golf336

باب الغسل
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
430 – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(5) بَابُ الْغُسْلِ هُوَ بِالضَّمِّ غُسْلٌ مَخْصُوصٌ، وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَبِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ، وَقِيلَ: بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَقِيلَ: الْمَضْمُومُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَاءِ الْغُسْلِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: هُوَ لُغَةً: سَيَلَانُ الْمَاءِ عَلَى الْبَدَنِ، وَشَرْعًا: سَيَلَانُهُ عَلَيْهِ مَعَ التَّعْمِيمِ بِالنِّيَّةِ غَيْرَ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ أَعَمُّ مِنَ السَّيَلَانِ وَالْإِسَالَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالسَّيَلَانِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا تَخْصِيصُهُ بِالْبَدَنِ لَا وَجْهَ لَهُ، ثُمَّ تَقْيِيدُهُ شَرْعًا بِالنِّيَّةِ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قُيِّدَ لِلْكَمَالِ عِنْدَ الْكُلِّ.

✩✩✩✩✩✩✩

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
430 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (” إِذَا جَلَسَ “) : أَيْ: أَحَدُكُمْ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (” بَيْنَ شُعَبِهَا “) أَيِ: الْمَرْأَةِ (” الْأَرْبَعِ “) : أَيْ: يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، وَقِيلَ: رِجْلَيْهَا وَطَرَفَيْ فَرْجِهَا، وَرَجَحَ الثَّانِي بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ سَائِرَ هَيْئَاتِ الْجِمَاعِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ; فَإِنَّهُ يُوهِمُ التَّخْصِيصَ بِهَيْئَةِ الِاسْتِلْقَاءِ، وَبِأَنَّهُ لَا قُبْحَ فِي ذِكْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَلَوْ أُرِيدَتْ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا عَنْهَا بِخِلَافِ الشَّفْرَيْنِ فَإِنَّهُ يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُمَا، فَكَنَّى بِالشُّعَبِ لِأَجْلِهِمَا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنَّ فِي قَوْلِهِ: (يَتَنَاوَلُ سَائِرَ الْهَيْئَاتِ) مَحَلَّ بَحْثٍ ; لِأَنَّ قَيْدَ الْجُلُوسِ يَأْبَاهُ إِلَّا أَنْ يُقَيِّدَ سَائِرَ هَيْئَاتِ الْجُلُوسِ فَتَدَبَّرْ، وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَاسْتَاهَا، وَقِيلَ: يَدَاهَا وَشَفْرَاهَا، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالْفَخِذَانِ، وَقِيلَ: (الْفَخِذَانِ وَالشَّفْرَانِ، وَقِيلَ: نَوَاحِي فَرْجِهَا الْأَرْبَعُ، وَالشُّعَبُ: النَّوَاحِي، وَاحِدَتُهَا شُعْبَةٌ.
(ثُمَّ جَهَدَهَا) أَيْ: جَامَعَهَا ; بِأَنْ أَدْخَلَ تَمَامَ الْحَشَفَةِ فِي فَرْجِهَا، وَالْجَهْدُ بِالْفَتْحِ مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ ; مِنَ الْجُهْدِ الَّذِي هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ ; لِأَنَّ الْجِمَاعَ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ غَالِبًا، وَكَنَّى بِهِ عَنْهُ اسْتِحْيَاءً مِنْ ذِكْرِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْجَهْدُ مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَيْهِ لِعَدَمِ شُهْرَتِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَيَكُونَ كَالْكِنَايَةِ دُونَ التَّصْرِيحِ، ثُمَّ الْمَدَارُ عَلَى هَذَا، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَهُوَ قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ أَغْلَبِيٌّ (” فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ “) : أَيْ: عَلَيْهِمَا (” وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ “) وَلَا أَنْزَلَتْ هِيَ.
قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ إِلَى عَدَمِهِ مَا لَمْ يُنْزِلْ، وَبِهِ قَالَ الْأَعْمَشُ وَدَاوُدُ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (” «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» “) فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ عُرْفًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ” كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ” شَيْئًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تُرِكَ وَأُمِرَ بِالْغُسْلِ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ؟ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ حَيْثُ سَأَلَهَا أَبُو مُوسَى – عَنْ ذَلِكَ؟ فَرَوَتْ: ” «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» “.
انْتَهَى.
وَالْمَعْنَى: إِذْ حَاذَاهُ.
وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَسِّ غَيْرُ تِلْكَ الْمُحَاذَاةِ؛ إِذْ تُوجَدُ بِدُخُولِ تَمَامِ الْحَشَفَةِ لِلْفَرْجِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ غَيْرُهُ، وَذِكْرُ الْخِتَانِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ جُمْلَةَ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ، وَشَرَفُ الدِّينِ أَبُو إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ، وَسَبَقَ إِلَيْهِ فِي عَزْوِهَا إِلَى الصَّحِيحَيْنِ جَمِيعًا ابْنُ الْأَثِيرِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
أَوْ رَأَى فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مِنَ الْمَتْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

431 – وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا مَنْسُوخٌ.

islamship banner

431 – (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) : أَيِ: الْخُدْرِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا الْمَاءُ) أَيْ: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَهُوَ الْغُسْلُ (مِنَ الْمَاءِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِعِ وَهُوَ الْمَنِيُّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَحَدُ الْمَاءَيْنِ هُوَ الْمَنِيُّ، وَالْآخَرُ هُوَ الْغَسُولُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ.
فَـ أَلْ فِيهِمَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا) أَيْ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (مَنْسُوخٌ) : أَيْ: بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ.

✩✩✩✩✩✩✩

432 – وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ” إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي ” الصَّحِيحَيْنِ “.

432 – (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، فِي الِاحْتِلَامِ) : أَيْ: مَحْمُولٌ بِهِ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ مُجَامِعٌ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَرَأَى الْمَنِيَّ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي الِاحْتِلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ فِيهِ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ، لَا بِالْمُجَامَعَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ سَوَاءٌ أَنَزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَأْوِيلٌ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِلَافِ، وَانْتَهَى الْحَدِيثُ بِطُولِهِ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِتَنَاوُلِهِ بِهَذَا التَّأْوِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ فَصَرَخَ بِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (” أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ “) فَقَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (” إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» “) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ (رَوَاهُ) : أَيْ: قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ (التِّرْمِذِيُّ) : لَكِنْ بِلَفْظِ يُرْوَى بِلَا إِسْنَادٍ ; خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: رَوَاهُ، كَذَا حَقَّقَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (وَلَمْ أَجِدْهُ) : أَيْ: قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ (فِي الصَّحِيحَيْنِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: لَمْ أَجِدْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، كَأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الشَّيْخِ مُحْيِي السُّنَّةِ، حَيْثُ أَوْرَدَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ، وَلَا اعْتِرَاضَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْرَدَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِبَيَانِ تَوْجِيهِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، أَعْنِي حَدِيثَ (” «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ) ; لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْبَابِ، فَعَدَمُ وُجُودِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا يَضُرُّهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَقَاصِدِ الْبَابِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَصَفَّحَ وَتَتَبَّعَ كِتَابَ الْمَصَابِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

You Can Do It

✩✩✩✩✩✩✩

433 – وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: ” نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ ” فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: (” نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكَ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

433 – (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) : هِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي اسْمِهَا خِلَافٌ، تَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسًا، ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُشْرِكًا فَأَسْلَمَتْ، فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَبَتْ، وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَالَتْ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكَ وَلَا آخُذُ مِنْكَ صَدَاقًا لِإِسْلَامِكَ.
فَتَزَوَّجَهَا أَبُو طَلْحَةَ، رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.
( «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي» ) : بِيَاءَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ سُكُونِ الْحَاءِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ إِذَا ثَبَتَ رِوَايَتُهُ، وَإِنْ جَاءَ فِي لُغَةٍ أُخْرَى: لَا يَسْتَحِي بِكَسْرِ الْحَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ وَاحِدَةٌ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْيَاءِ الْأُولَى إِلَى مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ حَذْفِهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ حَذْفُ الْأُولَى الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ تَخْفِيفًا.
ثُمَّ قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مُسْتَحْيٍ بِوَزْنِ مُسْتَفْلٍ وَمُسْتَحْيٍ بِوَزْنِ مُسْتَفْعٍ، وَمُسْتَحٍ بِوَزْنِ مُسْتَفٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ النُّطْقُ بِالْأَوَّلِ كَمَا لَا يُقَالُ: قَاضِي بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْيَاءِ.
نَعَمْ أَصْلُ مُسْتَحْيٍ بِوَزْنِ مُسْتَفْعٍ مُسْتَحْيِي بِوَزْنِ مُسْتَفْعِلٍ لَا أَنَّهُ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ، هَذَا وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ ضَرُورَةٌ فِي الْمَقَامِ إِلَّا تَطْوِيلَ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.
هَذَا وَالْحَيَاءُ تَغَيُّرٌ لِخَوْفِ مَا يُعَابُ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، فَالْمُرَادُ لَازِمُهُ أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ (مِنَ الْحَقِّ) : أَيْ: بَيَانِهِ وَلَا يَتْرُكُهُ تَرْكَ الْحَيِيِّ مِنَّا.
قَالَتْهُ اعْتِذَارًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِمَّا ذَكَرَتْهُ فِي حَضْرَةِ الرِّسَالَةِ، كَمَا لَا تَسْمَحُ جِبِلَّتُهُنَّ بِذِكْرِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ لِإِشْعَارِهِ بِنُزُولِ مَنِيِّهَا الدَّالِّ عَلَى شِدَّةِ شَهْوَتِهَا لِلرِّجَالِ أَيْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْحَقَّ لَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ، وَسُؤَالُهَا مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ الَّذِي أَلْجَأَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ.
«قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ؛ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، تَعْنِي أَنَا أَيْضًا لَا أَسْتَحْيِي مِنْ سُؤَالٍ هُوَ حَقٌّ (فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) : بِزِيَادَةِ مِنْ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ: نَوْعٍ مِنَ الْغُسْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: غُسْلٍ (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) أَيْ: إِذَا رَأَتْ فِي الْحُلْمِ بِالضَّمِّ الْمُجَامَعَةَ قَالَ: (” نَعَمْ “) : عَلَيْهَا الْغُسْلُ (” إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ “) : أَيِ: الْمَنِيَّ فِي بَدَنِهَا أَوْ ثَوْبِهَا بَعْدَ الْيَقَظَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمَذْيُ عِنْدَنَا (فَغَطَّتْ) أَيْ: سَتَرَتْ (أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا) : مِنِ اسْتِحْيَاءِ مَا سَأَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَوْلُهُ: فَغَطَّتْ قِيلَ مِنْ كَلَامِ زَيْنَبَ الرَّاوِيَةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَالْحَدِيثُ مُلَفَّقٌ، وَقِيلَ: مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ، كَأَنَّهَا جَرَّدَتْ مِنْ نَفْسِهَا أُخْرَى وَأَسْنَدَتْ إِلَيْهَا التَّغْطِيَةَ.
(وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتَحْتَلِمُ) : بِالْوَاوِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْهَمْزَةِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ بِغَيْرِ الْهَمْزَةِ (الْمَرْأَةُ؟) : أَيْ: وَيَكُونُ لَهَا مَنِيٌّ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَالرَّجُلِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجْرٍ وَاعْتَمَدَ عَلَى نُسْخَةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ عِنْدَهُ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِالْهَمْزَةِ فَقَالَ: أَيْ: أَتَقُولُ ذَلِكَ وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ الْهَمْزَةِ الْمَصَابِيحَ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِحَذْفِهَا اهـ.

Free Delivery Deals

✩✩✩✩✩✩✩

وَهَذَا إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ عَدَمِ الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ إِمَّا بِسَمَاعِهِ مِنْ حَافِظٍ أَوْ تَصْحِيحِهِ مِنْ نُسْخَةٍ قُرِئَتْ عَلَى بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ (قَالَ: ” نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ ” أَيْ: مَا أَصَبْتِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ، أَوْ إِخْبَارٌ أَوْ دُعَاءٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: تَرِبَ الشَّيْءُ بِالْكَسْرِ أَصَابَهُ التُّرَابُ، لَمْ يُرِدْ بِهِ الدُّعَاءَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّعَجُّبِ مِنْ سَلَامَةِ صَدْرِهَا (” فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟ ! “) : أَيْ: فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّ لَهَا مَنِيًّا كَمَا لِلرَّجُلِ، وَالْوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَاءٌ وَخُلِقَ مِنْ مَائِهِ فَقَطْ لَمْ يُشْبِهْهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنِيٌّ فَبِأَيِّ سَبَبٍ يُشْبِهُهَا؟ إِذِ الشَّبَهُ بِسَبَبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الشَّرِكَةِ فِي الْمِزَاجِ الْأَصْلِيِّ الْمُعَدِّ لِقَبُولِ التَّشَكُّلَاتِ مِنْ خَالِقِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

testogen

434 – وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ: ” «أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ; فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ» “.

434 – وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ) : أَيْ: فِي رِوَايَتِهَا «أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «أُفٍّ لَكِ، أَتَرَى الْمَرْأَةُ ذَلِكَ» ؟ وَزَادَ أَيْضًا (” «إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ» “) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا (غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ) : بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (” رَقِيقٌ أَصْفَرُ “) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْوَصْفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَحَالِ السَّلَامَةِ ; لِأَنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ قَدْ يَصِيرُ رَقِيقًا بِسَبَبِ الْمَرَضِ، وَمُحْمَرًّا بِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ، وَقَدْ يَبْيَضُّ مِنَ الْمَرْأَةِ لِقُوَّتِهَا (” فَمِنْ أَيِّهِمَا “) أَيِ: الْمَاءَيْنِ، وَمِنْ: زَائِدَةٌ قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: فَالْمَنِيُّ مِنْ أَيِّهِمَا (” عَلَا “) أَيْ: غَلَبَ (” أَوْ سَبَقَ “) يَعْنِي: غَلَبَ الْمَنِيُّ فِيمَا إِذَا وَقَعَ مَنِيُّهُمَا فِي الرَّحِمِ مَعًا أَوْ سَبَقَ وُقُوعُ مَنِيِّهِ فِي الرَّحِمِ قَبْلَ وُقُوعِ مَنِيِّ صَاحِبِهِ، فَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّرْدِيدِ (” يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ “) : أَيْ: شَبَهُ الْوَلَدِ بِصَاحِبِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

Path to Arabic gif

435 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلْ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، يَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» .

435 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ) : أَيْ: أَرَادَ الْغُسْلَ (مِنَ الْجَنَابَةِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ رَفْعِهَا، أَوْ بِسَبَبِ حُدُوثِهَا (بَدَأَ) : أَيْ: شَرَعَ (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) : أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِ ثَلَاثًا، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ لِلِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنَ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ – لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ ابْتِدَاءً عَلَى الْإِطْلَاقِ، مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَةَ الْآتِيَةَ وَهِيَ قَوْلُهَا: قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ فَمَدْفُوعٌ ; لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، هَذَا وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ جَنَابَتَهُ كَانَتْ عَنِ احْتِلَامٍ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا احْتَلَمَ قَطُّ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ» ) : أَيْ: وُضُوءًا كَامِلًا إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِفًا فِي الْمُسْتَنْقَعِ، وَإِلَّا فَيُؤَخِّرُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ كَمَا سَيَجِيءُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ أَيْضًا.
(ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ) لِتَأْخُذَ الْبَلَلَ، ثُمَّ يُخْرِجُهَا، (فَيُخَلِّلُ بِهَا) : أَيْ: بِبَلِّ الْأَصَابِعِ (أُصُولَ شَعَرِهِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ، وَفِي نُسْخَةٍ: أُصُولُ الشَّعَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ شَعَرُ لِحْيَتِهِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُسَنُّ لِمَنْ بِرَأْسِهِ شَعَرٌ أَنْ يُخَلِّلَهُ قَبْلَ الصَّبِّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ التَّخْلِيلَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْغُسْلِ، فَيُنَافِيهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَصُبُّ) : أَيِ: الْمَاءَ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: غُرَفٍ، بِضَمٍّ ثُمَّ فَتْحٍ (بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ) : أَيْ: يَصُبُّ (الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ) : أَيْ: ظَاهِرِ جَسَدِهِ (كُلِّهِ) : بِأَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى يَمِينِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَذَلِكَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ أَصَحُّ، وَقِيلَ: يَصُبُّ عَلَى طَرَفَيْهِ ثُمَّ عَلَى رَأْسِهِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَبْدَأُ) : أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ شَرَعَ (فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ) : أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِ (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ) مِنَ الْإِفْرَاغِ بِمَعْنَى الصَّبِّ، (بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ) : بِشَمَالِهِ (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) : أَيْ: إِلَى آخِرِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

testogen

436 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.

436 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ) خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلةِ وَتُضَمُّ، وَقِيلَ: بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ.
قَالَ بَعْضُهُمُ: الْغُسْلُ بِالضَّمِّ كَالْغَسُولِ وَالْمُغْتَسَلِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ كَالْأَكْلِ لِمَا يُؤْكَلُ بِهِ، وَالْغَسْلُ أَيْضًا اسْمٌ مِنْ غَسَلْتُ الشَّيْءَ غَسْلًا بِالْفَتْحِ، وَيَجُوزُ فِي الْغَسْلِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ تَسْكِينُ السِّينِ وَضَمُّهُ، وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنَ الْخِطْمِيِّ وَغَيْرِهِ، فَاسْتُعِيرَ لِلْمَاءِ اهـ.
وَرِوَايَةُ الْكَسْرِ كَمَا زَعَمَهُ الْخَلْخَالِيُّ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، (فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ) : أَيْ: ضَرَبْتُ لَهُ سِتْرًا يَغْتَسِلُ وَرَاءَهُ لِئَلَّا يَرَاهُ أَحَدٌ.
قَالَ مِيرَكُ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مَيْمُونَةَ: سَتَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ.
فَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَاءِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، (وَصَبَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَصَبَّ (عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا) : أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ جُمْلَةٍ: (ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا) : قَالَ مِيرَكُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي الْبُخَارِيِّ.
(ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ) : أَيْ: بِيَسَارِهِ (فَضَرَبَ بِيَدِهِ) : أَيِ: الْيُسْرَى (الْأَرْضَ، ثُمَّ مَسَحَهَا فَغَسَلَهَا) لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، (فَمَضْمَضَ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَتَمَضْمَضَ (وَاسْتَنْشَقَ) : وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَنَا، سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ.
(وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ) : اكْتِفَاءً بِالْغَسْلِ الْمَفْرُوضِ عَنِ الْمَسْحِ الْمَسْنُونِ (وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ) : أَيْ: يَمِينًا وَيَسَارًا (ثُمَّ تَنَحَّى) : أَيْ: تَبَعَّدَ عَنِ الْمُسْتَنْقَعِ (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ) : أَيْ: إِذَا كَانَ لَمْ يَغْسِلْهُمَا حِينَ تَوَضَّأَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى لَوْحٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، (فَنَاوَلْتُهُ) أَيْ: أَعْطَيْتُهُ (ثَوْبًا) : أَيْ: أَرَدْتُ إِعْطَاءَهُ ; لِيُنَشِّفَ أَعْضَاءَهُ، (فَلَمْ يَأْخُذْهُ) : أَيِ: الثَّوْبَ ; إِمَّا لِأَنَّهُ فَضْلٌ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُسْتَعْجِلًا، أَوْ لِأَنَّ الْوَقْتَ كَانَ حَرًّا وَالْبَلَلُ مَطْلُوبٌ، أَوْ لِشُبْهَةٍ فِي الثَّوْبِ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى سُنِّيَّةِ تَرْكِ التَّنْشِيفِ أَوْ كَرَاهَةِ فِعْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَانْطَلَقَ) : أَيْ: ذَهَبَ وَمَشَى (وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ) : أَيْ: يُحَرِّكُهُمَا كَمَا هُوَ عَادَةُ مَنْ لَهُ رُجُولِيَّةٌ، وَقِيلَ: يَنْفُضُهُمَا لِإِزَالَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِمَاطَةِ أَثَرِ الْعِبَادَةِ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ عَلَى الْعُضْوِ لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ فَوَائِدِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنَّ جَازَ تَأْخِيرُهُ ; لِأَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ تَخْتَلِفَانِ، فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا، وَاسْتِعْمَالُ الْيُسْرَى وَدَلْكُهَا عَلَى الْأَرْضِ مُبَالَغَةٌ فِي إِنْقَائِهَا وَإِزَالَةِ مَا عَبِقَ بِهَا، وَالْوُضُوءُ قَبْلَ الْغُسْلِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَأَوْجَبَهُ دَاوُدُ مُطْلَقًا وَقَوْمٌ إِذَا كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا يُوجِبُ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوُضُوءَ يَدْخُلُ فِي الْغُسْلِ فَيُجْزِئُهُ لَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مُقْتَضَى الطُّهْرَيْنِ وَاحِدٌ، فَكَفَى لَهُمَا غُسْلٌ وَاحِدٌ، كَمَا فِي الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، وَتَأْخِيرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى آخِرِ الْغُسْلِ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْمَذْهَبُ – أَيْ: مَذْهَبُهُ -: أَنْ لَا يُؤَخِّرَ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ يَعْنِي: لِظَاهِرِهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَوَّلًا.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلْ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالتَّنَحِّي أَيِ التَّبَاعُدُ عَنْ مَكَانِهِ لِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَتَرْكِ التَّنْشِيفِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَجَوَازُ النَّفْضِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (” «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ» “) .
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ النَّفْضَ عَلَى تَحْرِيكِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بِعِيدٌ اهـ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ التَّأْوِيلُ بَعِيدًا، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program

437 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَ: ” خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا “.
قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: ” تَطَهَّرِي بِهَا ” قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: ” سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي بِهَا ” فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهَا: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

437 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ) : وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ نَبِيَّ اللَّهِ، وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ عَفِيفِ الدِّينِ الْكَازَرُونِيِّ: النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ) : مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَيْ: مِنْ أَجْلِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا (فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ) : أَيْ: بِكَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ السَّابِقَةِ أَيْ: لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا بَيْنَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ: بَعْدَ تَعْلِيمِهَا الْغُسْلَ (” خُذِي فِرْصَةً “) بِكَسْرِ الْفَاءِ قِطْعَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ خِرْقَةٍ تَمْسَحُ بِهَا الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيْضِ؛ مِنْ فَرَصْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتَهُ (” مِنْ مَسْكٍ “) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْجِلْدُ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْكَسْرِ وَهُوَ طِيبٌ مَعْرُوفٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةٌ لِفِرْصَةٍ، ثُمَّ مُتَعَلِّقُ الْجَارِّ إِنْ قُدِّرَ خَاصًّا، فَالْمَعْنَى مُطَيَّبَةٌ مِنْ مِسْكٍ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُوَافِقُ مَا وَرَدَ فِي الصِّحَاحِ فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَكْثَرُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ: خُذِي قِطْعَةً مِنْ صُوفٍ مُطَيَّبَةٍ بِمِسْكٍ، وَأَنْكَرَ الْقُتَيْبِيُّ هَذَا ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ وُسْعٍ يَجِدُونَ الْمِسْكَ أَيْ: بِالْحَالِ الَّذِي يُمْتَهَنُ هَذَا الِامْتِهَانَ فَيُسْتَعْمَلَ فِي الْمَحِيضِ، فَعَلَى هَذَا قَالُوا: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: مِنْ مَسْكٍ أَيْ مِنْ جِلْدٍ عَلَيْهِ صُوفٌ، وَإِنْ قُدِّرَ الْمُتَعَلِّقُ عَامًّا أَيْ: كَائِنَةٌ مِنْ مِسْكٍ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ كَمَا فِي الْفَائِقِ: إِنَّ الْمُمَسَّكَةَ الْخَلَقِ الَّتِي أُمْسِكَتْ كَثِيرًا، وَلَا يُسْتَعْمَلُ الْجَدِيدُ لِلِانْتِفَاعِ ; وَلِأَنَّ الْخَلَقَ أَصْلَحُ لِذَلِكَ وَأَوْفَقُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ أَمْتَنُ وَأَحْسَنُ وَأَشْبَهُ بِصُورَةِ الْحَالِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهَا مُطَيَّبَةٌ بِالْمِسْكِ لَقَالَ: فَتَطَيَّبِي، وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهَا بِذَلِكَ ; لِإِزَالَةِ الدَّمِ عِنْدَ التَّطَهُّرِ، وَلَوْ كَانَ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ لَأَمَرَ بِهَا بَعْدَ إِزَالَةِ الدَّمِ اهـ.
قِيلَ: فَالظَّاهِرُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ سَمِعَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَفَهِمَ مِنْهُ التَّطَيُّبَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّفْظَ، وَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَلَى: فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ (” فَتَطَهَّرِي بِهَا “) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ فَتَطَيَّبِي بِالْفِرْصَةِ، أَيْ فَاسْتَعْمِلِيهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ الدَّمُ حَتَّى يَصِيرَ مُطَيَّبًا.
وَلَفَّقَ ابْنُ حَجَرٍ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِلْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِرْصَةً كَائِنَةً مِنْ مِسْكٍ هُوَ الْأَكْمَلَ إِذْ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَائِشَةَ: فَتَطَهَّرِي بِهَا أَيْ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ، وَهَذَا التَّتَبُّعُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْمُمَسَّكِ لَا بِالْمِسْكِ بِعَيْنِهِ اهـ.
وَهُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ الَّذِي قَدَّرَ فِرْصَةً كَائِنَةً مِنْ مِسْكٍ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْمَسْكَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْجِلْدِ، لَا بِكَسْرِ الْمِيمِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى نَفْسِ الطِّيبِ ; لِأَنَّ جُمْهُورَهُمُ اسْتَبْعَدُوا أَنْ يَكُونَ التَّتَبُّعُ بِالْمُمَسَّكِ، فَكَيْفَ بِعَيْنِ الْمِسْكِ؟ بَلْ قَالُوا: إِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُطَيَّبَةَ بِالْمِسْكِ لَقَالَ: تَطَيَّبِي.
(قَالَتْ) : أَيِ: الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟) أَيْ: بِالْفِرْصَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَطَّهَّرُ بِالتَّشْدِيدَيْنِ، وَكَذَا فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي (فَقَالَ: ” تَطَهَّرِي بِهَا “) .
قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: (” سُبْحَانَ اللَّهِ “) : فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، وَأَصْلُهُ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَجَبِ مِنْ بَدَائِعِ مَصْنُوعَاتِهِ وَغَرَائِبِ مَخْلُوقَاتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى هُنَا كَيْفَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي فَهْمِهِ إِلَى فِكْرٍ، أَوْ إِلَى تَصْرِيحٍ (” تَطَهَّرِي بِهَا “) فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِتَقَدُّمِ الْبَاءِ عَلَى الذَّالِ، وَالْمَعْنَى قَرَّبْتُهَا إِلَى نَفْسِي (فَقُلْتُ) : أَيْ: لَهَا سِرًّا (تَتَبَّعِي بِهَا) : أَيْ بِالْفِرْصَةِ (أَثَرَ الدَّمِ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ وَبِفَتْحِهِمَا أَيِ: اجْعَلِيهَا فِي الْفَرْجِ، وَحَيْثُ أَصَابَهُ الدَّمُ لِلتَّنْظِيفِ أَوْ لِقَطْعِ رَائِحَةِ الْأَذَى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Business and Website Traffic

438 – وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، «قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: ” لَا ; إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» ) .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

438 – (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ: أُحْكِمُ (ضَفْرَ رَأْسِي) : أَيْ: بِنَسْجِهِ أَوْ فَتْلِهِ، بِالضَّادِ الْمَفْتُوحَةِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ السَّاكِنَةِ: نَسْجُ الشَّعَرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ، وَالضَّفِيرَةُ الذُّؤَابَةُ، (أَفَأَنْقُضُهُ) : أَيْ: أُفَرِّقُهُ (لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ) : أَيْ: لِأَجْلِهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ» ؟ (فَقَالَ: (” لَا “) : أَيْ: لَا تَنْقُضِي، بِمَعْنَى لَا يَلْزَمُكِ نَقْضُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ مِنَ الْأَشْرَافِ وَغَيْرِهِمْ (” «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي» “) بِسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَ كَسْرِ الثَّاءِ ; لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ، فَحُذِفَ نُونُهُ نَصْبًا، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْيَاءِ، وَالْحَثْيُ: الْإِثَارَةُ، أَيْ: تَصُبِّي (” عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ “) : ظَرْفٌ (” حَثَيَاتٍ “) بِفَتَحَاتٍ، أَيْ: مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَصْرَ فِي ثَلَاثٍ، بَلْ إِيصَالَ الْمَاءِ إِلَى الشَّعَرِ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ عَلَى ظَاهِرِهِ مَرَّةً فَالثَّلَاثُ سُنَّةٌ، وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ وَاجِبَةٌ، حَتَّى يَصِلَ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ إِنَّهُ أَنَمَا نَصَّ عَلَى الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ لِبَاطِنِ الشَّعَرِ الْمَضْفُورِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ شَدُّهَا لَهُ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ ; لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَصِلُ الْمَاءُ لِمَا تَحْتَهُ لِقِلَّتِهِ، إِذْ شُعُورُ الْعَرَبِ كَانَتْ خَفِيفَةً غَالِبًا، وَمَا أَفَادَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهَا كُلِّهِ، وَإِلَّا وَجَبَ ; لِخَبَرِ: ” تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٌ “، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا لِلنَّخَعِيِّ وَمَالِكٍ، حَيْثُ أَوْجَبَا نَقْضَهَا مُطْلَقًا، وَلِقَوْلِ أَحْمَدَ: يَجِبُ نَقْضُهَا فِي الْجَنَابَةِ دُونَ الْحَيْضِ (” ثُمَّ تُفِيضِينَ “) : أَيْ: تَصُبِّينَ (” عَلَيْكِ “) : أَيْ: عَلَى سَائِرِ أَعْضَائِكِ (” الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ “) كَذَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَعَامَّةِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَالْقِيَاسُ حَذْفُ النُّونِ عَطْفًا عَلَى تَحْثِي، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ اهـ.
فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَنْتِ تُفِيضِينَ، فَيَكُونَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُمَلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Path-to-Arabic

439 – وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ.
» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

439 – (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَالصَّاعُ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ اهـ.
وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا عِنْدُ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمُدُّ: رِطْلَانِ، وَالصَّاعُ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ; لِخَبَرِ النَّسَائِيِّ بِذَلِكَ، ثُمَّ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلَكِنْ يُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَمَاءُ الْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ تَقْرِيبًا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: خَمْسَةُ أَمْدَادٍ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُدِّ وَالصَّاعِ وَزْنًا لَا كَيْلًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَاءَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوَضَّأَ بِإِنَاءٍ فِيهِ قَدْرُ ثُلُثَيْ مُدٍّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِنَاءٍ فِيهِ نِصْفُ مُدٍّ اهـ.
فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

PlantingTheSeeds-banner

440 – وَعَنْ مُعَاذَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَيُبَادِرُنِي، حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي.
قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

440 – (وَعَنْ مُعَاذَةَ) : هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ، رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرَوَى عَنْهَا قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، مَاتَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ (قَالَتْ: «قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ» ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْعَطْفِ، وَيُنْصَبُ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الطِّيبِيُّ: إِبْرَازُ الضَّمِيرِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَا يُقَالُ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ عَلَى تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا غُلِّبَ الْمُخَاطَبُ عَلَى الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] فَإِنْ قِيلَ: النُّكْتَةُ هُنَاكَ أَنَّ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلٌ فِي سُكْنَى الْجَنَّةِ: قُلْنَا: لَا يَزَالُ النِّسَاءُ مَحَالَّ الشَّهَوَاتِ وَحَامِلَاتٍ لِلِاغْتِسَالِ فَكُنَّ أَصْلًا (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) : أَيْ: مَوْضُوعٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ وَوَضَعَ الْإِنَاءَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَهُوَ وَاسِعُ الرَّأْسِ، فَنَجْعَلُ أَيْدِيَنَا فِيهِ وَنَأْخُذُ الْمَاءَ لِلِاغْتِسَالِ بِهِ.
(فَيُبَادِرُنِي) : أَيْ: يَسْبِقُنِي لِأَخْذِ الْمَاءِ.
قَالَ الْأَشْرَفُ: لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُبَادِرُنِي وَيَغْتَسِلُ بِبَعْضِهِ وَيَتْرُكُ لِي الْبَاقِيَ فَأَغْتَسِلُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الْمَاءِ.
وَقَالَ: فَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا، كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا اغْتَسَلَا فِيهِ مَعًا (حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي) : أَيِ: اتْرُكْ لِي مَا أُكْمِلُ غُسْلِي، وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ أَوِ التَّعْدِيدِ (قَالَتْ) : أَيْ: مُعَاذَةُ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ (وَهُمَا) : أَيِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (جُنُبَانِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُدْخِلُ فِيهِ الْجُنُبُ يَدَهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ سَوَاءٌ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَمْسَ الْجُنُبِ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الطَّهُورِيَّةِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ عُلِمَ الْغَمْسُ قَبْلَ غَسْلِ الْيَدِ؟ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ الِاغْتِرَافِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا جَمِيعًا: لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدِثُ أَوِ الْجُنُبِ أَوِ الْحَائِضُ الَّتِي طَهُرَتِ الْيَدَ فِي الْإِنَاءِ لِلِاغْتِرَافِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِلْحَاجَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ: بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدَثُ رِجْلَهُ أَوْ رَأْسَهُ حَيْثُ يَفْسُدُ الْمَاءُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَقُلْ: فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهَا: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» اهـ.
وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ أَوْ بِثُلُثَيْ مُدٍّ» ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

testogen

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
441 – عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا.
قَالَ: ” يَغْتَسِلُ ” وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلًا.
قَالَ: ” لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ” قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ غُسْلٌ؟ قَالَ: ” نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَى قَوْلِهِ: ” «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» “.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
441 – (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ» ) : مَنِيًّا كَانَ أَوْ مَذْيًا إِذَا اسْتَيْقَظَ (وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا) : أَيْ: لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ جَامَعَ أَحَدًا فِي النَّوْمِ (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَغْتَسِلُ) : خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَهُوَ لِلْوُجُوبِ (وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا أَيْ: يَظُنُّ (أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلًا.
قَالَ: (” لَا غُسْلَ عَلَيْهِ “) : أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ; لِأَنَّ الْبَلَلَ عَلَامَةٌ وَدَلِيلٌ، وَالنَّوْمُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْبَلَلِ سَوَاءٌ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَمْ لَا.
(قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) : وَهِيَ: أُمُّ أَنَسٍ (هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ) : أَيِ: الْبَلَلَ (غُسْلٌ؟ قَالَ: ” نَعَمْ عَلَيْهَا غُسْلٌ “) : وَأَعَادَتْهُ بَعْدَ تَصْرِيحِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِبْعَادًا لِاحْتِلَامِ النِّسَاءِ، وَلَمَّا فَهِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا ذَلِكَ ذَكَرَ لَهَا الْعِلَّةَ فِيهَا فَقَالَ: (” إِنَّ النِّسَاءَ “) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ (” شَقَائِقُ الرِّجَالِ “) : أَيْ: نَظَائِرُهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالطَّبَائِعِ كَأَنَّهُنَّ شُقِقْنَ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ حَوَّاءَ شُقَّتْ مِنْ آدَمَ، وَشَقِيقُ الرَّجُلِ أَخُوهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ; لِأَنَّ شِقَّ نَسَبِهِ مِنْ نَسَبِهِ يَعْنِي: فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِرُؤْيَةِ الْبَلَلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالرَّجُلِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَإِلْحَاقُ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ، وَأَنَّ الْخِطَابَ إِذَا وَرَدَ بِلَفْظِ الذُّكُورِ كَانَ خِطَابًا لِلنِّسَاءِ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبِلَّةِ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهَا الْمَاءُ الدَّافِقُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ بَلَلُ الْمَاءِ الدَّافِقِ، وَاسْتَحَبُّوا الْغُسْلَ احْتِيَاطًا، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ إِذَا لَمْ يَرَ الْبَلَلَ، وَإِنْ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ احْتَلَمَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعْدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ.
(وَأَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ.
(وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: (” «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» “) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

442 – وَعَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، وَجَبَ الْغُسْلُ “.
فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

442 – (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِذَا جَاوَزَ» “) : أَيْ: تَعَدَّى، وَفِي رِوَايَةِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ: الْتَقَى (” الْخِتَانُ “) : بِالرَّفْعِ (” الْخِتَانَ “) : بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ فَرْجِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَخْتُونًا أَمْ لَا.
إِذَا مُجَاوَزَةُ خِتَانِهَا كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ وَلَوْ فِي الدُّبُرِ (وَجَبَ الْغُسْلُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» .
قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ إِذَا حَاذَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ سَوَاءٌ تَلَاقَيَا أَمْ لَا يُقَالُ: الْتَقَى الْفَارِسَانِ إِذَا تَحَاذَيَا وَتَقَابَلَا.
وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا إِذَا لَفَّ عَلَى عُضْوِهِ ثُمَّ جَامَعَ، فَإِنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ.
قَالَ الْأَشْرَفُ: هَذَا الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ جَاوَزَ أَظْهَرُ، فَإِنَّ لَفْظَ الْمُجَاوَزَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
(فَعَلْتُهُ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَصْدَرِ جَاوَزَ (أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ) : بِالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا) : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَعْنِي بِغَيْرِ الْإِنْزَالِ، وَأَنَّهُ نَاسِخٌ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ: (” «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» “) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
(وَابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

443 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشْرَةَ» “.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ.
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ الرَّاوِي وَهُوَ شَيْخٌ، لَيْسَ بِذَلِكَ.

443 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ) : بِالسُّكُونِ وَيُفْتَحُ (” «جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعَرَ» “) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: جَمِيعَهُ، فَلَوْ بَقِيَتْ شَعَرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا الْمَاءُ بَقِيَتْ جَنَابَتُهُ (” وَأَنْقُوا “) : مِنَ الْإِنْقَاءِ (” الْبَشْرَةَ “) بِالْبَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْبَشْرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ أَيْ: نَظِّفُوهَا مِنَ الْوَسَخِ، فَلَوْ مَنَعَ الْوَسَخُ – يَعْنِي كَالطِّينِ الْيَابِسِ وَالْعَجِينِ وَالشَّمْعِ – وُصُولَ الْمَاءِ لَمْ يَرْفَعِ الْجَنَابَةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ كَثَافَةُ اللِّحْيَةِ فِي الْوُضُوءِ مَانِعَةً لِوُجُوبِ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى بَاطِنِهَا ; لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً إِذِ الْوُضُوءُ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ بِخِلَافِ الْغُسْلِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَضَعَّفَهُ (وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ) : عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (الرَّاوِي) : أَيِ: الْحَارِثُ (وَهُوَ) : أَيِ: الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ (شَيْخٌ) : أَيْ: كَبِيرٌ وَغَلَبَ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ (لَيْسَ بِذَاكَ) : الْمَقَامُ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ أَيْ: رِوَايَتُهُ لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ، كَذَا فِي الطِّيبِيِّ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَهُوَ شَيْخٌ لِلْجَرْحِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ: شَيْخٌ مِنْ أَلْفَاظِ مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ، فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ إِشْكَالٌ آخَرُ فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: لَيْسَ بِذَاكَ ; مِنْ أَلْفَاظِ الْجَرْحِ اتِّفَاقًا، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: وَهُوَ شَيْخٌ، عَلَى الْجَرْحِ بِقَرِينَةِ مُقَارَنَتِهِ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِذَاكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ، وَلِإِشْعَارِهِ بِالْجَرْحِ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَدُّوهُ فِي أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ صَرَّحُوا أَيْضًا بِإِشْعَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنَ التَّجْرِيحِ.
أَوْ نَقُولُ: لَا بُدَّ فِي كَوْنِ الشَّخْصِ ثِقَةً مِنْ شَيْئَيْنِ: الْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ، كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الشَّخْصِ الْعَدَالَةُ دُونَ الضَّبْطِ يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّلَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الْأُولَى، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْرَحَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الثَّانِيَةِ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، كَذَا فِي السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

444 – وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ “.
وَقَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي.
ثَلَاثًا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُكَرِّرَا: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي.

444 – (وَعَنْ عَلِيٍّ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (” «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ» “) : بِالسُّكُونِ وَيُفْتَحُ (” مِنْ جَنَابَةٍ “) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَرَكَ.
أَيْ: مِنْ أَجْلِ غُسْلِ جَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا (” لَمْ يَغْسِلْهَا “) : صِفَةُ مَوْضِعِ شَعَرَةٍ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَغْسِلْ تَحْتَهَا (” فُعِلَ “) : مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ نَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مِنْ تَرَكَ (” بِهَا “) : أَيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الشَّعَرَةِ (” كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ “) كِنَايَتَيْنِ عَنِ الْعَدَدِ، أَيْ: يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا إِمَّا كِنَايَةٌ عَنْ أَقْبَحِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، أَوْ إِبْهَامٌ مِنْ شِدَّةِ الْوَعِيدِ (قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا التَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ الشَّدِيدَ (عَادَيْتُ رَأْسِي) : مَخَافَةَ أَنْ لَا يَصِلَ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعَرِي، أَيْ: عَامَلْتُ مَعَ رَأْسِي مُعَامَلَةَ الْمُعَادِي مَعَ الْعَدُوِّ، مِنَ الْقَطْعِ وَالْجَزِّ، فَجَزَزْتُهُ وَقَطَّعْتُهُ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَجُزُّ شَعَرَهُ، وَقِيلَ: عَادَيْتُ رَأْسِي، أَيْ: شَعَرِي، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: عَادَيْتُ شَعَرِي رَفَعْتُهُ عِنْدَ الْغُسْلِ (فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي) : أَيْ: فَعَلْتُ بِرَأْسِي مَا يُفْعَلُ بِالْعَدُوِّ مِنَ الِاسْتِئْصَالِ وَقَطْعِ دَابِرِهِ “.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ سُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّرَهُ، وَلِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِمُتَابَعَةِ سُنَّتِهِمُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِعْلَهُ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِسُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ عَدَمِ الْحَلْقِ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ النُّسُكِ – يَكُونُ رُخْصَةً لَا سُنَّةً، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ نَظَرَ فِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَذَكَرَ نَظِيرَ كَلَامِي، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ، (ثَلَاثًا) : أَيْ: قَالَهُ ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَتْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا عَادَيْتُهُ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الزِّينَةِ وَالتَّنَعُّمِ، وَفِيهِ نَوْعُ اعْتِذَارٍ عَنْ تَرْكِ الْمُتَابَعَةِ ظَاهِرًا، وَسَبَبُهُ كَثْرَةُ الْجِمَاعِ الْمُوجِبَةُ لِكَثْرَةِ الْغُسْلِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا) : أَيْ: أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيَّ (لَمْ يُكَرِّرَا: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي) : أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ وَاكْتَفَيَا بِمَرَّةٍ، وَبِقَوْلِهِمَا ثَلَاثًا.
وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ فَيَقْوَى بِهِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ السَّابِقُ، مَعَ أَنَّ الضَّعْفَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي إِسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ دُونَ إِسْنَادَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ.

✩✩✩✩✩✩✩

445 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

445 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» ) : أَيِ: اكْتِفَاءً بِوُضُوئِهِ الْأَوَّلِ فِي الْغُسْلِ، وَهُوَ سُنَّةٌ، أَوْ بِانْدِرَاجِ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ تَحْتَ ارْتِفَاعِ الْأَكْبَرِ ; بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ: وَهَذَا لَفْظُهُ، (وَأَبُو دَاوُدَ) : لَكِنْ بِمَعْنَاهُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ وَصَلَاةَ الْغَدْوَةِ، وَلَا أَرَاهُ يُحْدِثُ وُضُوءًا بَعْدَ الْغُسْلِ» ، (وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَالُوا: وَلَا يُشَرَّعُ وُضُوءَانِ ; اتِّفَاقًا لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

446 – وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ، يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ، وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

446 – (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ» ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ: نَبْتٌ يُتَنَظَّفُ بِهِ مَعْرُوفٌ، (وَهُوَ جُنُبٌ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ) : أَيْ: يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ يَعْنِي: يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي يُفِيضُهُ عَلَى رَأْسِهِ لِإِزَالَةِ أَثَرِ الْخِطْمِيِّ، وَمَا كَانَ يَأْخُذُ مَاءً جَدِيدًا لِلْغُسْلِ كَمَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ إِزَالَةِ الْوَسَخِ بِالْخِطْمِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ اسْتِئْنَافِ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ.
(وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى رَأْسِهِ الشَّرِيفِ (الْمَاءَ) : أَيِ: الْقَرَاحَ ; لِإِزَالَةِ الْخِطْمِيِّ، بَلْ يَتْرُكُهُ بِحَالِهِ قَصْدًا لِلتَّبَرُّدِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ لِتَرْتَفِعَ الْجَنَابَةُ.
وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: الْمَاءُ، أَيِ: الْمَاءُ الْمَحْضُ، بَلْ يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِالْخِطْمِيِّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قِيلَ: وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

447 – وَعَنْ يَعْلَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُّرَ ; فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» “.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: ” «إِنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ» “.

447 – (وَعَنْ يَعْلَى) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، أَوْ يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ، وَهُمَا صَحَابِيَّانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ، لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَيِّدَهُ هُنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ» ) : أَيْ: مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ (بِالْبَرَازِ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: بِالْفَضَاءِ الْوَاسِعِ عُرْيَانًا (فَصَعِدَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعَ (الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، أَوِ الْحَمْدُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ (ثُمَّ قَالَ: (” «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ» “) بِيَاءَيْنِ ; الْأُولَى مُخَفَّفَةٌ مَكْسُورَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مُشَدَّدَةٌ، أَيْ: كَرِيمٌ مَعَامِلٌ عَبْدَهُ مُعَامَلَةَ الْحَيِيِّ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، (” سِتِّيرٌ “) : فِعِّيلٌ لِلْمُبَالَغَةِ (” يُحِبُّ “) أَيْ: مِنْ عَبْدِهِ (” الْحَيَاءَ “) : فَإِنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ (” وَالتَّسَتُّرَ “) أَيِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَيَاءُ، وَفِي نُسْخَةٍ: السُّتْرَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَارِكٌ لِلْقَبَائِحِ سَاتِرٌ لِلْعُيُوبِ وَالْفَضَائِحِ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُّرَ مِنَ الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُمَا خَصْلَتَانِ تُفْضِيَانِ بِهِ إِلَى التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى.
قِيلَ: هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ، وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ تَهْجِينًا لِفِعْلِ الرَّجُلِ، وَحَثًّا لَهُ عَلَى تَحَرِّي الْحَيَاءِ وَالتَّسَتُّرِ، كَمَا وَصَفَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ بِالْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7] حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ) : أَيْ: أَرَادَ الْغُسْلَ فِي فَضَاءٍ فَلْيَسْتَتِرْ) أَيْ: فَلْيَجْعَلْ لِنَفْسِهِ سُتْرَةً كَيْلَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي هَذَا إِرْشَادٌ لِنَحْوِ الْمُغْتَسِلِ بِمَحَلٍّ لَا يَرَاهُ النَّاسُ بِأَنْ لَا يَعُودَ لِذَلِكَ اسْتِحْيَاءً مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَئِمَّتُنَا: يَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ; لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَيَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ لِاطِّلَاعِهِ وَعِلْمِهِ الْمَسْتُورُ، وَرَدُّوهُ بِأَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِهِمَا إِلَّا أَنَّهُ يَرَى الْمَسْتُورَ عَلَى حَالَةٍ تَقْتَضِي الْأَدَبَ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ مِيرَكُ.
(وَالنَّسَائِيُّ) وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: (” «إِنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ» “) : أَمْرٌ مِنَ التَّوَارِي بِمَعْنَى التَّسَتُّرِ، (” بِشَيْءٍ “) مِنَ الثَّوْبِ أَوِ الْجِدَارِ أَوِ الْحَجَرِ أَوِ الشَّجَرِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحَاصِلُ حُكْمِ مَنِ اغْتَسَلَ عَارِيًا أَنَّهُ إِنْ كَانَ بِمَحَلٍّ خَالٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَلَّ لَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ التَّسَتُّرُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَحَدٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ التَّسَتُّرُ مِنْهُ إِجْمَاعًا عَلَى مَا حَكَى، وَوَهِمَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَقَالَ: الْوَاجِبُ عَلَى ذَلِكَ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّسَتُّرُ.
وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْغَضِّ لَا يُبِيحُ التَّكَشُّفَ، وَلَا يُقَاسُ هَذَا بِمَا حُكِيَ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ وَعَلَى الرِّجَالِ الْغَضُّ، أَمَّا أَوَّلًا فَذَاكَ لِحَاجَةِ الْمَشَقَّةِ فِي سَتْرِ الْوَجْهِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَهَذَا يُتَسَامَحُ فِيهِ مَا لَا يُتَسَامَحُ بِهِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَلِذَا أَبَاحَ النَّظَرَ لَهُ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ كَثِيرُونَ بِخِلَافِ الْعَوْرَةِ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ السَّوْأَتَانِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِحِلِّ نَظَرِهَا وَكَذَا بَقِيَّةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، فَوَجَبَ سَتْرُ الْكُلِّ حَذَرًا مِنْ تَطَرُّقِ نَظَرٍ مُحَرَّمٍ إِلَيْهِ، فَيَكُونَ مُتَسَبِّبًا لَهُ بِعَدَمِ تَسَتُّرِهِ، وَالتَّسَبُّبُ فِي الْحَرَامِ وَلَوْ مِنَ الْغَيْرِ حَرَامٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
448 – عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
448 – (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ) : أَيِ: انْحِصَارُ وُجُوبِ الْغُسْلِ (مِنَ الْمَاءِ) أَيْ مِنْ إِنْزَالِ الْمَنِيِّ لَا بِمُجَرَّدِ الْجِمَاعِ (رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ) : تَدْرِيجًا لِتَكَالِيفِ الْأَحْكَامِ، وَمِنْ ثَمَّ حَلَّتْ لَهُمُ الْخَمْرُ وَالْمُتْعَةُ ابْتِدَاءً ثُمَّ نُسِخَتَا، وَلَمْ يُكَلَّفُوا أَوَّلًا إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ مَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ، ثُمَّ نُسِخَ بِمَا فِي آخِرِهَا، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ مَا نَسَخَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ثُمَّ بَعْدَ تَحَوُّلِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَرَضَ عَلَيْهِمْ رَمَضَانَ، ثُمَّ تَتَابَعَتِ الْفَرَائِضُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(ثُمَّ) : أَيْ: بَعْدَ اسْتِحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (نُهِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ تِلْكَ الرُّخْصَةِ، وَفُرِضَ الْغُسْلُ وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَأَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ مِيرَكُ (وَالدَّارِمِيُّ) : وَسَنَدَهُ حَسَنٌ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

449 – وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كُنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَأَكَ» ” رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

449 – (وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِهَا (وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ) : أَيْ: صَلَاتَهُ (فَرَأَيْتُ) : أَيْ: أَبْصَرْتُ وَعَلِمْتُ بَعْدَ انْقِضَاءِ صَلَاتِي (قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: مِقْدَارَ مَوْضِعِهِ مِنْ بَدَنِي (لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (” لَوْ كُنْتَ “) : أَيْ: عِنْدَ الْغُسْلِ (” مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ “) : أَيْ: غَسَلْتَهُ غَسْلًا خَفِيفًا، أَوْ مَرَرْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ الْمَبْلُولَةِ (أَجْزَأَكَ) : أَيْ: كَفَاكَ، وَأَمَّا الْمَسْحُ الَّذِي هُوَ إِصَابَةُ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ فَلَا يَكْفِي.
قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ لَوْ لِامْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ، فَالْمَعْنَى: لَا يُجْزِئُكَ ; لِأَنَّكَ فِي زَمَانِ الْغَسْلِ مَا مَسَحْتَ بِالْمَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ جَدِيدًا وَقَضَاءُ الصَّلَاةِ اهـ.
يَعْنِي: غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَرِجَالُهُ مُوثَقُونَ، قَالَهُ مِيرَكُ.

✩✩✩✩✩✩✩

450 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

450 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: كَانَتِ الصَّلَاةُ مَفْرُوضَةً فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ خَمْسِينَ، لَا أَنَّهُمْ صَلَّوْا خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: كَانَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ خَمْسِينَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ( «وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) : وَلَعَلَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْأُمَمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ قَطْعُ مَكَانِ الْبَوْلِ، ( «فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ» ) : أَيْ: رَبَّهُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ لِعِظَمِ مَا عِنْدَهُ مِنْ رَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْمُرَادُ بِهِ تَكَرُّرُ السُّؤَالِ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَأَمَّلْ.
اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَكْرَارُ السُّؤَالِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهَا فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( «حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا» ) : بِالْكَمِّيَّةِ، وَخَمْسِينَ بِمُضَاعَفَةِ الْفَضِيلَةِ ( «وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً» ) : بِالْفَرْضِيَّةِ، وَتَثْلِيثًا بِالسُّنِّيَّةِ ( «وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً» ) : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُرَافِقُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ يُطَهِّرُ الْغَسْلُ مَرَّةً ; لِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ مَرَّةً يُطَهِّرُ كَمَا يُطَهَّرُ الْبَدَنُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَعُلَمَاؤُنَا الْحَنَفِيَّةُ اعْتَبَرُوا غَلَبَةَ الظَّنِّ ثُمَّ قَدَّرُوهَا بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ عِنْدَهُ غَالِبًا، وَقَدْ قِيلَ: يُبَالَغُ بِالْعَدَدِ إِلَى السَّبْعِ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: لَوْ جَرَى الْمَاءُ عَلَى ثَوْبٍ نَجِسٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ طَهُرَ جَازَ بِلَا عَصْرٍ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمُجَمَّعِ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يُضَعِّفْهُ فَيَكُونَ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَضْعِيفِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

This is an excerpt from مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح Mirqat Al Mafatih Sharh Mishkat al Masabih

Mirqat al-Mafatih by ‘Ali ibn Sultan Muhammad al-Qari (d.1014/1605) is the most comprehensive and excellent Arabic commentary on Mishkat al-Masabih. He came to be popularly known as Mulla ‘Ali al-Qari and belonged to the Hanafi School.

Mishkāt al-Maṣābīḥ (Arabic: مشكاة المصابيح, lit. ’The Niche of Lanterns’) by Walī ad-Dīn Abū ʿAbd Allāh Muḥammad ibn ʿAbd Allāh al-Khaṭīb at-Tibrīzī (d.1248) is an expanded and revised version of al-Baghawī’s Maṣābīḥ as-Sunnah. Khaṭīb at-Tibrīzī rendered this version of the original text more accessible to those not having an advanced knowledge of the science of hadith.

Originally posted on Thu _22 _September _2022AH 22-9-2022AD @ 11:36 am

Responses

Your email address will not be published. Required fields are marked *

+