باب زيارة القبور
بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1762 – عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) أَيْ: جَوَازُهَا وَفَضْلُهَا وَآدَابُهَا.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1762 – (عَنْ بُرَيْدَةَ) أَيِ ابْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ، أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا، بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَمَاتَ بِمَرْوَ غَازِيًا، مِنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَهَيْتُكُمْ) أَيْ قَبْلَ هَذَا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِ: ” كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ ” فَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْمِشْكَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِغَيْرِ مُسْلِمٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) الْأَمْرُ لِلرُّخْصَةِ أَوْ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ، بَلْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِهِمْ وُجُوبَهَا، قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْإِذْنُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ قَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ، رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخَّصَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رُخِّصَ عَمَّتِ الرُّخْصَةُ لَهُنَّ فِيهِ، أَقُولُ هَذَا الْمَبْحَثُ مَوْقُوفٌ عَلَى التَّارِيخِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْعُمُومُ لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي ” نَهَيْتُكُمْ ” كَمَا أَنَّهُ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيبِ، أَوْ أَصَالَةِ الرِّجَالِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي ” فَزُورُوهَا “، مَعَ أَنَّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الرُّخْصَةَ عَامَّةٌ لَهُنَّ، وَاللَّعْنُ قَبْلَ الرُّخْصَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِمَالِ أَيْضًا، وَقِيلَ يُكْرَهُ لَهُنَّ الزِّيَارَةُ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَجَزَعِهِنَّ اهـ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُنَّ فِيهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَمَعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَسْخِ الرِّجَالِ عَنْ زِيَارَاتِهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَتَهَا سُنَّةٌ لَهُمْ، وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ وَجْهَانِ: قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِالْكَرَاهَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُكْرَهُ إِذَا أَمِنَتِ الْفِتْنَةَ، وَيَنْبَغِي لِلزَّائِرِ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْقَبْرِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ، لَوْ زَارَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ الْمُبَاهَاةَ بِتَكْثِيرِ الْأَمْوَاتِ فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ دَارَ رَحَى الْإِسْلَامِ، وَهَدَمَ قَوَاعِدَ زِيَارَةِ الشِّرْكِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُورِثُ رِقَّةَ الْقَلْبِ، وَتُذَكِّرُ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَعَلَى هَذَا النَّسَقِ الْفَاءَانِ فِي فَأَمْسِكُوا وَفَاشْرَبُوا اهـ وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ: ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَلَا تَقُولُوا هَجْرًا» ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَلَفْظُهُ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا عِبْرَةً» .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِتَعْلِيلَاتِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كَالرِّجَالِ فِي حُكْمِ الزِّيَارَةِ، إِذَا زُرْنَ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي حَقِّهِنَّ، وَيُؤَيِّدُ الْخَبَرَ السَّابِقَ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَّ بِالْمَرْأَةِ فَأَمَرَهَا بِالصَّبْرِ وَلَمْ يَنْهَهَا عَنِ الزِّيَارَةِ، وَأَمَّا خَبَرُ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى زِيَارَتِهِنَّ لِمُحَرَّمٍ كَالنَّوْحِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اعْتَدْنَهُ، وَفِي قَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «فَإِنَّهَا تُدْمِعُ الْعَيْنَ» فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ دَلِيلٌ (وَنَهَيْتُكُمْ) أَيْ أَوَّلَ الْأَمْرِ (عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتُخَفَّفُ أَيْ عَنِ ادِّخَارِهَا وَإِمْسَاكِهَا، وَكَانَ النَّهْيُ لِأَجْلِ الْفُقَرَاءِ الْمُحْتَاجِينَ، وَقَدْ وَقَعَ قَحْطٌ بِالْبَادِيَةِ فَدَخَلَ أَهْلُهَا الْمَدِينَةَ (فَوْقَ ثَلَاثٍ) أَيْ لَيَالٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ، وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالتَّاءِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ (فَأَمْسِكُوا) أَيْ لُحُومَهَا مُطْلَقًا، فَالْأَمْرُ لِلرُّخْصَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، أَوِ الْمُرَادُ: أَمْسِكُوا لُحُومَهَا الْبَاقِيَةَ بَعْدَ إِعْطَاءِ ثُلُثِهَا الْفُقَرَاءَ، وَإِهْدَاءِ ثُلُثِهَا الْأَغْنِيَاءَ، اسْتِحْبَابًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لُحُومَهَا الْبَاقِيَ بَعْدَ مَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ مِنْهَا، وَهُوَ قَدْرٌ لَهُ مَوْقِعٌ لَا تَافِهٌ جِدًّا، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ (مَا بَدَا) بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ (لَكُمْ) أَيْ مُدَّةَ بُدُوِّ الْإِمْسَاكِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَهَاهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لُحُومِ أَضَاحِيِّهِمْ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّصَدُّقَ بِهِ، فَرَخَّصَ لَهُمُ الْإِمْسَاكَ مَا شَاءُوا (وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) أَيْ عَنْ إِلْقَاءِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْحَلَاوَى فِي الْمَاءِ (إِلَّا فِي سِقَاءٍ) أَيْ قِرْبَةٍ، فَإِنَّهُ جِلْدٌ رَقِيقٌ لَا يَجْعَلُ الْمَاءَ حَارًّا، فَلَا يَصِيرُ مُسْكِرًا عَنْ قَرِيبٍ، بِخِلَافِ سَائِرِ الظُّرُوفِ، فَإِنَّهَا تَجْعَلُ الْمَاءَ حَارًّا فَيَصِيرُ النَّبِيذَ مُسْكِرًا، فَرَخَّصَ لَهُمْ شُرْبَ النَّبِيذِ مِنْ كُلِّ ظَرْفٍ، مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا فَقَالَ (فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ) أَيِ الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي (كُلِّهَا) فِيهِ تَغْلِيبٌ لِمَا عُرِفَ مِنْ تَعْرِيفِ السِّقَاءِ (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ السِّقَاءَ يُبَرِّدُ الْمَاءَ فَلَا يَشْتَدُّ مَا يَقَعُ فِيهِ اشْتِدَادَ مَا فِي الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي، فَيَصِيرُ خَمْرًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ هُوَ الْمُسْكِرُ لَا الظُّرُوفُ بِعَيْنِهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطْلَقًا، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

pregnancy nutrition

1763 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «زَارَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهَ، فَقَالَ: ” اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1763 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ قَبْرَ أُمِّهِ) أَيْ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (فَبَكَى) أَيْ عَلَى فِرَاقِهَا أَوْ عَلَى عَذَابِهَا أَوْ عَلَى مَوْتِهِ بِمَوْتِهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَقَابِرِ (وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قِيلَ: زِيَارَتُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَّهُ مَعَ أَنَّهَا كَافِرَةٌ تَعْلِيمٌ مِنْهُ لِلْأُمَّةِ حُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ قَضَاءَ حَقِّهَا مَعَ كُفْرِهَا (فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ، وَالِاسْتِغْفَارُ لِلْكَافِرِينَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّهَ لَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ أَبَدًا (وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي) بِنَاءً عَلَى الْمَجْهُولِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِهِ ” فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي “، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ كَانَ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى أَخْوَالِهَا بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ تَزُورُهُمْ، وَمِنْهُمْ أَبُو أَيُّوبَ، ثُمَّ رَجَعَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْأَبْوَاءِ تُوُفِّيَتْ فَقَبْرُهَا هُنَاكَ، وَقِيلَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَكَّةَ زَارَ قَبْرَهَا بِالْأَبْوَاءِ، ثُمَّ قَامَ مُسْتَعْبِرًا، فَقَالَ: ” «إِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي» “، وَنَزَلَ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113] الْآيَةَ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَعَلَّ حِكْمَةَ عَدَمِ الْإِذْنِ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا إِتْمَامُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِإِحْيَائِهَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تَصِيرَ مِنْ أَكَابِرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوِ الْإِمْهَالُ إِلَى إِحْيَائِهَا لِتُؤْمِنَ بِهِ فَتَسْتَحِقَّ الِاسْتِغْفَارَ الْكَامِلَ حِينَئِذٍ اهـ وَفِيهِ أَنَّ قَبْلَ الْإِيمَانِ لَا تَسْتَحِقُّ الِاسْتِغْفَارَ مُطْلَقًا، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ وَالِدَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَاتَا كَافِرَيْنِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحَدِيثُ إِحْيَائِهِمَا حَتَّى آمَنَا بِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالْحَافِظُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ مَعَ أَنَّ الْحُفَّاظَ طَعَنُوا فِيهِ، وَمَنَعُوا جَوَازَهُ أَيْضًا بِأَنَّ إِيمَانَ الْيَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِجْمَاعًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَبِأَنَّ الْإِيمَانَ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ إِنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ الْغَيْبِيُّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28] وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ أَيْضًا فِي رَدِّ مَا تَشَبَّثَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ، وَلَا عَذَابَ عَلَيْهِمَا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ صَنَّفَ السُّيُوطِيُّ رَسَائِلَ ثَلَاثَةً فِي نَجَاةِ وَالِدَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَذَكَرَ الْأَدِلَّةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَعَلَيْكَ بِهَا إِنْ أَرَدْتَ بَسْطَهَا (فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا) أَيِ الْقُبُورَ أَوْ زِيَارَاتِهَا (تُذَكِّرُ الْمَوْتَ) يَعْنِي وَذِكْرَ الْمَوْتِ يُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَيُرَغِّبُ فِي الْعُقْبَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي زِيَارَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ فِي نُسَخِ رِوَايَاتِنَا بِالصَّحِيحِ الْمَشْرِقِيَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ هَذَا الْحَدِيثَ: وُجِدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ مَاهَانَ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ، وَلَا يُوجَدُ فِي نُسْخَةِ بِلَادِنَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيِّ اهـ وَقَدْ رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْغَافِرِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَلَعَلَّهُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُزَكِّي فِي الْأَطْرَافِ، وَقَبْرُ أُمِّ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْأَبْوَاءِ تُوُفِّيَتْ مَرْجِعَهَا مِنْ زِيَارَةِ أَخْوَالِ أَبِيهِ بَنِي النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ، وَعُمُرُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سِتُّ سِنِينَ، وَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَزَارَهُ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ زَارَهُ فِي أَلْفِ نَعْتٍ أَيْ فِي أَلْفِ نَفْسٍ، مُصَمَّتِينَ بِالسِّلَاحِ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ.

✩✩✩✩✩✩✩

islamship banner

1764 – «وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ: ” السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1764 – (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) أَيِ ابْنِ الْحُصَيْبِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعَلِّمُهُمْ) أَيِ الصَّحَابَةَ (إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ) أَيْ لِلزِّيَارَةِ (أَنْ يَقُولُوا) عِنْدَ وُصُولِهِمْ إِلَيْهَا (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِمَفْعُولَيْ يُعَلِّمُ، أَيْ يُعَلِّمُهُمْ كَيْفِيَّةَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْمَوْتَى كَالسَّلَامِ عَلَى الْأَحْيَاءِ، فِي تَقَدُّمِ الدُّعَاءِ عَلَى الِاسْمِ، خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَقَدُّمِ الِاسْمِ عَلَى الدُّعَاءِ، قَالَ الْحَمَاسِيُّ: عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ
وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ – تَعَالَى – {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود: 73] وَقَوْلُهُ – عَزَّ وَجَلَّ – {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} [الصافات: 130] وَنَحْوُهُ، وَفِيهِ أَبْلَغُ الرَّدِّ لِقَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْأَوْلَى عَلَيْكُمُ السَّلَامُ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْخِطَابِ، مَعَ ظُهُورِ بُطْلَانِ تَعْلِيلِهِمْ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ مِنْ حَيْثُ الْخِطَابِ بَيْنَ تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَهْلٌ لِلْخِطَابِ مُطْلَقًا، لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ: ” «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» “، وَأَمَّا قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِمَنْ قَالَ عَلَيْكَ السَّلَامُ: ” أَنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ ” تَحِيَّةُ الْمَوْتَى إِخْبَارٌ عَنْ عَادَتِهِمُ السَّابِقَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَوْتَى كُفَّارُ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ تَحِيَّةُ مَوْتَى الْقُلُوبِ، فَلَا تَفْعَلُوهُ (أَهْلَ الدِّيَارِ) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بِيَاءِ النِّدَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَصْبُهُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَفْصَحُ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: سَمَّى – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَوْضِعَ الْقُبُورِ دَارًا لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ كَالْأَحْيَاءِ فِي الدِّيَارِ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بَيَانٌ لِأَهْلِ الدِّيَارِ (وَالْمُسْلِمِينَ) ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِ الْوَصْفَيْنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِـ ” الْمُسْلِمِينَ ” الْمُخْلِصِينَ لِوَجْهِهِ – تَعَالَى – ” إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ وَفِي نُسْخَةٍ: لَاحِقُونَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ – تَعَالَى – وَقِيلَ: ” إِنْ ” شَرْطِيَّةٌ، وَمَعْنَاهُ: لَاحِقُونَ بِكُمْ فِي الْمُوَافَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَالتَّفْوِيضِ، كَقَوْلِهِ – تَعَالَى -: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] وَقِيلَ: لِلتَّأَدُّبِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، اسْتَثْنَى اللَّهُ – تَعَالَى – فِيمَا يَعْلَمُ لِيَسْتَثْنِيَ الْخَلْقُ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ – تَعَالَى – {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا – إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 – 24] ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: التَّعْلِيقُ بِاعْتِبَارِ اللُّحُوقِ بِخُصُوصِ أَهْلِ الْمَقْبَرَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) أَيِ الْخَلَاصَ مِنَ الْمَكَارِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ اهـ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: وَإِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمُ اهـ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ: وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ: أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قُبَالَةَ وَجْهِ الْمَيِّتِ قَبْلَ جُلُوسِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

Success Habits

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1765 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1765 – (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقُبُورٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي حَالِ السَّلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ لِوَجْهِ الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ كَذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ عَمَلُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَنَا أَنَّهُ حَالَةَ الدُّعَاءِ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، كَمَا عُلِمَ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ، اهـ وَفِيهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَوَاضِعِ الدُّعَاءِ وَقَعَ اسْتِقْبَالُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مِنْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ، وَمِنْهَا حَالَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَخُرُوجُهُ، وَحَالُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَقْتَصِرَ الِاسْتِقْبَالُ وَعَدَمُهُ عَلَى الْمَوْرِدِ إِنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَخَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ، وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ بَعْضُ السَّلَفِ بَعْدَ الزِّيَارَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلْأَدْعِيَةِ فَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ لَا مَسْطُورَ فِيهِ لِلْأَئِمَّةِ (بِوَجْهِهِ) .
قَالَ الْمُظْهِرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ زِيَارَةَ الْمَيِّتِ كَزِيَارَتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، يَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَيَاةِ إِذَا زَارَهُ يَجْلِسُ مِنْهُ عَلَى الْبُعْدِ لِكَوْنِهِ عَظِيمَ الْقَدْرِ فَكَذَلِكَ فِي زِيَارَاتِهِ يَقِفُ، أَوْ يَجْلِسُ عَلَى الْبُعْدِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَجْلِسُ مِنْهُ عَلَى الْقُرْبِ فِي حَيَاتِهِ، كَذَلِكَ يَجْلِسُ بِقُرْبِهِ إِذَا زَارَهُ اهـ وَإِذَا زَارَهُ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ ” {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ” ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَدْعُو لَهُ، وَلَا يَمْسَحْهُ وَلَا يُقَبِّلْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ قَبْرِ الْوَالِدَيْنِ.

✩✩✩✩✩✩✩

(فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ) قَدَّمَ مَغْفِرَةَ اللَّهِ لَهُ عَلَى مَغْفِرَتِهِ لِلْمَيِّتِ إِعْلَامًا بِتَقَدُّمِ دُعَاءِ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالْحَاضِرِ عَلَى الْغَائِبِ (أَنْتُمْ سَلَفُنَا) بِفَتْحَتَيْنِ، فِي النِّهَايَةِ: هُوَ مِنْ سَلَفِ الْمَالِ كَأَنْ أَسْلَفَهُ، وَجَعَلَهُ ثَمَنًا لِلْأَجْرِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: سَلَفُ إِنْسَانٍ مَنْ تَقَدَّمَهُ بِالْمَوْتِ مِنَ الْآبَاءِ وَذَوِي الْقَرَابَةِ، وَلِذَا سُمِّيَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّابِعِينَ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ اهـ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ هُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ اهـ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ لِلِاصْطِلَاحِ، وَالصَّحَابَةُ مَخْصُوصُونَ بِالنِّسْبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ لَا شَكَّ أَنَّهُمُ التَّابِعُونَ، وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ هُمُ التَّبَعُ، وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ السَّلَفَ عِبَارَةً عَنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمُ السَّلَفُ حَقِيقَةً، وَالْخَلَفُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَتْبَاعِهِمْ، وَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَاكَ فَنَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ (وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، يَعْنِي: تَابِعُونَ لَكُمْ، مِنْ وَرَائِكُمْ لَاحِقُونَ بِكُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1766 – «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ: ” السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعِدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

Success Habits

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1766 – (عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) ” مِنْ ” مُتَعَلِّقٌ بِاللَّيْلَةِ بِمَعْنَى النَّصِيبِ، أَوِ الْمَحْذُوفِ أَيِ الَّتِي تَخُصُّهَا مِنْهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ الطِّيبِيُّ: ” كُلَّمَا ” ظَرْفٌ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْعُمُومِ وَجَوَابُهُ (يَخْرُجُ) وَهُوَ الْعَامِلُ فِيهِ، وَهَذَا حِكَايَةُ مَعْنَى قَوْلِهَا لَا لَفْظُهَا، أَيْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إِذَا بَاتَ عِنْدَهَا أَنْ يَخْرُجَ (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ) أَيْ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ، فِيهِ قُبُورُ أَهْلِهَا، فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ وَلَا يُسَمَّى بَقِيعًا، إِلَّا وَفِيهِ شَجَرٌ، أَوْ أُصُولُهَا وَالْغَرْقَدُ شَجَرٌ، وَالْآنَ بَقِيَتِ الْإِضَافَةُ دُونَ الشَّجَرَةِ، (فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ) قِيلَ الدَّارُ مُقْحَمٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ يَا أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ (مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ) بِالْقَصْرِ أَيْ جَاءَكُمْ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا قَالَ أَتَاكُمْ لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ كَالْحَاضِرِ اهـ أَوْ لِتَحَقُّقِهِ كَأَنَّهُ وَقَعَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَاكُمْ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ – تَعَالَى – {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا} [آل عمران: 194] (مَا تُوعَدُونَ) أَيْ مَا كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ، أَوْ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنَ الْعَذَابِ (غَدًا) فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ (مُؤَجَّلُونَ) أَيْ أَنْتُمْ مُؤَخَّرُونَ وَمُمْهَلُونَ إِلَى غَدٍ، بِاعْتِبَارِ أُجُورِكُمْ، اسْتِيفَاءً وَاسْتِقْصَاءً، فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْمَوْعُودِ أُمُورٌ إِجْمَالِيَّةٌ لَا أُمُورٌ تَفْصِيلِيَّةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِعْرَابُهُ مُشْكِلٌ، إِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ مِنْ وَاوٍ عَلَى حَذْفِ الْوَاوِ، وَالْمُبْتَدَأِ كَانَ فِيهِ شُذُوذَانِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ سَائِغٌ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، كَمَا هُنَا، وَفِيهِ بَحْثٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْإِبْدَالِ مِنْ مَا تُوعَدُونَ، أَيْ أَتَاكُمْ مَا تُؤَجِّلُونَهُ أَنْتُمْ، وَالْأَجَلُ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَحْدُودُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ اهـ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَعِيدٌ تَكَلُّفٌ جِدًّا، بَلِ السِّيَاقُ يَنْبُو عَنْهُ (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ) أَيْ: يَا أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ بِالْخُصُوصِ (لَاحِقُونَ) لِقَوْلِهِ – تَعَالَى – {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] قِيلَ: أَيْ تُدْفَنُ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) أَيْ مَقْبَرَةِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الدَّعْوَةَ الْإِجْمَالِيَّةَ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ كَافِيَةٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1767 – وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَعْنِي فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، قَالَ: قُولِي: ” السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

Simple Habits of Greatness

1767 – (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَعْنِي) أَيْ تُرِيدُ عَائِشَةُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – بِالسُّؤَالِ كَيْفِيَّةَ الْمَقَالِ (فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، قَالَ: ” قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ “) وَفِيهِ تَغْلِيبُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ (وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ) أَيِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ (مِنَّا) أَيْ مَعْشَرِ الْمُؤْمِنِينَ (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) أَيِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَي الْمَوْتِ، وَالسِّينُ فِيهِمَا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، أَيِ الْأَمْوَاتَ مِنَّا وَالْأَحْيَاءَ، قَدَّمَ الْأَمْوَاتَ هَاهُنَا لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ، وَاسْتِنْسَاقِ الْكَلَامِ، أَوْ مُرَاعَاةِ مَا وَرَدَ فِي كَلَامِ الْعَلَّامِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر: 24] (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ) أَيْ أَيُّهَا السَّابِقُونَ (لَلَاحِقُونَ) بِلَامَيْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ كَذَا فِي الْحِصْنِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ أَبُو رَزِينٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ طَرِيقِي عَلَى الْمَوْتَى، فَهَلْ مِنْ كَلَامٍ أَتَكَلَّمُ بِهِ إِذَا مَرَرْتُ عَلَيْهِمْ، قَالَ: قُلِ: ” السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَنْتُمْ لَنَا سَلَفٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ “، قَالَ أَبُو رَزِينٍ: يَسْمَعُونَ؟ قَالَ: ” يَسْمَعُونَ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا “، قَالَ: ” يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَا تَرْضَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْكَ بِعَدَدِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» ” اهـ وَقَوْلُهُ ” لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا ” أَيْ جَوَابًا يَسْمَعُهُ الْحَيُّ، وَإِلَّا فَهُمْ يَرُدُّونَ حَيْثُ لَا تَسْمَعُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّمْهِيدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» “، صَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَعَرَفَهُ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، أَيْ وَلَمْ يَعْرِفْهُ» .

✩✩✩✩✩✩✩

1768 – وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ يُرْفَعُ الْحَدِيثُ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ “، وَكُتِبَ بَرًّا» .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا.

1768 – (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ) تَابِعِيٌّ (يَرْفَعُ الْحَدِيثَ) أَيْ بِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيِّ (إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا) عَطْفٌ عَلَى أَبَوَيْهِ (فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) أَيْ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، أَوْ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ (غُفِرَ لَهُ) أَيْ فِي مَعْصِيَتِهِ (وَكُتِبَ بَرًّا) بِفَتْحِ الْبَاءِ، بِمَعْنَى بَارًّا فِي طَاعَتِهِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1769 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» “.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

Path-to-Arabic

1769 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ “) أَيْ مُطْلَقًا (فَزُورُوا) وَفِي نُسْخَةٍ: فَزُورُوهَا (فَإِنَّهَا) أَيْ زِيَارَةَ الْقُبُورِ أَوِ الْقُبُورَ أَيْ رُؤْيَتَهَا (تُزَهِّدُ الدُّنْيَا) فَإِنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ هَادِمُ اللَّذَّاتِ، وَمُهَوِّنُ الْكُدُورَاتِ، وَلِذَا قِيلَ: إِذَا تَحَيَّرْتُمْ فِي الْأُمُورِ فَاسْتَعِينُوا بِأَهْلِ الْقُبُورِ، هَذَا أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ (وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ) وَتُعِينُ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لَهَا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1770 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَعَنَ زَوَّرَاتِ الْقُبُورِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَرِهَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ، تَمَّ كَلَامُهُ.

1770 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَعَنَ زَوَّرَاتِ الْقُبُورِ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ كَثِيرَاتُ الزِّيَارَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ) أَيِ التِّرْمِذِيُّ (قَدْ رَأَى) أَيْ ذَهَبَ (بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا) أَيِ اللَّعْنَ (كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَرِهَ) أَيِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَرُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَكَثْرَةِ عَجْزِهِنَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: صَوَابُهُ وَكَثْرَةُ جَزَعِهِنَّ (تَمَّ كَلَامُهُ) أَيْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، تَمَّ كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ.

✩✩✩✩✩✩✩

1771 – وَعَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِيَ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِنِّي وَاضِعٌ ثَوْبِي وَأَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي وَأَبِي، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مَعَهُمْ فَوَاللَّهِ مَا دَخَلْتُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1771 – (وَعَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِيَ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ قَبْرُهُ أَوْ دُفِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَيْ وَأَبُوهَا (وَإِنِّي وَاضِعٌ) بِالتَّنْوِينِ وَالظَّاهِرُ وَاضِعَةٌ، فَكَأَنَّهُ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ حَائِضٍ، أَوِ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ، وَيَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى قَوْلِهَا (ثَوْبِي) أَيْ بَعْضَ ثِيَابِي، وَلِذَا أُفْرِدَ هُنَا وَجُمِعَ فِيمَا سَيَأْتِي (وَأَقُولُ) أَيْ فِي نَفْسِي لِبَيَانِ عُذْرِ الْوَضْعِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَوْلُ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِوَضْعِ الثَّوْبِ (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ الْكَائِنُ هُنَا (زَوْجِي وَأَبِي) أَيْ إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي، وَالْآخَرُ أَبِي، أَوِ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَيْ إِنَّمَا الشَّأْنُ زَوْجِي وَأَبِي مَدْفُونَانِ فِيهِ، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْبَيْتِ أَيْ إِنَّمَا هُوَ مَدْفَنُ زَوْجِي وَأَبِي، عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ (فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مَعَهُمْ) فِيهِ اخْتِيَارُ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ (فَوَاللَّهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ احْتِرَامَ الْمَيِّتِ كَاحْتِرَامِهِ حَيًّا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَفِي شَرْحِ الصُّدُورِ لِلسُّيُوطِيِّ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الصَّحَابِيِّ قَالَ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ عَلَى حَدِّ سَيْفٍ حَتَّى تُخْطَفَ رِجْلِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ رَجُلٍ، وَمَا أُبَالِي أَفِي الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَيْ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَمْ فِي السُّوقِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ غَفْرَانَةَ مَرَّ عَلَى مَقْبَرَةٍ هُوَ حَاقِنٌ قَدْ غَلَبَهُ الْبَوْلُ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ نَزَلْتَ فَبُلْتَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ الْأَمْوَاتِ كَمَا أَسْتَحْيِي مِنَ الْأَحْيَاءِ.

✩✩✩✩✩✩✩

 

islamship-banner flat

Responses

Your email address will not be published. Required fields are marked *

+