golf336

باب صلاة العيدين
[47] بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ ” الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
” 1426 – عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[47] بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَيِ: الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى.
قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْعِيدُ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا.
وَفِي الْأَزْهَارِ: كُلُّ اجْتِمَاعٍ لِلسُّرُورِ، فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ عِيدٌ لِعَوْدِ السُّرُورِ بِعَوْدِهِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعُودُ عَلَى الْعِبَادِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَلِذَا قِيلَ: لَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ، إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ أَمِنَ الْوَعِيدَ، وَجَمْعُهُ أَعْيَادٌ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْوَاوَ لَا الْيَاءَ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، أَوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَوَجْهُ الْوُجُوبِ مُوَاظَبَتُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ: أَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ صَلَّاهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهِيَ الَّتِي فُرِضَ رَمَضَانُ فِي شَعْبَانِهَا، ثُمَّ دَاوَمَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى.
” الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
” 1426 – (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى) أَيْ: وَيَوْمَ الْأَضْحَى.
(إِلَى الْمُصَلَّى) أَيْ: مُصَلَّى الْعِيدِ بِالْمَدِينَةِ خَارِجَ الْبَلَدِ، وَهُوَ الْآنَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ، وَبِالتَّبَرُّكِ مَوْصُوفٌ.
فِي.
(شَرْحِ السُّنَّةِ) : السُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، فَيُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، أَيِّ مَسْجِدٍ دَاخِلَ الْبَلَدِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ إِلَى الْجَبَّانَةِ، وَيَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضُّعَفَاءِ فِي الْمِصْرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمَّا هُمَا فَهِيَ فِيهِمَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا تَبَعًا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلِشَرَفِهِمَا مَعَ اتِّسَاعِهِمَا.
(فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ) أَيِ: النَّبِيُّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(بِهِ الصَّلَاةُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَبْدَأُ بِهِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ ” أَوَّلُ شَيْءٍ “، وَأَوَّلُ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ مُخَصَّصًا فَهُوَ خَبَرٌ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَعْرَفُ مِنْهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرَتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26] فَدَلَّ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَالتَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْهُمْ: مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فِي تَقْدِيمِهِ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ.
(ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: ” أَيْ: مِنْ مُصَلَّاهُ إِلَى الْمِنْبَرِ “، فَغَفْلَةٌ عَنْ أَنَّ الْمِنْبَرَ مَا كَانَ إِذْ ذَاكَ.
(فَيَقُومُ) أَيْ: عَلَى الْأَرْضِ.
(مُقَابِلَ النَّاسِ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَتُفْتَحُ، حَالٌ.
قَالَ الشَّيْخُ: فِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ عَلَى الْأَرْضِ عَنْ قِيَامٍ فِي الْمُصَلَّى أَوْلَى مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ أَنَّ الْمُصَلَّى يَكُونُ بِمَكَانٍ فِيهِ فَضَاءٌ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَتِهِ كُلُّ مَنْ حَضَرَ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مَكَانٍ مَحْصُورٍ، فَقَدْ لَا يَرَاهُ بَعْضُهُمْ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْمُصَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ مَرْوَانُ نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – لَمْ يَضَعِ الْمِنْبَرَ لِلْعِيدِ دُونَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلَّ جُمُعَةٍ بِخِلَافِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ حَالَةٌ نَادِرَةٌ.
وَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ اخْتِيرَ الْمِنْبَرُ ; لِأَنَّهُ لِلتَّبْلِيغِ أَبْلَغُ وَأَظْهَرُ، فَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ وَإِنْ كَانَ لِلْوَاضِعِ نِيَّةٌ سَيِّئَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْهُمَامِ قَالَ: وَلَا يَخْرُجُ الْمِنْبَرُ إِلَى الْجَبَّانَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي بِنَاءِ الْمِنْبَرِ بِالْجَبَّانَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ، قَالَ خَوَاهِرُ زَادَهْ: حَسَنٌ فِي زَمَانِنَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِهِ.
(وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ) أَيْ: مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ عَلَى حَالَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا.
(فَيَعِظُهُمْ) أَيْ: يُذَكِّرُهُمْ بِالْعَوَاقِبِ: بِشَارَةً مَرَّةً، وَنِذَارَةً أُخْرَى، وَبِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالرَّغْبَةِ فِي الْأُخْرَى، وَبِالْوَعْدِ فِي الثَّوَابِ، وَبِالْوَعِيدِ فِي الْعِقَابِ لِئَلَّا يَسْتَلِذَّهُمْ فَرْطُ السُّرُورِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَيَغْفُلُوا عَنِ الطَّاعَةِ، وَيَقَعُوا فِي الْمَعْصِيَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ غَالِبِ أَهْلِ الزَّمَانِ الْآنَ.
(وَيُوصِيهِمْ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ أَيْ: بِالتَّقْوَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكُتَّابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقَوُا اللَّهَ} [النساء: 131] وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ كَامِلَةٌ، وَبِمَرَاتِبِ الْكَمَالِ شَامِلَةٌ، أَدْنَاهَا التَّقْوَى عَنِ الشِّرْكِ بِالْمَوْلَى، وَأَوْسَطُهَا امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابُ الزَّوَاجِرِ، وَأَعْلَاهَا الْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ وَالْغَيْبَةُ عَمَّا سِوَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: يُوصِيهِمْ بِإِدَامَةِ الطَّاعَاتِ، وَالتَّحَرُّزِ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَبِرِعَايَةِ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَمِنْهَا النُّصْحُ التَّامُّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
(وَيَأْمُرُهُمْ) أَيْ: وَيَنْهَاهُمْ يَعْنِي بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمُنَاسِبِ لِلْمَقَامِ، فَيَكُونُ الِاخْتِصَارُ عَلَى (يَأْمُرُهُمْ) مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ: يَأْمُرُهُمْ بِأَحْكَامِ الْفِطْرَةِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَبِأَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ فِي عِيدِ الْأَضْحَى.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَعِظُهُمْ أَيْ: يُنْذِرُهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ ; لِيَتَّقُوا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَيُوصِيهِمْ فِي حَقِّ الْغَيْرِ لِيَنْصَحُوا لَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْحَلَالِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْحَرَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
(وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ) أَيْ: يُرْسِلَ أَوْ يُعَيِّنَ.
(بَعْثًا) أَيْ: جَيْشًا إِلَى نَاحِيَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ.
(قَطَعَهُ) أَيْ: أَرْسَلَهُ، وَقِيلَ قَطَعَهُ بِمَعْنَى وَزَّعَهُ، بِأَنْ يَقُولَ: يَخْرُجُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ كَذَا، وَمِنْ بَنِي فُلَانٍ كَذَا.
وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُفْرِدَ قَوْمًا مِنْ غَيْرِهِمْ يَبْعَثُهُمْ إِلَى الْغَزْوِ لَأَفْرَدَهُمْ وَبَعَثَهُمْ.
(أَوْ يَأْمُرَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ.
(بِشَيْءٍ) أَيْ: مِنْ أُمُورِ النَّاسِ وَمَصَالِحِهِمْ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ أَوِ التَّخْصِيصِ لِبَعْضِ النَّاسِ، أَوْ لِبَعْضِ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ أَوْ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ.
(أَمَرَ بِهِ) أَيْ: لَأَمَرَ بِمَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ: وَلَيْسَ تَكْرَارًا لِلْأَمْرِ السَّابِقِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَخِيرِ الْأَمْرُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَعْثِ وَقَطْعِهِ مِنَ الْحَرْبِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهَا.
وَقَالَ الشَّارِحُ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْبَعْثُ: الْجَيْشُ الْمَبْعُوثُ إِلَى مَوْضِعٍ، مُصَدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ جَيْشًا إِلَى مَوْضِعٍ لَأَرْسَلَهُ، وَقِيلَ: قَطَعَهُ أَيْ: وَزَّعَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، أَوْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ مِنْ مَصَالِحِ النَّاسِ لَأَمَرَ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَمْ تَمْنَعْهُ الْخُطْبَةُ عَنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخُطْبَةِ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى الْإِمَامِ.
قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَةِ الْعِيدِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
قُلْتُ: كَلَامُ الْإِمَامِ إِذَا كَانَ مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَةِ الْأَنَامِ؟ ! (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أَيْ: يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.

✩✩✩✩✩✩✩

1427 – «وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1427 – (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ أَيْ: كَثِيرًا.
(بِغَيْرِ أَذَانٍ) أَيْ: مُتَعَارَفٍ.
(وَلَا إِقَامَةٍ) أَيْ: مَعْرُوفَةٍ.
بَلْ يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِيَخْرُجَ النَّاسُ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، وَهَذَا النِّدَاءُ مُسْتَحَبٌّ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا لِشَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ.
وَفِي الْأَزْهَارِ: بَلْ يُكْرَهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِحْدَاثِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْوُلَاةِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدِ مُعَاوِيَةُ.
وَقِيلَ: زِيَادٌ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

✩✩✩✩✩✩✩

1428 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1428 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) قَالَ التُّورْبِشْتِيُّ: ذِكْرُ الشَّيْخَيْنِ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيمَا يُقَرِّرُهُ مِنَ السُّنَّةِ، إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ لِتِلْكَ السُّنَّةِ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا.
قَدْ عَمِلَ الشَّيْخَانِ بِهَا بَعْدَهُ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يُغَيَّرْ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَيْسَ ذِكْرُهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِشْرَاكِ أَيْ: فِي التَّشْرِيعِ، مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ فِيهِ ذَلِكَ اهـ.
وَأَفْهَمَ سُكُوتُهُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَمَّا مَا فَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ مِنْ تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ لَمَّا كَانَ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي فِعْلِ عُثْمَانَ إِنْ صَحَّ ; لِأَنَّهُ كَانَ لِمُجَرَّدِ بَيَانِ الْجَوَازِ لَا لِإِدَامَةِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَرْوَانَ، فَإِنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْإِدَامَةَ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ اهـ.
وَقَوْلُهُ لِمُجَرَّدِ بَيَانِ الْجَوَازِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – لِجَوَازِهِ، فَبَيَّنَهُ بِفِعْلِهِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ سَهْوًا أَوْ وَهْمًا أَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى الْخُطْبَةِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّذْكِيرِ أَوِ الْإِعْلَامِ، لِعِلْمِهِ بِالْجَوَازِ، وَلِإِعْلَامِهِ أَهْلَ الْحِجَازِ بِأَنَّ عَمَلَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمُجَازِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّقْدِيمُ فِيهَا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَصَحِيحَةٌ اتِّفَاقًا، وَاعْتُذِرَ عَنْ مَرْوَانَ بِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرِ السُّنَّةَ عَنْهَا بَلْ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ سَبَقَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَكَذَا مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُمَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ إِنْ صَحَّ فَهُوَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ.
قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فِي تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ وَتَأْخِيرِهَا، أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضٌ وَالْعِيدَ نَفْلٌ، فَخُولِفَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَلَا يَرُدُّ خُطْبَةَ عَرَفَةَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَقُدِّمَتْ لِتَكْمِيلِ شُرُوطِهَا، بِخِلَافِ الْعِيدَيْنِ، وَأَيْضًا تُقَدَّمُ الشَّرَائِطُ عَلَى الصَّلَاةِ كَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ وَقْتَ الْعِيدِ أَوْسَعُ مِنْ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، وَالْوَقْتُ قَدْ تَضِيقُ فَقُدِّمَتِ الْخُطْبَةُ فِي الْجُمُعَةِ وَأُخِّرَتْ فِي غَيْرِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ، وَلَوْ أُخِّرَتْ فَرُبَّمَا ذَهَبُوا وَتَرَكُوا فَأَثِمُوا فَقُدِّمَتْ، وَتَقْدِيمُهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10] ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program

1429 – «وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْعِيدَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ، وَحُلُوقِهِنَّ، يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1429 – (وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشَهِدْتَ) فِي الْمَصَابِيحِ بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ: أَحَضَرْتَ؟ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْعِيدَ؟) أَيْ: صَلَاتَهُ.
(قَالَ: نَعَمْ) أَيْ: شَهِدْتُهُ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ.
(خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: إِلَى الْمُصَلَّى.
(فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قُعَيْدَةً ثُمَّ قَامَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ: وَمَا رُوِيَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ فِي الْعِيدِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ» ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَكْرِيرِ الْخُطْبَةِ شَيْءٌ، وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ.
(وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً) فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمْ يَذْكُرْهُمَا وَهُوَ بَعِيدٌ مَعْنًى، وَإِنْ قَرُبَ لَفْظًا.
(ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ) أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ.
(فَوَعَظَهُنَّ) أَيْ: خَوَّفَهُنَّ وَنَصَحَهُنَّ بِالْخُصُوصِ ; لِبُعْدِهِنَّ وَعَدَمِ سَمَاعِهِنَّ الْخُطْبَةَ.
(وَذَكَّرَهُنَّ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الْمُخْتَصَّةِ بِهِنَّ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ.
(وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) أَيْ: بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَوْ بِالزَّكَاةِ، أَوْ بِمُطْلَقِ الصَّدَقَةِ.
(فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ) : بِضَمِّ الْأَوَّلِ، وَكَسْرِ الثَّالِثِ.
فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ: أَهْوَى بِيَدِهِ إِلَيْهِ أَيْ: مَدَّهَا نَحْوَهُ وَأَمَالَهَا إِلَيْهِ، وَيُقَالُ: أَهْوَى يَدَهُ وَبِيَدِهِ إِلَى الشَّيْءِ لِيَأْخُذَهُ، أَيْ: يَقْصِدْنَ.
(إِلَى آذَانِهِنَّ) : بِالْمَدِّ جَمَعُ أُذُنٍ.
(وَحُلُوقِهِنَّ) : جَمْعُ حَلْقٍ، وَهُوَ الْحُلْقُومُ أَيْ: إِلَى مَا فِيهِمَا مِنَ الْقُرْطِ وَالْقِلَادَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحُلُوقُ جَمْعُ حَلْقَةٍ.
(يَدْفَعْنَ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِنَّ يَدْفَعْنَ مَا أَخَذْنَ مِنْ حُلُوقِهِنَّ.
(إِلَى بِلَالٍ) أَيْ: بِإِلْقَائِهِ فِي ثَوْبِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِيَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَطِيَّةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذَنْ زَوْجِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ قَالُوا: وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، وَاسْتِطَابَةِ نَفْسِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَالَ: ” «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» ” مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الرَّشِيدَةِ.
ذَكَرَهُ السَّيِّدُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ عَجِيبٌ إِذْ غَيْرُ الرَّشِيدَةِ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهَا بِإِذْنِ زَوْجٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، فَالْوَجْهُ إِنْ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَى الْإِعْطَاءِ مِنْ مَالِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِهِ، وَأَمَّا مَالُهَا فَإِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً جَازَ لَهَا مُطْلَقًا، أَوْ سَفِيهَةً امْتَنَعَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا اهـ.
أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْلَى، وَخُصَّ مِنْهُ أَمْرُ الْمَوْلَى، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَطِيَّةِ الْعُرْفِيَّةِ مِنَ الْهِبَةِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ بِنَاءً عَلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ، أَوْ عَلَى الصَّدَقَاتِ التَّطَوُّعِيَّةِ دُونَ الْوَاجِبَاتِ وَالْفَرْضِيَّةِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِتْيَانُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – النِّسَاءَ خَاصٌّ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَبٌ لَهُنَّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَطِيبَ لَا يَلْزَمُهُ خُطْبَةٌ أُخْرَى، قِيلَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ تُسَنُّ الصَّدَقَةُ فِي الْمَسْجِدِ خِلَافًا لِمَنْ حَرَّمَهَا أَوْ كَرِهَهَا.
وَفِي هَذَا الْأَخْذِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ بِالْمُصَلَّى خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَيِّنٌ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَنْ حَرَّمَهَا أَوْ كَرِهَهَا قَيَّدَ الْإِعْطَاءَ بِالسَّائِلِ مُطْلَقًا، أَوِ الْمُلِحِّ، أَوِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، أَوِ الْمُشْغَلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِعْطَاءُ الصَّدَقَةِ لِسُكَّانِ الْمَسْجِدِ مِنَ الْفُقَرَاءِ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِهِ، بَلْ فِي اسْتِحْبَابِهِ.
(ثُمَّ ارْتَفَعَ) أَيْ: ذَهَبَ وَأَسْرَعَ مُتَكَلِّفًا.
فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ رَفَعْتُ نَاقَتِي كَلَّفْتُهَا الْمَرْفُوعَ مِنَ السَّيْرِ، وَقِيلَ: أَيْ: ذَهَبَ وَانْصَرَفَ.
(هُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ) أَيْ: إِلَى بَيْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقِيلَ إِلَى بَيْتِ بِلَالٍ، وَهُوَ وَهْمٌ، قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ، وَنَقَلَهُ مِيرَكُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1430 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1430 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ) أَيْ: سُنَّةً، قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
(قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ.
(وَلَا بَعْدَهُمَا) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا النَّفْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُصَلَّى لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُكَرَهُ لِلْقَوْمِ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِفِعْلِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَيُكْرَهُ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِمَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ لِإِعْرَاضِهِ بِهِ عَنِ الْخَطِيبِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Success Habits

1431 – «وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ، وَذَوَاتَ الْخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَتَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: ” لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1431 – (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ: نَحْنُ مُعَاشِرَ النِّسَاءِ.
(أَنْ نُخْرِجَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ.
(الْحُيَّضَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ جَمْعُ حَائِضٍ أَيْ: الْبَالِغَاتِ مِنَ الْبَنَاتِ، أَوِ الْمُبَاشِرَاتِ بِالْحَيْضِ، مَعَ أَنَّهُنَّ غَيْرُ طَاهِرَاتٍ.
(يَوْمَ الْعِيدَيْنِ) : قَالَ الْمَالِكِيُّ: فِيهِ إِفْرَادُ الْيَوْمِ، وَهُوَ الْمُضَافُ إِلَى الْعِيدَيْنِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُثَنًّى وَنَحْوُ قَوْلِهِ: وَمَسَحَ أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا يَعْنِي: حَيْثُ أَفْرَدَ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَلَوْ رُوِيَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ عَلَى الْأَصْلِ لَجَازَ أَيْ: جَازَ أَنْ يَقُولَ: يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ أَوْ يَوْمَيِ الْعِيدِ.
(وَذَوَاتَ الْخُدُورِ) أَيْ: السُّتُورِ جَمْعُ خِدْرٍ، وَهُوَ السِّتْرُ عَطْفٌ عَلَى الْحُيَّضِ أَيِ: الَّتِي قَلَّ، خُرُوجُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَجَوَّزَ الزَّرْكَشِيُّ فِي ” تُخْرَجَ ” أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ التَّاءِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، فَالتَّقْدِيرُ أُمِرْنَا أَنْ تُخْرَجَ مِنَّا الْحُيَّضُ، وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، فَهُمَا مَرْفُوعَانِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الْعَوَاتِقَ بَدَلَ الْخُدُورِ جَمْعُ عَاتِقٍ أَيِ: الْبَالِغَاتُ ; لِأَنَّهُنَّ عُتِقْنَ عَنِ الْخِدْمَةِ أَوْ عَنْ قَهْرِ الْأَبَوَيْنِ.
(فَيَشْهَدْنَ) أَيْ: يَحْضُرْنَ.
(جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ) أَيْ: دُعَاءَهُمْ وَيُكَثِّرْنَ سَوَادَهُمْ.
(وَتَعْتَزِلُ) وَفِي رِوَايَةٍ: يَعْتَزِلْنَ بِإِثْبَاتِ النُّونِ عَلَى لُغَةٍ شَاذَّةٍ.
(الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ) أَيْ: تَنْفَصِلُ وَتَقِفُ فِي مَوْضِعٍ مُنْفَرِدَاتٍ لِئَلَّا يُؤْذِينَ غَيْرَهُنَّ بِدَمِهِنَّ أَوْ رِيحِهِنَّ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَرَ جَمِيعَ النِّسَاءِ بِحُضُورِ الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ لِتُصَلِّيَ مَنْ لَيْسَ لَهَا عُذْرٌ، وَتَصِلَ بَرَكَةُ الدُّعَاءِ إِلَى مَنْ لَهَا عُذْرٌ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلنَّاسِ فِي حُضُورِ الصَّلَوَاتِ، وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَمُقَارَبَةِ الصُّلَحَاءِ لِيَنَالَهُمْ بَرَكَتُهُمْ، وَهَذَا أَيْ: حُضُورُهُنَّ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي زَمَانِنَا لِظُهُورِ الْفَسَادِ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ لِيَوْمِ الْعِيدَيْنِ، فَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِخَبَرِ عَائِشَةَ: لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا أَحْدَثَتِ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَتَخْرُجُ الْعَجَائِزُ لِلْعِيدِ لَا الشَّوَابُّ اهـ.
وَهُوَ قَوْلٌ عَدْلٌ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، بِإِذْنِ حَلِيلِهَا مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ بِأَنْ لَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ، وَيَكُنَّ خَالِيَاتٍ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ، وَالْبَخُورِ وَالشُّمُومِ، وَالتَّبَخْتُرِ وَالتَّكَشُّفِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا أَحْدَثْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُلَازِمَاتٌ الْبُيُوتَ لَا يَخْرُجْنَ، وَوَجَّهَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَأُرِيدَ التَّكْثِيرُ بِهِنَّ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ اهـ.
وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُسَبَّبَ يَزُولُ بِزَوَالِ السَّبَبِ، وَلِذَا أُخْرِجَتِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا صَارَ مَنْسُوخًا فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ.
وَهُوَ تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ ذَلِكَ لَا يُجْدِي، إِذْ لَا بُدَّ فِي النَّسْخِ الَّذِي زَعَمَهُ مِنْ تَحَقُّقِ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ، وَمَعْرِفَةِ تَأَخُّرِهِ عَنِ الْمَنْسُوخِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَوَاطِنَ الْخَيْرِ، وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الصِّبْيَانِ.
كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْعِيدِ.
(قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا) أَيْ: مَا حُكْمُ وَاحِدَةٍ مِنَّا.
(لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟) : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: كِسَاءٌ تَسْتَتِرُ النِّسَاءُ بِهِ إِذَا خَرَجْنَ مِنْ بَيْتِهِنَّ.
قَالَ الْجَزَرِيُّ: الْجِلْبَابُ الْإِزَارُ، وَفِي تَاجِ الْأَسَامِي: هُوَ الرِّدَاءُ.
(قَالَ: ” لِتُلْبِسْهَا “) : أَمْرٌ مِنَ الْإِلْبَاسِ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ.
(” صَاحِبَتُهَا “) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ.
(” مِنْ جِلْبَابِهَا “) : قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ أَيْ: تُعِيرُهَا مِنْ ثِيَابِهَا مَا لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَشْرِيكُهَا مَعَهَا فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الَّذِي عَلَيْهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ: ” «تُلْبِسُهَا صَاحِبَتُهَا طَائِفَةً مِنْ ثَوْبِهَا» “، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: يَخْرُجْنَ وَلَوِ اثْنَتَانِ فِي جِلْبَابٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْجِلْبَابِ، قِيلَ: هُوَ الْمِقْنَعَةُ، أَوِ الْخِمَارُ، أَوْ أَعْرَضُ مِنْهُ، وَقِيلَ: الثَّوْبُ الْوَاسِعُ يَكُونُ دُونَ الرِّدَاءِ، وَقِيلَ: الْإِزَارُ، وَقِيلَ: الْمِلْحَفَةُ، وَقِيلَ: الْمُلَاءَةُ.
وَقِيلَ: الْقَمِيصُ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجِنْسِيَّةِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالشَّخْصِيَّةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ ثَوْبًا وَاسِعًا قَابِلًا لِلِاشْتِرَاكِ، فَتَقْطَعُهُ وَتُعْطِي صَاحِبَتَهَا بَعْضَهُ بِالْمِلْكِيَّةِ أَوِ الْعَارِيَّةِ، وَفِيهِ الْمُبَالَغَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْحَثُّ عَلَى الْمَكَارِمِ الْجَسِيمَةِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

viasil

1432 – «وَعَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وَالنَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: ” دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ; فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1432 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا) : التَّعْبِيرُ بِأَبِي بَكْرٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الرَّاوِي لِتَجْوِيزِ نَقْلِ الْمَعَانِي كَقَوْلِهِ: (وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ) أَيْ: بِنْتَانِ صَغِيرَتَانِ، أَوْ خَادِمَتَانِ مَمْلُوكَتَانِ، وَصَحَّ أَنَّ إِحْدَاهُمَا كَانَ اسْمُهَا حَمَامَةَ.
(فِي أَيَّامِ مِنًى) : بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ، وَقِيلَ يَنْصَرِفُ أَيْ: أَيَّامِ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ.
(تُدَفِّفَانِ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: تَضْرِبَانِ بِالدُّفِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ، الدَّفُّ: الْجَنْبُ، وَمِنْهُ دَفَّتَا الْمُصْحَفِ لِمُشَابَهَتِهِمَا بِجَنْبَيْنِ، وَالدُّفُّ بِالضَّمِّ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مُتَّخَذٌ مِنْ جِلْدِ الْجَنْبِ اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ: الدُّفُّ، بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَعْرُوفٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الدَّفُّ، بِالْفَتْحِ الْجَنْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَوْ صَفْحَتُهُ، وَالَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، وَالضَّمُّ أَعْلَى.
(وَتَضْرِبَانِ) أَيْ: بِالدُّفِّ، فَيَكُونُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ تَكْرَارٌ لِزِيَادَةِ الشَّرْحِ، وَقِيلَ تَرْقُصَانِ مِنْ ضَرْبِ الْأَرْضِ وَوَطْئِهَا اهـ.
وَقِيلَ: تَضْرِبَانِ عَلَى الْكَفِّ يَعْنِي تَارَةً وَتَارَةً.
(وَفِي رِوَايَةٍ: تُغَنِّيَانِ) أَيْ: بَدَلَ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ، فَيَكُونُ حَالًا بِأَنْ تَرْفَعَا أَصْوَاتَهُمَا بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ قَرِيبًا مِنَ الْحُدَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ” وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ” أَيْ: لَا تُحْسِنَانِ الْغِنَاءَ وَلَا اتَّخَذَتَاهُ كَسْبًا وَصَنْعَةً، أَوْ لَا تُعْرَفَانِ بِهِ، أَوْ لَيْسَتَا كَعَادَةِ الْمُغَنِّيَاتِ مِنَ التَّشْوِيقِ إِلَى الْهَوَى، وَالتَّعْرِيضِ بِالْفَاحِشَةِ، وَالتَّشْبِيبِ بِالْجَمَالِ الدَّاعِي إِلَى الْفِتْنَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(بِمَا) وَفِي رِوَايَةٍ: مِمَّا.
(تَقَاوَلَتْ) : تَفَاعَلَ مِنَ الْقَوْلِ أَيْ: تَنَاشَدَتْ وَتَفَاخَرَتْ بِهِ.
(الْأَنْصَارُ) أَيْ: بِمَا يُخَاطِبُ الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْحَرْبِ مِنَ الْأَشْعَارِ الَّتِي تَفَاخَرَ فِيهَا الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ.
(يَوْمَ بُعَاثَ) : بِضَمِّ الْبَاءِ، اسْمُ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلَيْنِ، وَالْأَشْهَرُ فِيهِ تَرْكُ الصَّرْفِ قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ.
وَفِي النِّهَايَةِ: بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَنْ قَالَ بِالْمُعْجَمَةِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَهُوَ اسْمُ حِصْنٍ لِلْأَوْسِ جَرَى الْحَرْبُ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِنْدَ هَذَا الْحِصْنِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ فِيهِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَتِ النُّصْرَةُ لِلْأَوْسِ، وَاسْتَمَرَّتْ بَيْنَهُمَا مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً حَتَّى زَالَتْ بِيُمْنِ قُدْمِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ – عَزَّ وَجَلَّ: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103] .
(وَالنَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُتَغَشٍّ) أَيْ: مُتَغَطٍّ وَمُلْتَفٌّ.
(بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: زَجَرَهُمَا بِكَلَامٍ غَلِيظٍ عَنِ الْغِنَاءِ بِحَضْرَتِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِنْ مَنْعِ اللَّهْوِ وَالْغِنَاءِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَرَّرَهُنَّ عَلَى هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ.
(فَكَشَفَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: ” دَعْهُمَا “) أَيِ: اتْرُكْهُمَا.
(” يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا “) أَيْ: أَيَّامُ مِنًى أَوِ الْأَيَّامُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا.
(” أَيَّامُ عِيدٍ “) : سَمَّاهَا عِيدًا لِمُشَارَكَتِهَا يَوْمَ الْعِيدِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الصَّوْمِ فِيهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي مَقَالِهِ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: أَيَّامُ سُرُورٍ وَفَرَحٍ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَتِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجَازَتِ الصَّحَابَةُ غِنَاءَ الْعَرَبِ الَّذِي فِيهِ نِشَادٌ وَتَرَنُّمٌ وَالْحُدَاءَ، وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَتِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – وَبَعْدَهُ، وَمِثْلُهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ الْغِنَاءِ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَلَا يُجَرِّحُ الشَّاهِدَ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوَاضِعَ الصَّالِحِينَ تُنَزَّهُ عَنِ اللَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْمٌ، وَأَنَّ التَّابِعَ لِلْكَبِيرِ إِذَا رَأَى بِحَضْرَتِهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ يُنْكِرُهُ إِجْلَالًا لِلْكَبِيرِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: ” يَا أَبَا بَكْرٍ “) : كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ حَرْفِ النِّدَاءِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إِشَارَةً إِلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ الْقِيَاسُ الْخَطِّيُّ، وَالثَّانِيَ الرَّسْمُ الْقُرْآنِيُّ.
(” إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ “) أَيْ: مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنَ الْأَقْوَامِ الْمُبْطِلَةِ.
(” عِيدًا “) : كَالنَّيْرُوزِ لِلْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ، وَجَعَلَ عُلَمَاؤُنَا التَّشَبُّهَ بِهِمْ كَلُبْسِ ثِيَابِ الزِّينَةِ، وَلُعْبِ الْبَيْضِ، وَصَبْغِ الْحِنَّاءِ، وَاللَّهْوِ وَالْغِنَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لِلْيَوْمِ كُفْرًا.
(” وَهَذَا “) أَيْ: هَذَا الْوَقْتُ.
(” عِيدُنَا “) أَيْ: مَعَاشِرَ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا اعْتِذَارٌ مِنْهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – بِأَنَّ إِظْهَارَ السُّرُورِ فِي يَوْمِ الْعِيدَيْنِ شِعَارُ أَهْلِ الدِّينِ، وَلَيْسَ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كَانَ الشِّعْرُ الَّذِي تُغَنِّيَانِ بِهِ فِي وَصْفِ الْحَرْبِ وَالشَّجَاعَةِ، وَفِي ذِكْرِهِ مَعُونَةٌ بِأَمْرِ الدِّينِ، وَأَمَّا الْغِنَاءُ بِذِكْرِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ مِنَ الْقَوْلِ، فَهُوَ الْمَحْظُورُ مِنَ الْغَنَاءِ، وَحَاشَا أَنْ يَجْرِيَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ وَضَرْبَ الدُّفِّ غَيْرُ مَحْظُورٍ لَكِنْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ.
أَمَّا الْإِدْمَانُ عَلَيْهِ فَمَكْرُوهٌ، وَمُسْقِطٌ لِلْعَدَالَةِ، مَاحٍ لِلْمُرُوءَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الدُّفِّ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَلَاجِلُ، وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَأَنَّ إِنْشَادَ الشِّعْرِ الَّذِي لَيْسَ بِهَجْوٍ وَلَا سَبٍّ جَائِزٌ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِيخَانَ: اسْتِمَاعُ صَوْتِ الْمَلَاهِي كَالضَّرْبِ بِالْقَضِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَرَامٌ وَمَعْصِيَةٌ لِقَوْلِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – ” «اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي مَعْصِيَةٌ، وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِسْقٌ، وَالتَّلَذُّذُ بِهَا مِنَ الْكُفْرِ» ” إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ، وَإِنْ سَمِعَ بَغْتَةً فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ كُلَّ الْجُهْدِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ أَشْعَارِ الْعَرَبِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْفِسْقِ وَالْخَمْرِ وَالْغُلَامِ مَكْرُوهٌ ; لِأَنَّهُ ذِكْرُ الْفَوَاحِشِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1433 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1433 – (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَغْدُو) أَيْ: لَا يَخْرُجُ إِلَى الْمُصَلَّى.
(يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ) : مِنْ ثَلَاثٍ إِلَى عَشْرٍ.
(وَيَأْكُلَهُنَّ) : بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ.
(وِتْرًا) أَيْ: ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ تِسْعًا.
قَالَ الْأَشْرَفُ: لَعَلَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – أَسْرَعَ بِالْإِفْطَارِ يَوْمَ الْفِطْرِ لِيُخَالِفَ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الْإِفْطَارَ فِي سَلْخِ رَمَضَانَ حَرَامٌ، وَفِي الْعِيدِ وَاجِبٌ، وَلَمْ يُفْطِرْ فِي الْأَضْحَى قَبْلَ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ اهـ.
وَهُوَ كَوْنُ مُخَالَفَةِ الْفِعْلِ مُشْعِرَةٌ بِمُخَالَفَةِ الْحُكْمِ، وَأَيْضًا سَبَبُ التَّأْخِيرِ فِي الْأَضْحَى لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ أَوَّلًا.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ” فِيهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ جُمْلَةَ: ” وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا ” رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقِ التَّعْلِيقِ، وَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرْوِيهِ مَوْصُولًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مَوْصُولًا مُسْنَدًا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ مُرَجَّى بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الْمُنْصِفِ: أَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بَيَانَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَوْصُولَاتِ وَالْمُعَلَّقَاتِ فِي دِيبَاجَةِ الْكِتَابِ، لَكِنَّ مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالَاتِهِ فِي بَيَانِ الْمُخَرَّجِ يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ حَيْثُ قَالَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِالْتِزَامَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ التَّامِّ، وَأَمَّا فِي الْبَعْضِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْكَلَامِ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ الْتِزَامٌ فَمَا عَلَيْهِ الْإِلْزَامُ.

✩✩✩✩✩✩✩

testogen

1434 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1434 – (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ) أَيْ: رَجَعَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الْخُرُوجِ، قِيلَ: وَالسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ مِنْهَا: أَنْ يَشْمَلَ أَهْلَ الطَّرِيقَيْنِ بَرَكَتُهُ وَبَرَكَةُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتَفْتِيَ مِنْهُ أَهْلُ الطَّرِيقَيْنِ.
وَمِنْهَا: إِشَاعَةُ ذِكْرِ اللَّهِ، وَمِنْهَا: التَّحَرُّزُ عَنْ كَيْدِ الْكُفَّارِ.
وَمِنْهَا اعْتِيَادُ أَخْذِهِ ذَاتَ الْيَمِينِ حَيْثُ عَرَضَ لَهُ سَبِيلَانِ، وَمِنْهَا: أَخْذُ طَرِيقٍ أَطْوَلَ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْعِبَادَةِ لِيُكْثِرَ خُطَاهُ فَيَزِيدَ ثَوَابُهُ، وَأَخْذُ طَرِيقٍ أَخْصَرَ لِيُسْرِعَ إِلَى مَثْوَاهُ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَعَدُّدِ الطَّرِيقِ ; لِأَنَّ طُولَ الطَّرِيقِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ، نَعَمْ هَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِاخْتِيَارِ الْأَطْوَلِ عَلَى الْأَخْصَرِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الْأَقْرَبَ مُبَادَرَةً إِلَى الطَّاعَةِ، وَمُسَارَعَةً إِلَى الْعِبَادَةِ، بِخِلَافِ حَالِ الْمُرَاجَعَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى فُقَرَاءَ الطَّرِيقَيْنِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَزُورَ قُبُورَ أَقَارِبِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَزْدَادَ الْمُنَافِقُونَ غَيْظًا إِلَى غَيْظِهِمْ.
وَمِنْهَا: التَّفَاؤُلُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكْثُرَ الِازْدِحَامُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ عَدَمَ التَّكْرَارِ أَنْشَطُ عِنْدَ طِبَاعِ الْأَنَامِ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ: أَنَّ الْجُمْهُورَ رَوَوْهُ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، لَا كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

✩✩✩✩✩✩✩

islamship-banner flat

1435 – «وَعَنِ الْبَرَاءِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ، عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1435 – (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ: فِي الْمَدِينَةِ.
(فَقَالَ) أَيْ: فِي خُطْبَتِهِ.
(إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
(بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَجْوَدُ أَنْ تَكُونَ (أَنْ) وَمَدْخُولُهَا اسْمَ (إِنَّ) اهـ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ نَصْبِ أَوَّلِ الْمُوَافِقِ لِلْمُتَبَادِرِ، ثُمَّ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَوَّلِ، وَمَا نَبْدَأُ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ.
(ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ) : بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَيُرْفَعَانِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمُرَادُ بِالنَّحْرِ هُنَا الَّذِي هُوَ فِي لَبَّةِ الْإِبِلِ مَا يَشْمَلُ الذَّبْحَ، وَهُوَ مَا فِي الْحَلْقِ مُطْلَقًا، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ نُصَلِّيَ صَلَاةَ الْعِيدِ الْمُسْتَتْبِعَةَ لِلْخُطْبَتَيْنِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَيْ: لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخُطْبَةِ: أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ.
إِلَخْ مُشْعِرٌ بِتَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ، لَكِنْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – صَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ، فَهُوَ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ ثُمَّ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ عَلَى الذَّبْحِ هُوَ الْمَشْرُوعُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي مُخَالَفَتُهُ.
(فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ عَلَى الذَّبْحِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الصَّلَاةُ مَعَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ حِينَئِذٍ التَّقَابُلُ بَيْنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَالَ: أَيْ: مَضَى عَلَيْهِ قَدْرُ فِعْلِ ذَلِكَ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – ; لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ مَعَ صِحَّتِهِ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْمُجَازِيِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَقِيقِيِّ فَأَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) أَيْ: طَرِيقَتَنَا، وَصَادَفَ شَرِيعَتَنَا، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ.
ثُمَّ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ وَمَضَى بَعْدَهُ قَدْرُ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِفِعْلِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَهُ جَازَ سَوَاءٌ صَلَّى الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يُصَلِّ، فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَصْرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا إِلَى يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيْ: وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَخَذَ أَصْحَابُنَا أَنَّ وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ إِذَا مَضَى عَقِبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِنَاءً عَلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِيدِ بِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا، أَوْ بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا كَرُمْحٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، بَلْ قَالَ الْإِمَامُ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي صِحَّةِ كَوْنِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَأْخَذَهُمْ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ لَا دَلَالَةَ فِيهَا أَصْلًا، وَلَا شَكَّ فِي حَمْلِ فِعْلِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، هَذَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الشُّرُوقِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ وَاجِبَةٌ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي حَقِّ الْمِصْرِيِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْقُرَى اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُعْتَدُّ بِالذَّبْحِ قَبْلَ فَجْرِ النَّحْرِ إِجْمَاعًا اهـ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَدَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، فِي شَرْطِ صِحَّةِ الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ وَيَخْطُبَ، وَيُؤَيِّدُهُمْ قَوْلُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا وَمَنْطُوقًا بِمَا فُهِمَ مَفْهُومًا.
(وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْمَذْبُوحُ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَبَحَ.
(شَاةُ لَحْمٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ، أَيْ: شَاةٌ هِيَ لَحْمٌ، وَالتَّعْبِيرُ بِالشَّاةِ لِلْغَالِبِ ; إِذِ الْبَقَرُ وَالْإِبِلُ كَذَلِكَ.
(عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ) : فَإِنَّ الشَّاةَ شَاتَانِ: شَاةٌ يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، وَشَاةُ نُسُكٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى.
(لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ) : بِضَمَّتَيْنِ أَيْ: لَيْسَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي فِيهَا الثَّوَابُ.
(فِي شَيْءٍ) : وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى الرَّأْيِ السَّدِيدِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ قَالَهُ مِيْرَكُ.

✩✩✩✩✩✩✩

You Can Do It

1436 – وَعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1436 – (وَعَنْ جُنْدَبٍ) : بِضَمِّهِمَا وَفَتْحِ الدَّالِ.
(ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى بَجِيلَةَ كَحَنِيفَةَ.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ ذَبَحَ) أَيْ: أُضْحِيَّتَهُ.
(قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى) : فَإِنَّ الْأُولَى لَا تُحْسَبُ مِنَ النُّسُكِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَتَأْوِيلُ ابْنِ حَجَرٍ قَوْلَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَبْلَ الصَّلَاةِ.
بِقَوْلِهِ: قَبْلَ مُضِيِّ قَدْرِ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ فِي حَقِّ الْمِصْرِيِّ.
(وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ) أَيْ: ذَبْحًا صَحِيحًا حَالَ كَوْنِهِ كَائِنًا مَذْكُورًا عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ وُجُوبًا عِنْدَنَا، نَدْبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program

1437 – وَعَنِ الْبَرَاءِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1437 – (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ» ) أَيْ: لِأَكْلِهِ فَقَطْ، لَا عَنِ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي لِلْقُرْبَةِ.
( «وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ» ) أَيْ: صَحَّ أُضْحِيَّتُهُ.
(وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: وَافَقَ طَرِيقَتَهُمْ، وَصَادَفَ شَرِيعَتَهُمْ، وَالْغَرِيبُ مِنَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مَعَ نُصُوصِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَصِحَّةِ رِوَايَاتِهَا، وَوُضُوحِ دَلَالَتِهَا، كَيْفَ خَالَفَ الْجُمْهُورَ؟ ! وَمَا الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى صَرْفِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا وَحَقِيقَتِهَا؟ ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا ذَلِكَ بِزَمَنِ الصَّلَاةِ دُونَ فِعْلِهَا الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ أَضْبَطُ لِلنَّاسِ فِي الْأَمْصَارِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَصْلُحُ لِلْعُدُولِ عَنِ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ الْأَمْصَارِ.
نَعَمْ يُرْتَكَبُ الْمَجَازُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْقُرَى مَعَ وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى أَهْلِهَا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Phones and Tablets

1438 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1438 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَذْبَحُ) أَيِ: الْبَقَرَةَ أَوِ الشَّاةَ.
(وَيَنْحَرُ) أَيِ: الْإِبِلَ.
(بِالْمُصَلَّى) : لِإِظْهَارِ الْأُضْحِيَّةِ لِيُقْتَدَى بِهِ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيْرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

✩✩✩✩✩✩✩

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program


**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
” 1439 – عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: (مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ) ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
” 1439 – (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ) أَيْ: مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
(وَلَهُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْلَا اسْتِدْعَاءُ الرَّاجِعِ مِنَ الْحَالِ أَعْنِي: وَلَهُمْ لَكَانَتْ لَنَا مَنْدُوحَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ اهـ.
يَعْنِي: وَلَقُلْنَا لِلْأَنْصَارِ أَوْ لِلْأَصْحَابِ.
(يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا) : وَهُمَا: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، وَيَوْمُ الْمِهْرَجَانِ.
كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ.
وَفِي الْقَامُوسِ: النَّيْرُوزُ: أَوَّلُ يَوْمِ السَّنَةِ مُعَرَّبُ نَوْرُوزٍ.
قُدِّمَ إِلَى عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – شَيْءٌ مِنَ الْحَلَاوِي فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: لِلنَّيْرُوزِ.
فَقَالَ: نَيْرُوزُنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَفِي الْمِهْرَجَانِ قَالَ: مِهْرَجَانُنَا كُلَّ يَوْمٍ اهـ.
وَالنَّوْرُوزُ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ فِيهِ إِلَى بُرْجِ الْحَمَلِ، وَهُوَ أَوَّلُ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، كَمَا أَنَّ غُرَّةَ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ أَوَّلُ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ.
وَأَمَّا مِهْرَجَانُ، فَالظَّاهِرُ بِحُكْمِ مُقَابَلَتِهِ بِالنَّيْرُوزِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ يَوْمِ الْمِيزَانِ، وَهُمَا يَوْمَانِ مُعْتَدِلَانِ فِي الْهَوَاءِ، لَا حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ، وَيَسْتَوِي فِيهِمَا) اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَكَانَ الْحُكَمَاءُ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُتَعَلِّقِينَ بِالْهَيْئَةِ اخْتَارُوهُمَا لِلْعِيدِ فِي أَيَّامِهِمْ، وَقَلَّدَهُمْ أَهْلُ زَمَانِهِمْ ; لِاعْتِقَادِهِمْ بِكَمَالِ عُقُولِ حُكَمَائِهِمْ، فَجَاءَ الْأَنْبِيَاءُ، وَأَبْطَلُوا مَا بَنَى عَلَيْهِ الْحُكَمَاءُ.
(فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا أَيْ: فِي الْيَوْمَيْنِ.
(فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ أَيَّامِ الْإِسْلَامِ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ.
(أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا) : الْبَاءُ هُنَا دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ أَيْ: جَعَلَ لَكُمْ بَدَلًا عَنْهُمَا خَيْرًا.
(مِنْهُمَا) أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَخَيْرًا لَيْسَتْ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ ; إِذْ لَا خَيْرِيَّةَ فِي يَوْمَيْهِمَا.
(يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ) : وَقَدَّمَ الْأَضْحَى ; فَإِنَّهُ الْعِيدُ الْأَكْبَرُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
نُهِيَ عَنِ اللَّعِبِ وَالسُّرُورِ فِيهِمَا أَيْ: فِي النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، وَفِيهِ نِهَايَةٌ مِنَ اللُّطْفِ، وَأَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ ; لِأَنَّ السُّرُورَ الْحَقِيقِيَّ فِيهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58] قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَعْظِيمَ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ وَغَيْرِهِمَا أَيْ: مِنْ أَعْيَادِ الْكُفَّارِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ الْحَنَفِيُّ: مَنْ أَهْدَى فِي النَّيْرُوزِ بَيْضَةً إِلَى مُشْرِكٍ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَحَاسِنَ: الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَنَفِيُّ: مَنِ اشْتَرَى فِيهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِيهِ فِي غَيْرِهِ، أَوْ أَهْدَى فِيهِ هَدِيَّةً إِلَى غَيْرِهِ فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ تَعْظِيمَ الْيَوْمِ كَمَا يُعَظِّمُهُ الْكَفَرَةُ فَقَدْ كَفَرَ، وَإِنْ أَرَادَ بِالشِّرَاءِ التَّنَعُّمَ وَالتَّنَزُّهَ، وَبِالْإِهْدَاءِ التَّحَابَّ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ، لَمْ يَكُنْ كُفْرًا لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّشَبُّهِ بِالْكَفَرَةِ، حِينَئِذٍ فَيُحْتَرَزُ عَنْهُ اهـ.
وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَيَجْعَلُونَ أَيْضًا أَيَّامَ دُخُولِ الْكَعْبَةِ عِيدًا، وَلَيْسَ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ، إِلَّا أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْخَوَارِجِ، بِإِظْهَارِ السُّرُورِ، كَمَا أَنَّ إِظْهَارَ آثَارِ الْحُزْنِ مِنْ شِيَمِ الرَّوَافِضِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَهْوَنَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُمَا ; فَإِنَّهُمَا مِنَ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ، ظَهَرَتْ فِي أَيَّامِ مَنَاصِبِ النَّوَاصِبِ، وَزَمَانِ غَلَبَةِ الشِّيعَةِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ بِحَمْدِ اللَّهِ غَافِلُونَ عَنْهُمَا، غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِأَحْوَالِهِمَا، وَشَارَكَتِ الرَّافِضَةُ الْمَجُوسِيَّةَ أَيْضًا فِي تَعْظِيمِ النَّيْرُوزِ ; مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَتَقَرَّرَتِ الْخِلَافَةُ لِعَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الشَّنَاعَةِ لِلِاحْتِرَازِ وَالِاحْتِرَاسِ عَنِ الشَّبَاهَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ أَهْلُ مِصْرَ وَنَحْوُهُمْ، فَإِنَّ لِمَنْ بِهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَعْظِيمًا خَارِجًا عَنِ الْحَدِّ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى صُوَرِ تِلْكَ التَّعْظِيمَاتِ، كَالتَّوَسُّعِ فِي الْمَأْكُولِ، وَالزِّينَةِ عَلَى طِبْقِ مَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ، وَمِنْ ثَمَّ أَعْلَنَ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِّ الْمَالِكِيُّ فِي مَدْخَلِهِ، وَبَيَّنَ تِلْكَ الصُّوَرَ، وَكَيْفِيَّةَ مُوَافَقَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ فِيهَا، بَلْ قَالَ: إِنَّ بَعْضَ عُلَمَائِهَا قَدْ تَحْكُمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ فِي أَنْ يَفْعَلَ لَهَا نَظِيرَ مَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ فِي أَعْيَادِهِمْ فَيُطِيعُهَا، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، ذَكَرَهُ مِيْرَكُ.

Business and Website Traffic

✩✩✩✩✩✩✩

1440 – وَعَنْ بُرَيْدَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.

1440 – (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) بِالتَّصْغِيرِ.
(قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ» ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ: يَأْكُلَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ تَقْدِيمِ الْأَكْلِ عَلَى الصَّلَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ ذَلِكَ الْمَطْعُومِ حُلْوًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ.
قَالَ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَ حِبَرَةٍ فِي كُلِّ عِيدٍ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: «كَانَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ حُلَّةً حَمْرَاءَ» اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَوْبَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ، فِيهِمَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَخُضْرٌ، لَا أَنَّهُ أَحْمَرُ بَحْتٌ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ الْبُرْدَةِ أَحَدَهُمَا اهـ.
وَالْحِبَرَةُ عَلَى وَزْنِ الْعِنَبَةِ ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ، وَيُحَرَّكُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ.
( «وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» ) : مُوَافَقَةً لِلْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُمْ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُمُ النَّاسُ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ.
وَقِيلَ: لِيَكُونَ أَوَّلُ مَا يَطْعَمُ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ; فَيَكُونَ أَكْلُهُ مَبْنِيًّا عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ، سَوَاءٌ قِيلَ بِوُجُوبِهِ أَوْ سُنِّيَّتِهِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) :.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.
وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ بُرَيْدَةَ، وَزَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَحْمَدُ: فَيَأْكُلُ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ، وَصَحَّحَ زِيَادَةَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا.

✩✩✩✩✩✩✩

1441 – وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.

1441 – (وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: عَنْ جَدِّ كَثِيرٍ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.
( «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى» ) أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
(سَبْعًا) : أَيْ: غَيْرَ تَكْبِيرَةِ التَّحْرِيمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ.
(قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا) أَيْ: غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ.
(قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: السَّبْعُ فِي الْأُولَى غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَالْخَمْسُ فِي الثَّانِيَةِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِ.
وَالْخَمْسِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأُولَى: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ اهـ.
وَسَيَأْتِي دَلِيلُهُ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَجَدُّ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ: تِسْعُ تَكْبِيرَاتٍ، فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، يُكَبِّرُ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا مَعَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ اهـ.
كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى مَا نَقَلَهُ مِيْرَكُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ، فَيَكُونُ الْخَمْسُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، فَفِي تَعْبِيرِهِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ نَوْعُ مُسَامَحَةٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْهُمَامِ ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا فَقَالَ: أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ تِسْعًا: أَرْبَعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ فَإِذَا فَرَغَ كَبَّرَ أَرْبَعًا ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ طُرُقًا أُخَرَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوُ هَذَا.
وَهَذَا أَثَرٌ صَحِيحٌ قَالَهُ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِثْلُ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الرَّفْعِ ; لِأَنَّهُ مِثْلُ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ سِرًّا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ لَا قَبْلَ الْأُولَى بَعْدَ الْأَخِيرَةِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لِأَثَرٍ فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلًا وَفِعْلًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ اهـ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
(وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ) قَالَ مِيْرَكُ.
نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ الْمَدَنِيُّ، ضَعَّفُوهُ، لَكِنْ حَسُنَ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَاعَةِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ نَقْلًا عَنِ التَّخْرِيجِ، قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي كِتَابِ الْعِلَلِ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

أَقُولُ: وَفِي هَذَا عَنِ الْبُخَارِيِّ عِنْدِي نَظَرٌ، فَإِنَّ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَّابٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ، وَكَذَّبَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِالْمَتِينِ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ اعْتَضَدَ عِنْدَ مَنْ صَحَّحَهُ بِشَاهِدٍ وَأُمُورٍ قَدْ خَفِيَتْ، وَكَذَلِكَ تَصْحِيحُ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مَشْهُورٌ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرُهُ الضَّعْفُ، وَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1442 – وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا: «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلَّوْا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ» .
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.

1442 – (وَعَنْ جَعْفَرٍ) أَيِ: الصَّادِقِ.
(بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ: الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
(مُرْسَلًا) : سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ.
( «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا» ) أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
(وَخَمْسًا) : فِي الثَّانِيَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ.
(وَصَلَّوْا قَبْلَ الْخُطْبَةِ) أَيْ: فِي الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمَنْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِمُجَرَّدِ حُظُوظِ نُفُوسِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا النَّاسَ بِانْقِضَاءِ الصَّلَاةِ يَنْفَضُّونَ عَنْهُمْ، وَلَا يَسْمَعُونَ خُطْبَتَهُمْ لِجَوْرِهِمْ وَتَجَبُّرِهِمْ، قَصَدُوا أَنْ يُقَدِّمُوهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيَسْمَعَهَا النَّاسُ.
(وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ) أَيْ: فِيهِمَا.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ اتِّفَاقٌ بَلْ حُكِيَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ صَاحِبُ التَّخْرِيجِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ.
وَأَخْرَجَهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَلَفْظُهُ «عَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ» ، وَمِثْلُهُ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ لِلشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا، أَمَّا عَلَى مَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَيَذْكُرُ قَوْلَهُ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْمُسْنَدِ فَلِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُتَكَلَّفَ، وَيُقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مُرْسَلًا إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ عَنْ عَلِيٍّ لَا إِرْسَالَ جَعْفَرٍ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوِ الْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ الِانْقِطَاعُ سَوَاءً كَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ أَخْرَجَهُ فِي تَصْنِيفٍ آخَرَ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيْرَكُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1443 – وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ.
فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1443 – (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، «قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟» ) أَيْ: فِي صَلَاتِهِمَا.
(فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ) : أَيْ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
(أَرْبَعًا) أَيْ: مُتَوَالِيَةً، وَالْمَعْنَى مَعَ تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَمَعَ تَكْبِيرِ الرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ.
(تَكْبِيرُهُ) أَيْ: مِثْلَ عَدَدِ تَكْبِيرِهِ.
(عَلَى الْجَنَائِزِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ الْأَرْبَعَةَ مِنْهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَالزَّوَائِدُ إِنَّمَا هُوَ ثَلَاثَةٌ اهـ.
وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ الزَّوَائِدَ ثَلَاثَةٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الزَّوَائِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَةٌ، فَالتَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ فَقَطْ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، خِلَافًا لِتَقْدِيرِ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: مِثْلَ تَكْبِيرِهِ عَلَى الْجَنَائِزِ.
(فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ) أَيْ: أَبُو مُوسَى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : زَادَ ابْنُ الْهُمَامِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَذَلِكَ كُنْتُ أُكَبِّرُ فِي الْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِحَدِيثَيْنِ إِذْ تَصْدِيقُ حُذَيْفَةَ رِوَايَةٌ لِمِثْلِهِ، وَسُكُوتُ أَبِي دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيِّ.
تَصْحِيحٌ أَوْ تَحْسِينٌ مِنْهُمَا قَالَ: وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَنَعَ الْقَوْلَ بِتَصْحِيحِهِ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ، وَأَوَّلَهُ وَقَالَ: وَنَحْنُ وَإِنْ خَرَجْنَا عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، لَكِنْ أَوْجَبَهُ أَنَّهُ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَتْرُوكٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُسَاوِي شَيْئًا، وَضَرَبَ عَلَى حَدِيثِهِ فِي الْمُسْنَدِ، وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ: مَتْرُوكٌ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَاهِي الْحَدِيثِ، وَأَفْظَعَ فِيهِ الْقَوْلَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَيْسَ فِي تَكْبِيرَةِ الْعِيدَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا آخُذُ فِيهَا بِفِعْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُهُ قُلْنَا: غَايَتُهُ الْمُعَارَضَةُ، وَيَتَرَجَّحُ أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَعَارِضٌ، فَرُوِيَ عَنْهُ كَمَذْهَبِهِمْ، وَرُوِيَ عَنْهُ كَمَذْهَبِنَا، فَاضْطَرَبَ الْمَرْوِيُّ، وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَوْ لَمْ يَسْلَمْ كَانَ مُقَدَّمًا، فَكَيْفَ وَهُوَ سَالِمٌ لِاضْطِرَابِ مُعَارِضِهِ اهـ.
مُلَخَّصًا.
وَاتَّفَقُوا عَلَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَاتِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيُسْكَتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ قَدْرَ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ ; فَإِنَّ الْمُوَالَاةَ تُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ عَلَى النَّاسِ، وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ عِنْدَنَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.

✩✩✩✩✩✩✩

1444 – وَعَنِ الْبَرَاءِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نُووِلَ يَوْمَ الْعِيدِ قَوْسًا فَخَطَبَ عَلَيْهِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1444 – (وَعَنِ الْبَرَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نُووِلَ) : عَلَى وَزْنِ نُودِيَ، مَجْهُولُ نَاوَلَ أَيْ: أُعْطِيَ فِي يَدِهِ.
(يَوْمَ الْعِيدِ قَوْسًا، فَخَطَبَ عَلَيْهِ) : وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمِنْبَرَ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ حَدَثَ بَعْدَهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيْرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1445 – وَعَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا: «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ إِذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عِتْرَتِهِ اعْتِمَادًا» .
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.

1445 – (وَعَنْ عَطَاءٍ) أَيِ: ابْنِ يَسَارٍ، تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ.
(مُرْسَلًا) : كَانَ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ.
(أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ إِذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عِتْرَتِهِ) : هِيَ رُمْحٌ قَصِيرٌ فِي طَرَفِهَا زُجٌّ أَوْ عَصًا.
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ هِيَ أَقْصَرُ مِنَ الْحَرْبَةِ.
(اعْتِمَادًا) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيِ: اعْتِمَادًا كُلِّيًّا.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) قَالَ مِيْرَكُ: وَالْبَيْهَقِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

1446 – «وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ مُتَّكِئًا عَلَى بِلَالٍ، فَحَمَدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ، وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ» .
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

1446 – (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ شَهِدْتُ) أَيْ: حَضَرْتُ.
(الصَّلَاةَ) أَيْ: صَلَاةَ الْعِيدِ.
(مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي يَوْمِ عِيدٍ) أَيْ: مِنَ الْأَعْيَادِ.
(فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ) : كَمَا هُوَ عَادَتُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ مُتَّكِئًا عَلَى بِلَالٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْخَطِيبَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى شَيْءٍ كَالْقَوْسِ، وَالسَّيْفِ، وَالْعِتْرَةِ، وَالْعَصَا، أَوْ يَتَّكِئُ عَلَى إِنْسَانٍ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(فَحَمِدَ اللَّهَ) أَيْ: شَكَرَهُ.
(وَأَثْنَى عَلَيْهِ) : بِمَا أَلْهَمَ إِلَيْهِ.
(وَوَعَظَ النَّاسَ) قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَعْظُ زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ التَّذْكِيرُ بِالْخَيْرِ فِيمَا يَرِقُّ لَهُ الْقَلْبُ، فَقَوْلُهُ: (وَذَكَّرَهُمْ) : بِالتَّشْدِيدِ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَذَكَّرَهُمُ الْعَوَاقِبَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالْعَوَاقِبُ لَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى وَعَظَهُمْ نَصَحَهُمْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَذَكَّرَهُمْ بِأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَالنَّارِ وَالْجَنَّةِ.
(وَحَثَّهُمْ) أَيْ: رَغَّبَهُمْ وَحَرَّضَهُمْ.
(عَلَى طَاعَتِهِ) أَيْ: طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهَا طَاعَتُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ; لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، أَوِ الْمُرَادُ عِبَادَتُهُ النَّافِلَةُ، أَوْ عَلَى طَاعَتِهِ الْخَاصَّةِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوِ الْأُضْحِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحَثَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ لِكَوْنِهَا طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَبَعِيدٌ عَنِ السِّبَاقِ وَالسِّيَاقِ.
(وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ رُؤْيَتُهُ لَهُنَّ الَّتِي قَالَ جَمْعٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِحِلِّهَا.
(فَأَمَرَهُنَّ) أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(بِتَقْوَى اللَّهِ) أَيِ: الْجَامِعَةِ لِامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ، وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ.
(وَوَعَظَهُنَّ) : بِتَخْوِيفِ الْعِقَابِ.
(وَذَكَّرَهُنَّ) : بِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ أَوْ بِإِعْطَاءِ الصَّدَقَاتِ، وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ، فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُنَّ مِنْ إِعْطَاءِ مَا فِي آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا: وَذَكَّرَهُنَّ بِالْعَوَاقِبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْبِشَارَةِ تَارَةً، وَالنِّذَارَةِ أُخْرَى، فَهُوَ عَطْفٌ أَعَمُّ، فَمُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ سَابِقًا مِنْ كَوْنِهِ بَدَلًا مِمَّا قَبْلَهُ.
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ شَارِحًا قَالَ: ذَكَّرَهُنَّ إِمَّا تَفْسِيرٌ لِوَعْظَهُنَّ، أَوْ تَأْكِيدٌ لَهُ ; إِذِ الْوَعْظُ الْإِنْذَارُ بِالْعِقَابِ، وَالتَّذْكِيرُ الْإِخْبَارُ بِالثَّوَابِ، وَالتَّذْكِيرُ يَكُونُ لِأَمْرٍ عُلِمَ سَابِقًا اهـ.
وَهُوَ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ اهـ.
وَفَاتَهُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ الْأَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ اهـ.
وَهُوَ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ تَحْقِيقُهُمَا عَلَى مَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيِّ أَوِ الْعُرْفِيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ هُوَ الظَّاهِرُ الْمُطَابِقُ لِمَا ذَكَرَهُ أَرْبَابُ اللُّغَةِ، كَصَاحِبِ الْفَائِقِ، وَالْخَلِيلِ، وَغَيْرِهِمَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ أَنَّهُ اكْتَفَى فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالتَّذْكِيرِ.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ: وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِي الصِّحَاحِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ يَسِيرًا إِذَا كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْمَعْنَى عَلَى الْعَادَةِ، كَذَا قَالَهُ – قُدِّسَ سِرُّهُ – مُعْتَرِضًا عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ مِنْ قِبَلِ مُحْيِ السُّنَّةِ، بِأَنَّ إِيرَادَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ هُنَا لَا بِالْأَصَالَةِ، بَلْ لِمُنَاسَبَةِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْقَوْسِ وَالْعَصَا، فَبَيَّنَ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى تَجْوِيزِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَالتَّذْكِيرِ، وَاللَّهُ الْهَادِي، ذَكَرَهُ مِيْرَكُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَصْلُحُ دَفْعًا لِلِاعْتِرَاضِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الصِّحَاحِ، ثُمَّ أَحَادِيثُ الْحِسَانِ تَكُونُ مُبَيِّنَةً وَمُفَسِّرَةً لِجَوَازِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي الْكِتَابِ، وَيَشْهَدُ تَتَبُّعَهُ لِمَا فِي الْمُبْهَمِ مِنَ الصَّوَابِ وَنَظِيرِهِ مَا فَعَلَهُ بِخُصُوصِ هَذَا الْبَابِ، حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ هُنَا.

✩✩✩✩✩✩✩

1447 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.

1447 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ) أَيْ: ذَاهِبًا (فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ) أَيْ: فِي طَرِيقٍ غَيْرِهِ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي تَكْبِيرِ الْإِمَامِ حَالَةَ خُرُوجِهِ إِلَى وَقْتِ وُصُولِهِ إِلَى الْمُصَلَّى مَعَ الْأَنَامِ، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُنَا الْأَعْلَامُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي الْفِطْرِ لَا فِي أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَعِنْدَهُمَا يُجْهَرُ بِهِ كَالْأَضْحَى، وَعِنْدَهُ لَا يُجْهَرُ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِمَا.
قُلْتُ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةٌ يُخَالِفُ الْأَمْرَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف: 205] فَيُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ فِي الْأَضْحَى، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَالْأَوْلَى الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى» .
فَالْجَوَابُ: أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِيهَا التَّكْبِيرُ، وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْآيَةِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ أَمْرًا بِالتَّكْبِيرِ أَعَمُّ مِنْهُ، وَمِمَّا فِي الطَّرِيقِ فَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّكْبِيرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، لِجَوَازِ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمَّا كَانَ دَلَالَتُهَا عَلَيْهِ ظَنِّيَّةً لِاحْتِمَالِ التَّعْظِيمِ، كَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبَ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ، ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهِ وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَكَذَا رَوَى الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَهْرَ.
نَعَمْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَدَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى، ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ لَا يُعَارَضُ بِهِ عُمُومُ الْآيَةِ الْقَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ أَعَنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ} [الأعراف: 205] إِلَى قَوْلِهِ: {وَدُونَ الْجَهْرِ} [الأعراف: 205] ، وَقَالَ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» فَكَيْفَ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّاسَ يُكَبِّرُونَ فَقَالَ لِقَائِدِهِ: أَكَبَّرَ الْإِمَامُ؟ قِيلَ: لَا.
قَالَ: أَفَجُنَّ النَّاسُ؟ ! أَدْرَكْنَا مِثْلَ هَذَا الْيَوْمِ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَمَا كَانَ أَحَدٌ يُكَبِّرُ قَبْلَ الْإِمَامِ» .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ الْعَامَّةُ مِنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ اهـ.
وَمَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى مَا بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَمَا رَأَيْتُ لَهُ أَصْلًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيْرَكُ: وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَالَ: حَدِيثُ جَابِرٍ كَأَنَّهُ أَصَحُّ اهـ.
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَكَأَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ السَّنَدِ، وَلِذَا قَالَ: كَأَنَّهُ أَصَحُّ.
(وَالدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1448 – وَعَنْهُ: «أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.

1448 – (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ.
(أَصَابَهُمْ) أَيِ: الصَّحَابَةَ.
(مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي كَانَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الصَّحْرَاءِ، إِلَّا إِذَا أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فَيُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَالْأَفْضَلُ أَدَاءُهَا فِي الصَّحْرَاءِ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَفِي مَكَّةَ خِلَافٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي مَكَّةَ أَنْ يُصَلِّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَلَمْ يُعْرَفْ خِلَافُهُ مِنْهُ عَلَيْهِ الصِّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْكِرَامِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] لِعُمُومِ عِبَادَاتِهِمْ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالْعِيدِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْجِنَازَةِ، وَالْكُسُوفِ، وَالْخُسُوفِ، وَهُوَ وَجْهُ مَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ: مِنْ أَنَّهُ صُلِّيَ عَلَى آدَمَ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَلَعَلَّهُ لِهَذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَسَاجِدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة: 17] وَفِي قِرَاءَةٍ: (مَسْجِدَ اللَّهِ) وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَسْجِدُ لِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ، فَإِيرَادُهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِمَّا لِمَا ذُكِرَ، أَوْ لِكَوْنِ مَا فِيهِ وَهُوَ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ الْمَسَاجِدِ، أَوْ لِأَنْ لَا جِهَاتٍ أَرْبَعَةٍ، فَكَأَنَّ كُلَّ جِهَةٍ مَسْجِدٌ، وَهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ لَهُ مِنْ بَيْنِ الْمَسَاجِدِ، وَقِيلَ: الْكَعْبَةُ قِبْلَةُ مَنْ بِالْمَسْجِدِ، وَهُوَ قِبْلَةُ مَنْ بِمَكَّةَ، وَمَكَّةُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ أَهْلِ الدُّنْيَا، أَوْ لِعِظَمِهِ وَعَظَمَتِهِ عُدَّ كُلٌّ مِنْ أَجْزَائِهِ مَسْجِدًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: وَزَادَ رَزِينٌ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى.

✩✩✩✩✩✩✩

1449 – وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ بِنَجْرَانَ: عَجِّلِ الْأَضْحَى، وَأَخِّرِ الْفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسَ» .
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.

1449 – (وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ مِيْرَكُ: تُكُلِّمَ فِيهِ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) : يُكَنَّى أَبَا الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى نَجْرَانَ سَنَةَ عَشْرٍ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
(وَهُوَ بِنَجْرَانَ) : بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ، فَرَاءٌ فَأَلِفٌ فَنُونٌ، عَلَى وَزْنِ سَلْمَانَ، بَلَدٌ بِالْيَمَنِ كَانَ وَالِيًا فِيهِ.
(عَجِّلِ الْأَضْحَى) أَيْ: صَلَاتَهُ لِيَشْتَغِلَ النَّاسُ لِذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ.
(وَأَخِّرِ الْفِطْرَ) أَيْ: صَلَاتَهُ لِتُوَسِّعَ عَلَى النَّاسِ وَقْتَ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
فَانْظُرْ إِلَى نَظَرِهِ الْإِكْسِيرِ الْمُرَاعِي جَانِبَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، وَمَظْهَرًا لِلُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
(وَذَكِّرِ النَّاسَ) أَيْ: بِالْمَوْعِظَةِ فِي خُطْبَتَيِ الْعِيدَيْنِ، أَوْ ذَكِّرْهُمْ بِخُصُوصِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَأَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) أَيْ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَتَبَ.
وَسَاقَهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ طَلَبْتُ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ لِكِتَابِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَلَمْ أَجِدْهُ.
كَذَا نَقَلَهُ مِيْرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا إِلَّا أَنَّهُ يُعْمَلُ لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا) .

✩✩✩✩✩✩✩

1450 – وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

1450 – (وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ) أَيْ: أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ يُقَالُ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، رَوَى (عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ) : جَمْعُ عَمٍّ، كَالْبُعُولَةِ جَمْعُ بَعْلٍ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ كَأُبُوَّةٍ، وَخُئُولَةٍ.
(مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي صِغَارِ التَّابِعِينَ، عُمِّرَ بَعْدَ أَبِيهِ أَنَسٍ زَمَانًا طَوِيلًا، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
(أَنَّ رَكْبًا) : جَمْعُ رَاكِبٍ، كَصَحْبٍ وَصَاحِبٍ.
(جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَشْهَدُونَ) أَيْ: يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ.
(أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ؟ بِالْأَمْسِ) :.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُمْ قَدِمُوا آخِرَ النَّهَارِ، وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِسْنَادَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ وَقْتَهَا مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا، إِذْ لَوْ كَانَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ تُؤَدَّى بَعْدَ الزَّوَالِ لَمَا أَخَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْغَدِ.
(فَأَمَرَهُمْ) أَيِ: النَّاسَ.
(أَنْ يُفْطِرُوا) أَيْ: ذَلِكَ الْيَوْمَ.
(وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا) أَيْ: يَذْهَبُوا فِي الْغُدْوَةِ أَيْ: جَمِيعًا.
(إِلَى مُصَلَّاهُمْ) : لِصَلَاةِ الْعِيدِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ فِي الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَجَاءَ قَافِلَةٌ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْإِفْطَارِ، وَبِأَدَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْيَوْمِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ.
وَفِي الْفِقْهِ إِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الزَّوَالِ أَفْطَرَ النَّاسُ، وَصَلَّوْا صَلَاةَ الْعِيدِ مِنَ الْغَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَظَاهِرِ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَقْضِي الصَّلَاةَ مِنَ الْيَوْمِ وَلَا مِنَ الْغَدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إِنْ حَدَثَ عُذْرٌ مَنَعَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ صَلَّاهَا مِنَ الْغَدِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَإِنْ مَنَعَ عُذْرٌ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يُصَلِّ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْأَضْحَى، فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَيْضًا إِنْ مَنَعَ عُذْرٌ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَكَذَا إِنْ أَخَّرَهَا إِلَى الْيَوْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ جَازَ، لَكِنْ مَعَ الْإِسَاءَةِ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَلَاةُ الْعِيدِ الْمَقْضِيَّةُ رَكْعَتَانِ كَالْمُؤَدَّاةِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ إِلَّا لِدَلِيلٍ، وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِمَا فِيهِ خَفَاءٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَرْبَعٌ كَالْجُمُعَةِ إِذَا فَاتَتْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ بَعِيدٌ ; لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الظُّهْرِ، أَوْ صَلَاتَا وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَجَازَ رُجُوعُ أَحَدِهَا لِعَدَدِ الْأُخْرَى، وَهُنَا لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اهـ.
وَمَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ إِذْ مَذْهَبُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَقْضِيهَا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) وَقَالَ مِيْرَكُ: سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ اهـ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سُكُوتَهُمَا إِمَّا تَصْحِيحٌ أَوْ تَحْسِينٌ مِنْهُمَا، فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ – رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1451 – عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ – يَعْنِي عَطَاءً – بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَمَا يَخْرُجُ وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلَا إِقَامَةَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1451 – (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ الْأُولَى عَلَى مَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْمُغْنِي.
(قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) أَيِ: ابْنُ يَسَارٍ.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ.
(وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – قَالَا: لَمْ يَكُنْ) أَيِ: الشَّأْنُ أَوِ التَّأْذِينُ.
(يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ) : نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ.
(وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى، قَالَ) أَيِ: ابْنُ جُرَيْجٍ.
(ثُمَّ سَأَلْتُهُ – يَعْنِي عَطَاءً – بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ: عَنْ تَفْصِيلِهِ أَوِ الْإِعَادَةِ، لِتَأْكِيدِ الْإِفَادَةِ احْتِيَاطًا.
(فَأَخْبَرَنِي) أَيْ: عَطَاءٌ لَا لِتَفْصِيلِ الْآتِي.
(قَالَ) أَيْ: عَطَاءٌ.
(أَخْبَرَنِي: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ) : بِالتَّخْفِيفِ.
(لَا أَذَانَ) أَيْ: مَشْرُوعٌ أَوْ مَرْوِيٌّ.
(لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ) : وَتَرَكَ يَوْمَ الْأَضْحَى لِلِاكْتِفَاءِ.
(حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ) أَيْ: أَوَّلَ الْوَقْتِ.
(وَلَا بَعْدَمَا يَخْرُجُ) أَيْ: عِنْدَ إِرَادَتِهِ الصَّلَاةَ.
(وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ) : تَأْكِيدٌ.
(وَلَا شَيْءَ) : مِنْ ذَلِكَ قَطُّ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ.
(لَا نِدَاءَ) : بِلَا وَاوٍ.
(يَوْمَئِذٍ وَلَا إِقَامَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْكِيدٌ عَلَى تَأْكِيدٍ إِنْ كَانَ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كَلَامِ عَطَاءٍ ذَكَرَهُ تَفْرِيعًا لِابْنِ جُرَيْجٍ يَعْنِي حَدَّثْتُ لَكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ ثُمَّ سَأَلْتَنِي عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ النِّدَاءُ بِالْأَذَانِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَذَّنَ لَهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ مُعَاوِيَةُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1452 – وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ، قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ يَبُثُّ ذِكْرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ.
ثُمَّ يَنْصَرِفُ» ، قَالَ: كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ مِنْهُ قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ ! فَقَالَ: لَا يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ.
قُلْتُ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1452 – (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَخْرُجُ) أَيْ: لِصَلَاةِ الْعِيدِ.
(يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) أَيْ: قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْعِيدِ بِسَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدِهِ، «عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» .
وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّةً فِي الْعِيدَيْنِ فَقَطْ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ.
(فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ) أَيْ: فَرَغَ مِنْهَا.
(قَامَ) أَيْ: لِلْخُطْبَةِ.
(فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ) أَيْ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ.
(فَإِنْ كَانَتْ لَهُ) أَيْ: لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِي نُسْخَةٍ: لَهُمْ أَيْ: لِلنَّاسِ.
(حَاجَةٌ يَبْعَثُ) أَيْ: يُبْعَثُ عَسْكَرٌ لِمَوْضِعِ.
(ذِكْرِهِ) أَيِ: الْبَعْثُ بِتَفْصِيلِهِ) أَوِ الْمَبْعُوثُ مِمَّنْ يُرِيدُ بَعْثَهُ.
(لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ أَيْ: لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: بِغَيْرِ الْبَعْثِ إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ.
(أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ) أَيْ: فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ.
(تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا) : التَّثْلِيثُ لِلتَّأْكِيدِ اعْتِنَاءً بِأَمْرِ الصَّدَقَةِ ; لِعُمُومِ نَفْعِهَا، وَشَرْحِ النُّفُوسِ بِهَا، أَوْ بِاعْتِبَارِ النَّبِيِّ فِي حِذَائِهِ وَيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ أَيْ: تَصَدَّقُوا لِدُنْيَاكُمْ، تَصَدَّقُوا لِمَوْتَاكُمْ، وَتَصَدَّقُوا لَأُخْرَاكُمْ، أَوِ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ لِلزَّكَاةِ، وَالثَّانِي لِلْفِطْرَةِ، وَالثَّالِثُ لِلصَّدَقَةِ.
(وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) : أَكْثَرُ النُّسَخِ عَلَى رَفْعِ أَكْثَرَ وَنَصْبِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – كَانَ يُبَالِغُ فِي حَثِّهِنَّ أَكْثَرَ، وَيُعَلِّلُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ رَآهُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، لِكُفْرَانِهِنَّ الْعَشِيرَ، وَلِحُبِّهِنَّ زِينَةَ الدُّنْيَا.
(ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أَيْ: يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ.
(فَلَمْ يَزَلْ) أَيِ: الْأَمْرُ.
(كَذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ الْمِنْوَالِ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ، وَالْخُطْبَةِ بِالْقِيَامِ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الْمِنْبَرِ.
(حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ) : وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَنَةَ اثْنَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ عَامَ الْخَنْدَقِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: (كَانَ) تَامَّةٌ وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ أَيْ: حَدَثَ عَهْدُهُ، أَوْ إِمَارَتُهُ اهـ.
يَعْنِي عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَبِي سَعِيدٍ رَدٌّ لِمَا حُكِيَ: أَنَّ عُثْمَانَ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ شَطْرَ خِلَافَتِهِ الْأَخِيرَ، وَأَنَّ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ قَدَّمَاهَا أَيْضًا، وَمِمَّا رَدَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَا صَحَّ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ» ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَهَا مُعَاوِيَةُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ، إِلَّا مَا رُوِيَ: أَنَّ عُثْمَانَ فِي شَطْرِ خِلَافَتِهِ الْأَخِيرِ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ ; لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ.
وَرُوِيَ مِثْلُهُ – عَنْ عُمَرَ، وَلَيْسَ يَصِحُّ عَنْهُ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَهَا مُعَاوِيَةُ، وَقِيلَ: مَرْوَانُ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: زِيَادٌ بِالْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: فَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ آخِرَ أَيَّامِهِ، وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْخِلَافِ، أَوْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى خِلَافِ بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ.
(فَخَرَجْتُ) أَيْ: لِصَلَاةِ الْعِيدِ.
(مُخَاصِرًا) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ.
(مَرْوَانَ) : مَفْعُولُهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ: الْمُخَاصَرَةُ: أَنْ يَأْخُذَ رَجُلٌ بِيَدِ رَجُلٍ آخَرَ وَهُمَا مَاشِيَانِ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ خَصْرِ صَاحِبِهِ.
(حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ) أَيْ: ابْنُ مَعْدِي كَرِبَ الْكَنَدِيُّ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسَمَّاهُ كَثِيرًا، وَكَانَ اسْمُهُ قَلِيلًا، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
(قَدْ بَنَى) : يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ.
(مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ: الْآجُرُّ قَبْلَ الطَّبْخِ ; لِتَكُونَ الْخُطْبَةُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ السُّنَّةُ فِي الْجُمُعَةِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا صَحَّ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَى مَرْوَانَ إِخْرَاجَهُ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْمُصَلَّى لِيَخْطُبَ عَلَيْهِ ; وَلِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنَّ الْإِخْرَاجَ كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ بَنَاهُ مَبْنِيًّا عَلَى إِنْكَارِ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ أَهْوَنُ وَأَحْسَنُ.
(فَإِذَا مَرْوَانُ) : هِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا لِلْمُفَاجَأَةِ أَيْ: فَاجَأَ مَكَانَ الْمِنْبَرِ زَمَانَ الْإِتْيَانِ وَالْمُنَازَعَةِ، وَقَوْلُهُ: (يُنَازِعُنِي) أَيْ: يُجَاذِبُنِي.
(يَدُهُ) : بِالرَّفْعِ: بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَيُنْصَبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، كَمَا مَرَّ فِيهِ: يُنَازِعُنِي الْقُرْآنَ.
(كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ) وَإِنَّمَا قَالَ: كَأَنَّهُ ; لِأَنَّ قَصْدَهُ الذَّاتِيَّ إِنَّمَا هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى الْمِنْبَرِ، وَجَرُّهُ تَابِعِيٌّ عَارِضِيٌّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: (وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ) أَيْ: عَزْمَهُ الْمُنْجَرَّ إِلَى الْإِصْرَارِ، وَعَدَمِ الِانْقِيَادِ بِالِانْجِرَارِ.
(مِنْهُ) أَيْ: مِنْ مَرْوَانَ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعِلْ بِالْفِعْلِ.
(قُلْتُ) أَيْ: لَهُ.
(أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا) أَيْ: لَا يُبْتَدَأُ بِالصَّلَاةِ أَوَّلًا، يَعْتَقِدُ أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ هُوَ السُّنَّةُ.
(يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ) أَيْ: مَا عَلِمْتَ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ، وَقَدْ أَتَيْنَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
أَقُولُ: لَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْقَوْلِ ; فَإِنَّهُ يَعْتَبَرُ لُزُومًا مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ اخْتِيَارُ شَيْءٍ آخَرَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ الْمَقَالَ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ، وَصَارَتِ السُّنَّةُ وَالْخَيْرُ الْآنَ تَقَدُّمُ الْخُطْبَةِ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي طَرَأَتْ، وَهِيَ انْفِضَاضُ النَّاسِ قَبْلَ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ لَوْ أُخِّرَتْ.
(قُلْتُ: كَلَّا) : رَدْعٌ، أَوْ مَعْنَاهُ حَقًّا، وَفِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ: لَا.
أَيْ: لَا تَكُونُ السُّنَّةُ ذَلِكَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، ثُمَّ أَغْرَبَ، وقَدَّرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ، وَلَكِنْ مِنْ شَأْنِ أَكْثَرِكُمْ مَعْشَرَ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّكُمْ.
(لَا تَأْتُونَ) أَيْ: فِيمَا تُحْدِثُونَهُ مِنَ الْبِدَعِ.
(بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ) : لِأَنِّي عَالِمٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِحْدَاثُكُمْ لِذَلِكَ وَنَحْوِهِ شَرٌّ أَيُّ شَرٍّ، وَزَعْمُكُمْ أَنَّكُمْ لَوْ أَخَّرْتُمُ الْخُطْبَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا النَّاسُ، إِنَّمَا هُوَ لِجَوْرِكُمْ، وَسُوءِ صَنِيعِكُمْ، وَظُلْمِكُمْ لِلرَّعِيَّةِ، حَتَّى صَارُوا فِي غَايَةٍ مِنَ التَّنَفُّرِ عَنْكُمْ، وَفِي نِهَايَةٍ مِنَ الْكَرَاهَةِ لِسَمَاعِ كَلَامِكُمْ.
(ثَلَاثَ مِرَارٍ) : بِرَاءَيْنِ أَيْ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ لِيَنْزَجِرَ عَنْ إِحْدَاثِهِ.
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ، وَلَمْ يَحْضُرِ الْجَمَاعَةَ تَقْبِيحًا لِفِعْلِ مَرْوَانَ وَتَنْفِيرًا عَنْهُ، وَقِيلَ: انْصَرَفَ مِنْ جِهَةِ الْمِنْبَرِ إِلَى جِهَةِ الصَّلَاةِ لِمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ، وَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ فَجَذَبْتُ ثَوْبَهُ فَجَذَبَنِي فَارْتَقَى فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ، خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْنَاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ اهـ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمُعَاوِيَةَ، لَا يَصِحُّ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ خَالَفَ السُّنَّةَ، وَلَا يُعِيدُ الْخُطْبَةَ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: هَذَا السِّيَاقَ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ بِزِيَادَةٍ، ذَكَرَهُ مِيْرَكُ.

✩✩✩✩✩✩✩

 

You Can Do It

Responses

Your email address will not be published. Required fields are marked *

+