islamship bannere

باب صلاة الليل
[31] بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1188 – عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ.
فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ، فَيَخْرُجُ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[31] بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ أَيْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنَ التَّهَجُّدِ وَغَيْرِهِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1188 – (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي) ، أَيْ: غَالِبًا (فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ) : وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ بَعْدَ نَوْمٍ أَمْ لَا.
(إِحْدَى عَشْرَةَ) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ (رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَيُؤَيِّدُهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى.
(وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) ، أَيْ: مَضْمُومَةٍ إِلَى الشَّفْعِ الَّذِي قَبْلَهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْوَتْرِ رَكْعَةٌ فَرْدَةٌ، وَالتَّسْلِيمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَبِهِمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
(فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ) : قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِسَجْدَةٍ فَرْدَةٍ لِغَيْرِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ الْفَاءُ فِي (فَيَسْجُدُ) دَاعِيَةٌ إِلَى هَذَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ (مِنْ ذَلِكَ) لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: (مِنْ) ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالْفِعْلِ، أَيْ: فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ جِهَةِ مَا صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ سَجْدَةَ شُكْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ لِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ يَعْنِي فَيَسْجُدُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ سَجَدَاتِ تِلْكَ الرَّكَعَاتِ طَوِيلَةً.
(قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً) .
اهـ.
وَنِسْبَةُ ابْنِ حَجَرٍ كَلَامَ الشَّارِحِ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلَ الْقَاضِي إِلَى الشَّارِحِ وَالطَّعْنُ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: قَدِ اخْتَلَفَ الْآرَاءُ فِي جَوَازِ السَّجْدَةِ الْمُنْفَرِدَةِ مِنْ غَيْرِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ حَرَامٌ كَالتَّقَرُّبِ بِرُكُوعٍ مُفْرَدٍ وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ: سَوَاءٌ فِي هَذَا الْخِلَافُ فِي تَحْرِيمِ السَّجْدَةِ مَا يُفْعَلُ بَيْنَ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ هَذَا مَا يَفْعَلُ كَثِيرُونَ مِنَ الْجَهَلَةِ السَّجْدَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشَايِخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ إِلَى الْقِبْلَةِ أَوْ إِلَى غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ قَصَدَ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ غَفَلَ عَنْهُ، وَ (مِنْ) فِي (مِنْ ذَلِكَ) لِلتَّبْعِيضِ، وَالْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وَمَعْنَاهُ قَدْ كَانَ بَعْضُ سَجَدَاتِهِ طَوِيلًا بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ أَحَدٌ خَمْسِينَ آيَةً (قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) ، أَيْ: وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ بَعْدُ، (فَإِذَا سَكَتَ) : بِالتَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْبَاءِ (الْمُؤَذِّنُ) ، أَيْ: فَرَغَ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَرُوِيَ: (سَكَبَ) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَمَعْنَاهُ صَبَّ الْأَذَانَ، وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: يَجُوزُ فِيهِ التَّاءُ الْمُثَنَّاةُ مِنْ فَوْقٍ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلَكِنْ قَيَّدُوهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، كَذَا فِي الْفَائِقِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وَالنِّهَايَةِ لِلْجَزَرِيِّ، وَقَالَا: أَرَادَتْ عَائِشَةُ إِذَا أَذَّنَ فَاسْتَعَارَتِ السَّكْبَ لِلْإِفَاضَةِ فِي الْكَلَامِ، كَمَا يُقَالُ: أَفْرَغَ فِي أُذُنِي حَدِيثًا، أَيْ: أَلْقَى وَصَبَّ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: كَمَا يُقَالُ هَضَبَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَخَذَ فِي الْخُطَّةِ، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) ، أَيْ: مِنْ أَذَانِهَا (وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّبَيُّنَ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَذَانِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِذَلِكَ التَّبَيُّنِ فَائِدَةٌ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَيُّنِ الْإِسْفَارُ، فَيُفِيدُ أَنَّ الْإِسْفَارَ مُسْتَحَبٌّ حَتَّى فِي حَقِّ السُّنَّةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ نَظِيرَ مَا ذَكَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَفَادَ الْحَدِيثُ نَدْبَ التَّغْلِيسِ بِالْأَذَانِ، وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ الْوَقْتِ لِيَتِمَّ تَهَيُّؤُ النَّاسِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ مُشْكِلٌ، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِشْكَالِ وُقُوعَ الْأَذَانِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَهُوَ لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْأَذَانَ فِي الْغَلَسِ، وَالسُّنَّةَ بَعْدَ التَّبَيُّنِ الْكُلِّيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَيُرَدُّ قَوْلُ مَنْ سَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ (سَكَتَ) لَيْسَ بِالْفَوْقِيَّةِ بَلْ بِالْمُوَحَّدَةِ.
اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَبَيَانُهُ فِي كَلَامِنَا صَرِيحٌ (قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) : هُمَا سُنَّةُ الْفَجْرِ (خَفِيفَتَيْنِ) : يَقْرَأُ فِيهِمَا (الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ) (ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) ، أَيْ: لِلِاسْتِرَاحَةِ عَنْ تَعَبِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ فَرْضَهُ عَلَى نَشَاطٍ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
اهـ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا وَجْهَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي السُّنَّةَ فِي الْبَيْتِ وَالْفَرْضَ فِي الْمَسْجِدِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بِحْثٍ.
(حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ) ، أَيْ: يَسْتَأْذِنُهُ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِنَظَرِ الْإِمَامِ (فَيَخْرُجُ) ، أَيْ: لِلصَّلَاةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: بِمَجْمُوعِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1189 – وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي ; وَإِلَّا اضْطَجَعَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1189 – (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) : الْمُرَادُ بِهِمَا سُنَّةُ الْفَجْرِ، (فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرْطُ مَعَ الْجَزَاءِ جَزَاءُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَزَاءُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مَحْذُوفًا، وَالْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى إِذَا صَلَّاهُمَا أَتَانِي فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ أَكُنْ مُسْتَيْقِظَةً (اضْطَجَعَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ سُنَّةِ الصُّبْحِ، وَبَيْنَ الْفَرِيضَةِ جَائِزٌ، وَعَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مَعَ الْأَهْلِ سُنَّةٌ.
اهـ.
يَعْنِي مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ أَوْ ثَوَابَهَا فَقَوْلُهُ: بَاطِلٌ، نَعَمْ كَلَامُهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا كَلَامُ الدُّنْيَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى دَائِمًا، فَضْلًا عَمَّا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي وَضْعِ السُّنَّةِ أَنْ يَتَهَيَّأَ لِكَمَالِ الْحَالَةِ وَطَرْدِ الْغَفْلَةِ، فَيَدْخُلُ فِي الْفَرِيضَةِ عَلَى كَمَالِ الْحُضُورِ وَاللَّذَّةِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Success Habits

1190 – وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1190 – (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) ، أَيْ: سُنَّتَهُ (اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) ، أَيْ: مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، أَخَذَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ – الْمُتَهَجِّدِ وَغَيْرِهِ – أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ سُنَّةِ الصُّبْحِ وَفَرْضِهِ، بِضَجْعَةٍ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَلَا يَتْرُكُ الِاضْطِجَاعَ مَا أَمْكَنَهُ، بَلْ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِهِمَا، أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَمَرَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَيْضًا يُجْزِئُهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْفَصْلُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّجْعَةَ كَانَتْ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَتَحْصِيلِ النَّشَاطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ، وَلِذَا وَرَدَ: كَلِّمِينِي يَا حُمَيْرَاءُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ الِاضْطِجَاعُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَكَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: إِنَّهُ بِدَعَةٌ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حَدِيثٌ، وَحَمْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَلَامَهُمْ عَلَى عَدَمِ بُلُوغِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَيْهِمْ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ وَنِهَايَةٍ مِنَ السُّقُوطِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُ عَائِشَةَ: لَمْ يَكُنْ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَضْطَجِعُ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ فَيَسْتَرِيحُ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَفَسَادِ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِتَرْكِهِ، فَإِنَّهُ مُصَادِمٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – كَثِيرًا مَا تَرَكَهُ إِمَّا لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.

✩✩✩✩✩✩✩

viasil

1191 – وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوَتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1191 – (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) ، أَيْ: آخِرِهِ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا (الْوَتْرُ) ، أَيْ: ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَقَدْ صَرَّحَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهَا: ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، وَفِي مُسْلِمٍ: ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ.
(وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أَلْحَقَ الْوَتْرَ وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِالتَّهَجُّدِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – كَانَ يُصَلِّي الْوَتْرَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَيَبْقَى مُسْتَيْقِظًا إِلَى الْفَجْرِ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ، أَيْ سُنَّةُ الْفَجْرِ مُتَّصِلًا بِتَهَجُّدِهِ وَوَتْرِهِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: أَقُولُ: بَلْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1192 – وَعَنْ مَسْرُوقٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1192 – (وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ) ، أَيْ: مَرَّةً (وَتِسْعٌ) ، أَيْ: أُخْرَى (وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) ، أَيْ: كُلٌّ مَعَ ثَلَاثِ الْوَتْرِ (سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) ، أَيْ: غَيْرَ سُنَّةِ الْفَجْرِ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهُ كَانَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، كَذَا قِيلَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى عَدِّ رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ مِنْ جُمْلَتِهَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ رَكَعَاتِ تَهَجُّدِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَالثَّلَاثُ وَتْرٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – إِذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ وَنَامَ عَنْ تَهَجُّدِهِ صَلَّى بِالنَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً.

✩✩✩✩✩✩✩

1193 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1193 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ) ، أَيِ: التَّهَجُّدَ (افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) : قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: الْمُرَادُ بِهِمَا رَكْعَتَا الْوُضُوءِ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّخْفِيفُ ; لِوُرُودِ الرِّوَايَاتِ بِتَخْفِيفِهِمَا قَوْلًا وَعَمَلًا.
اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ التَّهَجُّدِ يَقُومَانِ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَمْرًا يَشْرَعُ فِيهِ قَلِيلًا لِيَتَدَرَّجَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِيَحْصُلَ بِهِمَا نَشَاطُ الصَّلَاةِ وَيَعْتَادَ بِهِمَا، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Success rituals

1194 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَحِ الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1194 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِذَا قَامَ “) ، أَيْ: مِنَ النَّوْمِ (” أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ “) ، أَيْ: بَعْضِهِ (” فَلْيَفْتَتِحْ “) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَلْيَفْتَحِ (” الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ “) : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ يَكُونُ أَوَّلًا بِالتَّخْفِيفِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

Path to Arabic gif

1195 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَرَأَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: ” اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا» ” – وَزَادَ بَعْضُهُمْ – ” «وَفِي لِسَانِي نُورًا» ” وَذُكِرَ: ” «وَعَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشِعَرِي وَبَشَرِي» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ” «وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا» “.
وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ: ” «اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» “.

1195 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ) : مِنَ الْبَيْتُوتَةِ (عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) : وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا) ، أَيْ: فِي نَوْبَتِهَا (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً) : وَفِيهِ أَنَّ التَّحَدُّثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ إِذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ الْآخِرَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْمَوْعِظَةِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ حُسْنِ الْعِشْرَةِ.
(ثُمَّ رَقَدَ) ، أَيْ: نَامَ.
فِي الشَّمَائِلِ: قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، أَيِ: الْمِخَدَّةِ أَوِ الْفِرَاشِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا (فَلَمَّا كَانَ) ، أَيْ: بَقِيَ (ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) : صِفَةُ ثُلُثٍ، أَيْ: جَمْعِيُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ) ، أَيْ: بَعْضُ الثُّلُثِ، أَيْ: أَقَلُّ مِنْهُ (قَعَدَ) ، أَيْ: قَامَ مِنَ النَّوْمِ (فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ) : يَتَفَكَّرُ فِي عَجَائِبِ الْمَلَكُوتِ وَيَسْتَغْرِقُ فِي عَالَمِ الْجَبَرُوتِ (فَقَرَأَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] ، أَيْ: فِي خِلْقَتِهِمَا أَوْ فِي الْخَلْقِ الْكَائِنِ فِيهِمَا {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [آل عمران: 190] ، أَيْ: طُولًا وَقِصَرًا وَظُلْمَةً وَنُورًا وَحَرًّا وَبَرْدًا {لَآيَاتٍ} [آل عمران: 190] ، أَيْ: دَلَالَاتٌ وَاضِحَاتٌ وَبَيِّنَاتٌ لَائِحَاتٌ {لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] ، أَيْ: لِأَرْبَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، عَلَى الْمِلَّةِ الْقَوِيمَةِ، وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ الْكَرِيمَةِ ; وَلِذَا قَالَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ” «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ» “.
(حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ) : فَإِنَّ فِيهَا لَطَائِفَ عَظِيمَةً، وَعَوَارِفَ جَسِيمَةً لِمَنْ تَأَمَّلَ فِي مَبَانِيهَا، وَتَبَيَّنَ لَهُ بَعْضُ مَعَانِيهَا.
(ثُمَّ قَامَ) ، أَيْ: قَصَدَ (إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ) ، أَيْ: حَلَّ (شِنَاقَهَا) : بِكَسْرِ الشِّينِ خَيْطَهَا الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُهَا، أَوِ السَّيْرَ الَّذِي تُعَلَّقُ بِهِ الْقِرْبَةُ (ثُمَّ صَبَّ) ، أَيْ: أَرَاقَ الْمَاءَ مِنْهَا (فِي الْجَفْنَةِ) ، أَيِ: الْقَصْعَةِ، وَهِيَ قَدَحٌ كَبِيرٌ، (ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا) ، أَيْ: مُسْتَحْسَنًا (بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ) ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ حَسَنٌ، وَقِيلَ، أَيْ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
(لَمْ يُكْثِرْ) ، أَيْ: صَبَّ الْمَاءِ وَهُوَ صِفَةٌ أُخْرَى لِوُضُوءٍ أَوْ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْحَسَنِ، وَهُوَ إِيمَاءٌ إِلَى عَدَمِ الْإِفْرَاطِ (وَقَدْ أَبْلَغَ) ، أَيْ: أَسْبَغَ الْمَاءَ إِلَى مَحَالِّهِ الْمَفْرُوضَةِ إِشَارَةً إِلَى عَدَمِ التَّفْرِيطِ، (فَقَامَ فَصَلَّى) ، أَيْ: فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ (فَقُمْتُ) ، أَيْ: نَهَضْتُ عَنِ النَّوْمِ أَوْ إِلَى الْقِرْبَةِ (وَتَوَضَّأْتُ) ، أَيْ: نَحْوَ وُضُوئِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، (فَقُمْتُ) ، أَيْ: لِلصَّلَاةِ مَعَهُ تَعَلُّمًا وَتَبَرُّكًا (عَنْ يَسَارِهِ) : لِعَدَمِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، (فَأَخَذَ بِأُذُنِي) : وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَعَهَا أَوَّلًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مَسْكِ الْأُذُنِ أَوْ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ إِلَّا عَلَيْهِ، أَوْ لِيُنْزِلَ بَرَكَتَهَا بِهِ لِيَعِيَ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَغَيْرِهِ.
(فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ” عَنْ ” هُنَا.
بِمَعْنَى الْجَانِبِ، أَيْ أَدَارَنِي عَنْ جَانِبِ يَسَارِهِ إِلَى جَانِبِ يَمِينِهِ.
اهـ.
وَفِي الشَّمَائِلِ بَدَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَفَتَلَهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَتَلَهَا إِمَّا لِيُنَبِّهَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، أَوْ لِيَزْدَادَ تَيَقُّظُهُ لِحِفْظِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ، أَوْ لِيُزِيلَ مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّعَاسِ لِرِوَايَةِ: فَجَعَلْتُ إِذْ غَفَيْتُ يَأْخُذُ شَحْمَةَ أُذُنِي، (فَتَتَامَّتْ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ صَارَتْ تَامَّةً، تَفَاعَلَ مِنْ تَمَّ وَهُوَ لَا يَجِيءُ إِلَّا لَازِمًا.
اهـ.
أَيْ: تَمَّتْ وَتَكَامَلَتْ (صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) : وَفِي الشَّمَائِلِ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: يَعْنِي سِتَّ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ، أَيْ: جَعَلَ الشَّفْعَ الْأَخِيرَ مُنْضَمًّا إِلَى الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَصَارَ وَتْرًا أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي لِمُسْلِمٍ عَنْهُ.
(ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ) ، أَيْ: تَنَفَّسَ بِصَوْتٍ حَتَّى يُسْمَعَ مِنْهُ صَوْتُ النَّفْخِ بِالْفَمِ، كَمَا يُسْمَعُ مِنَ النَّائِمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَفَخَ مِنْ أَنْفِهِ، وَمِنْ ثَمَّ عُبِّرَ عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِالْغَطِيطِ، وَهُوَ صَوْتُ الْأَنْفِ الْمُسَمَّى بِالْخَطِيطِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمَمْدُودُ مِنَ الصَّوْتِ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَهُوَ صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنْ تَرَدُّدِ النَّفَسِ أَوِ النَّفْخِ عِنْدَ الْخَفْقَةِ، أَيْ تَحْرِيكِ الرَّأْسِ.
اهـ كَلَامُهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَوْتُ الْأَنْفِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْغَطِيطُ: الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مَعَ نَفَسِ النَّائِمِ وَهُوَ تَرْدِيدُهُ حَيْثُ لَا يَجِدُ مُسَاغًا، وَقَالَ: وَالْخَطِيطُ قَرِيبٌ مِنَ الْغَطِيطِ وَهُوَ صَوْتُ النَّائِمِ، وَفِي الْقَامُوسِ: غَطَّ النَّائِمُ غَطِيطًا: صَاتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَكَانَ) ، أَيْ: مِنْ عَادَتِهِ (إِذَا نَامَ نَفَخَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ بَيَانُ أَنَّ نَفْخَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، بَلْ كَانَ جِبِلِّيًّا نَاشِئًا عَنْ عَبَالَةِ الْبَدَنِ، أَيْ: ضَخَامَتِهِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، نَعَمْ تِلْكَ الْعَبَالَةُ حَصَلَتْ لَهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فِي آخِرِ عُمُرِهِ لَمَّا آتَاهُ اللَّهُ جَمِيعَ سُؤْلِهِ، وَأَرَاحَهُ مِنْ غَيِّ أَمَّتِهِ، كَانَ حِكْمَتُهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَعُلَمَاءِ الْبَاطِنِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ مَا هَذَا السِّمَنُ: كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ كَثْرَةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَمَا اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِمَّا لَمْ يُؤْتِهِ لِغَيْرِهِمُ ازْدَدْتُ سِمَنًا، وَيَقُولُ الثَّانِي: كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَّهُ أَهَّلَنِي لِمَا تَرَوْنَ زَادَ سِمَنِي.
اهـ.
فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ السَّمِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ يَبْغَضُ السَّمِينَ، فَإِنَّ مَحِلَّهُ إِذَا كَانَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نَشَأَ عَنْ تَنْعِيمٍ وَكَثْرَةِ أَكْلِ لَحْمٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ (يَبْغَضُ اللَّحَّامِينَ) (فَآذَنَهُ) : بِالْمَدِّ، أَيْ أَعْلَمَهُ (بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَقَدْ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ; لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الطُّهْرَ بِنَفْسِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَلَمَّا كَانَ قَلْبُهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَقْظَانَ لَا يَنَامُ وَلَمْ يَكُنْ نَوْمُهُ مَظِنَّةً فِي حَقِّهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ، وَلَعَلَّهُ أَحَسَّ بِتَيَقُّظِ قَلْبِهِ بَقَاءَ طُهْرِهِ، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَقَظَةُ قَلْبِهِ تَمْنَعُهُ مِنَ الْحَدَثِ وَمَا مَنَعَ النَّوْمُ قَلْبَهُ لِيَعِيَ الْوَحْيَ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ.
اهـ.
فَالْوُضُوءُ الْأَوَّلُ إِمَّا لِنَقْضِ آخَرَ، أَوْ لِتَجْدِيدٍ وَتَنْشِيطٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَكَانَ فِي دُعَائِهِ) ، أَيْ: فِي جُمْلَةِ دُعَائِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ دُعَائِهِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، وَإِذَا خَرَجَ لِلصَّلَاةِ، أَيْ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: (” «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا» “) : قِيلَ: هُوَ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَظْهَرُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: النُّورَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ: نُورًا عَظِيمًا، وَقَدَّمَ الْقَلْبَ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَلِكِ الْمَالِكِ.
(” «وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي عَيْنِي نُورًا» “) ; لِأَنَّهُمَا آلَتَا الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ.
(” «وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا» ) ، أَيْ: فِي جَانِبِي، أَوْ فِي جَارِحَتِي، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِالنُّورِ ضِيَاءَ الْحَقِّ، يَعْنِي اسْتَعْمِلْ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مِنِّي فِي الْحَقِّ، وَاجْعَلْ تَصَرُّفِي وَتَقَلُّبِي فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ.
(” وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي “) ، أَيْ: قُدَّامِي (” نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا “) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي إِيرَادِ عَدَمِ حَرْفِ الْجَرِّ فِي هَذِهِ الْجَوَانِبِ إِشَارَةٌ إِلَى تَمَامِ الْإِنَارَةِ وَإِحَاطَتِهَا ; إِذِ الْإِنْسَانُ يُحِيطُ بِهِ ظُلُمَاتُ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الْأَنْوَارُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، فَيَكُونُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ مِنْ ظُلُمَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُوَ وَمَنْ يَتْبَعُهُ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22] ، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] ، قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ لَا مَنْعَ، ثُمَّ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ النُّورَ يُظْهِرُ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ، فَنُورُ السَّمْعِ مُظْهِرٌ لِلْمَسْمُوعَاتِ، وَنُورُ الْبَصَرِ كَاشِفٌ لِلْمُبْصَرَاتِ، وَنُورُ الْقَلْبِ كَاشِفٌ عَنِ الْمَعْلُومَاتِ، وَنُورُ الْجَوَارِحِ مَا يَبْدُو عَلَيْهَا مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى طَلَبِ النُّورِ لِلْأَعْضَاءِ عُضْوًا عُضْوًا أَنْ يَتَحَلَّى كُلُّ عُضْوٍ بِأَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَةِ، وَيَتَعَرَّى عَنْ ظُلْمَةِ الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَإِنَّ ظُلُمَاتِ الْجُمْلَةِ مُحِيطَةٌ بِالْإِنْسَانِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَالشَّيْطَانُ يَأْتِيهِ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ بِالْوَسَاوِسِ وَالشُّبُهَاتِ، أَيِ: الْمُشَبَّهَاتُ بِالظُّلُمَاتِ فَرَفْعُ كُلِّ ظُلْمَةٍ بِنُورٍ، قَالَ: وَلَا مُخَلِّصَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْوَارٍ تَسْتَأْصِلُ شَأْفَةَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ لِلْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ بِـ (فِي) الظَّرْفِيَّةِ ; لِأَنَّ الْقَلْبَ مَقَرُّ الْفِكْرِ فِي آلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَصَرَ مَسَارِحُ النَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ الْمَنْصُوبَةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ، وَالسَّمْعَ مَحَطُّ آيَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَالْيَمِينَ وَالشَّمَالَ خُصَّا بِـ (عَنْ) لِلْإِيذَانِ بِتَجَاوُزِ الْأَنْوَارِ عَنْ قَلْبِهِ وَبَصَرِهِ وَسَمْعِهِ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَعُزِلَتْ فَوْقَ وَتَحْتَ وَأَمَامَ وَخَلْفَ مِنَ الْجَارَّةِ لِتَشْمَلَ اسْتِنَارَتَهُ وَإِنَارَتَهُ مَعًا مِنَ اللَّهِ وَالْخَلْقِ، ثُمَّ أَجْمَلَ بِقَوْلِهِ: (” وَاجْعَلْ لِي نُورًا “) : فَذْلَكَةً لِذَلِكَ.
اهـ.
أَيْ: إِجْمَالًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ، وَفَذْلَكَةُ الشَّيْءِ: جَمْعُهُ.
مَأْخُوذٌ مِنْ فَذْلَكَ وَهُوَ مَصْنُوعٌ كَالْبَسْمَلَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ نُورًا عَظِيمًا جَامِعًا لِلْأَنْوَارِ كُلِّهَا.
اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ: ” وَاجْعَلْنِي نُورًا ” وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْكُلِّ.
(وَزَادَ بَعْضُهُمْ) ، أَيْ: بَعْضُ الرُّوَاةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ (” وَفِي لِسَانِي نُورًا “) : خُصَّ بِالذِّكْرِ لِيَخُصَّ بِالذِّكْرِ (وَذَكَرَ) أَيِ: الرَّاوِي.
قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ: وَذَكَرَ، أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضُ.
يَعْنِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (” وَعَصَبِي “) لِأَنَّ بِهِ قَوَامَ الْبَدَنِ، (” وَلَحْمِي “) لِأَنَّ بِهِ نُمُوَّهُ وَزِيَادَتَهُ، (” وَدَمِي “) لِأَنَّ بِهِ حَيَاتَهُ، (” وَشَعَرِي “) ; لِأَنَّ بِهِ جَمَالَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا، (” وَبَشَرِي “) ، أَيْ: جِلْدِي ; لِأَنَّهُ الَّذِي امْتَازَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ بَدَنِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَفْظُهُ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ: وَفِي عَصَبِي نُورًا، وَفِي لَحْمِي نُورًا، وَفِي دَمِي نُورًا، وَفِي شَعَرِي نُورًا، وَفِي بَشَرِي نُورًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَفِي لِسَانِي نُورًا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْحِصْنِ.
(- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا -) أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ (” «وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا» “) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيِ: اجْعَلْ نُورِي عَظِيمًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَسْنَدَهَا الْجَزَرِيُّ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ وَجَعَلَهَا مُصَدَّرَةً بِقَوْلِهِ: وَفِي لِسَانِي نُورًا.
(” وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ: ” «اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» “) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا.

✩✩✩✩✩✩✩

Free Delivery Deals

1196 – وَعَنْهُ أَنَّهُ «رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1196 – (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (” أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا حِكَايَةَ لَفْظِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ قَالَ: رَقَدْتُ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، وَرَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (فَاسْتَيْقَظَ) ، أَيِ: اسْتَنْبَهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّوْمِ، زَادَ فِي الشَّمَائِلِ: فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ، أَيْ أَثَرَهُ مِمَّا يَعْتَرِي الْوَجْهَ مِنَ الْفُتُورِ عَنْ وَجْهِهِ (فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ تَجْدِيدًا لِلْوُضُوءِ لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ بِنَوْمِهِ.
اهـ.
وَالْجَزْمُ بِالتَّجْدِيدِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِنَاقِضٍ آخَرَ، (وَهُوَ يَقُولُ) ، أَيْ: يَقْرَأُ، وَهُوَ يُنَاقِضُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ بِظَاهِرِهِ حَيْثُ قَالَ: فَقَرَأَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ.
إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِرَاءَةِ أَوِ الْوَاقِعَةِ، أَوْ تُحْمَلُ (ثُمَّ) ثَمَّةَ عَلَى أَنَّهَا لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ أَوْ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] أَيِ: الْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ (حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَادَةِ.
(ثُمَّ انْصَرَفَ) ، أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ (فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ) : وَتَحَقَّقَ مِنْهُ النَّوْمُ (ثُمَّ) ، أَيْ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ (فَعَلَ ذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَذْكُورَ مِنْ قَوْلِهِ: فَتَسَوَّكَ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى نَفَخَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بَدَلٌ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي سِتِّ رَكَعَاتٍ.
اهـ.
وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ بَيَانٌ لِثَلَاثٍ وَكَذَلِكَ (كُلَّ ذَلِكَ) : بِالنَّصْبِ بَيَانٌ لَهُ أَيْضًا، أَيْ: كُلَّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ (يَسْتَاكُ) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كُلُّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِيَسْتَاكُ، أَيْ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ وَيُصَلِّي، وَ (ثُمَّ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَرَاخِي الْإِخْبَارِ تَقْدِيرًا وَتَأْكِيدًا لَا لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ مِنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (وَيَتَوَضَّأُ) : قِيلَ: لِلتَّجْدِيدِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ لِإِحْسَاسِ الْحَدَثِ هُنَا وَبَقَاءِ الْوُضُوءِ ثَمَّةَ.
اهـ.
وَالظَّاهِرُ تَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ لِاخْتِلَافِ الْحَالَاتِ وَالْمُخَالَفَةِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الرَّكَعَاتُ عَلَى الصَّلَوَاتِ، (وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ) : فِيهِ تَكْرِيرُ السِّوَاكِ وَالْقِرَاءَةِ كُلَّمَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ وَإِنْ قَصُرَ، (ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّكَعَاتِ السِّتَّ كَانَتْ تَهَجُّدَهُ، وَأَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ.
اهـ.
وَلَا يُخَالِفُهُ الشَّافِعِيُّ، بَلْ يُكْرَهُ عِنْدَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1197 – وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، [ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، هَكَذَا فِي ” صَحِيحِ مُسْلِمٍ ” وَأَفْرَادِهِ مِنْ كِتَابِ ” الْحُمَيْدِيِّ “، وَ ” مُوَطَّأِ مَالِكٍ “، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ” وَ ” جَامِعِ الْأُصُولِ “.

1197 – (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) : الْمَدَنِيِّ صَحَابِيٍّ مَشْهُورٍ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ) : بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ ; لَأَنْظُرَنَّ وَأَتَأَمَّلَنَّ وَأَحْفَظَنَّ وَأَرْقُبَنَّ (صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَدَلَ هَاهُنَا عَنِ الْمَاضِي فِي الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ لِتَقَرُّرِهَا فِي ذِهْنِ السَّامِعِ.
اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ قَبْلَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ نَهَارًا، ثُمَّ رَمَقَهُ فَصَلَّى إِلَخْ.
وَحِينَئِذٍ فَالْمُضَارِعُ عَلَى حَالِهِ.
اهـ.
وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ تَقْدِيرَاتٍ كَثِيرَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ: (اللَّيْلَةَ) ، أَيْ: فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى أَرَى كَمْ يُصَلِّي، وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْحُجُرَاتِ، وَفِي الشَّمَائِلِ: فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ، وَهُوَ الْخَيْمَةُ الْعَظِيمَةُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ تَوَسُّدِ الْفُسْطَاطِ تَوَسُّدَ عَتَبَتِهِ فَيَكُونُ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، (فَصَلَّى) : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) ، أَيِ: ابْتِدَاءً (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) : التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكُلِّ طَوِيلَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِرَادَةً لِغَايَةِ الطُّولِ، ثُمَّ تَنَزَّلَ شَيْئًا فَشَيْئًا يَعْنِي قَوْلَهُ: (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ) ، أَيْ: أَقَلُّ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ (قَبْلَهُمَا، ثُمَّ) : ثَانِيًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) : وَالْقَبْلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ (ثُمَّ) : ثَالِثًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ) رَابِعًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرْبَعُ مَرَّاتٍ، فَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُ الرَّكْعَتَانِ الْخَفِيفَتَانِ تَحْتَ مَا أَجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ يَكُونُ الْوَتْرُ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَلَعَلَّ نَاسِخَ الْمَصَابِيحِ لَمَّا رَأَى الْمُجْمَلَ جَعَلَ الْخَفِيفَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفَصَّلِ، فَكَتَبَ قَوْلَهُ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ حَمَلَ قَوْلَهُ (ثُمَّ أَوْتَرَ) عَلَى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ مِنَ الْبَيْنِ، (ثُمَّ أَوْتَرَ) : قَالَ الْمُظْهِرُ هُنَا: الْوَتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ ; لِأَنَّهُ عَدَّ مَا قَبْلُ عَشْرَ رَكَعَاتٍ لِقَوْلِهِ: رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، فَهَذِهِ سِتُّ رَكَعَاتٍ أُخَرُ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ لَا بِثَلَاثٍ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ (فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ ; لِأَنَّهُ صَلَّى عَشْرًا فِي خَمْسِ دُفُعَاتٍ، يَعْنِي مَا عَدَا الْخَفِيفَتَيْنِ، أَوْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَصَابِيحُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ زَيْدٍ (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) : بِالنَّصْبِ، أَيْ: وَقَعَ قَوْلُ هَذَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ قَوْلِهِ: (هَكَذَا) ، أَيْ: أَرْبَعُ مَرَّاتٍ (فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ) ، أَيْ: مَتْنِهِ (وَأَفْرَادِهِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ، أَيْ: وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ (مِنْ كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : الْجَامِعِ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، (وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ) ، أَيْ: فِي مُوَطَّئِهِ (وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ) ، أَيْ: لِابْنِ الْأَثِيرِ، وَحَقُّهُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْمُوَطَّأِ، وَكَذَا فِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْبَغَوِيِّ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي الْمَصَابِيحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

Simple Habits of Greatness

1198 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1198 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ التَّبْدِينِ وَهُوَ الْكِبَرُ وَالضَّعْفُ، أَيْ: مَسَّهُ الْكِبَرُ وَأَسَنَّ، وَيُرْوَى بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ كَثُرَ لَحْمُهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
قِيلَ: لَمْ يُوصَفْ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – بِالسِّمَنِ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ ثَقُلَ عَنِ الْحَرَكَةِ وَضَعُفَ عَنْهَا ثِقَلَ الرَّجُلِ الْبَادِنِ، قُلْتُ: وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ (وَثَقُلَ) ، أَيْ: بَدَنُهُ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي قَوْلِهِ بَدَّنَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ مُخَفَّفًا بِضَمِّ الدَّالِّ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَنَ يَبْدُنَ بِدَانَةً، وَبَدَنَ بِفَتْحِ الدَّالِ يَبْدَنَ بَدَنًا وَهُوَ السِّمَنُ وَالِاكْتِنَازُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا مِنَ التَّبْدِينِ وَهُوَ السِّنُّ وَالْكِبَرُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي يَرْتَضِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصَفْ بِالسِّمَنِ فِيمَا يُوصَفُ بِهِ.
نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثَقُلَ، أَيْ: ضَعُفَ لِكِبَرِ سِنِّهِ وَكَثْرَةِ لَحْمِهِ، كَمَا فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ، فَذِكْرُ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ فِي رِوَايَةٍ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لَهُ سَبَبَانِ يَجُوزُ ذِكْرُهُمَا وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ.
اهـ.
وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى ; لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ كَبُرَ سِنُّهُ وَكَثُرَ لَحْمُهُ مَعَ أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – قَالَ: ” «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْحَبْرَ السَّمِينَ» “، وَأَمَّا رِوَايَةُ كَثُرَ لَحْمُهُ، فَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِرْخَاءِ لَحْمِ بَدَنِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كِبَرُ سِنِّهِ.
(كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ) ، أَيِ: النَّافِلَةُ (جَالِسًا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ خَصَائِصِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَنَّ ثَوَابَ تَطَوُّعِهِ جَالِسًا كَهُوَ قَائِمًا ; لِأَنَّ الْكَسَلَ الْمُقْتَضِيَ لِكَوْنِ أَجْرِ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ مَأْمُونٌ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَلَّى جَالِسًا ضَرُورَةً فَرْضًا أَوْ نَفْلًا يَكُونُ ثَوَابُهُ كَامِلًا، فَلَا يُعَدُ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْخَصَائِصِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِطْلَاقُ، سَوَاءٌ جُلُوسُهُ يَكُونُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلَمْ يَقُلِ الْبُخَارِيُّ: أَكْثَرُ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا.
اهـ.
فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ تَبَايُنٌ فَتَأَمَّلْ.

✩✩✩✩✩✩✩

testogen

1199 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ (حم الدُّخَانُ) وَ (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) » .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1199 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ) : جَمْعُ النَّظِيرَةِ وَهِيَ الْمِثْلُ وَالشَّبَهُ، أَيِ: السُّوَرُ الْمُمَاثِلَةُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ (الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرِنُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، أَيْ: يَجْمَعُ (بَيْنَهُنَّ) ، أَيْ: بَيْنَ سُورَتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي رَكْعَةٍ (فَذَكَرَ) ، أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ) ، أَيْ: جَمْعِهِ (سُورَتَيْنِ) ، أَيْ: كُلُّ سُورَتَيْنِ مِنَ الْعِشْرِينَ (فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ) ، أَيْ: آخِرُ الْعِشْرِينَ مُبْتَدَأٌ يَعْنِي آخِرَ الثِّنْتَيْنِ مِنَ الْعِشْرِينَ (حم الدُّخَانِ) : يُحْتَمَلُ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ فِي حم، وَالْفَتْحُ أَظْهَرُ، وَكَذَلِكَ فِي الدُّخَانِ وَالْجَرُّ أَشْهَرُ، (وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ لِلشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ رَوَى أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ قَالَا: أَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَنَثْرًا كَنَثْرِ الدَّقَلِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ (الرَّحْمَنُ وَالنَّجْمُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَالطُّورُ وَالذَّارِيَاتُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَإِذَا وَقَعَتْ وَالنُّونُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَسَأَلَ سَائِلٌ وَالنَّازِعَاتُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَعَبَسَ) فِي رَكْعَةٍ، (وَالْمُدَّثِّرُ وَالْمُزَّمِّلُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَهَلْ أَتَى وَلَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فِي رَكْعَةٍ، (وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَالْمُرْسَلَاتُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَالدُّخَانُ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) فِي رَكْعَةٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
اهـ.
وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ تَسْمِيَتُهَا، لَكِنْ بِنَقْصٍ وَمُخَالَفَةٍ فِي التَّرْتِيبِ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ يُنَافِي ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ آخِرُهُنَّ، أَيْ: آخِرُ الْعِشْرِينَ حم الدُّخَانِ، وَنَظِيرَتُهَا إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَنَظِيرَتُهَا وَالْمُرْسَلَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي تَرْتِيبِ السُّوَرِ، هَلْ هُوَ تَوْقِيفٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ بَعْضُهُ تَوْقِيفٌ وَبَعْضُهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؟ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مُرَتَّبًا هَكَذَا، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ إِلَّا هَكَذَا كَمَا هُوَ مُرَتَّبٌ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ لِلصِّغَارِ أَنْ يَقْرَءُوا مِنْ أَسْفَلَ لِضَرُورَةِ التَّعْلِيمِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مُرَتَّبٍ فَهُوَ غَيْرُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَلَوْ قَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ سُورَةَ النَّاسِ فَمَاذَا يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعِيدُهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْدَأُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، أَيْ إِلَى الْمُفْلِحُونَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْإِفَادَةَ أَوْلَى مِنَ الْإِعَادَةِ.
قَالَ: وَالْهَذُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ: الْإِسْرَاعُ، يُرِيدُ سَرْدَ الْقِرَاءَةِ وَالْعَجَلَةَ فِيهَا، وَالنَّثْرُ بِالْمُثَلَّثَةِ: الرَّمْيُ، وَالدَّقَلُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ: رَدِيءُ التَّمْرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَرْمِي جُمَلَهُ وَلَا يَتَأَنَّى بِهِ لِيَنْتَقِيَ مِنْهُ شَيْئًا.
اهـ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ: أَنَّ قِيَامَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوَتْرِ، وَأَنَّ هَذَا قَدْرُ قِرَاءَتِهِ غَالِبًا وَتَطْوِيلُهُ بِسَبَبِ التَّدَبُّرِ، وَتَطْوِيلُ الْأَرْكَانِ وَقِرَاءَتُهُ الْبَقَرَةَ وَالنِّسَاءَ نَادِرٌ، وَإِنْكَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الرَّجُلِ لِيَحُضَّهُ عَلَى التَّأَمُّلِ لَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْمُفَصَّلِ فِي رَكْعَةٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1200 – عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَكَانَ يَقُولُ: ” اللَّهُ أَكْبَرُ ” ” ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ “، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ.
ثُمَّ رَكَعَ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ “، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ، يَقُولُ: ” لِرَبِّيَ الْحَمْدُ “.
ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى “.
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: ” رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي “.
فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ (الْبَقَرَةَ) وَ (آلَ عِمْرَانَ) وَ (النِّسَاءَ) وَ (الْمَائِدَةَ) أَوِ (الْأَنْعَامَ) ،» شَكَّ شُعْبَةُ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1200 – (عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ، رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ) : الْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ (يَقُولُ) ، أَيْ بَعْدَ النِّيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ (” اللَّهُ أَكْبَرُ “) ، أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَيْ أَعْظَمُ، وَتَفْسِيرُهُمْ إِيَّاهُ بِالْكَبِيرِ ضَعِيفٌ، كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ كُنْهُ كِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ لَهُ ذَلِكَ، وَأُوِّلَ لِأَنَّ أَفْعَلَ فُعْلَى يَلْزَمُهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، أَوِ الْإِضَافَةُ كَالْأَكْبَرِ وَأَكْبَرِ الْقَوْمُ.
كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
(ثَلَاثًا ” ذُو الْمَلَكُوتِ “) ، أَيْ: صَاحِبُ الْمُلْكِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالصِّيغَةُ لِلْمُبَالَغَةِ، (” وَالْجَبَرُوتِ “) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلُوتٌ مِنَ الْجَبْرِ: الْقَهْرِ، وَالْجَبَّارُ: الَّذِي يَقْهَرُ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَادَ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَالِي فَوْقَ خَلْقِهِ، (” وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ “) ، أَيْ: غَايَةِ الْكِبْرِيَاءِ، وَنِهَايَةِ الْعَظَمَةِ وَالْبَهَاءِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا يُوصَفُ بِهِمَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُمَا التَّرَفُّعُ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ مَعَ انْقِيَادِهِمْ لَهُ، وَقِيلَ: عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، قَالَ: الْكِبْرِيَاءُ: التَّرَفُّعُ وَالتَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصِ، وَالْعَظَمَةُ: تَجَاوُزُ الْقَدْرِ عَنِ الْإِحَاطَةِ، وَالتَّحْقِيقُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لِلْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ فِي الصَّحِيحِ: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ) ، أَيْ: كَسَرْتُهُ وَأَهْلَكْتُهُ.
(ثُمَّ اسْتَفْتَحَ) ، أَيْ: قَرَأَ الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ يُسَمَّى دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ، أَوِ اسْتَفْتَحَ بِالْقِرَاءَةِ، أَيْ بَدَأَ بِهَا مِنْ غَيْرِ الْإِتْيَانِ بِالثَّنَاءِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ بَعْدَ الثَّنَاءِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَحَمْلًا عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ يَقُولُهُ فِي صَلَاتِهِ فِي مَحَلِّ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ.
(فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ) ، أَيْ: كُلَّهَا، وَيُحْتَمَلُ بَعْضُهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، كَمَا فِي الْأَزْهَارِ، أَوِ الْفَاتِحَةَ وَفَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ مَعَهَا، كَمَا قِيلَ.
وَإِنَّمَا حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.
(ثُمَّ رَكَعَ، فَكَانَ رُكُوعُهُ) ، أَيْ: طُولُهُ (نَحْوًا) ، أَيْ: قَرِيبًا (مِنْ قِيَامِهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالْمُرَادُ أَنَّ رُكُوعَهُ مُتَجَاوِزٌ عَنِ الْمَعْهُودِ كَالْقِيَامِ، (فَكَانَ يَقُولُ) : حِكَايَةُ الْمَاضِيَةِ اسْتِحْضَارًا.
قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (فِي رُكُوعِهِ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ “) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُسَكَّنُ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ) بَعْدَ الرُّكُوعِ، أَيِ: اعْتِدَالُهُ (نَحْوًا) ، أَيْ: قَرِيبًا (مِنْ رُكُوعِهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسَخٍ مِنْ قِيَامِهِ، وَفِيهِ تَطْوِيلُ الِاعْتِدَالِ، مَعَ أَنَّهُ رُكْنٌ قَصِيرٌ عِنْدَنَا، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ طَوِيلٌ، بَلْ جَزَمَ بِهِ جَزْمَ الْمَذْهَبِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ.
اهـ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: ” «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» “.
اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ مَا نَسَبَ الشَّيْخُ إِلَى بَعْضِ النُّسَخِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ الْمُصَحَّحَةِ.
(يَقُولُ) ، أَيْ: بَعْدَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: (” لِرَبِّيَ الْحَمْدُ ” ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ) ، أَيْ: لِلْقِرَاءَةِ، قَالَهُ عِصَامُ الدِّينِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَكُونَ سُجُودُهُ أَقَلَّ مِنْ رُكُوعِهِ، وَالْأَظْهَرُ: الْأَقْرَبُ مِنْ قِيَامِهِ مِنَ الرُّكُوعِ لِلِاعْتِدَالِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ، أَيْ: مِنِ اعْتِدَالِهِ (فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى “.
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ) ، أَيْ: سُجُودِهِ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ مَا مَرَّ فِي الِاعْتِدَالِ (وَكَانَ يَقُولُ) ، أَيْ: فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: (” رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي “) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قَوْلُهُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي مَرَّتَيْنِ لِتَكْرَارِهِ كَرَّتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِكْثَارَهُ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ السَّابِقَةِ، (فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ) ، أَيْ: فِي الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ (الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءَ، وَالْمَائِدَةَ، أَوِ الْأَنْعَامَ، شَكَّ شُعْبَةُ) ، أَيْ: رَاوِي الْحَدِيثِ، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ مَرْضَاةً لِلتَّرْتِيبِ الْمُقَرَّرِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي جَمِيعِ السُّورِ تَوْقِيفِيٌّ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْآنَ مَصَاحِفُ الزَّمَانِ، كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَنْبَسٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو حَمْزَةَ عِنْدَنَا طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَبُو حَمْزَةَ عِنْدَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَزِيدَ.
اهـ.
وَقَوْلُ النَّسَائِيِّ أَصَحُّ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَالرَّجُلُ الْمُبْهَمُ هُوَ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ الْعَنْبَسِيُّ الْكُوفِيُّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَمُسْلِمٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

phengold

1201 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ» “.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1201 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ “) : قَامَ بِهِ، أَيْ أَتَى بِهِ، يَعْنِي: مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ فِي صَلَاتِهِ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّأَنِّي كَذَا قِيلَ، وَفِي الْأَزْهَارِ يُحْتَمُلُ مَنْ قَامَ وَقَرَأَ وَإِنْ لَمْ يُصِلِّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَخَذَهَا بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ يَقْرَؤُهَا فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ.
اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ تَحْصُلُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ وَثَلَاثُ آيَاتٍ بَعْدَهَا، فَتِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ.
(” لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ “) ، أَيْ: لَمْ يُثْبَتِ اسْمُهُ فِي صَحِيفَةِ الْغَافِلِينَ.
(” «وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ» “) ، أَيِ الْمُوَاظِبِينَ عَلَى الطَّاعَةِ أَوِ الْمُطَوِّلِينِ الْقِيَامَ فِي الْعِبَادَةِ.
وَالْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ وَالْقِيَامُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مِنَ الَّذِينَ قَامُوا بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَزِمُوا طَاعَتَهُ وَخَضَعُوا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَهَا مَزَايَا وَفَضَائِلُ، وَأَعْلَاهَا أَنْ تَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، لَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ، قَالَ تَعَالَى {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ مُحْيِي السُّنَّةِ الْحَدِيثَ فِي بَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ لَا بِصَلَاةٍ وَلَا بِلَيْلٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِهِ، وَيَدُلَّ عَلَيْهِ جَزَاءُ الشَّرْطِيَّةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: ” لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ “، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مَحَلِّ الْأَكْمَلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَتَفْسِيرِي (قَامَ يُصَلِّي) فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ.
فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ لَا يُعْرُفُ فِي الشَّرْعِ تَفْسِيرُ (قَامَ يُصَلِّي) وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَفَاتَهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَسُوقٌ فِي بَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
فَغَرِيبٌ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْوُرُودِ مِنْهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فِيهِ، وَبَيْنَ إِيرَادِ غَيْرِهِ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهَا وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ قِرَاءَتُهُ ذَلِكَ فِي خُصُوصِ الصَّلَاةِ – فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ قَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ الْقَيْدُ يُفِيدُ زِيَادَةَ الْفَضِيلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(” وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ “) : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مِنَ الْمُلْكِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ أَلْفُ آيَةٍ.
(” كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ “) ، أَيْ: مِنَ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الْأَجْرِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَنَاطِيرِ، وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ.
يَعْنِي مِنَ الَّذِينَ بَلَغُوا فِي حِيَازَةِ الْمَثُوبَاتِ مَبْلَغَ الْمُقَنْطِرِينَ فِي حِيَازَةِ الْأَمْوَالِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا نَجِدُ الْعَرَبَ تَعْرِفُ وَزْنَ الْقِنْطَارِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْعَرَبِ الْمِقْدَارُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، قِيلَ: أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَإِذَا قَالُوا: قَنَاطِيرُ مُقَنْطَرَةٌ فَهِيَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ الْقِنْطَارُ: مِلْءُ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا، وَقِيلَ: هُوَ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ مَجْهُولَةٌ مِنَ الْمَالِ.
قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَقَالَ مِيرَكُ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” «الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» “.
رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ نَقَلَهُ الْمُنْذِرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَذَا رَوَاهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، وَأَقُولُ: وَرُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَلَفْظُهُ: ” «مَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ لَهُ قِنْطَارٌ، وَالْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَالْوُقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَخَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» “.
أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ قَامَ بِمِائَتَيْ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلُهُ: مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ، أَيْ: مِمَّنْ كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الْأَجْرِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

Simple Habits of Greatness

✩✩✩✩✩✩✩

1202 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1202 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ) : فِي الْأَزْهَارِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَهُوَ: مُخْتَلِفَةٌ.
(يَرْفَعُ) ، أَيْ صَوْتَهَ رَفْعًا مُتَوَسِّطًا (طَوْرًا) ، أَيْ مَرَّةً أَوْ حَالَةً إِنْ كَانَ خَالِيًا (وَيَخْفِضُ طَوْرًا) : إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَائِمٌ أَوْ بِحَسَبِ حَالِهِ الْمُنَاسِبِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: (يَرْفَعُ) خَبَرُ (كَانَ) وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ يَرْفَعُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فِيهَا طَوْرًا صَوْتَهُ، وَإِنْ رُوِيَ مَجْهُولًا كَانَ ظَاهِرًا، يَعْنِي: كُلًّا مِنَ الْفِعْلَيْنِ لَوْ كَانَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ كَانَتْ خَبَرِيَّتُهُ ظَاهِرَةً، وَمَا احْتَاجَا إِلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ نَقَلَهُ مِيرَكُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1203 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

1203 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : رَفْعُهَا (عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ) ، أَيْ: (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : رَفْعُهَا (عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ) ، أَيْ: مِقْدَارِ قِرَاءَةٍ يَسْمَعُهَا، وَفِي الشَّمَائِلِ: رُبَّمَا يَسْمَعُهَا، وَفِي نُسْخَةٍ: يَسْمَعُهُ، قَالَ عِصَامُ الدِّينِ: التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ مَا قَرَأَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ صَوْتٌ أَوْ رَفْعٌ يَسْمَعُهُ، (مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ) أَيْ فِي بَيْتِهِ.
قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحُجْرَةِ صَحْنُ الْبَيْتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ هُوَ الْحُجْرَةُ نَفْسُهَا، أَيْ يُسْمِعُ مَنْ فِيهَا، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْحُجْرَةُ أَخَصُّ مِنَ الْبَيْتِ يَعْنِي كَانَ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ كَثِيرًا وَلَا يُسِرُّ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا، وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ، يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِيهَا كَثِيرًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1204 – وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ “، قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَقَالَ لِعُمَرَ: ” مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ “.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُوقِظُ الْوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا “، وَقَالَ لِعُمَرَ: ” اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا» “.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ.

1204 – (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ مَارٌّ بِأَبِي بَكْرٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَمَرَّ، وَقَوْلُهُ: (يُصَلِّي) : حَالٌ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ (يَخْفِضُ) : حَالٌ عَنْ ضَمِيرِ يُصَلِّي.
انْتَهَى.
وَفِي نُسْخَةٍ: وَهُوَ يَخْفِضُ (مِنْ صَوْتِهِ) ، أَيْ: بَعْضَ صَوْتِهِ.
(وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ، قَالَ) أَبُو قَتَادَةَ (فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) ، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّهُودِ وَالْجَمَالِ.
(قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ!) : جَوَابٌ مُتَضَمِّنٌ لِعِلَّةِ الْخَفْضِ، أَيْ: أَنَا أُنَاجِي رَبِّي وَهُوَ يَسْمَعُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَفْعِ الصَّوْتِ.
(وَقَالَ لِعُمَرَ: ” «مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ» “، فَقَالَ) : لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْهَيْبَةِ وَالْجَلَالِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ) أَيْ أُنَبِّهُ (الْوَسْنَانَ) ، أَيِ: النَّائِمَ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَغْرِقٍ فِي نَوْمِهِ، (وَأَطْرُدُ) أَيْ: أُبْعِدُ (الشَّيْطَانَ) : وَوَسْوَسَتَهُ بِالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، وَتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَرْتَبَتِهِمَا وَمَقَامِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ فِي فِعْلَيْهِمَا وَحَالَيْهِمَا مِنْ مَرْتَبَةِ الْجَمْعِ لِلْأَوَّلِ وَحَالَةِ الْفَرْقِ لِلثَّانِي، وَالْأَكْمَلُ هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ الَّذِي كَانَ حَالَهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَدَلَّهُمَا عَلَيْهِ، وَأَشَارَ لَهُمَا إِلَيْهِ.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِكَوْنِهِ الطَّبِيبَ الْحَاذِقَ وَالْحَبِيبَ الْمُشْفِقَ الْمُوَصِّلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ (” «يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا» “) ، أَيْ: قَلِيلًا لِيَنْتَفِعَ بِكَ سَامِعٌ وَيَتَّعِظَ مُهْتَدٍ، وَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ مِزَاجُ التَّوْحِيدِ الْحَارُّ الْمُحْرِقُ مَا سِوَى اللَّهِ الْحَقِّ فِي الدَّارِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْمَقَامُ الْجَمْعِيُّ الشُّهُودِيُّ، بِأَنْ لَا تَحْجُبَهُ الْوَحْدَةُ عَنِ الْكَثْرَةِ، وَلَا الْخَلْقُ عَنِ الْحَقِّ، وَهُوَ أَكْمَلُ الْمَرَاتِبِ، وَأَفْضَلُ الْمَنَاصِبِ الذيِ هُوَ وَظِيفَةُ الرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَطَرِيقَةُ الْأَوْلِيَاءِ التَّابِعِينَ الْمُكَمَّلِينَ الْعِظَامِ، ( «وَقَالَ لِعُمَرَ: اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا» “) ، أَيْ: قَلِيلًا لِئَلَّا يَتَشَوَّشَ بِكَ نَحْوُ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ مَعْذُورٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ لِيَعْتَدِلَ مِزَاجُهُ، فَإِنَّ بُرُودَةَ الْخُلُقِ وَكَافُورِيَّةَ الشَّيْطَانِ كَانَتْ غَالِبَةً عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِمَزْجِ عَسَلِ التَّوْحِيدِ الَّذِي فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، وَبِاسْتِعْمَالِ حَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ الَّتِي هِيَ لَذَّةُ الْعِبَادَاتِ وَزُبْدَةُ الطَّاعَاتِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالَاتِ وَأَصْحَابِ الْمَقَامَاتِ، أَذَاقَنَا اللَّهُ مِنْ مَشَارِبِهِمْ وَأَنَالَنَا مِنْ مَآرِبِهِمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110] كَأَنَّهُ قَالَ لِلصِّدِّيقِ: انْزِلْ مِنْ مُنَاجَاتِكَ رَبَّكَ شَيْئًا قَلِيلًا وَاجْعَلْ لِلْخَلْقِ مِنْ قِرَاءَتِكَ نَصِيبًا، وَقَالَ لِعُمَرَ: ارْتَفِعْ مِنَ الْخَلْقِ هَوْنًا وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ مِنْ مُنَاجَاةِ رَبِّكَ نَصِيبًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَقَالَ مِيرَكُ، أَيْ: مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
نَقَلَهُ مِيرَكُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1205 – وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَتَّى أَصْبَحَ بِآيَةٍ وَالْآيَةُ: ” {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] » رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

1205 – (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، أَيْ فِي صَلَاتِهِ لَيْلًا، مِنْ حِينِ قِيَامِهِ (حَتَّى أَصْبَحَ) ، أَيِ: اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ خَارِجَهَا، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ، أَيِ: اللَّيْلَ كُلَّهُ، فِيهِ نَظَرٌ، إِذِ الْمَشْهُورُ عَنْهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَنَّهُ مَا سَهِرَ لَيْلَةً كُلَّهَا قَطُّ، وَالْحَدِيثُ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَيْهِ ; إِذْ مَبْدَأُ قِرَاءَتِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ مُنْتَهِيًا إِلَى الصُّبْحِ، (بِآيَةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَامَ، أَيْ: أَخَذَ يَقْرَؤُهَا مِنْ لَدُنْ قِيَامِهِ، يَتَفَكَّرُ فِي مَعَانِيهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الذَّوْقِ وَاللَّذَّةِ الْمَنِيفَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، (وَالْآيَةُ) ، أَيِ: الْمَعْهُودَةُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ} [المائدة: 118] ، أَيْ أُمَّةَ الْإِجَابَةِ عَلَى مَعَاصِيهِمْ {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] : وَيَسْتَحِقُّونَهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْكَ الظُّلْمُ، وَفِيهِ اسْتِعْطَافٌ لَطِيفٌ كَمَا فِي قَرِينَةِ اسْتِعْفَاءٍ شَرِيفٍ {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} [المائدة: 118] ، أَيْ: ذُنُوبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ.
وَمَا بَعْدَهُ دَلِيلُ جَوَابِ الشَّرْطَيْنِ {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ} [المائدة: 118] ، أَيِ: الْغَالِبُ عَلَى مَا تُرِيدُ {الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] ، أَيِ: الْحَاكِمُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، أَوِ الْحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِالْعَزِيزِ الْمُنْتَقِمُ لِمُخَالِفِيهِ، وَبِالْحَكِيمِ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِالْعَزِيزِ الْمُنْتَقِمُ لِمُخَالِفِيهِ، وَبِالْحَكِيمِ الْمُلَاطِفُ لِمُوَافِقِيهِ، فَيَصِيرُ لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِعِبَارَاتِ كِتَابِهِ وَبِإِشَارَاتِ خِطَابِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ عِيسَى – عَلَيْهِ السَّلَامُ – نَاجَى رَبَّهُ قَائِلًا: إِنْ تُعَذِّبْ أُمَّتِي فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَالرَّبُّ إِذَا عَاقَبَ عَبْدَهُ فَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، أَيْ: تُوَفِّقْهُمْ لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْقَوِيُّ الْقَادِرُ عَلَى مَا تَشَاءُ، الْحَكِيمُ الَّذِي لَا يُثِيبُ وَلَا يُعَاقِبُ إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ وَصَوَابٍ.
انْتَهَى.
وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّا قَبْلَ الْآيَةِ أَنَّ هَذَا الْمَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَا يُنَاسِبُهُ تَفْسِيرُ الْغُفْرَانِ بِتَوْفِيقِ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ الضَّمِيرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ عُمُومُ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ، وَقَدْ قِيلَ قَوْلُهُ: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقَعَ بَعْدَ التَّرَقِّي إِلَى السَّمَاءِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ لِكَلَامِهِ وَجْهٌ.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1206 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.

1206 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ “) : يَعْنِي سُنَّةَ الْفَجْرِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَوَّلَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ “) ، أَيْ: لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعَبِ قِيَامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ عَلَى نَشَاطِهِ وَانْبِسَاطِهِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ فِي حَقِّ مَنْ تَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ.
انْتَهَى.
فَيَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ وَفِعْلُهُ فِي الْبَيْتِ لَا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَرْأًى مِنَ النَّاسِ، وَيَحْتَرِسُ مِنْ أَنَّ النَّوْمَ يَأْخُذُهُ فَيُصَلِّي الْفَرْضَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ زَكَرِيَّا مِنْ مَشَايِخِنَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ مِيرَكُ: كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
انْتَهَى.
وَقَدْ عُلِّلَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1207 – عَنْ مَسْرُوقٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، «أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ، قُلْتُ: فَأَيُّ حِينَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1207 – (عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أَيُّ الْعَمَلِ) : بِالرَّفْعِ (كَانَ أَحَبَّ) : بِالنَّصْبِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ الْعَمَلُ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَمِنْ ثَمَّ أَدْخَلَ حَرْفَ التَّرَاخِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] (قُلْتُ فَأَيَّ حِينٍ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ (كَانَ يَقُومُ) ، أَيْ فِيهِ (مِنَ اللَّيْلِ؟) أَيْ: مِنْ أَحْيَانِهِ وَأَوْقَاتِهِ؟ (قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ) ، أَيْ: صَوْتَ الدِّيكِ ; لِأَنَّهُ كَثِيرُ الصِّيَاحِ فِي اللَّيْلِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَكَانَ هَذَا أَكْثَرَ أَوْقَاتِهِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1208 – وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «مَا كُنَّا نَشَاءُ أَنْ نَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ، وَلَا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ نَائِمًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ» .
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

1208 – (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا كُنَّا) : ” مَا ” نَافِيَةٌ (نَشَاءُ) ، أَيْ: نُرِيدُ (أَنْ نَرَى) ، أَيْ: نُبْصِرُ (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ) ، أَيْ: فِي وَقْتٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ (مُصَلِّيًا) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (إِلَّا رَأَيْنَاهُ) ، أَيْ: مُصَلِّيًا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ (وَلَا نَشَاءُ) ، أَيْ: نَقْصِدُ (أَنْ نَرَاهُ نَائِمًا) ، أَيْ: فِي اللَّيْلِ (إِلَّا رَأَيْنَاهُ) ، أَيْ: نَائِمًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْنَى مَا كُنَّا أَرَدْنَا أَمْرًا مُهِمًّا إِلَّا وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ، يَعْنِي: أَنَّ أَمْرَهُ كَانَ قَصْدًا لَا إِفْرَاطًا وَلَا تَفْرِيطًا.
انْتَهَى.
يَعْنِي: كَانَ أَمْرُهُ مُتَوَسِّطًا لَا إِسْرَافًا وَلَا تَقْصِيرًا، نَامَ أَوَانَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ فِيهِ كَأَوَّلِ اللَّيْلِ، وَيُصَلِّيَ أَوَانَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ كَآخِرِ اللَّيْلِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَيْ أَنَّ صَلَاتَهُ وَنَوْمَهُ كَانَ يَخْتَلِفُ بِاللَّيْلِ وَلَا يُرَتِّبُ وَقْتًا مُعَيَّنًا، بَلْ بِحَسَبِ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الْقِيَامُ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ.
فَإِنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ اطِّلَاعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ تَقَعُ مِنْهُ غَالِبًا فِي الْبَيْتِ، فَخَبَرُ أَنَسٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
اهـ.
وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ تَعَدُّدُ قِيَامِهِ، وَمَنَامِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – عَلَى مِنْوَالِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1209 – وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُلْتُ وَأَنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ لَأَرْقُبَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ، فَلَمَّا صَلَّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ، اضْطَجَعَ هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَنَظَرَ فِي الْأُفُقِ، فَقَالَ: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191] حَتَّى بَلَغَ إِلَى: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 194] ، ثُمَّ أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فِرَاشِهِ، فَاسْتَلَّ مِنْهُ سِوَاكًا، ثُمَّ أَفْرَغَ فِي قَدَحٍ مِنْ إِدَاوَةٍ عِنْدَهُ مَاءً، فَاسْتَنَّ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى قُلْتُ قَدْ نَامَ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ» .
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

1209 – (وَعَنْ حَمَدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) : مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ الْمُتَقَدِّمُ (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ لِظُهُورِ عَدَالَتِهِ بِبَرَكَةِ نِسْبَةِ صَحَابَتِهِ.
(قَالَ) ، أَيِ الرَّجُلُ (قُلْتُ) ، أَيْ: فِي نَفْسِي، أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِي (وَأَنَا فِي سَفَرٍ) : مِنْ غَزْوَةٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ حِجَّةٍ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَعَهُ، أَيْ: رَفِيقًا لَهُ (وَاللَّهَ لَأَرْقُبَنَّ) ، أَيْ لَأَنْظُرَنَّ وَأَحْفَظَنَّ (رَسُولَ اللَّهِ) ، أَيْ: وَقْتَ قِيَامِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، أَيْ: فِي اللَّيْلِ (لِلصَّلَاةِ) ، أَيْ: لِأَجْلِهَا (حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ) وَأَقْتَدِيَ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَأَرْقُبَنَّ وَقْتَ صَلَاتِهِ فِي اللَّيْلِ فَأَنْظُرُ مَاذَا يَفْعَلُ فِيهِ، فَاللَّامُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ” قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي “.
(فَلَمَّا صَلَّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ) : لَا الْمَغْرِبُ، أَوْ لِأَنَّ الْعَتَمَةَ كَانَتْ أَشْهَرَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِشَاءِ (اضْطَجَعَ) ، أَيْ: رَقَدَ (هَوِيًّا) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، أَيْ: حِينًا طَوِيلًا (مِنَ اللَّيْلِ) : وَقِيلَ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) ، أَيِ: اسْتَنْبَهَ مِنَ النَّوْمِ (فَنَظَرَ فِي الْأُفُقِ) ، أَيْ: نَوَاحِي السَّمَاءِ (فَقَالَ) ، أَيْ قَرَأَ {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا} [آل عمران: 191] ، أَيْ: مَرْئِيَّنَا مِنَ الْأُفُقِ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ مِنَ الْآيَاتِ، كَمَا وَرَدَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا سَمِعَ الرَّاوِي هَذَا الْمِقْدَارَ (حَتَّى بَلَغَ إِلَى: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 194] ، أَيْ وَعْدَكَ لِلْعِبَادِ فِي يَوْمِ الْمِيعَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَقَفَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السَّامِعَ لَمْ يَسْمَعْ مَا بَعْدَهُ، فَيُوَافِقُ مَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
(ثُمَّ أَهْوَى) ، أَيْ: قَصَدَ وَمَالَ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، أَيْ: بِيَدِهِ (إِلَى فِرَاشِهِ، فَاسْتَلَّ) ، أَيِ: اسْتَخْرَجَ (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهِ (سِوَاكًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ انْتَزَعَ السِّوَاكَ مِنَ الْفِرَاشِ بِتَأَنٍّ وَتَدْرِيجٍ.
اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا هُوَ أَصْلُ اللُّغَةِ، لَكِنْ وَقَعَ فِيهِ تَجْرِيدٌ مِنْهُ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ (ثُمَّ أَفْرَغَ) ، أَيْ: صَبَّ (فِي قَدَحٍ مِنْ إِدَاوَةٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: مَطْهُرَةٍ كَائِنَةٍ (عِنْدَهُ مَاءً) : مَفْعُولُ صَبَّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مَاءً بَلَّ السِّوَاكَ مِنْهُ كَمَا هُوَ السُّنَّةُ.
اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَبَّ الْمَاءَ فِيهِ تَهْيِئَةً لِلْوُضُوءِ، (فَاسْتَنَّ) ، أَيِ: اسْتَعْمَلَ السِّوَاكَ وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْأَسْنَانِ لِأَنَّهُ يُمِرُّهُ عَلَيْهَا، (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى) ، أَيْ: بِوُضُوءٍ مُجَدَّدٍ أَوْ بِوُضُوئِهِ السَّابِقِ، (حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ) ، أَيْ: رَقَدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاضْطِجَاعِ وَضْعُ الْجَنْبِ عَلَى الْأَرْضِ، وَبِالِاسْتِيقَاظِ رَفْعُهُ عَنْهَا.
(حَتَّى قُلْتُ) ، أَيْ: فِي ظَنِّي (قَدْ نَامَ) : أَوِ اسْتَرَاحَ (قَدْرَ مَا صَلَّى ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) ، أَيْ: فَقَامَ (فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، أَيْ: مِنَ الِاسْتِيَاكِ وَالصَّلَاةِ.
(وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ) : مِنْ قِرَاءَةِ الْآيَاتِ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ; إِذِ الْقَوْلُ قَبْلَ الْفِعْلِ، (فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، أَوْ مِنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ) : (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1210 – وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَاتِهِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتُهُ؟ كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ نَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

1210 – (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ) : بِمِيمَيْنِ عَلَى وَزْنِ جَعْفَرٍ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ.
(أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَاتِهِ؟) ، أَيْ: فِي اللَّيْلِ، (فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتُهُ؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ: (وَمَا لَكُمْ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: مَا لَكُمْ وَقِرَاءَتُهُ، وَمَا لَكَمَ وَصَلَاتُهُ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَصَلَاتُهُ بِمَعْنَى ” مَعَ “، أَيْ: مَا تَصْنَعُونَ مَعَ قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ.
ذَكَرَتْهَا تَحَسُّرًا وَتَلَهُّفًا عَلَى مَا تَذَكَّرَتْ مِنْ أَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا أَنَّهَا أَنْكَرَتِ السُّؤَالَ عَلَى السَّائِلِ.
اهـ.
أَوْ مَعْنَاهُ: أَيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ لَكُمْ مَعَ وَصْفِ قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا مِثْلَهُ، فَفِيهِ نَوْعُ تَعَجُّبٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: وَأَيُّ مَنْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ.
( «كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ» ) ، أَيْ: كَانَ صَلَاتُهُ فِي أَوْقَاتٍ ثَلَاثٍ إِلَى الصُّبْحِ، أَوْ كَانَ يَسْتَمِرُّ حَالُهُ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ وَالنِّيَامِ إِلَى أَنْ يُصْبِحَ (ثُمَّ نَعَتَتْ) ، أَيْ: وَصَفَتْ (قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ) ، أَيْ: أُمُّ سَلَمَةَ (تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً) : بِفَتْحِ السِّينِ أَوْ كَسْرِهَا، أَيْ مُبَيَّنَةً (حَرْفًا حَرْفًا) ، أَيْ: مُرَتَّلَةً وَمُجَوَّدَةً وَمُمَيَّزَةً غَيْرَ مُخَالَطَةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَرْفِ الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ، فَتُفِيدُ مُرَاعَاةَ الْوُقُوفِ بَعْدَ تَبْيِينِ الْحُرُوفِ.
قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقُولَ قِرَاءَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ تَقْرَأَ مُرَتِّلَةً مُبَيِّنَةً، كَقِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: وَجْهُهَا يَصِفُ الْجَمَالَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} [النحل: 62] .
اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

 

Originally posted on Mon _26 _September _2022AH 26-9-2022AD @ 5:25 pm

golf336

Responses

Your email address will not be published. Required fields are marked *

+