُورَةِ النَّجْمِ فَبَاطِلٌ، لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ; لِأَنَّ مَدْحَ إِلَاهٍ غَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ، فَلَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَا يَقُولُهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَسْلِيطُ الشَّيْطَانِ عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنَّ الْعَسْقَلَانِيَّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَطَالَ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَأَنَّ لَهَا طُرُقًا صَحِيحَةً وَطُرُقًا أُخَرَ كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا، قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إِلَّا تَأْوِيلُهَا، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يُرَتِّلُ تِلَاوَتَهُ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ ذَلِكَ فِي سَكْتَةٍ مِنْ سَكَتَاتِهِ، وَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا وَسَمِعَهَا غَيْرُهُ فَأَشَاعَهَا، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَهُوَ – أَيْ نَقْلُ الْقِصَّةِ وَسَبْقُ لِسَانِهِ سَهْوًا – مَرْدُودٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ صَحَّ فَابْتِلَاءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الثَّابِتُ عَلَى الْإِيمَانِ عَنِ الْمُتَزَلْزِلِ فِيهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَقَالَ فِي التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهُ قَدْ رُدَّ بِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْوُثُوقِ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَا يُدْفَعُ بِقَوْلِهِ: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} [الحج: 52] ; لِأَنَّهُ أَيْضًا يَحْتَمِلُهُ أَيْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ أَيْضًا مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ، قُلْتُ: مَا يَكُونُ الِابْتِلَاءُ إِلَّا مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، (غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا) : أَيْ: كَبِيرَ السِّنِّ (مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَى) ، أَيْ: حِجَارَةٍ صِغَارٍ (- أَوْ تُرَابٍ – فَرَفَعَهُ) : أَيْ: كَفَّهُ (إِلَى جَبْهَتِهِ) : وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَرَجَعَهُ أَيْ: رَفَعَهُ؛ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ، (وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) : فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ السُّجُودِ التَّوَاضُعُ وَالِانْقِيَادُ وَالْمَذَلَّةُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِبَادِ، وَوَضْعُ أَشْرَفِ الْأَعْضَاءِ فِي أَخَسِّ الْأَشْيَاءِ رُجُوعًا إِلَى أَصْلِهِ مِنَ الْفَنَاءِ، وَهَذَا لِمَا فِي رَأْسِهِ مِنْ تَوَهُّمِ الْكِبْرِيَاءِ وَعَدَمِ وُصُولِهِ إِلَى مَقَامِ الْأَصْفِيَاءِ، (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) : أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ) : أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ (قُتِلَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يَوْمَ بَدْرٍ (كَافِرًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنْ سَجَدَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَسْلَمُوا، قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؟ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَقِيلَ: سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَقِيلَ: أَبُو لَهَبٍ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: وَلَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَرَهُ أَوْ خَصَّ وَاحِدًا بِذِكْرِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَخْذِ الْكَفِّ مِنَ التُّرَابِ دُونَ غَيْرِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ” فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُشْرِكًا، قَتَلَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِيَدِهِ، وَأَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مُشْرِكًا، وَهُمَا ابْنَا خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحِ الْجُمْحَانِ “.

✩✩✩✩✩✩✩

1038 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَجَدَ فِي (ص) ، وَقَالَ: ” سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» “، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

1038 – ( «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَجَدَ فِي (ص) » : أَيْ: فِي سُورَتِهَا مَكَانَ سَجْدَتِهَا وَهُوَ (حُسْنُ مَآبٍ) عَلَى الصَّوَابِ، (وَقَالَ: ” «سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» “) : لِلِاقْتِدَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ شُكْرًا مِنَّا عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَالنِّعْمَةُ عَلَى أَحَدِهِمْ نِعْمَةٌ عَلَى الْكُلِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – مَأْمُورًا بِالِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ السَّالِفَةِ لِيَسْتَكْمِلَ بِجَمِيعِ فَضَائِلِهِمْ، وَهِيَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ بِذَلِكَ، قُلْتُ: لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ شُكْرًا أَنْ لَا يَكُونَ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ، لِأَنَّهَا لَا شَكَّ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ تِلْكَ الْآيَةِ أَوْ سَمَاعِهَا، وَتَقَعُ السَّجْدَةُ عِنْدَ ثُبُوتِهِمَا، وَهَذَا مَعْنَى: سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، سَوَاءٌ يَكُونُ السَّبَبُ فِيهَا أَمْرًا أَوْ شُكْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهَمَّامِ: غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي حَقِّ دَاوُدَ، وَالسَّبَبَ فِي حَقِّنَا، وَكَوْنُهُ لِلشُّكْرِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، فَكُلُّ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ إِنَّمَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِتَوَالِي النِّعَمِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ «أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: ” أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» ” (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ بَلْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ رِجَالَهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَحَ «أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – قَرَأَ (ص) عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي يَوْمٍ آخَرَ، فَلَمَّا رَآهُمْ تَهَيَّئُوا لِلسُّجُودِ قَالَ: ” إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ ” فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ» ، وَمِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا تُطْلَبُ لِلشُّكْرِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ دَاوُدَ لَا لِلتِّلَاوَةِ، وَإِنَّمَا التِّلَاوَةُ سَبَبٌ لِتَذَكُّرِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ سَجْدَةَ الشُّكْرِ تَخْتَصُّ عِنْدَهُ بِهُجُومِ نِعْمَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ.
قُلْتُ: حَدِيثُ قِرَاءَتِهِ (ص) عَلَى الْمِنْبَرِ يُوَافِقُ حَدِيثَ قِرَاءَتِهِ (النَّحْلَ) ، بَلْ آكَدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي النَّحْلِ ثَانِيًا، وَقَوْلُهُ: ” إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ ” بَيَانٌ لِسَبَبِ السُّجُودِ، فَإِنَّ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ إِمَّا أَمْرٌ بِهَا، أَوْ ذَمٌّ عَنْ إِبَائِهَا، أَوْ مَدْحٌ لِفَاعِلِيهَا، فَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، يَعْنِي: أَنَّهُ مَمْدُوحٌ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ نَتْبَعَهُ فِيهَا، بَلْ هِيَ آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ حَيْثِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ الْوَارِدَةِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ.

✩✩✩✩✩✩✩

 

Originally posted on Mon _26 _September _2022AH 26-9-2022AD @ 4:51 pm

Success rituals

Responses

Your email address will not be published. Required fields are marked *

+