﴿ كتاب العلم ﴾
۞۞۞۞۞۞۞

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
198 – عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» “.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

[2] كِتَابُ الْعِلْمِ أَيْ: فَضْلُهُ وَفَضْلُ تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَبَيَانُ مَا هُوَ عِلْمٌ شَرْعًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ بَابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَالْعِلْمُ نُورٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مُقْتَبَسٌ مِنْ مَصَابِيحِ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالْأَفْعَالِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الْمَحْمُودِيَّةِ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَإِنْ حَصَلَ بِوَاسِطَةِ الْبَشَرِ فَهُوَ كَسْبِيُّ، وَإِلَّا فَهُوَ الْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ الْمُنْقَسِمُ إِلَى الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ وَالْفَرَاسَةِ، فَالْوَحْيُ لُغَةً إِشَارَةٌ بِسُرْعَةٍ وَاصْطِلَاحًا كَلَامٌ إِلَهِيٌّ يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ النَّبَوِيِّ.
فَمَا أَنْزَلَ صُورَتَهُ وَمَعْنَاهُ وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ فَهُوَ الْكَلَامُ الْإِلَهِيُّ.
وَمَا نَزَلَ مَعْنَاهُ عَلَى الشَّارِعِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَلَامِهِ فَهُوَ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي مَحَلِّ الشُّهُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] وَقَدْ يَكُونُ بِوَاسِطَةِ نُزُولِ الْمَلَكِ، أَيْ: بِنُزُولِهِ مِنَ الصُّورَةِ الْمَلَكِيَّةِ إِلَى الْهَيْئَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْحَقُّ، فَكَلَّمَ أَوَّلًا مُحَمَّدًا بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، وَثَانِيًا أَصْحَابَهُ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدٍ، وَثَالِثًا التَّابِعِينَ بِوَاسِطَةِ الصَّحَابَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَقَدْ يَكُونُ بِنَفْثِهِ قِي قَلْبِهِ بِأَنْ يُلْقِيَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَةِ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي، وَالْإِلْهَامُ لُغَةً الْإِبْلَاغُ، وَهُوَ عِلْمٌ حَقٌّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ مِنَ الْغَيْبِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} [سبأ: 48] وَالْفَرَاسَةُ عِلْمٌ يَنْكَشِفُ مِنَ الْغَيْبِ بِسَبَبِ تَفَرُّسِ آثَارِ الصُّوَرِ، «اتَّقَوْا فَرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْفِرَاسَةِ أَنَّهَا كَشْفُ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ بِوَاسِطَةِ تَفَرُّسِ آثَارِ الصُّوَرِ، وَالْإِلْهَامُ كَشْفُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، ثُمَّ عِلْمُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ وَالنَّوَالِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِتَحْقِيقِ الِانْفِصَالِ عَنْ لَوْثِ الصَّلْصَالِ لِوُرُودِ رَائِدِ الْوِصَالِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
198 – (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (بَلِّغُوا عَنِّي) : أَيِ: انْقُلُوا إِلَى النَّاسِ، وَأَفِيدُوهُمْ مَا أَمْكَنَكُمْ، أَوْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِمَّا سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، وَمَا أَخَذْتُمُوهُ عَنِّي مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ (وَلَوْ آيَةً) أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمُبَلَّغُ آيَةً وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَإِنَّمَا قَالَ ” آيَّةً ” لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يُفِيدُ فِي بَابِ التَّبْلِيغِ، وَلَمْ يَقُلْ حَدِيثًا لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ التَّبْلِيغِ مَعَ انْتِشَارِهَا، وَكَثْرَةِ حَمَلَتِهَا لِتَوَاتُرِهَا، وَتَكَفُّلِ اللَّهِ تَعَالَى بِحِفْظِهَا وَصَوْنِهَا عَنِ الضَّيَاعِ وَالتَّحْرِيفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] فَالْحَدِيثُ مَعَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ مِمَّا ذُكِرَ أَوْلَى بِالتَّبْلِيغِ، وَأَمَّا لِشِدَّةِ اهْتِمَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِنَقْلِ الْآيَاتِ لِبَقَائِهَا مِنْ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ، وَلِمَسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَى ضَبْطِهَا وَنَقْلِهَا إِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَاتُرِ أَلْفَاظِهَا، وَالْآيَةُ مَا وُزِّعَتِ السُّورَةُ عَلَيْهَا اهـ.
وَالثَّانِي: أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَالَ الْمَظْهَرُ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ، نَحْوَ: مَنْ صَمَتَ نَجَا، وَالدِّينُ النَّصِيحَةُ، أَيْ: بَلِّغُوا عَنِّي أَحَادِيثِي، وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَالَ وَلَوْ آيَةً وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ حَدِيثًا مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ؟ قُلْنَا: لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُبَلِّغُهُمْ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ طِبَاعَ الْمُسْلِمِينَ مَائِلَةٌ إِلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَنَشْرِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا اخْتِيرَ لَفْظُ الْآيَةِ لِشَرَفِهَا، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْحُكْمُ الْمُوحَى إِلَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَتْلُوَّةِ وَغَيْرِهَا بِحُكْمِ عُمُومِ الْوَحْيِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، أَوْ لِأَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرِهِ فَهُوَ آيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى رِسَالَتِهِ، فَإِنَّ ظُهُورَ مِثْلِ هَذِهِ الْعُلُومِ مِنَ الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: التَّحْرِيضُ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ، وَمِنْهَا: جَوَازُ تَبْلِيغِ بَعْضِ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ عَادَةُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَالْمَشَارِقِ وَلَا بَأْسَ بِهِ، إِذِ الْمَقْصُودُ تَبْلِيغُ لَفْظِ الْحَدِيثِ مُفِيدًا سَوَاءٌ كَانَ تَامًّا أَمْ لَا.
(وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ) .
الْحَرَجُ: الضِّيقُ وَالْإِثْمُ وَهَذَا لَيْسَ عَلَى مَعْنَى إِبَاحَةِ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، بَلْ دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ الْحَرَجِ فِي التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ وَإِسْنَادُهُ لِبُعْدِ الزَّمَانِ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَتَبِعَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْمُظْهِرُ وَهُوَ مُقَيِّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ نَرَ كَذِبَ مَا قَالُوهُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِمَا جَاءَ عَنْهُمْ، وَبَيْنَ التَّرْخِيصِ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحَدُّثِ هَاهُنَا التَّحَدُّثُ بِقِصَصٍ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجِيبَةِ، كَحِكَايَةِ عِوَجِ بْنِ عُنُقٍ، وَقَتْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْفُسَهُمْ فِي تَوْبَتِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَتَفْصِيلِ الْقِصَصِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ عِبْرَةً وَمَوْعِظَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ هُنَاكَ النَّهْيُ عَنْ نَقْلِ أَحْكَامِ كُتُبِهِمْ لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ مَنْسُوخَةٌ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اهـ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عِوَجٍ أَنَّهُ رَفَعَ جَبَلًا قَدْرَ عَسْكَرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ لِيَضَعَهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقَرَهُ هُدْهُدٌ بِمِنْقَارِهِ وَثَقَبَهُ وَوَقَعَ فِي عُنُقِهِ، فَكَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَرَوَى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: ” «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ فِيهِمْ أَعَاجِيبُ» ” ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَقْبَرَةٍ فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْنَا ثُمَّ دَعَوْنَا رَبَّنَا حَتَّى يُخْرِجَ اللَّهُ لَنَا بَعْضَ الْمَوْتَى فَيُخْبِرَنَا عَنِ الْمَوْتِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ دَعَوْا رَبَّهُمْ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا رَجُلٌ قَدْ أَطْلَعَ رَأْسَهُ مَنْ قَبَرِهِ وَهُوَ أَسْوَدُ خَلَا شَيْبًا أَيْ بَيَاضُ رَأَسِهِ يُخَالِطُ سَوَادَهُ وَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ مَا أَرَدْتُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ مُتُّ مُنْذُ تِسْعِينَ سَنَةً، فَمَا ذَهَبَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ مِنِّي حَتَّى كَأَنَّهُ الْآنَ، فَادْعُوا اللَّهَ أَنْ يُعِيدَنِي كَمَا كُنْتُ، وَكَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ» .
(وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مَعْنَى كَذَبَ عَلَيْهِ نَسَبَ الْكَلَامَ كَاذِبًا إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ اهـ.
وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ زَعْمُ مَنْ جَوَّزَ وَضْعَ الْأَحَادِيثِ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْعِبَادَةِ، كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ الْجَهَلَةِ فِي وَضْعِ أَحَادِيثَ فِي فَضَائِلِ السُّورِ، وَفِي الصَّلَاةِ اللَّيْلِيَّةِ وَالنَّهَارِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ تَعْدِيَتَهُ بِ ” عَلَيَّ ” لِتَضْمِينِ مَعْنَى الِافْتِرَاءِ (مُتَعَمِّدًا) : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَلَيْسَ حَالًا مُؤَكَّدَةً، لِأَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ النَّارِ فِيهِ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) : يُقَالُ: تَبَوَّأَ الدَّارَ إِذَا اتَّخَذَهَا مَسْكَنًا وَهُوَ أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ يَعْنِي: فَإِنَّ اللَّهَ يُبَوِّئُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْإِهَانَةِ، وَلِذَا قِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلتَّهَكُّمِ وَالتَّهْدِيدِ، إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ مِنْ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مَقْعَدُهُ فِي النَّارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً، بَلْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: إِنَّهُ كَفَرَ يَعْنِي لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِاسْتِخْفَافُ بِالشَّرِيعَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ حَدِيثَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَلْحَنُ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَدَائِهِ أَوْ إِعْرَابِهِ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، لِأَنَّهُ بِلَحْنِهِ كَاذِبٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ نَقَلَ حَدِيثًا وَعَلِمَ كَذِبَهُ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلنَّارِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، لَا مَنْ نَقَلَ عَنْ رَاوٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ رَأَى فِي كِتَابٍ وَلَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

Path-to-Arabic

قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِيجَابُ التَّحَرُّزِ عَنِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِأَنْ لَا يُحَدِّثَ عَنْهُ إِلَّا بِمَا يَصِحُّ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ شَارِحٍ مِنْ حُرْمَةِ التَّحْدِيثِ بِالضَّعِيفِ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ ” إِلَّا بِمَا يَصِحُّ ” – الصِّحَّةُ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنَى الثُّبُوتِ لَا الِاصْطِلَاحِيَّةُ وَإِلَّا لَأَوْهَمَ حُرْمَةَ التَّحْدِيثِ بِالْحَسَنِ أَيْضًا وَلَا يَحْسُنُ ذَلِكَ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ هَذَا، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفُرُوعِ حِسَانٌ، وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَلَامُهُ أَيْضًا مُشْعِرٌ بِذَلِكَ إِذْ لَمْ يَقُلْ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ، وَلَكِنَّهُ مُوهِمٌ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْإِسْنَادِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ إِلَّا بِمَا ثَبَتَ عَنْهُ، وَذَلِكَ الثُّبُوتُ إِنَّمَا يَكُونُ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَوْ رَوَى عَنْهُ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ صَحِيحًا لَكِنْ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ، وَاللَّامُ فِي الْإِسْنَادِ لِلْعَهْدِ، أَيِ: الْإِسْنَادِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ لِلْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ إِسْنَادٌ أَيْضًا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِكَوْنِ الْإِسْنَادِ يُعْلَمُ بِهِ الْمَوْضُوعُ مَنْ غَيْرِهِ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
قِيلَ: ” بَلِّغُوا عَنِّي ” يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اتِّصَالُ السَّنَدِ بِنَقْلِ الثِّقَةِ عَنْ مَثَلِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ لِأَنَّ التَّبْلِيغَ مِنَ الْبُلُوغِ وَهُوَ إِنْهَاءُ الشَّيْءِ إِلَى غَايَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَدَاءُ اللَّفْظِ كَمَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَالْمَطْلُوبُ فِي الْحَدِيثِ كِلَا الْوَجْهَيْنِ لِوُقُوعِ بَلِّغُوا مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» .
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: مَجْمُوعَ الْحَدِيثِ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَنْ كَذَبَ إِلَخْ.
فَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: حَدِيثُ ” مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ” مِنَ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا فِي مَرْتَبَتِهِ مِنَ التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ نَاقِلِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمٌّ غَفِيرٌ.
قِيلَ: اثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ، وَقِيلَ: لَا نَعْرِفُ حَدِيثًا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعَشَرَةُ إِلَّا هَذَا، ثُمَّ عَدَدُ الرُّوَاةِ كَانَ فِي التَّزَايُدِ فِي كُلِّ قَرْنٍ.

READ ALSO:
باب الجماعة وفضلها

✩✩✩✩✩✩✩

199 – وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

Path to Arabic gif

199 – (وَعَنْ سَمُرَةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ (ابْنِ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، الْفَزَارِيُّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ آخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ (وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ قِيلَ: إِنَّهُ أَحْصَنَ ثَلَاثَمِائَةِ امْرَأَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، ثَقَفِيٌّ، أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ وَقَدِمَ مُهَاجِرًا، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسِينَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً.
وَهُوَ أَمِيرُهَا لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ.
(قَالَا) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ) أَيْ: وَلَوْ بِوَاحِدٍ (يُرَى) : رُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِرَاءَةِ.
أَيْ: يَظُنُّ.
وَبِفَتْحِهَا مِنَ الرَّأْيِ أَيْ يَعْلَمُ (أَنَّهُ) : أَيِ: الْحَدِيثَ (كَذِبٌ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَجُوِّزَ كَسْرُ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ يَعْنِي وَلَمْ يُبَيِّنْ كَذِبَهُ (فَهُوَ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا (أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) : جَمَعَ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ النَّقَلَةِ.
قَالَ الْأَشْرَفُ: سَمَّاهُ كَاذِبًا لِأَنَّهُ يُعِينُ الْمُفْتَرِيَ وَيُشَارِكُهُ بِسَبَبِ إِشَاعَتِهِ، فَهُوَ كَمَنْ أَعَانَ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: يُرَى ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَالْكَاذِبِينَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْجَمْعِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللَّفْظَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ عِنْدَنَا عَلَى الْجَمْعِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ عَلَى التَّثْنِيَةِ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ لَهُ يُشَارِكُ الْبَادِئَ بِهَذَا الْكَذِبِ، ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ الْكَاذِبَيْنِ أَوِ الْكَاذِبِينَ عَلَى الشَّكِّ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ فَتْحِ الْيَاءِ مِنْ ” يُرَى ” بِمَعْنَى يَعْلَمُ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَسَنٌ، فَأَمَّا مَنْ ضَمَّ الْيَاءَ فَمَعْنَاهُ يُظَنُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَتْحُ بِمَعْنَى يَظُنُّ أَيْضًا، فَقَدْ حُكِيَ رَأَى بِمَعْنَى ظَنَّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَأْثَمُ إِلَّا بِرِوَايَةِ مَا يَعْلَمُهُ أَوْ يَظُنُّهُ كَذِبًا، وَأَمَّا مَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَظُنُّهُ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ وَإِنْ ظَنَّهُ غَيْرُهُ كَذِبًا أَوْ عَلِمَهُ اهـ.
كَلَامُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي تَجْوِيزِ فَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى يَعْلَمُ تَأَمَّلْ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الظَّنَّ يَكْفِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، بَلْ أَبْلَغُ فِي إِفَادَةِ الْمَرَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ التَّامِّ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ يَقِينِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.

✩✩✩✩✩✩✩

200 – وَعَنْ مُعَاوِيَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهِ يُعْطِي» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

200 – (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، أُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ كَتَبُوا لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقِيلَ: لَمْ يَكْتُبْ لَهُ مِنَ الْوَحْيِ شَيْئًا إِنَّمَا كَتَبَ لَهُ كُتُبَهُ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ، تَوَلَّى الشَّامَ بَعْدَ أَخِيهِ يَزِيدَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا مُتَوَلِّيًا حَاكِمًا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ سَنَةً.
مِنْهَا فِي أَيَّامِ عُمَرَ أَرْبَعُ سِنِينَ أَوْ نَحْوَهَا.
وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَخِلَافَةِ عَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ، وَذَلِكَ تَمَامُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ اسْتُوثِقَ لَهُ الْأَمْرُ بِتَسْلِيمِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَيْهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَدَامَ لَهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي رَجَبٍ بِدِمَشْقَ، وَلَهُ ثَمَانُ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
وَكَانَ أَصَابَتُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لَقْوَةٌ، وَكَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ: لَيْتَنِي كُنْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ بِذِي طِوًى، وَلَمْ أَرَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا، وَكَانَ عِنْدَهُ إِزَارُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَرِدَاؤُهُ وَقَمِيصُهُ وَشَيْءٌ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ فَقَالَ: كَفِّنُونِي فِي قَمِيصِهِ، وَأَدْرِجُونِي فِي رِدَائِهِ، وَأَزِّرُونِي بِإِزَارِهِ، وَاحْشُوا مَنْخَرَيَّ وَشِدْقَيَّ وَمَوَاضِعَ السُّجُودِ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) : تَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ أَيْ خَيْرًا كَثِيرًا ” (يُفَقِّهْهُ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ: يَجْعَلْهُ عَالِمًا (فِي الدِّينِ) أَيْ: أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَلَا يُخَصُّ بِالْفِقْهِ الْمُصْطَلِحِ الْمُخْتَصِّ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ كَمَا ظُنَّ، فَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ يَوْمًا فِي شَيْءٍ قَالَهُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ! هَكَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ.
قَالَ: وَيْحَكَ هَلْ رَأَيْتَ فَقِيهًا قَطُّ إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، الْبَصِيرُ بِأَمْرِ دِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّمَا الْفَقِيهُ مَنِ انْفَقَأَتْ عَيْنَا قَلْبِهِ فَنَظَرَ إِلَى رَبِّهِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَيُلْهِمْهُ رُشْدَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أَيْ لِلْعِلْمِ (وَاللَّهُ يُعْطِي) .
أَيِ: الْفَهْمَ فِي الْعِلْمِ بِمَبْنَاهُ، وَالتَّفَكُّرَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاوُ فِي وَإِنَّمَا لِلْحَالِ مِنْ فَاعِلِ (يُفَقِّهُ) أَوْ مَفْعُولِهِ أَيْ: أَنَا أُقَسِّمُ الْعِلْمَ بَيْنَكُمْ، فَأُلْقِي إِلَيْكُمْ جَمِيعًا مَا يَلِيقُ بِكُلِّ أَحَدٍ، وَاللَّهُ يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ لِفَهْمِهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّ تَفَاوَتَتْ أَفْهَامُ الصَّحَابَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ تَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ فَاقَ بَعْضُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ بَعْضَهُمْ فِي الْفَهْمِ وَالِاسْتِنْبَاطِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الْخَبَرُ الْآتِي: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» .
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَا أُقَسِّمُ الْمَالَ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ يُعْطِيهِ، فَلَا يَكُونُ فِي قُلُوبِكُمْ سُخْطٌ وَتَنَكُّرٌ عَنِ التَّفَاضُلِ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَا أُقَسِّمُ الْعِلْمَ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ يُعْطِي الْعِلْمَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقَامُ يَقْتَضِي الْعِلْمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قِيلَ: وَلَمْ يَقُلْ مُعْطٍ لِأَنَّ إِعْطَاءَهُ مُتَجَدِّدٌ سَاعَةً فَسَاعَةً (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

testogen

✩✩✩✩✩✩✩

201 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

201 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (النَّاسُ مَعَادِنُ) : جَمْعُ مَعْدِنٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُسْتَقِرُّ الْأَخْلَاقِ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ (كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) : وَغَيْرِهِمَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَدْنَى، فَمَنْ كَانَ اسْتِعْدَادُهُ أَقْوَى كَانَتْ فَضِيلَتُهُ أَتَمَّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا فِي مَعَادِنِ الطِّبَاعِ مِنْ جَوَاهِرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَخْرَجَ بِرِيَاضَةِ النُّفُوسِ كَمَا تُسْتَخْرَجُ جَوَاهِرُ الْمَعَادِنِ بِالْمُقَاسَاةِ وَالتَّعَبِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْدِنُ الْمُسْتَقِرُّ مَنْ عَدَنْتَ الْبَلَدَ إِذَا تَوَطَّنْتَهُ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ لِمُسْتَقَرِّ الْجَوَاهِرِ، وَمَعَادِنُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إِلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى التَّشْبِيهِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أَسَدٌ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ بَدَلًا مِنْهُ أَيِ: النَّاسُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّ الْمَعَادِنَ مَجَازٌ عَنِ التَّفَاوُتِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ يَعْنِي فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الصِّفَاتِ تَفَاوُتًا مِثْلَ تَفَاوُتِ مَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّفَاوُتِ تَفَاوُتُ النَّسَبِ فِي الشَّرَفِ وَالضِّعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ” فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي؟ ” قَالُوا: نَعَمْ أَيْ أُصُولُهَا الَّتِي يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا وَيَتَفَاخَرُونَ بِهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ مَعَادِنَ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الِاسْتِعْدَادَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ، فَمِنْهَا قَابِلَةٌ لِفَيْضِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى مَرَاتِبِ الْمَعَادِنِ، وَمِنْهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ.
وَقَوْلُهُ: (خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) : إِلَخْ.
جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ، شَبَّهَهُمْ بِالْمَعَادِنِ فِي كَوْنِهَا أَوْعِيَةً لِلْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ وَالْفِلِزَّاتِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، الْمَعْنِيُّ بِهَا الْعُلُومُ وَالْحِكَمُ، فَالتَّفَاوُتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِحَسَبِ الْأَنْسَابِ، وَفِي الْإِسْلَامِ بِالْأَحْسَابِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ إِلَّا بِالثَّانِي، فَالْمَعْنَى خِيَارُهُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ) : أَيْضًا بِهَا (إِذَا فَقُهُوا) : بِضَمِّ الْقَافِ، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ أَيْ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْفِقْهِ، وَإِلَّا فَالشَّرَفُ لِلْأَفْقَهِ مِنْهُ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ إِذَا عَلِمَ، وَفَقُهَ بِالضَّمِّ إِذَا صَارَ فَقِيهًا عَالِمًا وَجَعَلَهُ الْعَرَبُ خَاصًّا بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَتَخْصِيصًا بِعِلْمِ الْفُرُوعِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

READ ALSO:
ZAKAT ON SHARES AND STOCKS

202 – وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

202 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا حَسَدَ) : وَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ أَحَدٍ وَانْتِقَالُهَا إِلَيْهِ كَذَا قِيلَ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَعَمُّ وَهُوَ مَذْمُومٌ إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ مِنْ تَصْمِيمٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5] وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ لِكَافِرٍ أَوْ فَاسْقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْغِبْطَةُ وَهِيَ تَمَنِّي حُصُولِ مِثْلِهَا لَهُ، وَأُطْلِقَ الْحَسَدُ عَلَيْهَا مَجَازًا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَوْ جَازَ الْحَسَدُ لَمَا جَازَ إِلَّا فِيمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ نَوْعٍ مِنَ الْحَسَدِ لِتَضَمُّنِهِ الْمَنْفَعَةَ فِي الدِّينِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أَيْ: فِي نَفِيسَيْنِ أَوْ خَصْلَتَيْنِ، وَرُوِيَ بِالتَّذْكِيرِ أَيْ فِي شَأْنِ اثْنَيْنِ (رَجُلٍ) : رُوِيَ مَجْرُورًا عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ أَوْثَقُ الرِّوَايَاتِ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مُبْتَدَأً.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: رُوِيَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ فَيَكُونُ ” رَجُلٍ ” بَدَلًا مِنْهُ، وَرُوِيَ فِي اثْنَتَيْنِ أَيْ خَصْلَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ لِيَسْتَقِيمَ الْمَعْنَى، فَإِذَا رُوِيَ فِي اثْنَيْنِ يُقَدَّرُ فِي شَأْنِ اثْنَتَيْنِ، وَإِذَا رُوِيَ اثْنَتَيْنِ، يُقَدَّرُ خَصْلَةُ رَجُلٍ (آتَاهُ اللَّهُ) : بِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَاهُ (مَالًا) أَيْ: مَالًا كَثِيرًا أَوْ نَوْعًا مِنَ الْمَالِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا ” (فَسَلَّطَهُ) ” أَيْ: وَكَّلَهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ (عَلَى هَلَكَتِهِ) “: بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: إِنْفَاقِهِ وَإِهْلَاكِهِ، وَعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا وَكَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ: (فِي الْحَقِّ) : لِيُزِيلَ الْإِسْرَافَ الْمَذْمُومَ وَالرِّيَاءَ الْمَلُومَ، وَلَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ كَمَا لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ (وَرَجُلٍ) : بِالْوَجْهَيْنِ لِلْعَطْفِ (آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ) : وَهِيَ إِصَابَةُ الْحَقِّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ أَوْ عِلْمِ أَحْكَامِ الدِّينِ.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَرَّفَ الْحِكْمَةَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، وَأَرَادَ التَّعْرِيفَ بِلَامِ الْعَهْدِ (فَهُوَ يَقْضِي) أَيْ: يَعْمَلُ وَيَحْكُمُ (بِهَا) ” أَيْ: بِالْحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيهَا (وَيُعَلِّمُهَا) .
أَيْ غَيْرَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program

✩✩✩✩✩✩✩

203 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

203 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ) أَيْ: أَعْمَالُهُ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُرَادُ فَائِدَةُ عَمَلِهِ لِانْقِطَاعِ عَمَلِهِ يَعْنِي لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَجْرٌ وَثَوَابٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ (إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ) أَيْ: مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنَّ فَائِدَتَهَا لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يُثِيبُ الْمُكَلَّفَ بِكُلِّ فِعْلٍ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ بِوَجْهِ مَا عَلَى كَسْبِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ وَالتَّسَبُّبُ (إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَسْقَطُوا (إِلَّا) وَهِيَ مُثْبَتَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَالْمَشَارِقِ، وَهُوَ إِلَى آخِرِهِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَعَلَى التَّكْرِيرِ فِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وَاعْتِنَاءٍ بِشَأْنِهِ اهـ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: ” مِنْ ” زَائِدَةٌ وَالتَّنْوِينُ عِوَضُ الْإِعْمَالِ، وَقِيلَ: بَلِ الضَّمِيرُ فِي عَنْهُ زَائِدٌ، وَمَعْنَاهُ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْ أَعْمَالِهِ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ كِلْتَاهُمَا أَصْلِيَّتَانِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ وَانْقَطَعَ هُوَ عَنْ عَمَلِهِ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْمَالٍ (جَارِيَةٍ) : يَجْرِي نَفْعُهَا فَيَدُومُ أَجْرُهَا كَالْوَقْفِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَفِي الْأَزْهَارِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ: هِيَ الْوَقْفُ وَشِبْهُهُ مِمَّا يَدُومُ نَفْعُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْقَنَاةُ وَالْعَيْنُ الْجَارِيَةُ الْمُسَبَّلَةُ.
قُلْتُ: وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْأَوَّلِ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا الْخَاصَّ لَكِنْ لَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ (أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) أَيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قُيِّدَ الْعِلْمُ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُؤْتَى بِهِ أَجْرًا، وَالْمُرَادُ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُ الْكَلَامِ، أَيِ: الْعَقَائِدُ وَالْعِلْمُ بِكُتُبِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّفْسِيرُ وَبِمَلَكُوتِ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُ الرِّيَاضِيِّ.
أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ: وَالْعِلْمُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّفْسِيرُ أَيْضًا، وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ وَأُصُولُهُ.
قُلْتُ: الْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَخِيرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى النَّقِيرِ الْقِطْمِيرِ.
(أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ) أَيْ: مُؤْمِنٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ (يَدْعُو لَهُ) .
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَيَّدَ الْوَلَدَ بِالصَّالِحِ لِأَنَّ الْأَجْرَ لَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ دُعَاءَهُ تَحْرِيضًا لِلْوَلَدِ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَبِيهِ حَتَّى قِيلَ: لِلْوَالِدِ ثَوَابٌ مِنْ عَمَلِ الْوَلَدِ الصَّالِحِ سَوَاءٌ دَعَا لِأَبِيهِ أَمْ لَا، كَمَا أَنَّ غَرْسَ شَجَرَةٍ يُجْعَلُ لِلْغَارِسِ ثَوَابٌ بِأَكْلِ ثَمَرَتِهَا، سَوَاءٌ دَعَا لَهُ الْآكِلُ أَمْ لَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ تَقْدِيرُهُ يَنْقَطِعُ عَنْهُ ثَوَابُ أَعْمَالِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يَنْقَطِعُ ثَوَابُ أَعْمَالِهِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي: إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ لَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ أَعْمَالِهِ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْعَمَلِ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بِمَوْتِهِ إِلَّا فِعْلًا دَائِمَ الْخَيْرِ مُسْتَمِرَّ النَّفْعِ مِثْلَ وَقْفِ أَرْضٍ أَوْ تَصْنِيفِ كِتَابٍ أَوْ تَعْلِيمِ مَسْأَلَةٍ يُعْمَلُ بِهَا، أَوْ وُلِدٍ صَالَحٍ، وَجَعَلَ الْوَلَدَ مِنَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي وُجُودِهِ اهـ.
وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا الْحَصْرِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ” لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمَسْنُونَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ، وَكَذَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ” لِأَنَّ النَّامِيَ مِنْ عَمَلِ الْمُرَابِطِ مَا قَدَّمَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّهَا أَعْمَالٌ تَحْدُثُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ لِأَنَّهُ سَبَبُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ يَلْحَقُهُ مِنْهَا ثَوَابٌ صَارَ خِلَافَ أَعْمَالِهِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ لَا يُزَادُ فِي ثَوَابِ مَا عَمِلَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا الْغَازِيَ، فَإِنَّ ثَوَابَ مُرَابَطَتِهِ يَنْمُو وَيَتَضَاعَفُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ يُزَادُ بِضَمِّ غَيْرِهِ أَوْ لَا يُزَادُ، وَقِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ الْمُرَابَطَةُ دَاخِلَةً فِي الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ إِذِ الْمَقْصُودُ نُصْرَةُ الْمُسْلِمِينَ اهـ.
وَهُوَ الْأَظْهَرُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

islamship-banner flat

✩✩✩✩✩✩✩

204 – وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَمِنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ.
وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ.
وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ.
وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

204 – (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ نَفَّسَ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَرَّجَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ فَتَحَ مَدَاخِلَ الْأَنْفَاسِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنْتَ فِي نَفَسٍ أَيْ سَعَةٍ كَأَنَّ مَنْ كَانَ فِي كُرْبَةٍ سُدَّ عَنْهُ مَدَاخِلُ الْأَنْفَاسِ، فَإِذَا فُرِّجَ عَنْهُ فُتِحَتْ بِمَعْنَى مَنْ أَزَالَ وَأَذْهَبَ (عَنْ مُؤْمِنٍ) : أَيَّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا مُرَاعَاةً لِإِيمَانِهِ (كُرْبَةً) أَيْ: أَيَّ حَزَنٍ وَعَنَاءٍ وَشِدَّةٍ وَلَوْ حَقِيرَةً (مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا) : الْفَانِيَةِ الْمُنْقَضِيَةِ، وَمِنْ: تَبْعِيضِيَّةٌ أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ (نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً) أَيْ: عَظِيمَةً (مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : أَيِ: الْبَاقِيَةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْكِمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالَ اللَّهِ وَتَنْفِيسُ الْكُرَبِ إِحْسَانٌ فَجَزَاهُ اللَّهُ جَزَاءً وِفَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] (وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ) أَيْ: سَهَّلَ عَلَى فَقِيرٍ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، أَيْ: مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى فَقِيرٍ فَسَهَّلَ عَلَيْهِ بِإِمْهَالٍ أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ (يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ) : بَدَّلَ تَيْسِيرَهُ عَلَى عَبْدِهِ مُجَازَاةً بِجِنْسِهِ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أَيْ: فِي الدَّارَيْنِ أَوْ فِي أُمُورِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْسِرَ وَصَاحِبَ الْكُرْبَةِ هُوَ الْمُرِيدُ فِي وَادِي الْغُرْبَةِ الْمُحْتَاجُ إِلَى قَطْعِ الْعَقَبَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْمُنَازِلِ الظُّلُمَانِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ، كَمَا اشْتُهِرَ عَنِ الْكَتَّانِيِّ: إِنَّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحَقِّ أَلْفَ مَقَامٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ وَيَتَلَقَّاهُ الْوَسَاوِسُ وَالْهَوَاجِسُ، فَعَلَى شَيْخِهِ أَنْ يُنَفِّسَ كُرْبَةَ الْوَسَاوِسِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ بِتَرْكِ الْمُبَالَاةِ بِهَا وَالتَّأَمُّلِ فِي الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ إِنِ اسْتَأْهَلَهُ، وَاسْتِدَامَةِ الذِّكْرِ وَالِابْتِهَالِ إِلَى الْمَوْلَى، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ سَوَاءَ الطَّرِيقِ وَيُذِيقُهُ حَلَاوَةَ التَّحْقِيقِ حَتَّى يَسْطُعَ فِي قَلْبِهِ أَنْوَارُ الْقُلُوبِ وَيَطْلُعَ فِي سِرِّهِ شُمُوسُ الْوُصُولِ إِلَى الْمَحْبُوبِ.
(وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) أَيْ: فِي قَبِيحٍ يَفْعَلُهُ فَلَا يَفْضَحُهُ أَوْ كَسَاهُ ثَوْبًا (سَتَرَهُ اللَّهُ) أَيْ: عُيُوبَهُ أَوْ عَوْرَتَهُ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) : كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَيْ سَتَرَ بَدَنَهُ بِالْإِلْبَاسِ، أَوْ عُيُوبَهُ بِعَدَمِ الْغَيْبَةِ لَهُ وَالذَّبِّ عَنْ مَعَايِبِهِ، وَهَذَا عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ، وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ بِهِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُرْفَعَ قِصَّتُهُ إِلَى الْوَالِي وَلَوْ رَآهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَيُنْكِرُهَا بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ عَجَزَ يَرْفَعُهَا إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَنْ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَقَامَاتِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ وَكَرَامَاتِ ذَوِي الْإِيقَانِ أَنْ يَحْفَظَ سِرَّهُ وَيَكْتُمَ عَنْ غَيْرِهِ أَمْرَهُ، فَإِنَّ كَشْفَ الْأَسْرَارِ عَلَى الْأَغْيَارِ يَسُدُّ بَابَ الْعِنَايَةِ وَيُوجِبُ الْحِرْمَانَ وَالْغَوَايَةَ.
مَنْ أَطْلَعُوهُ عَلَى سِرٍّ فَبَاحَ بِهِ لَمْ يَأْمَنُوهُ عَلَى الْأَسْرَارِ مَا عَاشَا (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) : الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ تَذْيِيلٌ لِكَلَامِ السَّابِقِ (مَا كَانَ) أَيْ: مَا دَامَ (الْعَبْدُ) : مَشْغُولًا (فِي عَوْنِ أَخِيهِ) : أَيِ: الْمُسْلِمِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ.
أَيْ: فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ عَوْنِ الْأَخِ عَلَى أُمُورِهِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا بِجِنْسِهَا مِنَ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِقَلْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ بِهِمَا لِدَفْعِ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبِ الْمَسَارِّ إِذِ الْكُلُّ عَوْنٌ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ أَتْبَعَهُ بِمَا يُنْبِئُ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْعَمَلِ فَقَالَ: (وَمَنْ سَلَكَ) أَيْ: دَخَلَ أَوْ مَشَى (طَرِيقًا) أَيْ: قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا.
قِيلَ: التَّنْوِينُ لِلتَّعْمِيمِ؛ إِذِ النَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ قَدْ تُفِيدُ الْعُمُومَ أَيْ: بِسَبَبِ أَيِّ سَبَبٍ كَانَ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّصْنِيفِ وَمُفَارَقَةِ الْوَطَنِ وَالْإِنْفَاقِ فِيهِ (يَلْتَمِسُ فِيهِ) : حَالٌ أَوْ صِفَةٌ (عِلْمًا) : نَكِرَةٌ لِيَشْمَلَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِ الدِّينِ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، إِذَا كَانَ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَالنَّفْعِ وَالِانْتِفَاعِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الرِّحْلَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَهَبَ مُوسَى إِلَى الْخَضِرِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ لَهُ: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66] وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ السُّلُوكِ أَوِ الطَّرِيقِ أَوِ الِالْتِمَاسِ أَوِ الْعِلْمِ (طَرِيقًا) أَيْ: مُوَصِّلًا وَمَنْهِيًّا (إِلَى الْجَنَّةِ) .
مَعَ قَطْعِ الْعَقَبَاتِ الشَّاقَّةِ دُونَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ) أَيْ: جَمْعٌ (فِي بَيْتٍ) أَيْ: مَجْمَعٍ (مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ مَسَاجِدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ ” يُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهَا وَالْعُدُولُ عَنِ الْمَسَاجِدِ إِلَى بُيُوتِ اللَّهِ لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا يُبْنَى تَقْرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ، (يَتْلُونَ) : حَالٌ مِنْ قَوْمٍ لِتَخْصِيصِهِ (كِتَابَ اللَّهِ) : أَيِ: الْقُرْآنَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتِّلَاوَةِ مُجَرَّدَ إِجْرَاءِ الْأَلْفَاظِ عَلَى اللِّسَانِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَدِّرَ الْعَبْدُ أَنَّهُ يَقْرَأُ عَلَى اللَّهِ وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَيْهِ، بَلْ يَشْهَدُ بِقَلْبِهِ كَأَنَّ رَبَّهُ يُخَاطِبُهُ بَلْ يَسْتَغْرِقُ بِمُشَاهَدَةِ الْمُتَكَلِّمِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى غَيْرِهِ سَامِعًا مِنْهُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الصَّادِقُ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَالَةٍ لَحِقَتْهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: مَا زِلْتُ أُرَدِّدُ الْآيَةَ عَلَى قَلْبِي حَتَّى سَمِعْتُهَا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ جِسْمِي لِمُعَايَنَةِ قُدْرَتِهِ، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِهْلَاكِ الْأَعْدَاءِ وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ الْعِزَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ وَالْقَهْرِ وَالْإِفْنَاءِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَحِبَّاءِ، وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ وَالنَّعْمَاءِ، وَفِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّكْلِيفِ وَالْإِرْشَادِ، وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ اللُّطْفِ وَالْحِكَمِ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ (وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ) : وَالتَّدَارُسُ قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تَصْحِيحًا لِأَلْفَاظِهِ أَوْ كَشْفًا لِمَعَانِيهِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّدَارُسِ الْمُدَارَسَةَ الْمُتَعَارَفَةَ بِأَنْ يَقْرَأَ بَعْضُهُمْ عُشْرًا مَثَلًا وَبَعْضُهُمْ عُشْرًا آخَرَ، وَهَكَذَا فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ التِّلَاوَةِ أَوْ مُقَابِلًا لَهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا يُنَاطُ بِالْقُرْآنِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ (إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ) : يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ كَسْرُ الْهَاءِ وَضَمُّ الْمِيمِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَضَمُّهُمَا وَكَسْرِهُمَا.
وَالسَّكِينَةُ: هِيَ الْوَقَارُ وَالْخَشْيَةُ يَعْنِي الشَّيْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ سُكُونُ الْقَلْبِ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ وَنُزُولُ الْأَنْوَارِ.
قِيلَ: وَالْمُرَادُ هَنَا صَفَاءُ الْقَلْبِ بِنُورِهِ وَذَهَابُ الظُّلْمَةِ النَّفْسَانِيَّةِ وَحُصُولُ الذَّوْقِ وَالشَّوْقِ، وَقِيلَ: السَّكِينَةُ مَلَكٌ يَسْكُنُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ وَيُؤَمِّنُهُ وَيَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: السَّكِينَةُ مَغْنَمٌ وَتَرْكُهَا مَغْرَمٌ (وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ) أَيْ: أَتَتْهُمْ وَعَلَتْهُمْ وَغَطَّتْهُمْ (وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ أَحْدَقُوا وَأَحَاطُوا بِهِمْ، أَوْ طَافُوا بِهِمْ وَدَارُوا حَوْلَهُمْ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَدِرَاسَتَهُمْ وَيَحْفَظُونَهُمْ مِنَ الْآفَاتِ وَيَزُورُونَهُمْ وَيُصَافِحُونَهُمْ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِمْ، قِيلَ: وَبِلِسَانِ الْإِشَارَةِ بُيُوتُ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَمَّا يُذْكَرُ فِيهِ الْحَقُّ مِنَ النَّفْسِ وَالْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالسِّرِّ وَالْخَفِيِّ، فَذِكْرُ بَيْتِ النَّفْسِ الطَّاعَاتُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الْقَلْبِ التَّوْحِيدُ وَالْمَعْرِفَةُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الرُّوحِ الشَّوْقُ وَالْمَحَبَّةُ، وَذِكْرُ بَيْتِ السِّرِّ الْمُرَاقَبَةُ وَالشُّهُودُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الْخَفِيِّ بَذْلُ الْوُجُودِ وَتَرْكُ الْمَوْجُودِ.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا نَزَلَتْ إِلَخْ – إِشَارَةٌ إِلَى ثَمَرَاتِ التِّلَاوَةِ وَهِيَ الْأُنْسُ وَالْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ وَتَمَثُّلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ فِي صُوَرٍ لَطِيفَةٍ، وَالصُّعُودُ مِنْ حَضِيضِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى ذُرْوَةِ الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى، بَلِ الْفَرَحُ بِالْبَقَاءِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ الْفَنَاءِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّاهُوتِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ النَّاسُوتِ، وَهَذَا مَقَامٌ يَضِيقُ عَنْ إِعْلَانِهِ نِطَاقُ النُّطْقِ وَلَا يَسَعُ إِظْهَارُهُ فِي ظُهُورِ الْحُرُوفِ وَإِنَّ قَمِيصًا خِيطَ مِنْ نَسْجِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا مِنْ مَعَانِيهِ قَاصِرٌ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوَالِيَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ ذِكْرِهِ، فَإِنِ اسْتَلَذَّ بِالذِّكْرِ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ الْقُرْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى مَجَالِسِ الْأُنْسِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ عَلَى كُرْسِيِّ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُ الْحِجَابَ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْفَرْدَانِيَّةِ، وَكَشَفَ لَهُ حِجَابَ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ بَقِيَ بِلَا هُوَ، فَحِينَئِذٍ صَارَ الْعَبْدُ زَمَنًا فَانِيًا فِي حِفْظِ سَبَحَاتِهِ وَبَرِئَ مِنْ دَعَاوَى نَفْسِهِ (وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) : أَيِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَالطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَذَكَرَهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُبَاهَاةِ بِهِمْ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبِيدِي يَذْكُرُونِي وَيَقْرَءُونَ كِتَابِي (وَمَنْ بَطَّأَ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ التَّبْطِئَةِ ضِدِّ التَّعَجُّلِ كَالْإِبْطَاءِ، وَالْبُطْءُ نَقِيضُ السُّرْعَةِ وَالْبَاءُ فِي (بِهِ) : لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: مَنْ أَخَّرَهُ وَجَعَلَهُ بَطِيئًا عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ السَّعَادَةِ (عَمَلُهُ) : السَّيِّئُ فِي الْآخِرَةِ أَوْ تَفْرِيطُهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا (لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) .
مِنَ الْإِسْرَاعِ أَيْ: لَمْ يُقَدِّمْهُ نَسَبُهُ، يَعْنِي: لَمْ يُجْبِرْ نَقِيصَتَهُ لِكَوْنِهِ نَسِيبًا فِي قَوْمِهِ، إِذْ لَا يَحْصُلُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّسَبِ بَلْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَا أَنْسَابَ لَهُمْ يُتَفَاخَرُ بِهَا، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مَوَالٍ، وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ وَيَنَابِيعُ الرَّحْمَةِ وَذَوُو الْأَنْسَابِ الْعَلِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ جَهْلِهِمْ نِسْيًا مَنْسِيًّا، وَلِذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الدِّينِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» ” وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ائْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالِكُمْ لَا بِأَنْسَابِكُمْ فَإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ” وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَنَّ مُرِيدًا لَهُ تَتَبَّعَ خُطَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ قَائِلًا: وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ سَلَخْتَ جِلْدَ أَبِي يَزِيدَ وَلَبِسْتَهُ لَمْ تَنَلْ مِثْقَالَ خَرْدَلٍ مِنْ مَقَامَاتِهِ مَا لَمْ تَعْمَلْ عَمَلَهُ وَأَنْشَدَ: مَا بَالُ نَفْسِكَ أَنْ تَرْضَى تُدَنِّسُهَا
وَثَوْبُ جِسْمِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا
إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ: بِهَذَا اللَّفْظِ.

✩✩✩✩✩✩✩

READ ALSO:
باب مخالطة الجنب وما يباح له

205 – وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا.
قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ.
قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ.
قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ ; فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

READ ALSO:
باب الكبائر وعلامات النفاق

205 – (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ) : قِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي الْمَعْنَى، أَيْ: يُحَاسَبُ وَيُسْأَلُ عَنْ أَفْعَالِهِ قَبْلُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِمْ لَا مُطْلَقًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: ثَلَاثَةٌ (رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِالرَّجُلِ لِلْحِسَابِ (فَعَرَّفَهُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: ذَكَّرَهُ تَعَالَى (نِعْمَتَهُ) : عَلَى صِيغَةِ الْمُفْرَدِ هَاهُنَا، وَالْبَاقِيَتَانِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ هَكَذَا جَاءَ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي الرِّيَاضِ لِلنَّوَوِيِّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ اعْتِبَارُ الْإِفْرَادِ فِي الْأُولَى وَالْكَثْرَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْكَثْرَةِ أَصْنَافُ الْعُلُومِ وَالْأَمْوَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ نِعْمَةَ الشَّهَادَةِ كَمَا يُتَوَهَّمُ فَإِنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ مَا بَعْدَهُ، بَلِ الْمُرَادُ إِفْرَادُ جِنْسِيَّةِ النِّعْمَةِ فَإِنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ لِلْعُمُومِ بِخِلَافِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُ جُمِعَ فِيهِمَا لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ، أَوْ أَفْرَدَ فِي الْأَوَّلِ لِنِعْمَتِهِ الْبَدَنِيَّةِ فَقَطْ بِخِلَافِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُ انْضَمَّ مَعَهَا النِّعْمَةُ الْمَالِيَّةُ أَوِ الْعِلْمِيَّةُ (فَعَرَفَهَا) : بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: تَذَكَّرَهَا فَكَأَنَّهُ مِنَ الْهَوْلِ وَالدَّهْشَةِ، نَسِيَهَا وَذَهَلَ عَنْهَا (فَقَالَ تَعَالَى: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أَيْ: فِي مُقَابَلَتِهَا شُكْرًا لَهَا أَيْ فِي أَيَّامِهَا لِيَنْفَعَكَ الْيَوْمَ (قَالَ) : أَيِ الرَّجُلُ (قَاتَلْتُ فِيكَ) أَيْ: جَاهَدْتُ فِي جِهَتِكَ خَالِصًا لَكَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
أَيْ: حَارَبْتُ لِأَجْلِكَ فَفِي تَعْلِيلِيَّةٌ (حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْمَقُولَ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى زَعْمِهِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّمْوِيهِ الْمُعْتَادِ بِهِ عَلَى مَا وَرَدَ: كَمَا يَعِيشُونَ يَمُوتُونَ وَكَمَا يَمُوتُونَ يُحْشَرُونَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18] (قَالَ) : تَعَالَى (كَذَبْتَ) أَيْ: فِي دَعْوَى الْإِخْلَاصِ أَوْ فِي هَذَا الْقَوْلِ (وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ) أَيْ: فِي حَقِّكَ أَنَّكَ أَوْ هُوَ (جَرِيءٌ) فَعِيلٌ مِنَ الْجَرَاءَةِ فَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَقَدْ يُدْغَمُ أَيْ: شُجَاعٌ (فَقَدْ قِيلَ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَكَ وَفِي شَأْنِكَ فَحَصَلَ مَقْصُودُكَ وَغَرَضُكَ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ) أَيْ: قِيلَ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَلْقُوهُ فِي النَّارِ (فَسُحِبَ) أَيْ: جُرَّ (عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) : مُبَالَغَةً فِي تَنْكِيلِهِ (وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) : أَيِ: الشَّرْعِيَّ (وَعَلَّمَهُ) : أَيِ: النَّاسَ، أَيْ: وَصَلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ وَالتَّكْمِيلِ (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ) : فَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، يَعْنِي: التَّعَلُّمُ وَالتَّعْلِيمُ لَمْ يَمْنَعَاهُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْقُرْآنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ (فَأَتَى بِهِ) : إِلَى مَحْضَرِ الْحِسَابِ (فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ) : تَعَالَى أَوْ نِعَمَ الرَّجُلِ (فَعَرَفَهَا) : فَكَأَنَّهُ لِغَفْلَتِهِ عَنْهَا كَانَ أَنْكَرَهَا (قَالَ) : تَعَالَى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا) أَيْ: هَلْ صَرَفْتَهَا فِي مَرْضَاتِي أَمْ فِي غَيْرِهَا (قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ) أَيْ: صَرَفْتُ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْقِرَاءَةِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِكَ وَشُكْرًا لِنِعْمَتِكَ (قَالَ: كَذَبْتَ) : فِي دَعْوَى مَقَامِ الْإِخْلَاصِ أَوْ عَلَى مُقْتَضَى عَادَتِكَ (وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ) : وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ إِنَّكَ مُعَلِّمٌ؛ لِلِاخْتِصَارِ وَاكْتِفَاءً بِالْمُقَايَسَةِ، أَوْ لِأَنَّ أَسَاسَ الشَّيْءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِخْلَاصِ، فَيَبْعُدُ بِنَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ (وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ) : لَكَ عَالِمٌ وَقَارِئٌ فَمَا لَكَ عِنْدَنَا أَجْرٌ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) .
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا (وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: كَثُرَ مَالُهُ (وَأَعْطَاهُ) : عَطْفُ بَيَانٍ (مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ) : كَالنُّقُودِ وَالْمَتَاعِ وَالْعَقَارِ وَالْمَوَاشِي (فَأَتَى بِهِ) : عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ لِلِافْتِضَاحِ (فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ) : تَعَالَى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ أَوْ فِي الْأَمْوَالِ (قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ) ” مِنْ ” زَائِدَةٌ تَأْكِيدًا لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ (تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا) : كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ (إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ.
قَالَ: كَذَبْتَ) أَيْ: فِي قَوْلِكَ: لَكَ (وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ) أَيْ: سَخِيُّ كَرِيمٌ (فَقَدْ قِيلَ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ لِأَيِّ غَرَضٍ يَكُونُ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ) : (ثُمَّ) : هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الصَّحِيحُ مِنَ النُّسَخِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَفِي نُسْخَةٍ هُنَا أَيْضًا (حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

206 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ; اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

206 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ “: الْمُرَادُ بِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (انْتِزَاعًا) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلَى مَعْنَى يَقْبِضُ نَحْوَ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقَوْلُهُ (يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ) : صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلنَّوْعِ كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: انْتِزَاعًا مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ يَعْنِي لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ مِنَ الْعِبَادِ بِأَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ) أَيْ: يَرْفَعُهُ (بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ: بِمَوْتِهِمْ وَرَفْعِ أَرْوَاحِهِمْ (حَتَّى) : هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ هُنَا الشُّرَطُ وَالْجَزَاءُ يَعْنِي (إِذَا لَمْ يُبْقِ) : أَيِ: اللَّهُ (عَالِمًا) : بِقَبْضِ رُوحِهِ مِنَ الْإِبْقَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ، وَعَالِمٌ بِالرَّفْعِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا (اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا) أَيْ خَلِيفَةً وَقَاضِيًا وَمُفْتِيًا وَإِمَامًا وَشَيْخًا ” (جُهَّالًا) : جَمْعُ جَاهِلٍ أَيْ جَهَلَةً بِمَا يُنَاسِبُ مَنْصِبَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ رُءُوسًا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّنْوِينِ جَمْعُ رَأْسٍ، وَضَبَطُوهُ فِي مُسْلِمٍ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي رُؤَسَاءُ جَمْعُ رَئِيسٍ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ (فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا) أَيْ: أَجَابُوا وَحَكَمُوا (بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا) أَيْ: صَارُوا ضَالِّينَ (وَأَضَلُّوا) أَيْ مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ فَيَعُمُّ الْجَهْلُ الْعَالَمَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

Success rituals

✩✩✩✩✩✩✩

207 – وَعَنْ شَقِيقٍ: – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ.
قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

207 – (وَعَنْ شَقِيقٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، يُكَنَّى أَبَا وَائِلٍ الْأَسَدِيَّ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ، رَوَى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ مَاتَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يَعِظُ (النَّاسَ) : وَيُخَوِّفُهُمْ أَيْ: يَذْكُرُ كَلَامَ اللَّهِ وَحَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَهُمْ (فِي كُلِّ خَمِيسٍ) .
وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ لِيَصِلَ بَرَكَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) : يُحْتَمَلُ الرَّاوِي وَغَيْرُهُ (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ) أَيْ: أَحْبَبْتُ أَوْ تَمَنَّيْتُ (أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ) : لِغَلَبَةِ الْغَفْلَةِ عَلَيْنَا لِيَعُودَ بِتَذْكِيرِكَ الْحُضُورُ إِلَيْنَا (قَالَ: أَمَا) : بِمَعْنَى أَلَا لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ التَّذْكِيرِ كُلَّ يَوْمٍ (أَنِّي أَكْرَهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَاعِلُ يَمْنَعُنِي، أَيْ: كَرَاهَتِي (أَنْ أُمِلَّكُمْ) : مَفْعُولُ أَكْرَهُ أَيْ: إِمْلَالَكُمْ يَعْنِي إِيقَاعَكُمْ فِي الْمَلَالَةِ (وَإِنِّي) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلَى ” إِنَّهُ ” أَوْ حَالٌ (أَتَخَوَّلُكُمْ) : مِنَ التَّخَوُّلِ، وَهُوَ التَّعَفُّفُ وَحَسْنُ الرِّعَايَةِ (بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَخَوَّلُنَا) : مِنَ التَّخَوُّلِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ تَفَقُّدُ الْحَالِ.
رَوَى يَتَخَوَّنُنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ بِمَعْنَى يَتَخَوَّلُنَا.
قِيلَ: الرِّوَايَةُ بِاللَّامِ أَكْثَرُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَحَوَّلُنَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ يَتَخَوَّنُنَا وَالتَّخَوُّنُ: التَّعَهُّدُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَى الْأَعْمَشِ رِوَايَتَهُ بِاللَّامِ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ: ظَلَمَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَيُقَالُ: يَتَخَوَّلُنَا وَيَتَخَوَّنُنَا جَمِيعًا.
كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، يَعْنِي يَتَفَقَّدُنَا (بِهَا) أَيْ: بِالْمَوْعِظَةِ فِي مَظَانِّ الْقَبُولِ، وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْنَا وَلَا يَعِظُنَا مُتَوَالِيًا (مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) .
وَفِي الْمَصَابِيحِ: كَرَاهَةَ السَّآمَةِ أَيِ الْمَلَالَةِ إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْمَوْعِظَةِ عِنْدَ الْمَلَالَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ يَعِظُنَا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ وَوَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَيُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا أَيْ: يَتَأَمَّلُ أَحْوَالَنَا الَّتِي نَنْشَطُ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظُنَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمَشَايِخُ وَالْوُعَّاظُ فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

Multi-Level Affiliate Program Affiliate Program

✩✩✩✩✩✩✩

208 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

READ ALSO:
باب الغسل

208 – (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: غَالِبًا أَوْ أَحْيَانًا (إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ) أَيْ: بِجُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ (أَعَادَهَا) أَيْ: كَرَّرَهَا (ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ) أَيْ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ (عَنْهُ) أَيْ: فَهْمًا قَوِيًّا رَاسِخًا فِي النَّفْسِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِالْإِعَادَةِ، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الثَّلَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُقْتَضَى مَرَاتِبِ فُهُومِ النَّاسِ مِنَ الْأَدْنَى وَالْأَوْسَطِ وَالْأَعْلَى، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ لَمْ يَفْهَمْ فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ لَمْ يَفْهَمْ أَبَدًا (وَإِذَا أَتَى) أَيْ: مَرَّ (عَلَى قَوْمٍ) : أَوْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: فَأَرَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ (سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا) .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَعَلَّ هَذَا كَانَ هَدْيَهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ اهـ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمُوَاجِهِينَ ثُمَّ يَمْنَةً ثُمَّ يَسْرَةً، وَقِيلَ: هَذَا عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ أَيْ: إِذَا لَمْ يُؤْذَنْ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الِاسْتِئْذَانِ، وَقِيلَ: سَلَّمَ لِلِاسْتِئْذَانِ وَلِلتَّحِيَّةِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَلِلْوَدَاعِ عِنْدَ الْخُرُوجِ.
وَهَذِهِ التَّسْلِيمَاتُ الثَّلَاثُ سُنَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَتَى شَخْصًا أَوْ قَوْمًا، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا كَمَا أَفَادَتْهُ ” كَانَ ” الْمُقْتَضِيَةُ لِتَكْرِيرِ الْفِعْلِ وَضْعًا عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَعُرْفًا عِنْدَ آخَرِينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

viasil

✩✩✩✩✩✩✩

209 – وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: إِنَّهُ أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي فَقَالَ: (مَا عِنْدِي) .
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

209 – (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) : هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ لِأَنَّهُ نَزَلَهُ فَنُسِبُ إِلَيْهِ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ بَشِيرٌ، وَخَلْقٌ سِوَاهُ.
(قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: إِنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (أُبْدِعَ بِي) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ يُقَالُ: أُبْدِعَتِ الرَّاحِلَةُ إِذَا انْقَطَعَتْ عَنِ السَّيْرِ لَهَا، لِكَلَالٍ جَعَلَ انْقِطَاعَهَا عَمَّا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً عَلَيْهِ إِبْدَاعًا عَنْهَا، أَيْ: إِنْشَاءَ أَمْرٍ خَارِجٍ عَمَّا اعْتِيدَ مِنْهَا، وَمَعْنَى أُبْدِعَ بِالرَّجُلِ، انْقَطَعَ بِهِ رَاحِلَتُهُ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، أَيِ: انْقَطَعَ رَاحِلَتِي بِي، وَلَمَّا حُوِّلَ لِلْمَفْعُولِ صَارَ الظَّرْفُ نَائِبَهُ كَسِيرَ بِعَمْرٍو، (فَاحْمِلْنِي) : بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ أَيْ: رَكِّبْنِي وَاجْعَلْنِي مَحْمُولًا عَلَى دَابَّةٍ غَيْرِهَا (فَقَالَ) : – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (مَا عِنْدِي) أَيْ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ) أَيْ: مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَعُثْمَانَ أَوِ ابْنِ عَوْفٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (مَنْ دَلَّ) أَيْ: بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ أَوِ الْإِشَارَةِ أَوِ الْكِتَابَةِ (عَلَى خَيْرٍ) أَيْ: عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ مِمَّا فِيهِ أَجْرٌ وَثَوَابٌ (فَلَهُ) : فَلِلدَّالِّ (مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: ” «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» “.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْجَامِعِ، وَالضِّيَاءُ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: ” «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ وَاللَّهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ» “.
كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.

✩✩✩✩✩✩✩

210 – وَعَنْ جَرِيرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَاءَ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] إِلَى آخَرِ الْآيَةِ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي الْحَشْرِ {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ ” وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ “.
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ.
حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

210 – (وَعَنْ جَرِيرٍ) : هُوَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمْرٍو، أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ جَرِيرٌ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَسَكَنَهَا زَمَانًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
(قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أَيْ: أَوَّلِهِ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ) أَيْ: يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْعُرْيُ حَالَ كَوْنِهِمْ (مُجْتَابِي) : هُوَ بِالْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ بَاءٌ أَيْ لَابِسِي (النِّمَارِ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَهِيَ أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطَةٍ.
وَاحِدَتُهَا نَمِرَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ (أَوِ الْعَبَاءِ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، فَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ كِسَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَالنَّمِرَةُ: شَمْلَةٌ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ، أَوْ بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ مُتَقَلِّدُونَ لِلسُّيُوفِ مِنْ جَوَانِبِهِمْ (وَمُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) : كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِالْوَاوِ، وَعَلَيْهِ صَحٌّ بِالْحُمْرَةِ، لَكِنْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْوَاوُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ (عَامَّتُهُمْ) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (مِنْ مُضَرَ) : كَعُمَرَ، قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ (بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ) أَيْ مُبَالَغَةً (فَتَمَعَّرَ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَتَغَيَّرَ (وَجْهُ رَسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَظَهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ الْحُزْنِ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ) : أَيِ: الْفَقْرِ الشَّدِيدِ، وَمِنْ بَيَانٌ لِ ” مَا “، يَعْنِي: لِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يُجْبِرُ كَسْرَهُمْ وَيُغْنِي فَقْرَهُمْ وَيَكْسِبُهُمْ وَيُعْطِيهُمْ مَا يُغْنِيهِمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ خُصُوصًا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ (فَدَخَلَ) أَيْ فِي بَيْتِهِ لَعَلَّهُ يَلْقَى شَيْئًا مِنْ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ أَوْ لِتَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلْمَوْعِظَةِ (ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا) أَيْ بِالْأَذَانِ (فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ فَصَلَّى) أَيْ: إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ بِدَلِيلِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا الظُّهْرُ أَوِ الْجُمُعَةُ لِقَوْلِهِ: فِي صَدْرِ النَّهَارِ (ثُمَّ خَطَبَ) أَيْ: وَعَظَ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا فَوْقَ الْمِنْبَرِ أَوْ دُونَهُ (فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [النساء: 1] : أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ غَالِبِيٌّ {اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1] أَيْ: عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ {الَّذِي خَلَقَكُمْ} [النساء: 1] أَيْ: بِالْوَاسِطَةِ {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] : وَهِيَ آدَمُ (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) : وَتَمَامُهَا {وَخَلَقَ مِنْهَا} [النساء: 1] أَيْ: مِنْ ضِلْعِهَا زَوْجَهَا أَيْ: حَوَّاءَ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَوْ لِلْحَالِ، وَقَدْ تُقَدَّرُ أَوْ لَا تُقَدَّرُ {وَبَثَّ مِنْهُمَا} [النساء: 1] أَيْ: فَرَّقَ مِنْ أَوْلَادِهِمَا بِوَسَطٍ أَوْ غَيْرِ وَسَطٍ.
رُوِيَ أَنَّ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ أَرْبَعُونَ فِي عِشْرِينَ بَطْنًا.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُلِدَ لِآدَمَ أَرْبَعُونَ وَلَدًا عِشْرُونَ غُلَامًا وَعِشْرُونَ جَارِيَةً ” رِجَالًا ” كَثِيرًا ” وَنِسَاءً ” أَيْ كَثِيرَةً، فَاكْتَفَى بِوَصْفِ الرِّجَالِ بِالْكَثْرَةِ عَنْ وَصْفِ النِّسَاءِ بِهَا، إِذِ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُنَّ أَكْثَرَ، وَتَذْكِيرُ الْكَثِيرِ حَمْلُ الْجَمْعِ دُونَ الْجَمَاعَةِ وَلِأَنَّ الْفَعِيلَ يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ} [النساء: 1] بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ ” بِهِ ” أَيْ: بِاللَّهِ وَالْأَرْحَامَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَطْفًا عَلَى الْجَلَالَةِ، أَيِ: اتَّقُوا قَطْعَهَا وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ وَهُوَ جَائِزٌ فَصِيحٌ، وَأَخْطَأَ مَنْ ضَعَّفَهُ، وَكَانَ الْعَرَبُ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَبِالرَّحِمِ كَذَا.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] أَيْ: مُطَّلِعًا عَلَى أَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ فَرَاقِبُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا (وَالْآيَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا} [النساء: 1] عَلَى تَأْوِيلٍ ” قَالَ ” بِ ” قَرَأَ ” أَيْ: قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (الَّتِي فِي الْحَشْرِ) .
اهـ.
وَأَوَّلُهَا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 18] وَبَعْدَهُ {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ} [الحشر: 18] وَهِيَ نَكِرَةٌ تُفِيدُ الْعُمُومَ أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} [الانفطار: 5] {مَا قَدَّمَتْ} [الانفطار: 5] : وَأَخَّرَتْ أَيْ: لِتَتَفَكَّرْ وَتَتَأَمَّلِ النُّفُوسُ مَا قَدَّمَتْ، أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيْرَاتِ أَرْسَلَتْهُ إِلَى الْآخِرَةِ (لِغَدٍ) أَيْ: لِنَفْعِ الْغَدِ مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَتَمَامُهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ.
وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ اتَّقُوا مُخَالَفَتَهُ، وَالثَّانِي اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] أَيْ: عَالِمٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَيُخْبِرُكُمْ بِهَا وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَفِيهِ جَوَازُ تَقْطِيعِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِأَنْ يُؤْتَى بِبَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ” تَصَدَّقَ رَجُلٌ “: بِفَتْحِ الْقَافِ وَتُسَكَّنُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الظَّاهِرَ لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ، وَلَامُ الْأَمْرِ لِلْغَائِبِ مَحْذُوفٌ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ نَبْكِ فِي: قِفَا نَبْكِ مَجْزُومٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَمْرِ أَيْ: فَلْنَبْكِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا} [الحجر: 3] أَيْ: فَلْيَأْكُلُوا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا} [الجاثية: 14] أَيْ: فَلْيَغْفِرُوا وَلَوْ حَمَلَ ” تَصَدَّقَ ” عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي لَمْ يُسَاعِدْهُ قَوْلُهُ: ” وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ” إِذِ الْمَعْنَى لِيَتَصَدَّقَ رَجُلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، كَذَا قَوْلُهُ: فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَخْ: لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَقِيبَ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَلِمَنْ يُجْرِيهِ عَلَى الْإِخْبَارِ وَجْهٌ، لَكِنْ فِيهِ تَعَسُّفٌ غَيْرُ خَافٍ اهـ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَيَأْبَى عَنِ الْحَمْلِ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ عَدَمُ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ اهـ.
فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا وَأَمْرٌ مَعْنًى، وَإِتْيَانُ الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ فَضْلًا عَنْ تَعَسُّفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الصف: 11] : قِيلَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنَى آمِنُوا وَجَاهِدُوا، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ” تَعْبُدُ اللَّهَ ” بِمَعْنَى اعْبُدِ اللَّهَ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ وَامْتَثَلَ بِهِ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يُقَالُ هَذَا الْإِخْبَارُ مُضَارِعٌ وَالْكَلَامُ فِي الْمَاضِي، لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَبَرٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا مَعَ أَنَّ الْأَغْلَبِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ أَظْهَرُ فِي الْمَاضِي لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ: ” فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ” حَمَلَ بَعْضُهُمْ ” أَخَذَ ” الثَّانِيَ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ.
(مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مِنْ قَمْحِهِ وَحِنْطَتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ شَعِيرِهِ (مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ) : وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ تُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ وَتَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ مِنْهُمَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: رَجُلٌ نَكِرَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْجَمْعِ الْمَعْرُوفِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْإِفْرَادِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَشَجَرَةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} [لقمان: 27] فَإِنَّ شَجَرَةً وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْأَشْجَارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ مِرَارًا بِلَا عَطْفٍ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، وَرَجُلٌ مِنْ دِرْهَمِهِ وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَ ” مِنْ ” فِي: ” مِنْ دِينَارٍ “، إِمَّا تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ بِمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] (حَتَّى قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيَتَصَدَّقْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) : أَيِ: الرَّاوِي (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ) : بِالضَّمِّ، أَيْ: رَبْطَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ (كَادَتْ كَفُّهُ) أَيْ قَارَبَتْ (تَعْجِزُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ حَمْلِ الصُّرَّةِ لِثِقَلِهَا لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ (ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ) أَيْ: تَوَالَوْا فِي إِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ وَإِتْيَانِ الْمَبَرَّاتِ (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ) : الْكَوْمَةُ: بِالْفَتْحِ الصُّبْرَةُ (مِنْ طَعَامٍ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا حُبُوبٌ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النُّقُودِ لِغَلَبَتِهِ (وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ) : بَدَلٌ مِنْ حَتَّى الْأُولَى أَوْ غَايَةٌ لَهَا أَيْ: حَتَّى أَبْصَرْتُ (وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَهَلَّلُ) أَيْ: يَسْتَنِيرُ وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ السُّرُورِ (كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، بَعْدَهُ مُوَحَّدَةٌ، فِي مَا مُوِّهَ بِالذَّهَبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَالنُّونِ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الدُّهْمَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: مُدْهُنَةٌ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ الْهَاءِ وَبِالنُّونِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الصَّفَاءُ وَالِاسْتِنَارَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» ) أَيْ: أَتَى بِطَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا (فَلَهُ أَجْرُهَا) أَيْ: أَجْرُ تِلْكَ السُّنَّةِ، أَيْ: ثَوَابُ الْعَمَلِ بِهَا.
وَفِي نُسْخَةٍ: أَجْرُهُ، أَيْ: أَجْرُ مَنْ سَنَّ، يَعْنِي أَجْرَ عَمَلِهِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَلَهُ أَجْرُهَا، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ رِوَايَةً وَمَعْنًى إِنَّمَا الصَّوَابُ أَجْرُهُ، وَالضَّمِيرُ لِصَاحِبِ الطَّرِيقَةِ، أَيْ: لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِسُنَّتِهِ، وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى السُّنَّةِ.
(وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ رُوَاةِ الْكِتَابَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي شَيْءٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُورِدْهُ الْبُخَارِيُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ: أَجْرُهَا.
وَعَلَى هَذَا شَرْحُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَتِهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْأَجْرِ فَجَازَتِ الْإِضَافَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اتِّفَاقُ النُّسَخِ عَلَى وِزْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ (مِنْ بَعْدِهِ) : مِنْ بَيَانِ مِنْ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ بَعْدَ مَمَاتِ مَنْ سَنَّهَا قُيِّدَ بِهِ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَجْرَ يُكْتَبُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا اهـ.
قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْأَجْرَ لَا يُكْتَبُ لَهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ بَعْدِ مَا سَنَّهُ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ النَّقْصِ (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أَيْ: بِدْعَةً مَذْمُومَةً عَمِلَ بِهَا (كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا) أَيْ: إِثْمُهَا (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ تَبَعِيَّتِهِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : تَقَدَّمَ (مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) : جَمَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى ” مِنْ ” كَمَا أَفْرَدَ فِي ” يَنْقُصَ ” بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

READ ALSO:
Some Islamic Expressions and Short Prayers Commonly Said by Muslims

✩✩✩✩✩✩✩

211 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

211 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ) : صِفَةٌ لِابْنٍ، وَهُوَ قَابِيلُ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ حِينَ تَزَوَّجَ كُلٌّ بِأُخْتِهِ الَّتِي مَعَ الْآخَرِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ آدَمَ أَنَّ بُطُونَ حَوَّاءَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْأَقَارِبِ الْأَبَاعِدِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَذُّرُ التَّزَوُّجِ فَاقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ بَقَاءِ النَّسْلِ تَجْوِيزَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ قَتَلَ أَخَاهُ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ كَانَتْ أَجْمَلَ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي التَّفْسِيرِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا قَيَّدَ بِالْأَوَّلِ لِئَلَّا يُشْتَبَهَ إِذْ فِي بَنِي آدَمَ كَثْرَةٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَابِيلَ كَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أَنَّ قَضِيَّتَهُمَا كَانَتْ بَعْدَ بُطُونٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَالْأَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ أَيِ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَتَلَةِ (كِفْلٌ) أَيْ: نَصِيبٌ (مِنْ دَمِهَا) أَيْ: دَمِ النَّفْسِ (لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
212 – عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ.
قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ” مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ.

READ ALSO:
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
212 – (عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ) : ذَكَرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيِ: الشَّامِ (فَجَاءَهُ) أَيْ: أَبَا الدَّرْدَاءِ (رَجُلٌ) أَيْ: مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ (فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ!) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَلَا يُكْتَبُ رَسْمًا (إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَرِهَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَسُولِ غَيْرِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ الْآيَةَ.
لِأَنَّ خِطَابَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ تَشْرِيفٌ لَهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُخَاطِبَ عَبِيدَهُ بِمَا شَاءَ وَمِنْ ثَمَّ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] أَنَّهُ يَحْرُمُ نِدَاؤُهُ بِاسْمِهِ كَ ” يَا مُحَمَّدُ “، أَوْ بِكُنْيَتِهِ كَ ” يَا أَبَا الْقَاسِمِ “.
قَالَ: وَإِنَّمَا يُنَادَى بِنَحْوِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ اهـ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ إِرَادَةِ الْإِشْرَاكِ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ بَلْ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَنَحْوِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (لِحَدِيثٍ) أَيْ: لِأَجْلِ تَحْصِيلِ حَدِيثٍ (بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ إِجْمَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ، لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ وَزِيَادَةِ يَقِينِهِ أَوْ لِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ فَإِنَّهُ مِنَ الدِّينِ (مَا جِئْتُ) : إِلَى الشَّامِ (لِحَاجَةٍ) : أُخْرَى، غَيْرَ أَنْ أُسْمِعَكَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ تَحْدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا حَدَّثَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ أَوْ يَكُونَ بَيَانًا أَنَّ سَعْيَهُ مَشْكُورٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَا هُوَ مَطْلُوبُهُ، وَالْأَوَّلُ أَغْرَبُ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (فَإِنِّي) أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنِّي (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ) أَيْ: دَخَلَ أَوْ مَشَى، (طَرِيقًا) أَيْ: قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا (يَطْلُبُ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَسْلَكِ أَوْ فِي سُلُوكِهِ (عِلْمًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الطَّرِيقَ وَالْعِلْمَ لِيَشْمَلَا فِي جِنْسِهِمَا أَيَّ طَرِيقٍ كَانَ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ وَالضَّرْبِ فِي الْبُلْدَانِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ، وَأَيَّ عِلْمٍ كَانَ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا رَفِيعًا أَوْ غَيْرَ رَفِيعٍ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ الثَّوْرِيِّ: مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ نِيَّةٌ.
قَالَ: طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ، أَيْ: سَبَبُهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ اهـ.
لِأَنَّهُ إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ النَّافِلَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: الْعِلْمُ الْحِكْمَةُ وَهُوَ نُورٌ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ اهـ.
وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَعْنَى الْآيَةِ: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269] ” سَلَكَ اللَّهُ بِهِ “: الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَائِدٌ إِلَى ” مَنْ ” وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: جَعَلَهُ سَالِكًا وَوَفَّقَهُ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: عَائِدٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَسَلَكَ بِمَعْنَى سَهَّلَ، وَالْعَائِدُ إِلَى ” مَنْ ” مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ (طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ) : فَعَلَى الْأَوَّلِ سَلَكَ مِنَ السُّلُوكِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ السَّلْكِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن: 17] قِيلَ: عَذَابًا مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ نِسْبَةُ سَلَكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَكُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِهَا، وَطُرُقُ الْعِلْمِ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إِلَيْهَا وَأَعْظَمُ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ تَنْكِيرِهِمَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ مَحْصُورَةٌ فِي طُرُقِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْعِلْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَوْلُ الصُّوفِيَّةِ الطُّرُقُ إِلَى اللَّهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ غَيْرِ الْعِلْمِ هُوَ طَرِيقُ الْجَهْلِ وَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا وَلَوِ اتَّخَذَهُ لَعَلَّمَهُ.
(وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) : اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ أَيْ: مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلَّهُمْ وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي قَوْلِهِ: (لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلَى مَعْنَى إِرَادَةِ رِضًا لِيَكُونَ فِعْلًا لِفَاعِلِ الْفِعْلِ الْمُعَلِّلِ (لِطَالِبِ الْعِلْمِ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِرِضًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِأَجْلِ الرِّضَا الْوَاصِلِ مِنْهَا إِلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِ إِرْضَائِهَا الطَّالِبَ الْعِلْمَ بِمَا يَصْنَعُ مِنْ حِيَازَةِ الْوِرَاثَةِ الْعُظْمَى وَسُلُوكِ السَّنِّ الْأَسْنَى.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُ: قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَتَوَاضَعُ لِطَالِبِهِ تَوْقِيرًا لِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] أَيْ: تَوَاضَعْ لَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ الْكَفُّ عَنِ الطَّيَرَانِ وَالنُّزُولِ لِلذِّكْرِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: ” وَحَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ ” أَوْ مَعْنَاهُ الْمَعُونَةُ وَتَيْسِيرُ الْمُؤْنَةِ بِالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ أَوِ الْمُرَادُ تَلْيِينُ الْجَانِبِ وَالِانْقِيَادُ وَالْفَيْءُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالِانْعِطَافِ، أَوِ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تُشَاهَدْ، وَهِيَ فَرْشُ الْجَنَاحِ وَبَسْطُهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِتَحْمِلَهُ عَلَيْهَا وَتُبَلِّغَهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْبِلَادِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْبَصْرَةِ فَحَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي الْمَجْلِسِ شَخْصٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَجَعَلَ يَسْتَهْزِئُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطْرُقَنَّ غَدًا نَعْلِي وَأَطَأُ بِهَا أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ فَفَعَلَ وَمَشَى فِي النَّعْلَيْنِ فَحَفَتْ رِجْلَاهُ وَوَقَعَتْ فِيهِمَا الْأَكَلَةُ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ يَحْيَى السَّاجِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَمْشِي فِي أَزِقَّةِ الْبَصْرَةِ إِلَى بَابِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ، وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مَاجِنٌ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَقَالَ: ارْفَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَا تَكْسِرُوهَا كَالْمُسْتَهْزِئِ بِالْحَدِيثِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى حَفَتْ رِجْلَاهُ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ اهـ.
وَالْحَفَاءُ: رِقَّةُ الْقَدَمِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ.
قَالَ: ” مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا فَيَرْكَبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَبْلُغَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» .
نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَجَازٌ مِنْ إِرَادَةِ اسْتِقَامَةِ حَالِ الْمُسْتَغْفَرِ لَهُ اهـ.
وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) : لِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِتَعْرِيفِ الْعُلَمَاءِ وَعَظُمُوا بِقَوْلِهِمْ (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) : قِيلَ: فِيهِ تَغْلِيبٌ، وَالْمُرَادُ مَا فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ بَقَاءَهُمْ وَصَلَاحَهُمْ مَرْبُوطٌ بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ وَفَتْوَاهُمْ وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ حَيِّهَا وَمَيِّتِهَا إِلَّا وَلَهُ مَصْلَحَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعِلْمِ (وَالْحِيتَانُ) : جَمْعُ الْحُوتِ (فِي جَوْفِ الْمَاءِ) : خُصَّ لِدَفْعِ إِيهَامِ أَنَّ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَشْمَلُ مَنْ فِي الْبَحْرِ أَوْ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِأَنْ يُرَادَ بِالْحِيتَانِ جَمِيعُ دَوَابِّ الْمَاءِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَوَالِمِ الْبَرِّ لِمَا جَاءَ: أَنَّ عَوَالِمَ الْبَرِّ أَرْبَعُمِائَةِ عَالَمٍ، وَعَوَالِمُ الْبَحْرِ سِتُّمِائَةِ عَالَمٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَخُصَّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهَا فِي الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ إِذْ هِيَ فِي الْمَاءِ اهـ.
وَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ، نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا وَجَوَابًا ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ فِي الْأَرْضِ يَشْمَلُهَا فَذَكَرَهَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ مَاءٌ، وَلِذَلِكَ اسْتَغْفَرَ لِلْعَالِمِ لِأَنَّ السَّبَبَ لِبَقَائِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ قَالَ تَعَالَى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَاءُ الْعِلْمُ وَالْأَوْدِيَةُ الْقُلُوبُ اهـ كَلَامُهُ، وَفِيهِ مَا فِيهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَخْصِيصُ الْحِيتَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ إِنْزَالَ الْمَطَرِ بِبَرَكَتِهِمْ حَتَّى إِنَّ الْحِيتَانَ تَعِيشُ بِسَبَبِهِمْ اهـ.
وَفِي الْحَدِيثِ: بِهِمْ تُمْطَرُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ (وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ) : أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِنَشْرِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَدَائِهِ مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (عَلَى الْعَابِدِ) أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ، وَهُوَ الَّذِي يَصْرِفُ أَوْقَاتَهُ بِالنَّوَافِلِ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْعِبَادَةُ (كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أَيْ: لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَبِهِ أَوَّلُ ” طه ” عَلَى حِسَابِ الْجُمَلِ، وَأُرِيدَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَعْنِي الْمُشَبَّهَ بِهِ فِي نِهَايَةِ النُّورِ وَغَايَةِ الظُّهُورِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ: ” كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ” كَمَا فِي قَوْلِهِ (عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ) : إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ: ” «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ” فَإِنَّ نُورَ الْمُؤْمِنِ – وَلَوْ كَانَ عَابِدًا – ضَعِيفٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ لَا عَلَى عَالِمٍ فَقَطْ وَعَابِدٍ فَقَطْ، لِأَنَّ هَذَيْنِ لَا فَضْلَ لَهُمَا بَلْ إِنَّهُمَا مُعَذَّبَانِ فِي النَّارِ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْعَمَلِ عَلَى الْعِلْمِ وَكَمَالِ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ، بَلْ وَرَدَ: «وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالَمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ، وَوَرَدَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» ; لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضَالًّا مُضِلًّا.
وَقَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ الْعَالِمَ بِالْقَمَرِ، وَالْعَابِدَ بِالْكَوْكَبِ، لِأَنَّ كَمَالَ الْعِبَادَةِ وَنُورَهَا لَا يَتَعَدَّى مِنَ الْعَابِدِ، وَنُورَ الْعَابِدِ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ فَيَسْتَضِيءُ بِنُورِهِ الْمُتَلَقِّي عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَالْقَمَرِ يَتَلَقَّى نُورَهُ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ مِنْ خَالِقِهَا عَزَّ وَجَلَّ ( «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» ) : وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَرَثَةُ الرُّسُلِ لِيَشْمَلَ الْكُلَّ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي: فَإِنَّ الْبَعْضَ وَرَثَةُ الرُّسُلِ كَأَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، وَالْبَاقُونَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ (وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا) : بِالتَّشْدِيدِ (دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا) أَيْ: شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا وَخُصَّا لِأَنَّهُمَا أَغْلَبُ أَنْوَاعِهَا، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى زَوَالِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهَا إِلَّا بِقَدْرِ ضَرُورَتِهِمْ، فَلَمْ يُوَرِّثُوا شَيْئًا مِنْهَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ شَيْئًا مِنْهَا يُوَرَّثُ عَنْهُمْ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ مُبَالَغَةً فِي تَنَزُّهِهِمْ عَنْهَا، وَلِذَا قِيلَ: الصُّوفِيُّ لَا يَمْلِكُ وَلَا يُمَلِّكُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى كَمَالِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ طَالِبَ الدُّنْيَا لَيْسَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْوَرَثَةِ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَقَلُّ الْعِلْمِ بَلْ أَقَلُّ الْإِيمَانِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ، وَأَنَّ الْعُقْبَى بَاقِيَةٌ.
وَنَتِيجَةُ هَذَا الْعِلْمِ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْفَانِي وَيُقْبِلَ عَلَى الْبَاقِي.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: خَصُّوا الدِّرْهَمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ نَفْيَ الدِّينَارِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا تَخْصِيصَ هُنَا، وَالْعَطْفُ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، وَإِنَّمَا زِيدَتْ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وَإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لَهُ صَفَايَا بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكَ وَخَيْبَرَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَخَلَّفَهَا، وَكَانَ لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَغْنَامٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ أَيُّوبُ وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَوِي نِعْمَةٍ كَثِيرَةٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَا وَرِثَتْ أَوْلَادُهُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَلْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مُعَدًّا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ اهـ.
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّهُ مَرَّ يَوْمًا فِي السُّوقِ بِقَوْمٍ مُشْتَغِلِينَ بِتِجَارَاتِهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ هَاهُنَا، وَمِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُقَسَّمُ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَامُوا سِرَاعًا إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ إِلَّا الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ وَمَجَالِسَ الْعِلْمِ فَقَالُوا: أَيْنَ مَا قُلْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: هَذَا مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُقَسَّمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَلَيْسَ بِمَوَارِيثِهِ دُنْيَاكُمْ (وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ) : لِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَنَشْرِ الْأَحْكَامِ، أَوْ بِأَحْوَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى تَبَايُنِ أَجْنَاسِهِ وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ (فَمَنْ أَخَذَهُ) : أَيِ: الْعِلْمَ (أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) أَيْ: أَخَذَ حَظًّا وَافِرًا يَعْنِي نَصِيبًا تَامًّا أَيْ: لَا حَظَّ أَوْفَرُ مِنْهُ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ أَخْذُهُ مُتَلَبِّسًا بِحَظٍّ وَافِرٍ مِنْ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ” أَخَذَ ” بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ: فَمَنْ أَرَادَ أَخْذَهُ فَلْيَأْخُذْ بِحَظٍّ وَافِرٍ وَلَا يَقْتَنِعْ بِقَلِيلٍ.
هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ الشَّرْحِ هُنَا.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: كَثِيرَ بْنَ قَيْسٍ (قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَثِيرُ بْنُ قَيْسٍ.
قَالَ مَيْرَكُ شَاهُ: وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمِشْكَاةِ: قَيْسُ بْنُ كَثِيرٍ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ.
هَكَذَا أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ وَقَالَ: كَذَا حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كَثِيرُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَذَلِكَ سَمَّاهُ أَبُو دَاوُدَ كَثِيرَ بْنَ قَيْسٍ، وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ كَثِيرٍ لَا فِي بَابِ قَيْسٍ.

READ ALSO:
باب المستحاضة

✩✩✩✩✩✩✩

213 – وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) » .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

213 – (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: وُصِفَ (لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ) أَيْ: بِوَصْفِ الْكَمَالِ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا وَأَنْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي الْخَارِجِ قَبْلَ زَمَانِهِ أَوْ فِي أَوَانِهِ (أَحَدُهُمَا عَابِدٌ) أَيْ: كَامِلٌ فِي الْعِبَادَةِ (وَالْآخَرُ عَالِمٌ) أَيْ: كَامِلٌ بِالْعِلْمِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : لَا يَسْتَوِيَانِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَامِلًا فِي مَقَامِهِ (فَضْلُ الْعَالِمِ) بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ الْقِيَامِ بِفَرَائِضِ الْعُبُودِيَّةِ (عَلَى الْعَابِدِ) أَيْ: عَلَى الْمُتَجَرِّدِ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ تَحْصِيلِ قَدْرِ الْفَرْضِ مِنَ الْعُلُومِ (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) : وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: كَفَضْلِي عَلَى أَعْلَاكُمْ لَكَفَى فَضْلًا وَشَرَفًا، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ” مَعَ إِفَادَةِ التَّوَاضُعِ فِي الثَّانِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ فِيهِمَا لِلْجِنْسِ فَالْحُكْمُ عَامٌّ، وَيُحْتَمَلُ الْعَهْدُ فَغَيْرُهُمَا يُؤْخَذُ بِالْمُقَايَسَةِ.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ اللَّهَ) : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ (وَمَلَائِكَتَهُ) أَيْ: حَمَلَةَ الْعَرْشِ (وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (وَالْأَرْضِ) أَيْ: أَهْلَ الْأَرْضِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ (حَتَّى النَّمْلَةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ حَتَّى عَاطِفَةٌ، وَبِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهَا جَارَّةٌ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (فِي جُحْرِهَا) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ، أَيْ: ثُقْبِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَصَلَاتُهُ بِحُصُولِ الْبَرَكَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ (وَحَتَّى الْحُوتَ) : كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُمَا غَايَتَانِ مُسْتَوْعِبَتَانِ لِدَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَخُصَّتِ النَّمْلَةُ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ ادِّخَارًا لِلْقُوتِ فِي جُحْرِهَا فَهِيَ أَحْوَجُ إِلَى بَرَكَتِهِمْ مِنْ غَيْرِهَا، وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَخْصِيصِ الْحُوتِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ، وَقِيلَ: وَجْهُ تَخْصِيصِهِمَا بِالذِّكْرِ الْإِشَارَةُ إِلَى جِنْسِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقِيلَ: إِلَى الْجِنْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْقَتْلُ وَغَيْرِهِ (لَيُصَلُّونَ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ، أَيْ: يَدْعُونَ بِالْخَيْرِ (عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) : قِيلَ: أَرَادَ بِالْخَيْرِ هَنَا عِلْمَ الدِّينِ وَمَا بِهِ نَجَاةُ الرَّجُلِ، وَلَمْ يُطْلِقِ الْمُعَلِّمَ لِيُعْلَمَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدُّعَاءِ لِأَجْلِ تَعْلِيمِ عِلْمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْخَيْرِ اهـ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ بِأَنَّ نَفْعَ الْعِلْمِ مُتَعَدٍّ وَنَفْعَ الْعِبَادَةِ قَاصِرٌ، مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ فِي نَفْسِهِ فَرْضٌ، وَزِيَادَةَ الْعِبَادَةِ نَافِلَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : يَعْنِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا.

✩✩✩✩✩✩✩

214 – وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ: رَجُلَانِ وَقَالَ: ( «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ.
ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] » وَسَرَدَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ.

214 – (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ) : وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ مِنْ سَبْيِ كَابُلَ، كَانَ مُعَلِّمَ الْأَوْزَاعِيِّ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ: ابْنُ الْمُسَيَّبِ بِالْمَدِينَةِ، وَالشَّعْبِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ مَكْحُولٍ أَبْصَرُ بِالْفُتْيَا مِنْهُ، وَكَانَ لَا يُفْتِي حَتَّى يَقُولَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
هَذَا رَأْيِي.
وَالرَّأْيُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (مُرْسَلًا) : يَعْنِي حَذْفَ الصَّحَابِيِّ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ مَكْحُولٌ (رَجُلَانِ) : رَفَعَهُ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَالْمُرَادُ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، وَلِذَا قَالَ (وَقَالَ) أَيْ مَكْحُولٌ رِوَايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَحِكَايَةَ (فَضْلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ) : وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْجِنْسِيَّةَ فِيمَا تَقَدَّمَ (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) أَيْ: أَيُّهَا الصَّحَابَةُ أَوْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ مُبَالَغَةً (ثُمَّ تَلَا) أَيْ: مَكْحُولٌ أَوْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (هَذِهِ الْآيَةَ) : اسْتِشْهَادًا أَوْ تَصْدِيقًا {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ} [فاطر: 28] : بِالنَّصْبِ {مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] : بِالرَّفْعِ، وَالْخَشْيَةُ خَوْفٌ مَعَ التَّعْظِيمِ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِرَفْعِ الْجَلَالَةِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ، أَيْ: يُعَظِّمُ عَلَى التَّجْرِيدِ، قِيلَ: اسْتِشْهَادٌ لِبَيَانِ عِلَّةِ الْفَضْلِ لِأَنَّ الْعَالِمَ الْحَقِيقِيَّ أَعْرَفُ بِاللَّهِ وَبِجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ مِنَ الْعَابِدِ الَّذِي غَلَبَتْ عِبَادَتُهُ عَلَى عِلْمِهِ، فَيَكُونُ الْعَالِمُ أَتْقَى.
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ يُوَرِّثُ الْخَشْيَةَ وَهِيَ تُنْتِجُ التَّقْوَى وَهُوَ مُوجَبُ الْأَكْرَمِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ كَذَلِكَ فَهُوَ كَالْجَاهِلِ، بَلْ هُوَ الْجَاهِلُ، وَلِذَا قِيلَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالِمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَأَطْبَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] (وَسَرَدَ) أَيْ: ذَكَرَ وَأَوْرَدَ مَكْحُولٌ (الْحَدِيثَ) أَيْ: بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (إِلَى آخِرِهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

215 – وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

215 – (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ النَّاسَ) أَيْ: جِنْسَهُمْ (لَكُمْ تَبَعٌ) : جَمْعُ تَابِعٍ كَخَدَمٍ وَخَادِمٍ، وَقِيلَ: وَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الْفَاعِلِ مُبَالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وَالْخِطَابُ لِعُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ يَتَّبِعُونَكُمْ فِي أَفْعَالِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ، لِأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ عَنِّي مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ أَقْوَالِي، وَالطَّرِيقَةَ أَفْعَالِي، وَالْحَقِيقَةَ أَحْوَالِي، وَفِيهِ مَأْخَذٌ لِتَسْمِيَةِ التَّابِعِيِّ تَابِعِيًّا، وَإِنْ كَانَتِ التَّبَعِيَّةُ عَامَّةً بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ (وَإِنَّ رِجَالًا) : أَوْ نَوْعًا مِنْهُمْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الرُّجُولِيَّةُ الْكَامِلَةُ (يَأْتُونَكُمْ) أَيْ: بِجِهَادِ أَنْفُسِهِمْ طَالِبِينَ خَالِصِينَ مُتَوَاضِعِينَ (مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ) أَيْ: جَوَانِبِهَا (يَتَفَقَّهُونَ) أَيْ: يَطْلُبُونَ الْفِقْهَ (فِي الدِّينِ) : وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِبَيَانِ عِلَّةِ الْإِتْيَانِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْمَرْفُوعِ فِي يَأْتُونَكُمْ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الذَّوْقِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ (فَإِذَا أَتَوْكُمْ) أَيْ: بِهَذَا الْقَصْدِ وَآثَرَهَا عَلَى ” إِنَّ ” لِإِفَادَتِهَا تَحْقِيقَ وُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ، فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَبِوَاهِرِ مُعْجِزَتِهِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ (فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا) أَيْ: فِي تَعْلِيمِهِمْ عُلُومَ الدِّينِ وَأَخْلَاقِ الْمُهْتَدِينَ كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «إِذَا رَأَيْتَ لِي طَالِبًا فَكُنْ لَهُ خَادِمًا» “، وَتَحْقِيقُهُ اطْلُبُوا الْوَصِيَّةَ وَالنَّصِيحَةَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَالسِّينُ لِلطَّلَبِ، وَالْكَلَامُ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ أَيْ: لِيُجَرِّدْ كُلٌّ مِنْكُمْ شَخْصًا مِنْ نَفْسِهِ وَيَطْلُبْ مِنْهُ التَّوْصِيَةَ فِي حَقِّ الطَّالِبِينَ وَمُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِمْ، وَقِيلَ: الِاسْتِيصَاءُ طَلَبُ الْوَصِيَّةِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِأَحَدٍ أَوْ بِشَيْءٍ، يُقَالُ: اسْتَوْصَيْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو خَيْرًا، أَيْ: طَلَبْتُ مِنْ زَيْدٍ أَنْ يَفْعَلَ بِعَمْرٍو خَيْرًا، وَالْبَاءُ فِي بِهِمْ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقِيلَ: الِاسْتِيصَاءُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَمَعْنَاهُ اقْبَلُوا الْوَصِيَّةَ مِنِّي بِإِيتَائِهِمْ خَيْرًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُرُوهُمْ بِالْخَيْرِ وَعِظُوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ إِيَّاهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

READ ALSO:
What is the ruling on the fast of the menstruating and postpartum woman? If she delays compensating her missed days past the following Ramadaan, what is upon her?

✩✩✩✩✩✩✩

216 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ.

216 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (الْكَلِمَةُ) : أَيِ: الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ (الْحِكْمَةُ) ، قَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ.
قَالَ تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269] الْآيَةَ.
وَقِيلَ: الَّتِي أُحْكِمَتْ مَبَانِيهَا بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ دَالَّةً عَلَى مَعْنًى فِيهِ دِقَّةٌ مَصُونَةٌ مَعَانِيهَا عَنِ الِاخْتِلَالِ وَالْخَطَأِ وَالْفَسَادِ.
وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: جُعِلَتِ الْكَلِمَةُ نَفْسَ الْحِكْمَةِ مُبَالَغَةً كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَيُرْوَى كَلِمَةُ الْحِكْمَةِ بِالْإِضَافَةِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَيُرْوَى الْكَلِمَةُ الْحَكِيمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ لِأَنَّ الْحَكَمَ قَائِلُهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {يس – وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1 – 2] كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ، وَذَكَرَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1] وُصِفَ بِالْحَكِيمِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْحُكْمِ فَعَلَى هَذَا هُوَ يُفِيدُ وَجْهًا آخَرَ فِي الْكَلِمَةِ الْحَكِيمَةِ، وَقِيلَ: الْحَكِيمَةُ بِمَعْنَى الْمُحْكَمَةِ أَوِ الْحَاكِمَةِ (ضَالَّةُ الْحَكِيمِ) أَيْ: مَطْلُوبُهُ وَالْحَكِيمُ هُوَ الْمُتْقِنُ لِلْأُمُورِ الَّذِي لَهُ فِيهَا غَوْرٌ (فَحَيْثُ وَجَدَهَا) : أَيِ: الْحَكِيمُ الْحِكْمَةَ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أَيْ: بِقَبُولِهَا، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: يَعْنِي أَنَّ الْحَكِيمَ يَطْلُبُ الْحِكْمَةَ، فَإِذَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَيْ بِالْعَمَلِ بِهَا وَاتِّبَاعِهَا، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ كَلِمَةَ الْحِكْمَةِ رُبَّمَا تَفَوَّهَ بِهَا مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ قَائِلِهَا مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى خَسَاسَةِ مَنْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي وَاسْتِنْبَاطِ الْحَقَائِقِ الْمُحْتَجَبَةِ وَاسْتِكْشَافِ الْأَسْرَارِ الْمَرْمُوزَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِ الْآيَاتِ وَدَقَائِقِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَنْ رُزِقَ فَهْمًا وَأُلْهِمَ تَحْقِيقًا كَمَا لَا يُنَازَعُ صَاحِبُ الضَّالَّةِ فِي ضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا، أَوْ كَمَا أَنَّ الضَّالَّةَ إِذَا وُجِدَتْ مُضَيَّعَةً فَلَا تُتْرَكُ بَلْ تُؤْخَذُ وَيُتَفَحَّصُ عَنْ صَاحِبِهَا حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ السَّامِعُ إِذَا سَمِعَ كَلَامًا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، فَعَلَيْهِ أَلَّا يُضَيِّعَهُ وَأَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، فَلَعَلَّهُ يَفْهَمُ أَوْ يَسْتَنْبِطُ مِنْهُ مَا لَا يَفْهَمُهُ وَلَا يَسْتَنْبِطُهُ هُوَ، أَوْ كَمَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَنْعُ صَاحِبِ الضَّالَّةِ عَنْهَا فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا كَذَلِكَ الْعَالِمُ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَعْنًى لَا يَحِلُّ لَهُ كِتْمَانُهُ إِذَا رَأَى فِي السَّائِلِ اسْتِعْدَادًا لِفَهْمِهِ كَذَا قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ (يُضَعَّفُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُنْسَبُ إِلَى ضَعْفِ الرِّوَايَةِ (فِي الْحَدِيثِ) .
أَيْ: فِي بَابِ نَقْلِ الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ وَكَأَنَّهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَخَذَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَالَ مَوْقُوفًا: انْظُرْ إِلَى مَا قَالَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ.

✩✩✩✩✩✩✩

217 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

217 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَقِيهٌ وَاحِدٌ) أَيْ: بَقَاؤُهُ وَحَيَاتُهُ (أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ) : لِأَنَّ الْفَقِيهَ لَا يَقْبَلُ إِغْوَاءَهُ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالْخَيْرِ عَلَى ضِدِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِالشَّرِّ (مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ) .
قِيلَ: الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ كُلَّمَا فَتَحَ بَابًا مِنَ الْأَهْوَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَزَيَّنَ الشَّهَوَاتِ فِي قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ الْفَقِيهُ الْعَارِفُ بِمَكَائِدِهِ وَمَكَامِنِ غَوَائِلِهِ لِلْمُرِيدِ السَّالِكِ مَا يَسُدُّ ذَلِكَ الْبَابَ، وَيَجْعَلُهُ خَائِبًا خَاسِرًا بِخِلَافِ الْعَابِدِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَشْتَغِلُ بِالْعِبَادَةِ.
وَهُوَ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ وَلَا يَدْرِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
قَالَ الرَّبِيعُ، حَدِيثُ: «لَفَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِهِ فِي حَدِيثٍ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ أَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةٌ اهـ.
لَكِنَّ كَثْرَةَ طُرُقِهِ تُخْرِجُهُ عَنِ الضَّعْفِ خُصُوصًا حَيْثُ اعْتَضَدَهُ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

218 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ( «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّوْلُؤَ وَالذَّهَبَ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) إِلَى قَوْلِهِ (مُسْلِمٍ) .
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفٌ.

218 – (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (طَلَبُ الْعِلْمِ) أَيِ: الشَّرْعِيِّ (فَرِيضَةٌ) أَيْ: مَفْرُوضٌ فَرْضَ عَيْنٍ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) : أَوْ كِفَايَةٍ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ وَمُسْلِمَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ.
قَالَ الشُّرَّاحُ: الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا لَا مَنْدُوحَةَ لِلْعَبْدِ مِنْ تَعَلُّمِهِ كَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَنُبُوَّةِ رَسُولِهِ وَكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَأَمَّا بُلُوغُ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ وَالْفُتْيَا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَالَ السَّيِّدُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ الْعِلْمَ وَيُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ اهـ.
وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ وَتَحَزَّبُوا فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فِرْقَةً، فَكَانَ فَرِيقٌ نَزَّلَ الْوُجُوبَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي بِصَدَدِهِ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ الرَّبَّانِيُّ السَّهَرْوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرِيضَةٌ.
قِيلَ: هُوَ عِلْمُ الْإِخْلَاصِ وَمَعْرِفَةُ آفَاتِ النَّفْسِ وَمَا يُفْسِدُ الْأَعْمَالَ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَصَارَ عِلْمُهُ فَرْضًا آخَرَ، وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ الْخَوَاطِرِ وَتَفْصِيلُهَا فَرِيضَةٌ لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ هِيَ مَنْشَأُ الْفِعْلِ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَلَمَّةِ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ الْحَلَالِ حَيْثُ كَانَ أَكْلُ الْحَلَالِ وَاجِبًا، وَقِيلَ: عِلْمُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَقِيَامُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ التَّوْحِيدِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالنَّقْلِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ الْبَاطِنِ وَهُوَ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَبْدُ يَقِينًا، وَهُوَ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ وَالزُّهَّادِ الْمُقَرَّبِينَ، فَهُمْ وُرَّاثُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ قَبْلَ الْفَرْضِ؟ فَقُلِ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ فِي الْفَرْضِ؟ فَقُلِ: الْإِخْلَاصُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ بَعْدَ الْعَمَلِ؟ فَقُلِ: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ.
(وَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ) : بِأَنْ يُحَدِّثَهُ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ، أَوْ مَنْ يُرِيدُ مِنْهُ غَرَضًا دُنْيَوِيًّا، أَوْ مَنْ لَا يَتَعَلَّمُهُ لِلَّهِ (كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ) : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ (وَالذَّهَبَ) : قِيلَ: يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَخْتَصُّ بِاسْتِعْدَادٍ وَلَهُ أَهْلٌ، فَإِذَا وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَقَدْ ظَلَمَ، فَمَثَّلَ مَعْنَى الظُّلْمِ بِتَقْلِيدِ أَخَسِّ الْحَيَوَانَاتِ بِأَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ تَهْجِينًا لِذَلِكَ الْوَضْعِ وَتَنْفِيرًا عَنْهُ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهِ وَجْهَهُ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ أَوْ يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَيْ: إِذَا سَمِعُوا مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ عُقُولُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَفِي تَعْقِيبِ هَذَا التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: طَلَبُ الْعِلْمِ إِعْلَامٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّلَبِ طَلَبٌ مِنَ الْمُسْتَعِدِّينَ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ: يُوَافِقُ مَنْزِلَتَهُ بَعْدَ حُصُولِ مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنَ الْفَرَائِضِ الْعَامَّةِ، وَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ طَالِبٍ بِمَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
يَعْنِي: بِكَمَالِهِ، وَغَيْرُهُ.
كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ إِلَى قَوْلِهِ: (مُسْلِمٍ) وَقَالَ: أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ) أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ كَذَا فِي بِدَايَةِ الْجَزَرِيِّ (وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) ، أَيْ: وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ) .
لَكِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ وَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
قَالَ الْمِزِّيُّ تِلْمِيذُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ طُرُقَهُ تَبْلُغُ رُتْبَةَ الْحَسَنِ، وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَأَيْتُ لَهُ خَمْسِينَ طَرِيقًا جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ وَحَكَمْتُ بِصِحَّتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ بِغَيْرِهِ، فَقَوْلُ الْجَزَرِيِّ فِي الْبِدَايَةِ: لَا أَصْلَ لَهُ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لِلْمَشْهُورِ الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَكِنْ قَالَ الْعِرَاقِيُّ.
قَدْ صَحَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بَعْضَ طُرُقِهِ، هَذَا وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ بِآخِرِ الْحَدِيثِ (وَمُسْلِمَةٍ) وَلَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ.

READ ALSO:
Rulings On Fasting

✩✩✩✩✩✩✩

219 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

219 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ) : بِأَنْ تَكُونَ فِيهِ وَاحِدَةٌ دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ لَا يَكُونَا فِيهِ بِأَنْ لَا تُوجَدَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالِاجْتِمَاعِ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى جَمْعِهِمَا وَزَجْرًا لَهُمْ عَنِ الِاتِّصَافِ بِأَحَدِهِمَا، وَالْمُنَافِقُ إِمَّا حَقِيقِيٌّ وَهُوَ النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ أَوْ مَجَازِيٌّ وَهُوَ الْمُرَائِي وَهُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ (حُسْنُ سَمْتٍ) أَيْ: خُلُقٍ وَسِيرَةٌ وَطَرِيقَةٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ التَّزَيِّي بِزِيِّ الصَّالِحِينَ.
وَقَالَ مَيْرَكُ: السَّمْتُ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ أَعْنِي الْمَقْصِدَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَيْئَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ تَحَرِّي طُرُقِ الْخَيْرِ وَالتَّزَيِّي بِزِيِّ الصَّالِحِينَ مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الْمَعَايِبِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ) : عَطَفَ بِلَا لِأَنَّ حُسْنَ سَمْتٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَلَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الْمُسَاقِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: حَقِيقَةُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى اللِّسَانِ، فَأَفَادَ الْعَمَلَ، وَأَوْرَثَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى، وَأَمَّا الَّذِي يَتَدَارَسُ أَبْوَابًا مِنْهُ لِيَتَعَزَّزَ بِهِ وَيَتَأَكَّلَ بِهِ فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الرُّتْبَةِ الْعُظْمَى لِأَنَّ الْفِقْهَ تَعَلَّقَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ، وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقٍ عَلِيمَ اللِّسَانِ، قَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ إِحْدَاهُمَا قَدْ تَحْصُلُ دُونَ الْأُخْرَى، بَلْ هُوَ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الِاتِّصَافِ بِهِمَا وَالِاجْتِنَابِ عَنْ أَضْدَادِهَا، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَكُونُ عَارِيًا مِنْهُمَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ – الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6 – 7] إِذْ فِيهِ حَثٌّ عَلَى أَدَائِهَا وَتَخْوِيفٌ مِنَ الْمَنْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنْ أَوْصَافِ الْمُشْرِكِينَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) 220 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ( «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَالدَّارِمِيُّ.

220 – (وَعَنْ أَنَسٍ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ خَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ أَوْ بَلَدِهِ (فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) : أَيِ الشَّرْعِيِّ فَرْضِ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ (فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فِي الْجِهَادِ لِمَا أَنَّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ إِحْيَاءِ الدِّينِ وَإِذْلَالِ الشَّيْطَانِ وَإِتْعَابِ النَّفْسِ كَمَا فِي الْجِهَادِ (حَتَّى يَرْجِعَ) أَيْ: إِلَى بَيْتِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ لَهُ دَرَجَةٌ أَعْلَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ وَارِثُ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَكْمِيلِ النَّاقِصِينَ.
قَالَ تَعَالَى: {فَلَوْلَا نَفَرَ} [التوبة: 122] أَيْ خَرَجَ {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] أَيْ: بَعْضُهُمْ {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) ، وَكَذَا الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

221 – وَعَنْ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ( «مِنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ.

221 – (وَعَنْ سَخْبَرَةَ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (الْأَزْدِيَّ) : فِي الْقَامُوسِ: أَزْدُ بْنُ الْغَوْثِ وَبِالسِّينِ أَفْصَحُ، أَبُو حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ، وَمِنْ أَوْلَادِهِ الْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ، لَهُ رِوَايَةٌ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ.
ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ) أَيْ: لِيَعْمَلَ بِهِ (كَانَ) أَيْ: طَلَبُهُ لِلْعِلْمِ (كَفَّارَةً) : وَهِيَ مَا يَسْتُرُ الذُّنُوبَ وَيُزِيلُهَا مِنْ كُفْرٍ إِذَا سَتَرَ (لِمَا مَضَى) أَيْ: مِنْ ذُنُوبِهِ.
قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا بِالتَّخْصِيصِ يَعْنِي بِالصَّغَائِرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ بَحْثٍ كَذَا فِي زَيْنِ الْعَرَبِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالصَّغَائِرِ أَوْ بِحُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَدَارُكٌ، أَوْ يَشْمَلُ حُقُوقَ الْعِبَادِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ لَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَسِيلَةٌ إِلَى مَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي) أَيْ: مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (يُضَعَّفُ) : بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ أَيْ: يُنْسَبُ إِلَى الضَّعْفِ فِي الرِّوَايَةِ، لَيْسَ أَبَا دَاوُدَ الْمُخَرِّجَ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ، فَإِنَّهُ ثِقَةٌ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، قَوِيٌّ فِي الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

222 – وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةَ» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

222 – (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ) : أَيِ: الْكَامِلُ (مِنْ خَيْرٍ) أَيْ: عِلْمٍ (يَسْمَعُهُ حَتَّى) : لَمَّا كَانَ ” يَشْبَعَ ” مُضَارِعًا دَالًّا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ تَعَلَّقَ بِهِ ” حَتَّى ” (يَكُونَ مُنْتَهَاهُ) أَيْ: غَايَتُهُ وَنِهَايَتُهُ (الْجَنَّةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، أَوِ الرَّفْعِ عَلَى الِاسْمِيَّةِ، يَعْنِي: حَتَّى يَمُوتَ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

223 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «وَمَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ ; أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» ” رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

223 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ) : وَهُوَ عِلْمٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ فِي أَمْرِ دِينِهِ (ثُمَّ كَتَمَهُ) : بِعَدَمِ الْجَوَابِ أَوْ بِمَنْعِ الْكِتَابِ (أُلْجِمَ) أَيْ: أُدْخِلَ فِي فَمِهِ لِجَامٌ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ خُرُوجِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ مَا يُوضَعُ فِي فِيهِ مِنَ النَّارِ بِلِجَامٍ فِي فَمِ الدَّابَّةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ) : مُكَافَأَةً لَهُ حَيْثُ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِالسُّكُوتِ، وَشُبِّهَ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي سُخِّرَ وَمُنِعَ مِنْ قَصْدِهِ مَا يُرِيدُهُ، فَإِنَّ الْعَالِمَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الْحَقِّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ هُنَا اسْتِبْعَادِيَّةٌ لِأَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ إِنَّمَا يُقْصَدُ لِنَشْرِهِ وَنَفْعِهِ النَّاسَ، وَبِكَتْمِهِ يَزُولُ ذَلِكَ الْغَرَضُ الْأَكْمَلُ، فَكَانَ بَعِيدًا مِمَّنْ هُوَ فِي صُورَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ.
قَالَ السَّيِّدُ: هَذَا فِي الْعِلْمِ اللَّازِمِ التَّعْلِيمِ كَاسْتِعْلَامِ كَافِرٍ عَنِ الْإِسْلَامِ ” مَا هُوَ؟ “، أَوْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِهِ عَنْ تَعْلِيمِ صَلَاةٍ حَضَرَ وَقْتُهَا، وَكَالْمُسْتَفْتِي فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْجَوَابُ لَا نَوَافِلُ الْعُلُومِ غَيْرُ الضَّرُورِيَّةِ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ هَنَا عِلْمُ الشَّهَادَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .
أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

✩✩✩✩✩✩✩

224 – وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ.

224 – (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ) .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ.
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَبُو يَعْلَى أَيْضًا.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلْخَطَّابِيِّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَفِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ لِلسَّخَاوِيِّ: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» .
لِجَمَاعَةٍ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَيَشْمَلُ الْوَعِيدُ حَبْسَ الْكُتُبِ عَنِ الطَّالِبِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ التَّعَدُّدِ وَالِابْتِلَاءِ، هَذَا كَثِيرٌ اهـ.
وَخُصُوصًا كِتَابَ الْوَقْفِ.

✩✩✩✩✩✩✩

225 – وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ( «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ ; أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

225 – (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) : أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ، وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا غَيْرَ تَبُوكَ، وَكَانَ أَحَدَ شُعَرَاءِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، يَجْمَعُ أَوَائِلَ أَسْمَائِهِمْ مَكَّةُ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ أَنْ عَمِيَ.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ) أَيْ: لَا لِلَّهِ بَلْ (لِيُجَارِيَ) أَيْ لِيُقَاوِمَ بِهِ (الْعُلَمَاءَ) : الْمُجَارَاةُ الْمُعَارَضَةُ فِي الْجَرْيِ، وَقِيلَ: الْمُفَاخَرَةُ وَجَعَلَ نَفْسَهُ مِثْلَ غَيْرِهِ (أَوْ لِيُمَارِيَ) : أَنْ: يُجَادِلَ (بِهِ السُّفَهَاءَ) : جَمْعُ سَفِيهٍ وَهُوَ قَلِيلُ الْعَقْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَاهِلُ.
وَالْمُمَارَاةُ مِنَ الْمِرْيَةِ وَهِيَ الشَّكُّ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَحَاجِّينَ يَشُكُّ فِيمَا يَقُولُ صَاحِبُهُ وَيُشَكِّكُهُ مِمَّا يُورِدُ عَلَى حُجَّتِهِ، أَوْ مِنَ الْمَرْيِ وَهُوَ مَسْحُ الْحَالِبِ لِيَسْتَنْزِلَ مَا بِهِ مِنَ اللَّبَنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ.
كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَمَّا كَانَ غَرَضُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَاسِدًا مَا احْتِيجَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُجَادَلَةِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف: 22] .
وَقَوْلِهِ: {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152] (أَوْ يَصْرِفُ بِهِ) أَيْ: يَمِيلُ بِالْعِلْمِ (وُجُودَ النَّاسِ) : أَيِ: الْعَوَامَّ أَوِ الطَّلَبَةَ (إِلَيْهِ) أَيْ: لِيُعَظِّمُوهُ أَوْ يُعْطُوا الْمَالَ لَهُ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: أَيْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِمُجَرَّدِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ النَّاسِ (أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ دُخُولَ النَّارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً دُعَائِيَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
أَيْ: عَنْ كَعْبٍ.

READ ALSO:
Does Islam Prevent Women from Entering Masjid (Mosque)?

✩✩✩✩✩✩✩

226 – وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

226 – (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

227 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا ; لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ” يَعْنِي رِيحَهَا.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.

227 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى) : مِنْ لِلْبَيَانِ، أَيْ: مِمَّا يُطْلَبُ (بِهِ وَجْهُ اللَّهِ) أَيْ: رِضَاهُ كَالْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ (لَا يَتَعَلَّمُهُ) : حَالٌ إِمَّا مِنْ فَاعِلِ تَعَلَّمَ أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، لِأَنَّهُ تَخَصَّصَ بِالْوَصْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لِ ” عِلْمًا ” (إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ) أَيْ: يَنَالَ وَيُحَصِّلَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ (عَرَضًا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: حَظًّا مَالًا أَوْ جَاهًا (مِنَ الدُّنْيَا) : يُقَالُ: الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَنَكِرَةٌ لِيَتَنَاوَلَ الْأَنْوَاعَ وَيَنْدَرِجَ فِيهِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَفِي الْأَزْهَارِ: الْعَرَضُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمَالُ، وَقِيلَ: مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ، وَقَالَ الْجِيلِيُّ: الْعَرْضُ بِالسُّكُونِ أَصْنَافُ الْمَالِ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَبِحَرَكَةِ الرَّاءِ جَمِيعُ الْمَالِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا، كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِصَابَةِ الْعَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَعِيدِ لِأَنَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى يَأْبَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا، وَيَكُونَ الْعَرَضُ تَابِعًا، وَوَصْفُ الْعِلْمِ بِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ إِمَّا لِلتَّفْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ فَإِنَّ بَعْضًا مِنَ الْعُلُومِ مِمَّا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ كَمَا وَرَدَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» ، وَإِمَّا لِلْمَدْحِ وَالْوَعِيدِ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَالتَّهْدِيدِ، وَسَمِعْتُ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الزَّاهِدِينَ يَقُولُ: مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا بِالْعُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَطْلُبَهَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ، فَهُوَ كَمَنْ جَرَّ جِيفَةً بِآلَةٍ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ، وَذَلِكَ كَمَنْ جَرَّهَا بِأَوْرَاقِ تِلْكَ الْعُلُومِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا يَلْعَبُ فَوْقَ الْحِبَالِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا وَأَصْحَابُنَا يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ اهـ.
لَكِنْ قَالُوا: فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَأْخُذُ الدُّنْيَا لِيَتَفَرَّغَ لِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَبَيْنَ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِيَأْخُذَ الدُّنْيَا فَتَأَمَّلْ.
فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الزَّلَلِ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَعَمِّ الْأَوْصَافِ، أَيْ: لَا يَتَعَلَّمُهُ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ شَيْئًا مِنْ مُتَمَتِّعَاتِ الدُّنْيَا وَإِنْ قَلَّ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَصْدَهَا هَذَا وَلَوْ مَعَ قَصْدِ الْآخِرَةِ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ، فَوَجْهُ التَّقْيِيدِ تَرَتَّبَ الْعِقَابُ الْآتِي عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ قَصَدَ الدُّنْيَا لَا يَقْصِدُ مَعَهَا الْآخِرَةَ (لَمْ يَجِدْ) : حِينَ يَجِدُ عُلَمَاءُ الدِّينِ مِنْ مَكَانٍ بِعِيدٍ (عَرْفَ الْجَنَّةِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ رِيحَهَا الطَّيِّبَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِأَنْ تُوجَدَ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَعْنِي) : هَذَا تَفْسِيرُ الرَّاوِي (رِيحُهَا) .
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ حُمِلَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْرِيمِ الْجَنَّةِ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِهَذَا الْوَعِيدِ كَقَوْلِكَ: مَا شَمَمْتُ قُتَارَ قَدْرِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّبَرُّؤِ عَنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ أَيْ: مَا شَمَمْتُ رَائِحَتَهَا فَكَيْفَ بِالتَّنَاوُلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُخْتَصَّ بِهَذَا الْوَعِيدِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ عُرِفَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، فَتَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا وَزَجْرًا عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَأَيْضًا يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ مَوْصُوفٌ، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ يُحْشَرُ النَّاسُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وِجْدَانِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَطْ عَدَمُ وِجْدَانِهَا مُطْلَقًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْآمِنِينَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ إِذَا وَرَدُوا الْقِيَامَةَ يُمَدُّونَ بِرَائِحَةِ الْجَنَّةِ تَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، وَتَسْلِيَةً لِهُمُومِهِمْ وَأَشْجَانِهِمْ عَلَى مِقْدَارِ حَالِهِمْ فِي الْمَعْرِفَةِ وَإِيقَانِهِمْ، وَمَنْ تَعَلَّمَ لِلْأَغْرَاضِ الْفَانِيَةِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَتَعَلَّمَهُ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ يَكُونُ كَمَنْ حَدَثَ مَرَضٌ فِي دِمَاغِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ إِدْرَاكِ الرَّوَائِحِ فَلَا يَجِدُ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْأَغْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالْقُوَى الْإِيمَانِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْوَعِيدُ مُطْلَقٌ إِنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ طَلَبِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْقَصْدِ فَقَطْ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَمَفْهُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَخْلَصَ قَصْدَهُ فَتَعَلَّمَ لِلَّهِ لَا يَضُرُّهُ حُصُولُ الدُّنْيَا لَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهَا بِتَعَلُّمِهِ، بَلْ مِنْ شَأْنِ الْإِخْلَاصِ بِالْعِلْمِ أَنْ تَأْتِيَ الدُّنْيَا لِصَاحِبِهِ رَاغِمَةً، كَمَا وَرَدَ: ” «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَتَأْتِيهِ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» “: (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: ” «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» “.

✩✩✩✩✩✩✩

228 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ” «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ.
ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» “.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ.

228 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّضْرَةُ الْحُسْنُ وَالرَّوْنَقُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، وَرُوِيَ مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا اهـ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّشْدِيدُ أَكْثَرُ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ: هُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِيُّ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ: الْمُخَفَّفُ لَازِمٌ وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّعْدِيَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ اهـ.
وَالْمَعْنَى خَصَّهُ اللَّهُ بِالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ لِمَا رُزِقَ بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ مِنَ الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَنِعَمِهِ فِي الْآخِرَةِ، حَتَّى يُرَى عَلَيْهِ رَوْنَقُ الرَّخَاءِ وَالنِّعْمَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ إِخْبَارٌ يَعْنِي جَعَلَهُ ذَا نَضْرَةٍ، وَقِيلَ: دُعَاءٌ لَهُ بِالنَّضْرَةِ وَهِيَ الْبَهْجَةُ وَالْبَهَاءُ فِي الْوَجْهِ مِنْ أَثَرِ النِّعْمَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا النَّضْرَةُ مِنْ حَيْثُ الْجَاهِ وَالْقَدْرِ، كَمَا جَاءَ: اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ مِنْ حِسَانِ الْوُجُوهِ، أَيْ: ذَوِي الْأَقْدَارِ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ جَدَّدَ بِحِفْظِهِ وَنَقْلِهِ طَرَاوَةَ الدِّينِ فَجَازَاهُ فِي دُعَائِهِ بِمَا يُنَاسِبُ عَمَلَهُ.
قُلْتُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمِيعِ وَالْإِخْبَارُ أَوْلَى مِنَ الدُّعَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قِيلَ: وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، فَلِذَلِكَ تَجِدُ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَجْمَلَهُمْ هَيْئَةً.
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ إِلَّا وَفِي وَجْهِهِ نَضْرَةٌ، أَيْ: بَهْجَةٌ صُورِيَّةٌ أَوْ مَعْنَوِيَّةٌ (سَمِعَ مَقَالَتِي) أَيْ حَدِيثِي: (فَحَفِظَهَا) أَيْ: بِالْقَلْبِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: فَحَفِظَهَا بِلِسَانِهِ (وَوَعَاهَا) أَيْ: دَامَ عَلَى حِفْظِهَا وَلَمْ يَنْسَهَا.
قِيلَ: بِالتَّكْرَارِ وَالتِّذْكَارِ إِذَا حَفِظَهَا لِئَلَّا يَنْسَى، وَقِيلَ: بِالرِّوَايَةِ وَالتَّبْلِيغِ فَيَكُونُ عَطْفًا (وَأَدَّاهَا) : عَلَيْهِ تَفْسِيرِيًّا، أَيْ: أَوْصَلَهَا إِلَى النَّاسِ وَعَلِمَهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفُسْحَةِ فِي الْأَدَاءِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ مُعَجَّلًا، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فَقَالَ: مَعْنَى حَفِظَهَا أَيْ: عَمِلَ بِمُوجِبِهَا فَإِنَّ الْحِفْظَ قَدْ يُسْتَعَارُ لِلْعَمَلِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: 112] أَيِ: الْعَامِلُونَ بِفَرَائِضِهِ اهـ.
وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا.
وَفِي الْأَرْبَعِينَ: سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا) أَيْ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَغْيِيرٍ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِلَفْظِهَا وَلَا مَعْنَاهَا، فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، فَلَا يُنَافِي جَوَازَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يُلَائِمُ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَالْمَدَارُ عَلَى الْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْمُحَسِّنَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَيْثُ نَسِيَ اللَّفْظَ بِخُصُوصِهِ وَتَذَكَّرَ الْمَعْنَى بِعُمُومِهِ، فَلَوْ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ فَاتَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ لِأَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَمَحَلُّ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عِلْمُ أُصُولِ الْحَدِيثِ.
(فَرُبَّ) : اسْتُعِيرَتْ لِلتَّكْثِيرِ، وَقِيلَ: اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ حَقِيقَةٌ أَيْضًا (حَامِلِ فِقْهٍ) أَيْ: عِلْمٍ (غَيْرِ فَقِيهٍ) : بِالْجَرِّ صِفَةُ حَامِلٍ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، فَتَقْدِيرُهُ هُوَ غَيْرُ فَقِيهٍ، يَعْنِي: لَكِنْ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ لِنَفْعِهِ بِالنَّقْلِ (وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ) : قَدْ يَكُونُ فَقِيهًا وَلَا يَكُونُ أَفْقَهَ، فَيَحْفَظُهُ وَيُبَلِّغُهُ (إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) : فَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَامِلُ أَوْ إِلَى مَنْ يَصِيرُ أَفْقَهَ مِنْهُ إِشَارَةً إِلَى فَائِدَةِ النَّقْلِ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ صِفَةٌ لِمَدْخُولِ ” رُبَّ ” اسْتَغْنَى بِهَا عَنْ جَوَابِهَا أَيْ: رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ أَدَّاهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (ثَلَاثٌ) أَيْ: ثَلَاثُ خِصَالٍ (لَا يَغِلُّ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَبِكَسْرِ الْغَيْنِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْغِلِّ الْحِقْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْإِغْلَالِ الْخِيَانَةِ (عَلَيْهِنَّ) أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ (قَلْبُ مُسْلِمٍ) : أَيْ كَامِلٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَا يَدْخُلُهُ ضِغْنٌ يُزِيلُهُ عَنِ الْحَقِّ حِينَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: إِنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ يُسْتَصْلَحُ بِهَا الْقُلُوبُ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا طَهُرَ قَلْبُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْفَسَادِ، وَ ” عَلَيْهِنَّ ” فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: لَا يَغِلُّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ كَائِنًا عَلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا انْتَصَبَ عَنِ النَّكِرَةِ لِتُقَدُّمِهِ اهـ.

READ ALSO:
باب الامامة [26] بَابُ الْإِمَامَةِ

✩✩✩✩✩✩✩

وَقِيلَ: النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ يَعْنِي لَا يَتْرُكُهَا بَلْ يَأْتِي بِهَا، وَقِيلَ أَيْ: ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ قَلْبُ مُسْلِمٍ حَالَ كَوْنِهِ ثَابِتًا عَلَيْهِنَّ، يَعْنِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِنَّ طَهَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِنَ الْحِقْدِ وَالْخِيَانَةِ.
وَنَقَلَ السَّيِّدُ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُرْوَى أَيْضًا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، مِنَ الْوُغُولِ الدُّخُولِ فِي الشَّرِّ وَنَحْوِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ يَسْتَصْلِحُ بِهَا الْقُلُوبَ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا طَهُرَ قَلْبُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالشَّرِّ اهـ.
ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ: وَهَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ فِي الْفَائِقِ اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فَتْحَ الْيَاءِ وَضَمَّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدَ اللَّامِ، مِنْ غَلَّ مِنَ الْمَغْنَمِ شَيْئًا غُلُولًا إِذَا أَخَذَهُ فِي خُفْيَةٍ فَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْخِيَانَةِ أَيْضًا (إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ) أَيْ: مِنْهَا أَوْ إِحْدَاهَا أَوِ الرَّبْطُ بَعْدَ الْعَطْفِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ثَلَاثٍ، وَمَعْنَى الْإِخْلَاصِ أَنْ يُقْصَدَ بِالْعَمَلِ وَجْهُهُ وَرِضَاهُ فَقَطْ دُونَ غَرَضٍ آخَرَ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ، كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ وَلَذَّاتِهَا، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ مِنْ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، وَالْأَوَّلُ إِخْلَاصُ الْخَاصَّةِ، وَالثَّانِي إِخْلَاصُ الْعَامَّةِ.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: الْعَمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ وَتَرْكُ الْعَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ رِيَاءٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُخَلِّصَهُ اللَّهُ مِنْهُمَا (وَالنَّصِيحَةُ) : وَهِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ (لِلْمُسْلِمِينَ) أَيْ: كَافَّتِهِمْ (وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ) أَيْ: مُوَافَقَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ) أَيْ: تَدُورُ (مِنْ وَرَائِهِمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ ” مَنْ ” مَوْصُولَةٌ.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَرْسُومٌ بِالْيَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ فَتَحْرُسُهُمْ عَنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَعَنِ الضَّلَالَةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ لَمْ يَنَلْ بَرَكَتَهُمْ وَبَرَكَةَ دُعَائِهِمْ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا أَحَاطَتْ بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَفْضِيلِ الْخُلْطَةِ عَلَى الْعُزْلَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الصَّوَابَ فَتْحُ ” مَنْ ” مَوْصُولًا مَفْعُولًا لِ ” تُحِيطُ “، فَإِنَّهُ قَالَ: الدَّعْوَةُ الْمَرَّةُ مِنَ الدُّعَاءِ أَيْ: تَحْوِيهِمْ وَتُثَبِّتُهُمْ وَتَحْفَظُهُمْ، يُرِيدُ بِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كَلَامَ النِّهَايَةِ حَاصِلُ الْمَعْنَى، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: فَعَلَيْهِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ.
قُلْتُ: هَذَا التَّقْدِيرُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ لِأَنَّ لُزُومَ الْجَمَاعَةِ خَصْلَةٌ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثَلَاثٌ الْمُسْتَأْنَفُ وَمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا حَرَّضَ سَامِعَ سُنَّتِهِ عَلَى أَدَائِهَا بَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ خِصَالًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْطَوِيَ قَلْبُهُ عَلَيْهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مُحَرِّضٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ التَّبْلِيغِ، وَجَوَّزَ كَوْنَ ” ثَلَاثٌ ” بَيَانًا لِلْمَقَالَةِ الَّتِي أَكَدَّ فِي تَبْلِيغِهَا، وَكَأَنَّ سَائِلًا قَالَ: مَا تِلْكَ الْمَقَالَةُ؟ فَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثٌ جَامِعَةٌ لِتَعْظِيمِ أَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يُعْلَمْ فِي أَيِّ كِتَابٍ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْخَاءِ كِتَابٌ لَهُ، يَعْنِي كِلَاهُمَا.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

229 – وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ، وَأَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرَا: (ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ) إِلَى آخِرِهِ.

229 – (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) .
أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ، وَأَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرَا: (ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ) إِلَخْ) .
وَمَعَ هَذَا كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُصَدِّرَ الْحَدِيثَ بِقَوْلِهِ: عَنْ زَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

230 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ” «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

230 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : لَمْ يَقُلْ وَعَنْهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى زَيْدٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ) : حَالٌ، وَقِيلَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ (نَضَّرَ اللَّهُ) أَيْ: نَوَّرَ (امْرَأً) أَيْ: شَخْصًا (سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا) : يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي مِنَّا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَوْلُهُ: مِنَّا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْجَمَاعَةِ فَيَشْمَلُ مَنْ سَمِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ شَيْئًا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَقَوْلُ شَارِحٍ: الْمُرَادُ مِنْ ” شَيْئًا ” عُمُومُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ غَفْلَةً عَنْ كَوْنِهِ مَعْمُولًا لِسَمِعَ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْقَوْلِ.
أَقُولُ: لَمَّا قِيلَ بِعُمُومِ ” مِنَّا “، وَقَدْ يُسْمَعُ مِنَ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَفْعَلُ، كَذَا صَحَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ السَّمْعُ بِالْفِعْلِ بِهَذَا الْمَعْنَى، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّمْعِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ وَالشَّمَائِلَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا خَصَّ السَّمْعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَدَارَ الْعِلْمِ عَلَيْهِ غَالِبًا (فَبَلَّغَهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: نَقَلَ الشَّيْءَ الْمَسْمُوعَ لِلنَّاسِ (كَمَا سَمِعَهُ) ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: إِمَّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ بَلَّغَهُ أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، وَإِمَّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَمَا: مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ خَصَّ مُبَلِّغَ الْحَدِيثِ كَمَا سَمِعَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، لِأَنَّهُ سَعَى فِي نَضَارَةِ الْعِلْمِ وَتَجْدِيدِ السُّنَّةِ فَجَازَاهُ بِالدُّعَاءِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْحَدِيثِ وَفَضْلِهِ وَدَرَجَةِ طُلَّابِهِ حَيْثُ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِدُعَاءٍ لَمْ يُشْرِكْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ وَتَبْلِيغِهِ – فَائِدَةٌ سِوَى أَنْ يَسْتَفِيدَ بَرَكَةَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ لَكَفَى ذَلِكَ فَائِدَةً وَإِنَّمَا وَجَدَ فِي الدَّارَيْنِ حَظًّا وَقَسْمًا.
وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَإِلَى جَوَازِهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَقِّصْ مِنَ الْحَدِيثِ مَا شِئْتَ وَلَا تَزِدْ: وَقَالَ سُفْيَانُ: إِنْ قُلْتُ حَدَّثْتُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ فَلَا تُصَدِّقُونِي فَإِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى، وَقَالَ وَكِيعٌ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ، وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنْ عَشَرَةٍ وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى اتِّبَاعِ اللَّفْظِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَجَائِزَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهَا.
قُلْتُ: إِلَّا عِنْدَ نِسْيَانِ اللَّفْظِ.
(فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) : بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مَنْقُولٍ إِلَيْهِ وَمَوْصُولٍ لَدَيْهِ (أَوْعَى لَهُ) أَيْ: أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ وَأَضْبَطُ وَأَفْهَمُ وَأَتْقَنُ لَهُ (مِنْ سَامِعٍ) أَيْ: مِمَّنْ سَمِعَ أَوَّلًا وَبَلَّغَهُ ثَانِيًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلَفْظُهُ: ” «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» “.
وَفِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْخِلَافَ اللَّفْظِيَّ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ الرُّوَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

231 – وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

231 – (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

232 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ.
فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

232 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اتَّقُوا الْحَدِيثَ) أَيِ: احْذَرُوا رِوَايَتَهُ (عَنِّي) : وَالْمَعْنَى: لَا تُحَدِّثُوا عَنِّي (إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ) أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِي.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَدِيثِ الِاسْمُ، فَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ أَيِ: احْذَرُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى ” مَفْعُولًا “، وَ ” عَنِّي ” مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى احْذَرُوا مِمَّا لَا تَعْلَمُونَهُ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنِّي، لَكِنْ لَا تَحْذَرُوا مِمَّا تَعْلَمُونَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلْمَ هُنَا يَشْتَمِلُ الظَّنَّ فَإِنَّهُمْ إِذَا جَوَّزُوا الشَّهَادَةَ بِهِ مَعَ أَنَّهَا أَضْيَقُ مِنَ الرِّوَايَةِ اتِّفَاقًا فَلِأَنْ تَجُوزَ بِهِ الرِّوَايَةُ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرِّوَايَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْحَظِّ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (فَمَنْ كَذَبَ) : أَيِ: افْتَرَى (عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا) أَيْ: لَا خَطَأً (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) أَيْ: لِيُهَيِّئْ مَكَانَهُ (مِنَ النَّارِ) .
قِيلَ: الْأَمْرُ لِلتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَقِيلَ: الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

READ ALSO:
باب تطهير النجاسات

✩✩✩✩✩✩✩

233 – وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ: ” «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ» “.

233 – (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ) : أَيِ ابْنُ مَاجَهْ ( «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ» ) : يَعْنِي: وَالْفَاءُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ ” فَمَنْ “، فَإِنَّهَا لِلتَّفْرِيعِ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي هَذَا مِنَ الْمُؤَلِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَاجَهْ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ هُنَا فَهُوَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى ذِكْرِهِ وَلَا إِلَى نِسْبَتِهِ إِلَى ابْنِ مَاجَهْ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ، بَلْ بَعْضُهُ، فَإِنَّهُ مَسْبُوقٌ يَحْمِلُ أُخْرَى فِي حَدِيثِهِ، فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

✩✩✩✩✩✩✩

234 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» “.
وَفِي رِوَايَةٍ: ” «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

234 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : لَمْ يَقُلْ عَنْهُ لِئَلَّا يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى غَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الْمُصَدَّرُ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَالَ) أَيْ: مَنْ تَكَلَّمَ (فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: فِي مَعْنَاهُ أَوْ قِرَاءَتِهِ (بِرَأْيِهِ) أَيْ: مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعِ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ الْمُطَابِقَةِ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ، وَهُوَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ بِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَصَصِ وَالْأَحْكَامِ، أَوْ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ النَّقْلِ، وَهُوَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَقْلِ كَالْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي أَخَذَ الْمُجَسِّمَةُ بِظَوَاهِرِهَا، وَأَعْرَضُوا عَنِ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي الْعُقُولِ، أَوْ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ بَعْضُ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِبَقِيَّتِهَا وَبِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمُرَادُ رَأْيٌ غُلِّبَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ، أَمَّا مَا يَشُدُّهُ بُرْهَانٌ فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، فَعُلِمَ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ إِنَّمَا يُتَلَقَّى مِنَ النَّقْلِ، أَوْ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ، أَوْ مِنَ الْمَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَوْ أُصُولِ الدِّينِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّقَ بِالنَّقْلِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ يُسَمَّى تَفْسِيرًا، وَكُلَّ مَا تَعَلَّقَ بِالِاسْتِنْبَاطِ يُسَمَّى تَأْوِيلًا (فَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) وَفِي رِوَايَةٍ: (مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: قَوْلًا (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أَيْ: دَلِيلٍ يَقِينِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ نَقْلِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ مُطَابِقٍ لِلشَّرْعِيِّ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) .
قِيلَ: يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ سَلَبُوا لَفْظَ الْقُرْآنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَأُرِيدَ بِهِ أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَصَدُوا نَفْيَهُ أَوْ إِثْبَاتَهُ مِنَ الْمَعْنَى، فَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ، مِثْلُ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الْأَصَمِّ، وَالْجُبَّائِيِّ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالرُّمَّانِيِّ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَدُسُّ الْبِدَعَ وَالتَّفَاسِيرَ الْبَاطِلَةَ فِي كَلَامِهِمُ الْجَزْلِ، فَيَرُوجُ عَلَى أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ، وَيَقْرُبُ مِنْ هُؤَلَاءِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ، بَلْ كَانَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَالِكِيُّ يُبَالِغُ فِي الْحَطِّ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَقْبَحُ مِنْ صَاحِبِ الْكَشَّافِ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ اعْتِزَالَ ذَلِكَ فَيَجْتَنِبُهُ بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

235 – وَعَنْ جُنْدُبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.

235 – (وَعَنْ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَيُفْتَحُ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا مَعَ ضَمِّ الْجِيمِ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْضًا مَعَ فَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا، وَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: جُنْدُبٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَثْلِيثِ الدَّالِ إِذْ لَيْسَ فُعْلِلٌ بِضَمٍّ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ مَا قَبْلَ الْآخَرِ مِنْ أَوْزَانِ الرُّبَاعِيِّ الْمُجَرَّدِ وَالْمُلْحَقِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا، ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ الْعُلَّفِيُّ، وَعُلَّفَةُ: بَطْنٌ مِنْ بَجِيلَةَ، مَاتَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: فِي لَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ (بِرَأْيِهِ) أَيْ: بِعَقْلِهِ الْمُجَرَّدِ (فَأَصَابَ) أَيْ: وَلَوْ صَارَ مُصِيبًا بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ (فَقَدْ أَخْطَأَ) أَيْ: فَهُوَ مُخْطِئٌ بِحَسَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ بِخَوْضِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالتَّخْمِينِ وَالْحَدَسِ لِتَعَدِّيهِ بِهَذَا الْخَوْضِ مَعَ عَدَمِ اسْتِجْمَاعِهِ لِشُرُوطِهِ، فَكَانَ آثِمًا بِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِمُوَافَقَتِهِ لِلصَّوَابِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَنْ قَصْدٍ وَلَا تَحَرٍّ، بِخِلَافِ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ آلَاتُ التَّفْسِيرِ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ عِلْمًا: اللُّغَةُ، وَالنَّحْوُ، وَالتَّصْرِيفُ، وَالِاشْتِقَاقُ، لِأَنَّ الِاسْمَ إِذَا كَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ مَادَّتَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِمَا، كَالْمَسِيحِ هَلْ هُوَ مِنَ السِّيَاحَةِ أَوِ الْمَسْحِ، وَالْمَعَانِي، وَالْبَيَانُ، وَالْبَدِيعُ، وَالْقِرَاءَاتُ، وَالْأَصْلَيْنِ، وَأَسْبَابُ النُّزُولِ، وَالْقَصَصُ، وَالنَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوخُ، وَالْفِقْهُ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبْهَمِ، وَعِلْمُ الْمَوْهِبَةِ، وَهُوَ عِلْمٌ يُورِثُهُ اللَّهُ لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْعُلُومِ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ السَّلَفِ بِالْفِعْلِ، وَبَعْضُهَا بِالطَّبْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ فَإِنَّهُ مَأْجُورٌ بِخَوْضِهِ فِيهِ وَإِنْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لَا تَعَدِّيَ مِنْهُ، فَكَانَ مَأْجُورًا أَجْرَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، أَوْ عَشَرَةُ أُجُورٍ كَمَا فِي أُخْرَى إِنْ أَصَابَ وَأَجْرٌ إِنْ أَخْطَأَ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاضْطَرَّهُ الدَّلِيلُ إِلَى مَا رَآهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ بِوَجْهٍ، وَقَدْ أَخْطَأَ الْبَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِلْقُرْآنِ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَأَنَّ الْمُرَادَ بَاطِنُهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، وَمِنْ هَذَا مَا يَسْلُكُهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ فِرْعَوْنَ بِالنَّفْسِ وَمُوسَى بِالْقَلْبِ إِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ لَا إِشَارَاتٌ وَمُنَاسَبَاتٌ لِلْآيَاتِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَنْ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ فِيهِ بِنَقْلٍ مِنَ الشَّارِعِ، وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرٍ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ بِاجْتِهَادِهِ وَإِنْ صَحِبَهَا شَوَاهِدُ سَالِمَةٌ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَهَذَا عُدُولٌ عَمَّا تَعَّبْدَنَا بِمَعْرِفَتِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] وَفِي حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ وَغَيْرِهِ: ” «الْقُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ» ” وَمَعْنَى ذَلُولٍ سَهْلٌ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ حَتَّى لَا يَقْصُرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمَعْنَى ذُو وُجُوهٍ أَنَّ بَعْضَ جُمَلِهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ، أَوْ أَنَّهُ جَمَعَ وُجُوهًا مِنَ الْأَمْرِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّحْلِيلِ وَأَضْدَادِهَا، وَمَعْنَى فَاحْمِلُوهُ إِلَخْ: احْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ مَعَانِيهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَوَرِّعَةِ قَالَ بِهِ قَوْمٌ فَحَرَّمُوا التَّفْسِيرَ مُطْلَقًا، وَلَوْ عَلَى مَنِ اتَّسَعَتْ عُلُومُهُ إِلَّا مَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِفْرَاطِ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، وَإِطْبَاقُ الْعُلَمَاءِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ عَلَى خِلَافِ مَقَالَتِهِمْ كَافٍ فِي تَسْفِيهِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَقَدْ قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ، وَآخَرُونَ: التَّأْوِيلُ الَّذِي هُوَ صَرْفُ الْآيَةِ لِمَعْنًى يَحْتَمِلُهُ مُوَافِقٌ لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالتَّفْسِيرِ، بِخِلَافِ نَحْوِ تَأْوِيلِ الْبَحْرَيْنِ بِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، وَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ بِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْجَهَلَةِ وَالْحَمْقَاءِ كَالرَّوَافِضِ.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ مَنْ شَرَعَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُقُوفٌ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَوُجُوهِ اسْتِعْمَالَاتِهَا مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُفَسِّرِ، فَهُوَ وَإِنْ طَابَقَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّارِعِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَضَى بِتَأْوِيلِهِ وَاجْتِهَادِهِ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّأْيِ مَا لَا يَكُونُ مُؤَسَّسًا عَلَى عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ يَكُونُ قَوْلًا تَقُولُهُ بِرَأْيِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ، وَعِلْمُ التَّفْسِيرِ يُؤْخَذُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَمِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ بِالْمَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ أُصُولُ الدِّينِ، فَيُئَوَّلُ الْقِسْمُ الْمُحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ هَذِهِ الشَّرَائِطَ كَانَ قَوْلُهُ مَهْجُورًا، وَحَسْبُهُ مِنَ الزَّاجِرِ أَنَّهُ مُخْطِئٌ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، فَمَا بُعْدُ مَا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُتَكَلِّفِ، فَالْمُجْتَهِدُ مَأْجُورٌ عَلَى الْخَطَأِ، وَالْمُتَكَلِّفُ مَأْخُوذٌ بِالصَّوَابِ.
وَقَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ مَيْلًا عَنْ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ فَيُئَوِّلُ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ الْهَوَى لَمْ يَلُحْ لَهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
الثَّانِي: أَنْ يَتَسَارَعَ إِلَى التَّفْسِيرِ بِظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِظْهَارٍ بِالسَّمَاعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَرَائِبِ الْقُرْآنِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَلَا مَطْمَعَ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْبَاطِنِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الظَّاهِرِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

READ ALSO:
باب الغسل المسنون

✩✩✩✩✩✩✩

236 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» “.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.

236 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (الْمِرَاءُ) : أَيِ: الْجِدَالُ (فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: فِي مُتَشَابِهِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْجُحُودِ (كُفْرٌ) : سَمَّاهُ كُفْرًا بِاسْمِ مَا يُخْشَى عَاقِبَتُهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْنِدَ أَحَدُهُمْ كَلَامَهُ إِلَى آيَةٍ ثُمَّ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ بِآيَةٍ أُخْرَى تَدَافُعًا لَهُ كَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِي أَتَيْتَ بِهِ نَقِيضُ مَا اسْتَدْلَلْتَ بِهِ.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْمُرَادُ بِالْمِرَاءِ فِي الْقُرْآنِ الشَّكُّ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [هود: 17] أَيْ: فِي شَكٍّ، يَعْنِي: الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ – كُفْرٌ، وَالْمِرَاءُ الْمُجَادَلَةُ فِيمَا فِيهِ مِرْيَةٌ وَشَكٌّ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمِرَاءِ فِيهِ التَّدَارُؤُ، وَهُوَ أَنْ يَرُومَ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لِيَدْفَعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيَطْرُقَ إِلَيْهِ قَدْحًا وَطَعْنًا، وَمِنْ حَقِّ النَّاظِرِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا أَمْكَنَهُ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ التَّوْفِيقُ فَلْيَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَلْيَكِلْهُ إِلَى عَالِمِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قِيلَ: هُوَ الْمِرَاءُ فِي قِرَاءَتِهِ بِأَنْ يُنْكِرَ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ الْمَرْوِيَّةَ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَتَوْعِيدُهُ بِالْكُفْرِ لِيَنْتَهُوا عَنِ الْمِرَاءِ فِيهَا وَالتَّكْذِيبِ بِهَا، إِذْ كُلُّهَا قُرْآنٌ مُنَزَّلٌ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

237 – وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَوْمًا يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: ” إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.

237 – (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) .
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى عَمْرٍو، فَيَكُونَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا لِأَنَّ جَدَّ عَمْرٍو وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو تَابِعِيٌّ، وَأَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى شُعَيْبٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ لِأَنَّ جَدَّ شُعَيْبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَحَابِيٌّ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ تَكَلَّمُوا فِي صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لِمَا فِيهَا مِنِ احْتِمَالِ التَّدْلِيسِ (وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَوْمًا) أَيْ: كَلَامَ قَوْمٍ (يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَتَدَافَعُونَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَالتَّدَارُؤُ دَفْعُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ قَوْلَ صَاحِبِهِ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْقَوْلِ أَيْ: يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ دَلِيلَ بَعْضٍ مِنْهُ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] وَيَقُولُ الْقَدَرِيُّ: لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَنْهِيٌّ، أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْآيَاتِ أَنْ يُؤْخَذَ مَا عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَيُئَوِّلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى كَمَا نَقُولُ: الْعَقْدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَكَ} [النساء: 79] إِلَخْ.
فَذَهَبَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ الصَّوَابُ، وَيَقُولُونَ مَا أَصَابَكَ إِلَخْ.
وَقِيلَ: الْآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْ: مَا أَصَابَكَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا إِنْسَانُ مِنْ حَسَنَةٍ، أَيْ: فَتْحٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَاحَةٍ وَغَيْرِهَا، فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ، أَيْ: مِنْ هَزِيمَةٍ وَتَلَفِ مَالٍ وَمَرَضٍ فَهُوَ جَزَاءُ مَا عَمِلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] فَالْآيَةُ السَّابِقَةُ خَارِجَةٌ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (فَقَالَ) : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِهَذَا) أَيْ: بِسَبَبِ التَّدَارُؤِ، إِشَارَةُ تَحْقِيرٍ أَوْ تَعْظِيمٍ لِعِظَمِ ضَرَرِهِ، وَقِيلَ: الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: بِمِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْمَذْمُومِ (ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ) أَيْ: جِنْسَهُ (بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) : بَدَلُ بَعْضٍ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ: خَلَطَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَمَعْنَاهُ: دَفَعَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ الْإِنْجِيلَ وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ التَّوْرَاةَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ – مَا لَا يُوَافِقُ مُرَادَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنُ، أَيْ: خَلَطُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَحَكَمُوا فِي كُلِّهَا حُكْمًا وَاحِدًا مِنْ ضَرَبْتُ اللَّبَنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، أَيْ: خَلَطْتُهُ، وَالضَّرْبُ الصَّرْفُ أَيْضًا، فَإِنَّ الرَّاكِبَ إِذَا أَرَادَ صَرْفَ الدَّابَّةِ ضَرَبَهَا، أَيْ: صَرَفُوا كِتَابَ اللَّهِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ إِلَى مَا مَالَ إِلَيْهِ أَهْوَاؤُهُمْ، وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَتَوَقَّفْ فِيهِ وَيَسْتَنِدْ إِلَى سُوءِ فَهْمِهِ وَيَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِذَا قَالَ: (وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ) : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا) : يَعْنِي أَنَّ الْإِنْجِيلَ مَثَلًا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ يُبَيِّنُ أَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ حَقٌّ، وَكَذَلِكَ النَّاسِخُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمَنْسُوخِ وَالْمُحْكَمُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَالْمُئَوَّلُ لِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ، وَالْخَاصُّ وَالْمُقَيَّدُ يُبَيِّنَانِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ (فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) : بَلْ قُولُوا: كُلُّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ حَقٌّ، أَوْ بِأَنْ تَنْظُرُوا إِلَى اللَّهِ ظَاهِرَ لَفْظَيْنِ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَصْرِفُ أَحَدَهُمَا عَنِ الْعَمَلِ بِهِ بِنَسْخِهِ أَوْ بِتَخْصِصِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى قَدْحٍ فِي الدِّينِ (فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ) أَيْ: عِلْمًا مُوَافِقًا لِلْقَوَاعِدِ (فَقُولُوا) أَيْ: بِهِ (وَمَا جَهِلْتُمْ) أَيْ: مِنْهُ كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَغَيْرِهَا (فَكِلُوهُ) أَيْ: رُدُّوهُ وَفَوِّضُوهُ (إِلَى عَالِمِهِ) : وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَا تُلْقُوا مَعْنَاهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ آيَاتٍ ظَاهِرَةِ التَّنَافِي؟ فَأَجَابَ عَنْهَا، مِنْهَا: نَفْيُ الْمُسَاءَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا، فَنَفْيُهَا فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِثْبَاتُهَا فِيمَا بَعْدَهَا.
قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلْتَاهُمَا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ النَّفْيُ فِي أَوَائِلِ الْمَوَاقِفِ وَالْإِثْبَاتُ فِي أَوَاخِرِهَا.
وَمِنْهَا: كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ فَالْأَوَّلُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالثَّانِي بِأَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ.
قُلْتُ: وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِأَلْسِنَتِهِمْ أَيْضًا، لَكِنْ لَا بِاخْتِيَارِهِمْ كَشَهَادَةِ أَيْدِيهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} [النور: 24] وَمِنْهَا: خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَعَكْسُهُ، وَجَوَابُ هَذَا: أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ.
فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ، وَقَدْ سَأَلَهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، فَكَيْفَ هُوَ الْيَوْمَ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمَاضِيَ إِنَّمَا هُوَ التَّسْمِيَةُ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى، وَأَمَّا الِاتِّصَافُ فَهُوَ دَائِمٌ.
قُلْتُ: وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: مَا ثَبَتَ قَدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ.
وَأَجَابَ أَيْضًا: بِأَنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ بِهَا مُرَادُ الدَّوَامِ كَثِيرًا.
وَسُئِلَ أَيْضًا عَنِ الْيَوْمِ الْمُقَدَّرِ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَالْمُقَدَّرِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَعْلَمُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَدُ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا الْعَالَمَ، وَالثَّانِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلٌّ مِنْهُمَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِاعْتِبَارِ قِصَرِهِ عَلَى الْمُؤْمِنَ الْعَاصِي وَطُولِهِ عَلَى الْكَافِرِ، وَأَمَّا الطَّائِعُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا وَرَدَ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

238 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» “.
رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.

238 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أُنْزِلَ الْقُرْآنُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أَيْ: قِرَاءَاتٍ أَوْ لُغَاتٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مِنَ الْأَحْكَامِ.
قَالَ الشُّرَّاحُ: الْحَرْفُ الطَّرَفُ، وَحُرُوفُ التَّهَجِّي سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَطْرَافُ الْكَلِمَةِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ أَطْرَافُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى سَبْعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَهُمُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْفَصَاحَةِ: كَقُرَيْشٍ، وَثَقِيفٍ، وَطَيِّئٍ، وَهَوَازِنَ، وَهُذَيْلٍ، وَالْيَمَنِ، وَبَنِي تَمِيمٍ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَوِيِّينَ.
وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ بِمَجِيءِ التَّصْرِيحِ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ لُغَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْصَحُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ، وَقِيلَ: الْكُلُّ فِي بُطُونِ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] وَقِيلَ: فِي بُطُونِ مُضَرَ.
وَرُدَّتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا بِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى هِشَامٍ قِرَاءَتَهُ حَتَّى جَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمُحَالٌ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ لُغَتَهُ وَهُمَا مِنْ قَبِيلَةٍ وَلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ غَيْرُ اللُّغَاتِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُ عُمَرَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجَوَازِ، فَلَا دَلَالَةَ حِينَئِذٍ عَلَى نَفْيِ إِرَادَةِ اللُّغَاتِ مَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ اللُّغَةِ لَا يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِدُونِ الرِّوَايَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْأَئِمَّةُ السَّبْعَةُ، وَقِيلَ: أَجْنَاسُ الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي يَئُولُ إِلَيْهَا اخْتِلَافُ الْقِرَاءَاتِ فَإِنَّ اخْتِلَافَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمُفْرَدَاتِ أَوِ الْمُرَكَّبَاتِ، وَالثَّانِي كَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، مِثْلَ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19] ، وَ ” جَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ “.
وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِوُجُودِ الْكَلِمَةِ وَعَدَمِهَا نَحْوَ: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24] قُرِئَ بِالضَّمِيرِ وَعَدَمِهِ، أَوْ تَبْدِيلِ الْكَلِمَةِ بِغَيْرِهَا مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى: {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 5] وَالصُّوفِ الْمَنْقُوشُ أَوْ مَعَ اخْتِلَافِهِ مِثْلِ: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: 29] وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ أَوْ بِتَغْيِيرِهَا أَمَّا بِتَغْيِيرِ هَيْئَةٍ كَإِعْرَابٍ، مِثْلَ ” {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] ” بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِي الرَّاءِ، أَوْ صُورَةٍ، مِثْلَ: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة: 259] نَنْشُرُهَا، أَوْ حَرْفٍ، مِثْلَ: ” بَاعَدَ ” وَ ” بَعُدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا “، وَقِيلَ: أَرَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ مَقْرُوءٌ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فَإِنَّهُ قُرِئَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ مُنَوَّنًا وَغَيْرَ مُنَوَّنٍ وَبِالسُّكُونِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُنْزِلَ مُشْتَمِلًا عَلَى سَبْعَةِ مَعَانٍ: الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَقِيلَ: الْمَعَانِي السَّبْعَةُ هِيَ الْعَقَائِدُ وَالْأَحْكَامُ وَالْأَخْلَاقُ وَالْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَقِيلَ: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ، لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ: ” «كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ يَنْزِلُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَاجِرٍ وَآمِرٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَمُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ وَأَمْثَالِ الْحَدِيثِ» “.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ قَوْلَهُ زَاجِرٌ اسْتِئْنَافٌ لَا تَفْسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ ” زَاجِرًا ” بِالنَّصْبِ، أَيْ: نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْأَبْوَابِ السَّبْعَةِ، وَبِتَسْلِيمِ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ – هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْإِنْزَالِ لَا لِلْأَحْرُفِ، أَيْ: هِيَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِهِ، أَيْ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ، أَيْ: غَيْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَمَنْ ثَمَّ قَالَ: جَمْعُ هَذَا الْقَوْلِ فَاسِدٌ لِأَنَّ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوْسِعَةَ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ لَمْ يَقَعْ فِي تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَا فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْأَقَالِيمُ السَّبْعَةُ يَعْنِي حُكْمُ الْقُرْآنِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ تَوْسِعَةً لَا الْحَصْرُ فِي هَذَا الْعَدَدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَمَّا شَقَّ عَلَى كُلِّ الْعَرَبِ الْقِرَاءَةُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” اسْأَلِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ» “.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ.
وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ: (لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ صِفَةٌ لِسَبْعَةٍ وَالضَّمِيرُ رَابِطَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي عَوْدُهُ عَلَى الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ جُمْلَتِهِ، ثُمَّ أَغْرَبَ فِي تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرُفِ عَلَى أَيِّ قَوْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ (ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَاتِ كَمَا فَعَلَ الْمُظْهِرُ حَيْثُ قَالَ: حَدُّ كُلِّ حَرْفٍ مَعْلُومٌ فِي التِّلَاوَةِ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ مِثْلُ عَدَمِ جَوَازِ إِبْدَالِ الضَّادِ بِحَرْفٍ آخَرَ، وَكَذَا سَائِرُ الْحُرُوفِ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا بِآخِرَ إِلَّا مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْكَلِمَةِ كَالْإِمَالَةِ وَإِبْدَالِ الْحُرُوفِ وَالْإِدْغَامِ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَحَدٌّ وَمَطْلَعٌ، وَقِيلَ: الْمَقْصُودُ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ، فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ الْكَثْرَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27] وَالْأَحْرُفُ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْكَلِمَاتِ فِي الْآيَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْأَحْرُفُ عَلَى أَجْنَاسِ الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، ثُمَّ قَسَّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلَّ حَرْفٍ تَارَةً بِالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْأُخْرَى بِالْحَدِّ وَالْمَطْلَعِ، فَالظَّهْرُ مَا يُبَيِّنُهُ النَّقْلُ، وَالْبَطْنُ مَا يَسْتَكْشِفُهُ التَّأْوِيلُ، وَالْحَدُّ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَقْتَضِي اعْتِبَارَ كُلٍّ مِنَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ فِيهِ فَلَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَالْمَطْلَعُ الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَفُ مِنْهُ عَلَى تَوْفِيَةِ خَوَاصِّ كُلِّ مَقَامِ حَدَّهُ، وَلَيْسَ لِلْحَدِّ وَالْمَطْلَعِ انْتِهَاءٌ لِأَنَّ غَايَتَهُمَا طَرِيقُ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، وَمَا يَكُونُ سِرًّا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ.
كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقِيلَ: الظَّهْرُ مَا ظَهَرَ تَأْوِيلُهُ وَعُرِفَ مَعْنَاهُ، وَالْبَطْنُ مَا خَفِيَ تَفْسِيرُهُ وَأُشْكِلُ فَحَوَاهُ، وَقِيلَ: الظَّهْرُ اللَّفْظُ وَالْبَطْنُ الْمَعْنَى.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِكُلِّ آيَةٍ سِتُّونَ أَلْفَ فَهْمٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أُوَقِّرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَفَعَلْتُ، وَلِهَذَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَأَمَّا مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إِشَارَاتٌ إِلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ لِأَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَةِ، فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ اهـ.
وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ الْوَاحِدِيَّ قَالَ: صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ، فَإِنْ كَانَ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ فَقَدْ كَفَرَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الظَّنُّ بِمَا يُوثَقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ كَالسِّلْمِيِّ، فَإِنَّهُ مِنْ أَكَابِرِهِمْ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَفْسِيرًا وَلَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّرْحِ التَّصَوُّفِ لِلْكَلِمَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْبَاطِنِيَّةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمْ تَنْظِيرُ مَا وَرَدَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ، قِيلَ: الظَّهْرُ لَفْظُ الْقُرْآنِ، وَالْبَطْنُ تَأْوِيلُهُ، وَالْمَطْلَعُ الْفَهْمُ، وَقَدْ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى الْمُتَدَبِّرِ وَالْمُتَفَكِّرِ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالْمَعَانِي مَا لَا يَفْتَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَالتَّفَهُّمُ يَكُونُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ وَطِيبِ الطُّعْمَةِ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الظَّهْرُ مَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَالْبَطْنُ بِخِلَافِهِ اهـ.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الطِّيبِيِّ: الظَّهْرُ مَا يُبَيِّنُهُ النَّقْلُ، وَالْبَطْنُ مَا يَسْتَكْشِفُهُ التَّأْوِيلُ.
قَالَ: أَوِ الظَّهْرُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَالْبَطْنُ التَّفَاوُتُ فِي فَهْمِهِ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ، أَوِ الظَّهْرُ الْمَعْنَى الْجَلِيُّ وَالْبَطْنُ الْخَفِيُّ وَهُوَ سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَجْعَلَ لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلْيُؤْثِرِ الْقُرْآنَ، وَقَوْلُهُ: وَلِكُلِّ حَدِّ مَطْلَعٌ.
الْحَدُّ: الْمَنْعُ وَسُمِّيَتْ حُدُودُ اللَّهِ بِهَا لِمَنْعِ مُرْتَكِبِيهَا مِنَ الْعَوْدِ، وَالْمَطْلَعُ مَكَانُ الِاطِّلَاعِ عَنْ مَوْضِعٍ عَالٍ يُقَالُ: مَطْلَعُ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ مَكَانِ كَذَا أَيْ: مَأْتَاهُ وَمَصْعَدُهُ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ أَحْكَامُ الدِّينِ الَّتِي شَرَعَ لِلْعِبَادِ مَوْضِعَ اطِّلَاعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فِمَنْ وُفِّقَ أَنْ يَرْتَقِيَ ذَلِكَ الْمُرْتَقَى اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ الْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ الْمَطْلَعِ كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَقِيلَ: أَيْ لِكُلِّ حَدٍّ وَطَرَفٍ مِنَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ مَطْلَعٌ، أَيْ: مِصْعَدٌ أَيْ مَوْضِعٌ يُطْلَعُ عَلَيْهِ بِالتَّرَقِّي إِلَيْهِ، فَمَطْلَعُ الظَّاهِرِ تَعَلُّمُ الْعَرَبِيَّةِ وَتَتَبُّعُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الظَّاهِرِ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَطْلَعُ الْبَاطِنِ تَصْفِيَةُ النَّفْسِ وَالرِّيَاضَةُ بِآدَابِ الْجَوَارِحِ وَإِتْعَابُهَا فِي اتِّبَاعِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا عَمِلَ بِهَا قَوْمٌ وَلَهَا قَوْمٌ سَيَعْمَلُونَ بِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ مَا قَصَّهُ عَمَّنْ سَبَقَ ظَاهِرُهَا الْإِخْبَارُ بِإِهْلَاكِهِمْ، وَبَاطِنُهَا وَعْظُ السَّامِعِينَ.
وَقِيلَ: ظَاهِرُهَا مَعْنَاهُ الظَّاهِرُ لِعُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَبَاطِنُهَا مِنَ الْأَسْرَارِ لِعُلَمَاءِ الْبَاطِنِ، وَقِيلَ: ظَاهِرُهَا التِّلَاوَةُ وَمَعْنَاهَا الْفَهْمُ.
(رَوَاهُ) أَيْ: مُصَنِّفُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
أَيْ: بِإِسْنَادِهِ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا: ” «لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» “.
وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ خَبَرًا: ” «الْقُرْآنُ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ يُحَاجُّ الْعِبَادَ» “، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ لَهُ حَرْفٌ إِلَّا لَهُ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى جَاءَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ نَصَّ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، أَيْ مَعْنًى، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا، مِنْهَا: أَنَّهُ مِنَ الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجَهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ حَتَّى يَبْلُغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ.
قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ أَوْ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، نَحْوَ قَوْلِكَ: تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَعَجِّلْ» ، هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا» ، وَفِي أُخْرَى لَهُ: «الْقُرْآنُ كُلُّهُ صَوَابٌ مَا لَمْ تَجْعَلْ مَغْفِرَةً عَذَابًا أَوْ عَذَابًا مَغْفِرَةً» ، وَسَنَدُهُمَا جَيِّدٌ، قَالَ كَثِيرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَيْ جَوَازُ تَغْيِيرِ اللَّفْظِ بِمُرَادِفِهِ رُخْصَةً لِمَا كَانَ يَتَعَسَّرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمُ التِّلَاوَةُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالضَّبْطِ وَإِتْقَانِ الْحِفْظِ، فَالْقُرَشِيُّ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ، وَالْيَمَنِيُّ تَرْكُهُ، فَلِذَلِكَ سَهُلَ عَلَى قَبِيلَةٍ أَنْ تَقْرَأَ بِلُغَتِهَا، ثُمَّ نُسِخَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ وَتَيْسِيرِ الْكِتَابَةِ وَالْحِفْظِ.
قُلْتُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَرَأَ مَا لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، أَحَدُهُمَا: وَعَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُهْمِلَ نَقْلَ شَيْءٍ مِنْهَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى نَقْلِهَا مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ مَا سِوَى ذَلِكَ.
وَثَانِيهِمَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ رَسْمُهَا مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ فَقَطْ جَامِعَةً لِلْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ مُتَضَمِّنَةً لَهَا لَمْ يُتْرَكْ حَرْفٌ مِنْهَا.
وَأُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ جَائِزًا لَهُمْ وَمُرَخَّصًا لَهُمْ فِيهِ، فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّ الْأُمَّةَ تَفْتَرِقُ وَتَخْتَلِفُ إِذَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعًا شَائِعًا وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ، وَلَا فِعْلُ حَرَامٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ نُسِخَ مِنْهُ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ وَغُيِّرَ مِنْهُ، فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنْ كَتَبُوا مَا تَحَقَّقُوا أَنَّهُ قُرْآنٌ مُسْتَقِرٌّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرْآنَ فِي صُحُفٍ، وَجَمَعَهُ عُثْمَانُ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِذَهَابِ حَامِلِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَّفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجَمَعَ عُثْمَانُ لَمَّا كَانَ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقُرْآنِ حِينَ قَرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ، فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضَهُمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ، فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ، وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُسِّعَ فِي قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ دَفَعَا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ.

READ ALSO:
AFFAIRS THAT PREVENTS FASTING (B)

✩✩✩✩✩✩✩

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُرْآنَ جُمِعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
الْأُولَى: بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَدْ صَحَّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ فِي الرِّقَاعِ» ، أَيْ: يُؤَلِّفُونَ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُفَرَّقَةِ وَيَجْمَعُونَهَا فِي سُوَرِهَا بِإِشَارَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كُتِبَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي عَهْدِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَكِنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَجْمُوعٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا مُرَتَّبَ السُّوَرِ، وَالثَّانِيَةُ بِحَضْرَةِ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا رَأَى عُمَرُ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهُ أَيْ أَشَارَ بِجَمْعِهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهِ فَجَمَعَهُ فِي صُحُفٍ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَعُمَرَ فَبِنْتِهِ حَفْصَةَ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ كِتَابَ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَمَعَهُ مُنْقَطِعًا، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَهُ صَدْرُهُ، وَالثَّالِثَةُ: بِحَضْرَةِ عُثْمَانَ مُرَتِّبًا لَهُ عَلَى السُّورِ.

READ ALSO:
باب البكاء على الميت

✩✩✩✩✩✩✩

239 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ.
وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ» “.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.

239 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْعِلْمُ) : أَيِ: الَّذِي هُوَ أَصْلُ عُلُومِ الدِّينِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: مَعْرِفَةُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (آيَةٌ مُحْكَمَةٌ) أَيْ: غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ أَوْ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا (أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ) أَيْ: ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعْمُولٌ بِهَا، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَقَوْلِهِ (أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) .
أَيْ: مُسْتَقِيمَةٌ.
قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحُكْمُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ لِمُعَادَلَتِهِ الْحُكْمَ الْمَنْصُوصَ فِيهِمَا وَمُسَاوَاتِهِ لَهُمَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَكَوْنِهِ صِدْقًا وَصَوَابًا، وَقِيلَ: فَرِيضَةٌ مُعْدَلَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْ مُزَكَّاةٌ بِهِمَا، وَقِيلَ: الْفَرِيضَةُ الْعَادِلَةُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ عِلْمُ الْفَرَائِضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَيُسَمَّى الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ فَرِيضَةً عَادِلَةً، قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ مُلَخَّصًا نَقَلَهُ السَّيِّدُ (وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ) أَيِ: الْمَذْكُورِ (فَهُوَ فَضْلٌ) أَيْ: مِنَ الْفُضُولِ يَعْنِي كُلُّ عِلْمٍ سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا تَتَوَقَّفُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ عَلَيْهِ زَائِدٌ لَا ضَرُورَةَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ كَالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَالْعَرُوضِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ كَعِلْمِ الْعَرُوضِ وَالطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ وَالْهَيْئَةِ وَالْمِيقَاتِ، فَهُوَ فَضْلٌ أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى تِلْكَ الْعُلُومِ، فَفِيهِ أَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِبَيَانِ الْعِلْمِ النَّافِعِ الَّذِي طَلَبَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرُ النَّافِعِ الَّذِي تَعَوَّذَ بِهِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ ” «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» ” وَأَيْضًا مِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِعِ أَنْ يُبَيِّنَ حَصْرَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ لِتَعَرُّضِ الْأُمَّةِ عَنْ غَيْرِهَا وَيَتَوَجَّهُوا إِلَيْهَا، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِنَفْيِ مَا عَدَاهَا وَذَمِّهِ بِأَنَّهُ زَائِدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ بَلْ فَضْلَةٌ وَشَاغِلٌ عَنِ الْمَقْصُودِ، وَلِذَا وَرَدَ: ” إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا ” وَ ” «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ” وَالْغَرِيبُ مِنِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْقَوْلَ بَعِيدًا، بَلْ قَالَ: لَا يَصِحُّ، وَعَلَّلَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ مِنْ تِلْكَ الْعُلُومِ الزَّائِدَةِ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالطِّبِّ وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ وَقَالَ: بَلْ عَيْنٌ كَعِلْمِ الْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ.
قُلْتُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِلْمَهُمَا إِجْمَالًا عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِلْمَهُمَا عَلَى وَفْقِ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ وَالْحِكْمَةِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ فَحَاشَا أَنْ يَكُونَ عِلْمًا فَضْلًا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا فَضْلًا أَنَّ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّلَفُ وَأَكْثَرُ الْخَلَفِ عَاصِينَ بِتَرْكِ هَذَا الْعِلْمِ، وَمَا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً بِالتَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: عِلْمُ الْكِتَابِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ” آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ” فَإِنَّ الْمُحْكَمَاتِ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَيَجِبُ رَدُّ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَيْهَا وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْعُلُومِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِيِّينَ.
يَعْنِي: أُصُولَ الْعَقَائِدِ وَأُصُولَ الْفِقْهِ وَعِلْمَ السُّنَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَعْنَى قِيَامِهَا ثَبَاتُهَا وَدَوَامُهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَسَانِيدِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ وَمَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ أَوْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مُتُونِهَا مِنَ التَّغْيِيرِ بِالْإِتْقَانِ، وَعِلْمِ الْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عَادِلَةً لِأَنَّهَا مُعَادِلَةٌ لِمَا أُخِذَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْفُضُولِ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي عِلْمِ الدِّينِ، وَأَمَّا الطِّبُّ فَلَيْسَ بِفُضُولٍ لِمَا ثَبَتَ بِنُصُوصِ السُّنَّةِ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ.
أَقُولُ فِيهِ: إِنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا كَالْحِجَامَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالنِّسَاجَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلَا تُسَمَّى عُلُومًا مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالطِّبِّ جَائِزٌ لَا فَرْضٌ إِجْمَاعًا وَأَصْلُهُ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالزَّائِدُ عَنْهُمَا لَا شَكَّ أَنَّهُ فُضُولٌ كَالزَّائِدِ مِنْ نَحْوِ النَّحْوِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

240 – وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «لَا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَوْ مُخْتَالٌ» ” رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

240 – (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يَقُصُّ) : نَفْيٌ لَا نَهْيٌ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ وَوَجْهَهُ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى النَّهْيِ الصَّرِيحِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَالُ مَأْمُورًا بِالِاقْتِصَاصِ، ثُمَّ الْقَصُّ التَّكَلُّمُ بِالْقِصَصِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْخُطْبَةُ خَاصَّةً وَالْمَعْنَى لَا يَصْدُرُ هَذَا الْفِعْلُ إِلَّا مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَمِيرٌ) أَيْ: حَاكِمٌ (أَوْ مَأْمُورٌ) أَيْ: مَأْذُونٌ لَهُ بِذَلِكَ مِنَ الْحَاكِمِ أَوْ مَأْمُورٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ (أَوْ مُخْتَالٌ) أَيْ: مُفْتَخِرٌ مُتَكَبِّرٌ طَالِبٌ لِلرِّئَاسَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: عَنْ عَوْفٍ.

READ ALSO:
باب ما يقرا بعد التكبير

✩✩✩✩✩✩✩

241 – وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ: ” أَوْ مَرَّاءٌ ” بَدَلُ ” مُخْتَالٌ ”
241 – (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ) أَيْ: رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي رِوَايَةٍ (أَوْ مُرَاءٌ) بَدَلَ (أَوْ مُخْتَالٌ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الِاخْتِيَالِ أَيِ: التَّكَبُّرِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْحِيلَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ صَحَّ بِالْمُهْمَلَةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

242 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ» “.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

242 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أُفْتَى) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: مَعَ الْمَعْلُومِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: وَتَبِعَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَفْتَى) الثَّانِي بِمَعْنَى اسْتَفْتَى، وَأُفْتَى الْأَوَّلُ مَعْرُوفًا، أَيْ: كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنِ اسْتَفْتَاهُ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ فِي مَعْرِضِ الْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، أَيْ: فَإِثْمُ إِفْتَائِهِ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، أَيِ: الْإِثْمُ عَلَى الْمُفْتِي دُونَ الْمُسْتَفْتِي اهـ.
وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنَ النُّسَخِ يَعْنِي: كُلُّ جَاهِلٍ سَأَلَ عَالِمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَفْتَاهُ الْعَالِمُ بِجَوَابٍ بَاطِلٍ، فَعَمِلَ السَّائِلُ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بُطْلَانَهُ فَإِثْمُهُ عَلَى الْمُفْتِي إِنْ قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ (وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ) “: قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا عُدِّيَ ” أَشَارَ ” بِ ” عَلَى ” كَانَ بِمَعْنَى الْمَشُورَةِ، أَيِ: اسْتَشَارَهُ وَسَأَلَهُ كَيْفَ أَفْعَلُ هَذَا الْأَمْرَ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ: أَشَارَ عَلَيْهِ بِكَذَا أَمَرَهُ، وَاسْتَشَارَ: طَلَبَهُ الْمَشُورَةَ، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى: مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ وَهُوَ مُسْتَشِيرٌ، وَأَمَرَ الْمُسْتَشِيرَ بِأَمْرٍ (يَعْلَمُ) : وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ (أَنَّ الرُّشْدَ) أَيِ: الْمَصْلَحَةَ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ (فَقَدْ خَانَهُ) أَيْ: خَانَ الْمُسْتَشَارُ الْمُسْتَشِيرَ إِذْ وَرَدَ: أَنَّ ” «الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ» ” وَ ” «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» “.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

243 – وَعَنْ مُعَاوِيَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ.
» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

243 – وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ» ) : جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ، أَيْ: عَنْ سُؤَالِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُغَالِطُ بِهَا الْعُلَمَاءَ لِإِشْكَالٍ فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ إِيذَاءِ الْمَسْئُولِ وَإِظْهَارِ فَضْلِ السَّائِلِ.
قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِيذَاءِ، وَالْإِيذَاءُ حَرَامٌ وَتَهْيِيجٌ لِلْفِتْنَةِ وَالْعَدَاوَةِ، وَفِيهِ إِظْهَارُ فَضْلِ النَّفْسِ وَنَقْصِ الْغَيْرِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ جَوَابًا وَجَزَاءً فَلَا يَكُونُ حَرَامًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ فِي مَجْلِسِ هَارُونَ الرَّشِيدِ عَنْ مَسَائِلَ مُشْكِلَةٍ، فَأَجَابَهَا سَرِيعًا، فَسَأَلَ الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ سَأَلَ مِنْهُ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ عَنْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَخُصَّ أُخْتَهُ إِلَّا دِرْهَمٌ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا وَعَجَزَ، فَأَشَارَ هَارُونُ بِتَصْوِيرِهِ، فَقَالَ: مَاتَ رَجُلٌ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأُمٍّ وَزَوْجَةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ أَخًا وَأُخْتًا وَسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

244 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

244 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «تَعْلَّمُوا الْفَرَائِضَ» ) : قِيلَ: هُوَ عِلْمُ الْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَقِيلَ: الْفَرَائِضُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ مَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ مَعْرِفَتُهُ، وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى تَعَلُّمِهَا لِأَنَّ الْعِقَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِهَا (وَالْقُرْآنَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْفَرَائِضِ السُّنَنَ الصَّادِرَةَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، الدَّالُّ عَلَيْهَا أَنَّهُ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ (وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ) أَيْ: سَأُقْبَضُ وَيَنْقَطِعَانِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

245 – وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: ” هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

245 – (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَشَخَصَ) أَيْ: رَفَعَ (بِبَصَرِهِ) : أَوْ نَظَرَ بِعَيْنِهِ (إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَوَانٌ) أَيْ: وَقْتٌ (يُخْتَلَسُ) : صِفَةُ أَوَانٍ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: يُخْتَطَفُ وَيُسْلَبُ بِسُرْعَةٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَفِي نُسْخَةٍ: يُخْتَلَسُ فِيهِ (الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ) أَيْ: عِلْمُ الْوَحْيِ (حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْعِلْمِ (عَلَى شَيْءٍ) : مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ كُوشِفَ بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) 246 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – رِوَايَةً: ” «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي جَامِعِهِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَثَلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

246 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الْحَدِيثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِلَّا لَكَانَ مَوْقُوفًا (يُوشِكُ) : بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، أَيْ: يَقْرُبُ (أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ) : هُوَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ اسْمٌ لِيُوشِكَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْخَبَرِ لِاشْتِمَالِ الِاسْمِ عَلَى الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ (أَكْبَادَ الْإِبِلِ) : أَيِ: الْمُحَاذِيَ لِأَكْبَادِهَا، يَعْنِي يَرْحَلُونَ وَيُسَافِرُونَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِسْرَاعِ الْإِبِلِ وَإِجْهَادِهَا فِي السَّيْرِ، فَتُسْتَضَرُّ بِذَلِكَ فَتُقْطَعُ أَكْبَادُهَا مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ، وَيَمَسُّهَا الْأَدْوَاءُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا ضُرِبَتْ أَكْبَادُهَا مَكَانَ ضَرْبِهَا عَلَى السَّيْرِ، وَقِيلَ: أَيْ يُجْهِدُونَ الْإِبِلَ وَيَرْكُضُونَهَا، كَنَّى بِضَرْبِ الْأَكْبَادِ عَنِ السَّيْرِ وَالرَّكْضِ، لِأَنَّ أَكْبَادَ الْإِبِلِ وَالْفَرَسِ وَغَيْرِهِمَا تَتَحَرَّكُ عِنْدَ الرَّكْضِ وَيَلْحَقُهَا ضَرَرٌ وَقَطْعٌ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضَرْبُ أَكْبَادِ الْإِبِلِ كِنَايَةٌ عَنِ السَّيْرِ السَّرِيعِ، لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ يَرْكَبُ الْإِبِلَ وَيَضْرِبُ عَلَى أَكْبَادِهَا بِالرِّجْلِ، وَفِي إِيرَادِ هَذَا الْقَوْلِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَةَ الْعِلْمِ أَشَدُّ النَّاسِ حِرْصًا وَأَعَزُّهُمْ مَطْلَبًا، لِأَنَّ الْجِدَّ فِي الطَّلَبِ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَدْرِ شِدَّةِ الْحِرْصِ وَعِزَّةِ الْمَطْلَبِ، وَالْمَعْنَى: قَرُبَ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يَسِيرُ النَّاسُ سَيْرًا شَدِيدًا فِي الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ (يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ) : وَهُوَ حَالٌ أَوْ بَدَلٌ (فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا) أَيْ: فِي الْعَالَمِ (أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ) : قِيلَ: هَذَا فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَتِ الْعُلَمَاءُ الْفُحُولُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَكْثَرَ مَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ، فَالْإِضَافَةُ لِلْجِنْسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ ذَاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي جَامِعِهِ) : بِالْوَاوِ أَيْ: ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ تَفْسِيرَهُ فِي جَامِعِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) : اسْمُهُ سُفْيَانُ، وَهُوَ إِمَامٌ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرُهُمَا (إِنَّهُ) أَيْ عَالِمَ الْمَدِينَةِ (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) : وَهُوَ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَهُوَ أُسْتَاذُ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْعِلْمِ أَعْلَمُ مِنْهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ مَقُولِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي مَالِكٍ مَنْقُولٌ (عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) : وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الرِّوَايَةِ، صَاحِبُ تَأْلِيفَاتٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ أُرِيدَ مُطَابَقَتُهُ إِيَّاهُ قُرِئَ ” وَمِثْلَهُ ” تَتِمَّةً لِلْكَلَامِ السَّابِقِ، وَابْتِدَاءً بِقَوْلِهِ ” عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ” تَأَمَّلْ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْهُ قَوْلَانِ أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ) : أَيِ: الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ (الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ: قِيلَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ (وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَالِكٌ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ بِالْعُمَرِيِّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ فِي الْمَتْنِ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَأَعْلَامِهِمْ، سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ، وَأَبَا حَازِمٍ، وَحُمَيْدًا الطَّوِيلَ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ.
كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخَلِيفَةَ.
قِيلَ لَهُ الْعُمَرِيُّ نِسْبَةً إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأَنَّهُ ابْنُ بِنْتِهِ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْخَطَّابِ، قِيلَ: كَانَ آخِرَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَكَانَ يُقَدَّمُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.

READ ALSO:
Four Types of Intelligence

✩✩✩✩✩✩✩

247 – وَعَنْهُ، فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» “.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

247 – (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فِيمَا أَعْلَمُ) : بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَقِيلَ: هُوَ لَفْظُ الْمُصَنِّفِ أَيْ فِي عِلْمِي، أَوْ فِي جُمْلَةِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : لَا عَنْ غَيْرِهِ وَقَدْ شَكَّ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ.
قَالَ السَّيِّدُ: قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلتُّورِبِشْتِيِّ: فِيمَا أَعْلَمُ مُضَارِعًا أَوْ مَاضِيًا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ كَائِنًا فِي عِلْمِي هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً، أَوْ كَائِنًا فِي إِعْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَائِرَ الصَّحَابَةِ اهـ.
أَقُولُ: قَوْلُهُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ – غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْفَهْمِ، وَقَدْ تَفَحَّصْتُهُ مِنْ أَصْلِ أَبِي دَاوُدَ فَوَجَدْتُهُ مُخَرَّجًا عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْحَدِيثَ.
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيمَا أَعْلَمُ يَجُوزُ بِضَمِّ الْمِيمِ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِفَتْحِهَا مَاضِيًا مِنَ الْإِعْلَامِ حِكَايَةً عَنْ فِعْلِهِ اهـ.
أَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْمِيمِ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَلْقَمَةَ الرَّاوِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: حِكَايَةً عَنْ فِعْلِهِ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَمُسَامَحَةٌ، تَأَمَّلْ.
انْتَهَى كَلَامُ السَّيِّدِ.
(قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ “) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، وَيَحْتَمِلُ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ (عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ) : أَيِ: انْتِهَائِهِ أَوِ ابْتِدَائِهِ إِذَا قَلَّ الْعِلْمُ وَالسُّنَّةُ وَكَثُرَ الْجَهْلُ وَالْبِدْعَةُ (مَنْ يُجَدِّدُ) : مَفْعُولُ يَبْعَثُ (لَهَا) أَيْ: لِهَذِهِ الْأُمَّةِ (دِينَهَا) أَيْ: يُبَيِّنُ السُّنَّةَ مِنَ الْبِدْعَةِ وَيُكْثِرُ الْعِلْمَ وَيُعِزُّ أَهْلَهُ وَيَقْمَعُ الْبِدْعَةَ وَيَكْسِرُ أَهْلَهَا.
قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَشَارَ إِلَى الْعَالِمِ الَّذِي هُوَ فِي مَذْهَبِهِ، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ لَفْظَةَ ” مَنْ ” تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَلَا يَخْتَصُّ أَيْضًا بِالْفُقَهَاءِ فَإِنَّ انْتِفَاعَ الْأُمَّةِ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَانْتِفَاعُهُمْ بِأُولِي الْأَمْرِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْقُرَّاءِ وَالْوُعَّاظِ وَالزُّهَّادِ أَيْضًا كَثِيرٌ، إِذْ حِفْظُ الدِّينِ وَقَوَانِينُ السِّيَاسَةِ وَبَثُّ الْعَدْلِ وَظِيفَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَكَذَا الْقُرَّاءُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَنْفَعُونَ بِضَبْطِ التَّنْزِيلِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الشَّرْعِ وَأَدِلَّتَهُ، وَالْوُعَّاظُ يَنْفَعُونَ بِالْوَعْظِ وَالْحَثِّ عَلَى لُزُومِ التَّقْوَى لَكِنِ الْمَبْعُوثُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُشَارًا إِلَيْهِ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ.
نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَحَمَلَ الْمُجَدِّدِينَ مَحْصُورِينَ عَلَى الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَخَتَمَهُمْ بِشَيْخِهِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِتَجْدِيدِ فَنٍّ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَشَيْخُ مَشَايِخِنَا السُّيُوطِيُّ هُوَ الَّذِي أَحْيَا عِلْمَ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَجَمَعَ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي جَامِعِهِ الْمَشْهُورِ، وَمَا تَرَكَ فَنًّا إِلَّا وَلَهُ فِيهِ مَتْنٌ أَوْ شَرْحٌ مَسْطُورٌ، بَلْ وَلَهُ زِيَادَاتٌ وَمُخْتَرَعَاتٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُجَدِّدُ فِي الْقُرْآنِ الْمَذْكُورِ كَمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مَقْبُولٌ وَمَشْكُورٌ، هَذَا وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ يُجَدِّدُ لَيْسَ شَخْصًا وَاحِدًا، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ جَمَاعَةٌ يُجَدِّدُ كُلُّ أَحَدٍ فِي بَلَدٍ فِي فَنٍّ أَوْ فَنُونٍ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الْأُمُورِ التَّقْرِيرِيَّةِ أَوِ التَّحْرِيرِيَّةِ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِبَقَائِهِ وَعَدَمِ انْدِرَاسِهِ وَانْقِضَائِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّجْدِيدَ أَمْرٌ إِضَافِيٌّ، لِأَنَّ الْعِلْمَ كُلَّ سَنَةٍ فِي التَّنَزُّلِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ كُلَّ عَامٍ فِي التَّرَقِّي، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ تَرَقِّي عُلَمَاءِ زَمَانِنَا بِسَبَبِ تَنَزُّلِ الْعِلْمِ فِي أَوَانِنَا، وَإِلَّا فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عِلْمًا وَعَمَلًا وَحِلْمًا وَفَضْلًا وَتَحْقِيقًا وَتَدْقِيقًا لِمَا يَقْتَضِي الْبُعْدَ عَنْ زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَالْبُعْدِ عَنْ مَحَلِّ النُّورِ وَيُوجِبُ كَثْرَةَ الظُّلْمَةِ وَقِلَّةَ الظُّهُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ” «لَا يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ» “.
وَمَا فِي الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا ” «مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَيَنْتَقِصُ الْخَيْرُ فِيهِ وَيَزِيدُ الشَّرُّ» ” وَمَا فِي الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَيُحْدِثُ النَّاسُ بِدَعَةً وَيُمِيتُونَ سُنَّةً حَتَّى تُمَاتَ السُّنَنُ وَتَحْيَا الْبِدَعُ» .
وَهَذِهِ النُّبْذَةُ الْيَسِيرَةُ أَيْضًا إِنَّمَا هِيَ مِنْ بَرَكَاتِ عُلُومِهِمْ وَمَدَدِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ الْفَضْلَ لِلْمُتَقَدِّمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَكَذَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

248 – وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» “.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ”
248 – (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ أَبِي قَبِيلَةٍ مِنْ خُزَاعَةَ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لَا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَحْمِلُ) أَيْ: يَحْفَظُ (هَذَا الْعِلْمَ) أَيْ: عِلْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ: الْفِقْهَ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ مُصْطَلَحٌ حَادِثٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ عِنْدَ قَوْلِهِ هَذَا، وَالْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي يَأْخُذُهُ وَيَقُومُ بِإِحْيَائِهِ (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ) أَيْ: مِنْ كُلِّ قَرْنٍ يَخْلِفُ السَّلَفَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الْجَمَاعَةُ الْمَاضِيَةُ، وَالْخَلَفُ بِفَتْحِ اللَّامِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ أَحَدٍ وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ ” (عُدُولُهُ) أَيْ: ثِقَاتُهُ يَعْنِي مَنْ كَانَ عَدْلًا صَاحِبَ التَّقْوَى وَالدِّيَانَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَ ” مِنْ ” إِمَّا تَبْعِيضِيَّةٌ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ ” يَحْمِلُ ” وَ ” عُدُولُهُ ” بَدَلٌ مِنْهُ، وَإِمَّا بَيَانِيَّةٌ عَلَى طَرِيقَةِ لَقِيَنِي مِنْكَ (أَسَدٌ) جُرِّدَ مِنَ الْخَلَفِ الصَّالِحِ، وَالْعُدُولُ الثِّقَاتُ وَهُمْ هُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104] وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِمْ (يَنْفُونَ عَنْهُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَيْ: نَافِينَ عَنْهُ يَعْنِي طَارِدِينَ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ (تَحْرِيفَ الْغَالِينَ) : أَيِ: الْمُبْتَدَعَةِ الَّذِينَ يَتَجَاوَزُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، فَيَنْحَرِفُونَ عَنْ جِهَتِهِ، مِنْ غَلَا يَغْلُو إِذَا جَاوَزَ الْحَدَّ كَأَقْوَالِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ (وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ) الِانْتِحَالُ: ادِّعَاءُ قَوْلٍ أَوْ شِعْرٍ، وَيَكُونُ قَائِلُهُ غَيْرَهُ بِانْتِسَابِهِ إِلَى نَفْسِهِ، قِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْكَذِبِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي النِّهَايَةِ: الِانْتِحَالُ مِنَ النِّحْلَةِ وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الِانْتِحَالُ ادِّعَاءُ الشَّيْءِ بِالْبَاطِلِ، وَقِيلَ: لَعَلَّ الْأَوَّلَ أَنْسَبُ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ اهـ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُبْطِلَ إِذَا اتَّخَذَ قَوْلًا مِنْ عِلْمِنَا لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ أَوِ اعْتَزَى إِلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ نَفَوْا عَنْ هَذَا الْعِلْمِ قَوْلَهُ، وَنَزَّهُوهُ عَمَّا يَنْتَحِلُهُ (وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ) أَيْ: مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ إِلَى مَا لَيْسَ بِصَوَابٍ، أَوِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: لِمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ الْعَلِيَّةِ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّهُمْ يَحْمُونَ الشَّرِيعَةَ وَمُتُونَ الرِّوَايَاتِ مِنْ تَحْرِيفِ الَّذِينَ يَغْلُونَ فِي الدِّينِ، وَالْأَسَانِيدَ مِنَ الْقَلْبِ وَالِانْتِحَالِ، وَالْمُتَشَابِهَ مِنْ تَأْوِيلِ الزَّائِغِينَ الْمُبْتَدِعِينَ بِنَقْلِ النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ لِرَدِّ الْمُتَشَابِهِ إِلَيْهَا، وَهَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ: ” «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» “.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ مَعْنًى (رَوَاهُ) ” وَأَلْحَقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُعَانٍ بِضَمِّ الْمِيمِ ابْنِ رِفَاعَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ.
وَقَالَ السَّيِّدُ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ إِلَى السُّنَنِ فِي بَابِ تَبْيِينِ حَالِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ رَدَّ خَبَرِهِ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «يَرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» “.
وَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُعَاذٍ وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الثِّقَةِ أَشْيَاخِهِمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ ضَعِيفَةٍ.
وَمُعَانٌ: بِالنُّونِ دِمَشْقِيٌّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، كَذَا فِي التَّخْرِيجِ (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، أَيِ: الْعَاجِزِ عَنِ الْعِلْمِ (السُّؤَالُ) أَيْ: عَنِ الْعُلَمَاءِ (فِي بَابِ التَّيَمُّمِ) : لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَهُوَ اعْتِذَارٌ وَاعْتِرَاضٌ: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : مُتَعَلِّقٌ بِ (سَنَذْكُرُ) .

READ ALSO:
1 - كِتَابُ الْإِيمَانِ " الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
249 – عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ» “.
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
249 – (عَنِ الْحَسَنِ) : وَهُوَ إِذَا أُطْلِقَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ فَالْمُرَادُ الْبَصْرِيٌّ (مُرْسَلًا) : لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ، حَذَفَ الصَّحَابِيَّ إِمَّا لِنِسْيَانِهِ أَوْ لِكَثْرَةِ مَنْ يَرْوِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ» ) : الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي ” جَاءَهُ “، أَيْ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي حَالِ اسْتِمْرَارِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ) أَيْ: لِإِحْيَاءِ الدِّينِ عَمَّا انْدَرَسَ قَوَاعِدُهُ وَأَحْكَامُهُ بِبِنَائِهَا لَا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ (فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ) : وَهِيَ مَرْتَبَةُ النُّبُوَّةِ (فِي الْجَنَّةِ) “: أَرْدَفَهَا بِوَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ سَبَقَ لِلْعَدَدِ، وَقَدْ سَبَقَ: إِنَّ وَارِثَ الْأَنْبِيَاءِ هُمُ الْعُلَمَاءُ الزَّاهِدُونَ الدَّاعُونَ الْخَلْقَ إِلَى الْحَقِّ فَيُحِبُّونَ الْإِسْلَامَ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَوْضِيحُهُ فِي كَلَامِ الْأَبْهَرِيِّ: أَكَّدَ الدَّرَجَةَ بِوَاحِدَةٍ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ وَعَلَى الْعَدَدِ، وَالَّذِي سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ هُوَ الْعَدَدُ الْحَاصِلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ الْمُخْلِصِينَ لَمْ تَفُتْهُمْ إِلَّا دَرَجَةُ الْوَحْيِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

250 – وَعَنْهُ مُرْسَلًا، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالْآخِرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ; أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» .
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

250 – (وَعَنْهُ) : أَيِ: الْحَسَنِ (مُرْسَلًا) : أَيْضًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ رَجُلَيْنِ) أَيْ: عَنْ شَأْنِهِمَا وَحُكْمِهِمَا (كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا) أَيْ: غَلَبَ عِلْمُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ (يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ) أَيْ: يَكْتَفِي بِالْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ (ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ) : أَيِ: الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ وَالزُّهْدَ وَالرِّيَاضَةَ وَالصَّبْرَ وَالْقَنَاعَةَ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ تَدْرِيسًا أَوْ تَأْلِيفًا أَوْ غَيْرَهُمَا (وَالْآخَرُ يَصُومُ النَّهَارَ) أَيْ: دَائِمًا أَوَ غَالِبًا (وَيَقُومُ اللَّيْلَ) أَيْ: كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَقَدْ تَعَلَّمَ فَرْضَ عِلْمِهِ (أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟) أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا فَإِنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْعَالِمِ ظَاهِرَةٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ) : يُحْتَمَلُ الشَّخْصُ وَالْجِنْسُ ( «الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ» ) : أَطْنَبَ فِي الْجَوَابِ حَيْثُ لَمْ يَقُلِ الْأَوَّلَ أَوِ الْعَالِمَ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَتَقْرِيرِهِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) : فَإِنِّي عَالِمٌ مُعَلِّمٌ، وَأَدْنَاكُمْ مَنْ يَقُومُ بِالْعِبَادَةِ دُونَ الْعِلْمِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْعِلْمَ نَفْعُهُ مُتَعَدٍّ وَالْعِبَادَةَ مَنْفَعَتُهَا قَاصِرَةٌ، وَالْعِلْمُ إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ، وَالْعِبَادَةُ الزَّائِدَةُ نَافِلَةٌ وَثَوَابُ الْفَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْلِ النَّفْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

251 – وَعَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ ; إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَعَ، وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ» ” رَوَاهُ رَزِينٌ.

251 – (وَعَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (نِعْمَ الرَّجُلُ) أَيِ: الْكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ (الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ) الْفَقِيهُ: هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أَيِ: الَّذِي فَقِهَ فِي الدِّينِ، وَعَلِمَ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَيَنْفَعُ النَّاسَ، وَلِذَا وَرَدَ: ” «مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ؛ يُدْعَى فِي الْمَلَكُوتِ عَظِيمًا» ; وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْفَقِيهِ مَنْ يَعْلَمُ الْفُرُوعَ فَقَطْ، كَمَا فَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ وَتَبَجَّحَ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا وَهِمَ، وَنَقَلَ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ غَايَةَ الصُّوفِيِّ الْمُحِقِّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ كَرَامَةٌ أَوْ كَرَامَاتٌ فَيَفْتَخِرَ بِهَا هُوَ وَجَمَاعَتُهُ الدَّهْرَ، وَالْفُقَهَاءُ تَظْهَرُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمُ الْكَرَامَاتُ الْكَثِيرَةُ بِفَتْحِ أَبْوَابِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ الْعَلِيَّةِ لَهُ وَإِلْهَامِهِ فِيهَا مَا لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ إِلَيْهِ فَيُفِيدُ مِنْهُ مَا لَا يُحْصَى اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا كُرِهَ مِنْ غَايَةِ الصُّوفِيِّ صَدَرَ عَنْ قِلَّةِ التَّحْقِيقِ، فَإِنَّ بِدَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِنِهَايَةِ مَا ثَبَتَ بِالنُّبُوَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَتَعْلِيمًا عَلَى شَرِيطَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَمَّا نِهَايَتُهُ فَالَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهَا هُوَ أَنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا فِي مُشَاهَدَةِ مَوْلَاهُ وَفَانِيًا عَمَّا سِوَاهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْفَارِضِ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ
عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي وَأَمَّا الْكَرَامَةُ فَعِنْدَهُمْ حَيْضُ الرِّجَالِ فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بَيْنَ الْهَيْئَاتِ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: ضَيَّعْتُ قِطْعَةً مِنَ الْعُمُرِ الْعَزِيزِ فِي تَأْلِيفِ الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ، وَلَكِنْ سُبْحَانَ مَنْ أَقَامَ الْعِبَادَ بِمَا أَرَادَ، وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (إِنِ احْتِيجَ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا، شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ اسْتِحْقَاقِ الْمَدْحِ، أَيْ: إِنِ احْتَاجَ النَّاسُ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى فِقْهِهِ (نَفَعَ) أَيْ: غَيْرَهُ (وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَغْنَى نَفْسَهُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: قُوبِلَ نَفَعَ بِأَغْنَى لِيَعُمَّ الْفَائِدَةَ، أَيْ: نَفَعَ النَّاسَ وَأَغْنَاهُمْ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَنَفَعَ نَفْسَهُ وَأَغْنَاهَا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

252 – وَعَنْ عِكْرِمَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ ; وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

252 – (وَعَنْ عِكْرِمَةَ) : هُوَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ وَتَابِعِيهَا (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) : وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا أُطْلِقَ (قَالَ) : أَيْ لِعِكْرِمَةَ (حَدِّثِ النَّاسَ) : أَيْ: بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْوَعْظِ (كُلَّ جُمُعَةٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ (مَرَّةً) : أَيْ: فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهَا (فَإِنْ أَبَيْتَ) : أَيِ: التَّحْدِيثَ مَرَّةً، وَأَرَدْتَ الزِّيَادَةَ حِرْصًا عَلَى إِفَادَةِ الْعِلْمِ وَنَفْعِ النَّاسِ (فَمَرَّتَيْنِ) : أَيْ: فَحَدِّثْ مَرَّتَيْنِ (فَإِنْ أَكْثَرْتَ) : أَيْ: أَرَدْتَ الْإِكْثَارَ (فَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَهُوَ بِضَمِّ الْفَوْقَانِيَّةِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ (النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ) .
يُقَالُ: مَلِلْتُهُ وَمَلِلْتُ مِنْهُ بِالْكَسْرِ سَئِمْتُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِهِ، فَرَتَّبَ وَصْفَ التَّعْظِيمِ عَلَى الْحُكْمِ لِلْإِشْعَارِ بِالْعِلْيَةِ أَيْ: لَا تُحَقِّرْ هَذَا الْعَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَعَدَمِ الشِّبَعِ مِنْهُ، أَيْ: وَإِذَا كَانَ الْإِكْثَارُ يُوجِبُ الْمَلَلَ عَمَّا هَذِهِ أَوْصَافُهُ فَمَا بَالُكَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى النُّفْرَةِ مِنْ مَشَاقِّهَا وَمَتَاعِبِهَا (فَلَا أُلْفِيَنَّكَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: لَا أَجِدَنَّكَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ لَا أَرَيَنَّكَ أَيْ: لَا تَكُنْ بِحَيْثُ أُلْفِيَنَّكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَهِيَ أَنَّكَ (تَأْتِي الْقَوْمَ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنَ الْمَرْفُوعِ فِي تَأْتِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ (الْقَوْمَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ مَشْغُولُونَ عَنْكَ (فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ) : أَيْ قَصَصًا مِنْ وَعْظٍ أَوْ عِلْمٍ (فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ) : أَيْ: كَلَامَهُمُ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْطُوفَانِ عَلَى تَأْتِي، وَهُوَ الظَّاهِرُ لَكِنَّهُمَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ مَنْصُوبَانِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُمَا عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ وَيُتَكَلَّفُ لِلسَّبَبِيَّةِ (فَتُمِلَّهُمْ) : مَنْصُوبٌ بِلَا خِلَافٍ جَوَابًا لِلنَّهْيِ (وَلَكِنْ أَنْصِتْ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِنْصَاتِ وَهُوَ السُّكُوتُ (وَإِذَا أَمَرُوكَ) : أَيْ: طَلَبُوا مِنْكَ التَّحْدِيثَ (فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ) : حَالٌ مُقَيَّدَةٌ (وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ نُهِيَ عَنِ السَّجْعِ وَأَكْثَرُ الْأَدْعِيَةِ مُسَجَّعَةٌ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْهُودُ وَهُوَ السَّجْعُ الْمَذْمُومُ الَّذِي كَانَ الْكُهَّانُ وَالْمُتَشَدِّقُونَ يَتَعَاطَوْنَهُ وَيَتَكَلَّفُونَهُ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ، لَا الَّذِي يَقَعُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ بِلَا كُلْفَةٍ، فَإِنَّ الْفَوَاصِلَ التَّنْزِيلِيَّةَ وَارِدَةٌ عَلَى هَذَا، وَيُؤَيِّدُهُ إِنْكَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ: ” أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ! ” عَلَى مَنْ قَالَ: أُؤَدِّي لِمَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ، الْمَعْنَى: تَأَمَّلِ السَّجْعَ الَّذِي يُنَافِي إِظْهَارَ الِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ فِي الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ (فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : أَيْ: عَرَفْتُهُ (وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) .
أَيْ: تَكَلُّفَ السَّجْعِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، بِزِيَادَةِ إِلَّا، قَالَ الشَّيْخُ: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، أَيْ: تَرْكَ السَّجْعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، بِسَنَدِهِ فِيهِ: لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِ إِلَّا وَهُوَ وَاضِحٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ.

✩✩✩✩✩✩✩

253 – وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ» .
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

READ ALSO:
باب الغسل

253 – (وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ – مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ – كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ “: أَيْ: حَصَّلَهُ، وَقِيلَ: أَدْرَكَهُ أَبْلَغُ مِنْ حَصَّلَهُ، لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ بُلُوغُ أَقْصَى الشَّيْءِ (كَانَ لَهُ كِفْلَانِ) : نَصِيبَانِ ” مِنَ الْأَجْرِ “: أَجْرِ الطَّلَبِ وَالْإِدْرَاكِ كَالْمُجْتَهِدِ الْمُصِيبِ (” فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ) : كَالْمُخْطِئِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ: ” «إِذَا اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» ” (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

254 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلِمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ» “.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
254 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ) : خَبَرُ إِنَّ: أَيْ كَائِنٌ مِمَّا يَلْحَقُهُ، وَاسْمُهَا عِلْمًا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً لِأَنَّهُ يُنَافِي الْحَصْرَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ ” (مِنْ عَمَلِهِ) : بَيَانٌ لَهُ (وَحَسَنَاتِهِ) : عَطْفُ تَفْسِيرٍ (بَعْدَ مَوْتِهِ) : ظَرْفٌ يَلْحَقُ (عِلْمًا عَلِمَهُ) : بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ (وَنَشَرَهُ) : هُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّعْلِيمِ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ التَّأْلِيفَ وَوَقْفَ الْكُتُبِ (وَوَلَدًا صَالِحًا) : أَيْ: مُؤْمِنًا (تَرَكَهُ) : أَيْ: خَلَّفَهُ أَيْ ” بَعْدَ مَوْتِهِ احْتِرَازًا عَنِ الْفَرَطِ (أَوْ مُصْحَفًا) : بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، وَالضَّمُّ أَشْهَرُ (وَرَّثَهُ) : أَيْ: تَرَكَهُ لِلْوَرَثَةِ وَلَوْ مِلْكًا وَفِي مَعْنَاهُ: كُتُبُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ التَّسَبُّبِ (أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ) : وَفِي مَعْنَاهُ مَدْرَسَةُ الْعُلَمَاءِ وَرِبَاطُ الصُّلَحَاءِ (أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ) : أَيِ الْمُسَافِرِ وَالْغَرِيبِ (بَنَاهُ) : حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (أَوْ نَهَرًا) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ (أَجْرَاهُ) : أَيْ: جَعَلَهُ جَارِيًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْخَلْقُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمَلُ الْمُصَدَّرَةُ بِأَوْ مِنْ قِسْمِ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ، وَأَوْ فِيهَا لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّفْصِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ (أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ) : فَدَاخِلٌ فِي الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ وَلِإِرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) .
وَفِي عَطْفِ حَيَاتِهِ عَلَى صِحَّتِهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ: «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى» .
الْحَدِيثَ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ مَفْهُومَةٌ مِنْ نَفْسِ قَوْلِهِ وَصِحَّتِهِ لَا مِنَ الْعَطْفِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مَفْهُومَةٌ مِنْ تَقَدُّمِ الصِّحَّةِ عَلَى الْحَيَاةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ” وَحَيَاتِهِ ” أَيْ: وَلَوْ فِي مَرَضِهِ.
فَالْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) وَقَوْلُهُ أَخْرَجَهَا أَيْ بِالْوَصِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) “.
وَفِي رِوَايَةٍ: ” «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ أَجْرَى نَهَرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، أَوْ، وَرَّثَ مُصْحَفًا» ” 255 – وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ، أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ، وَفَضْلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ» ” رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ”
255 – (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ، وَالْأَصْلُ سَمِعْتُ قَوْلَهُ فَأُخِّرَ الْقَوْلُ وَجُعِلَ حَالًا لِيُفِيدَ الْإِبْهَامَ وَالتَّبْيِينَ اهـ.
وَقِيلَ: سَمِعَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) : أَيْ: عَزَّتْ ذَاتُهُ وَجَلَّتْ صِفَاتُهُ (أَوْحَى إِلَيَّ “) : أَيْ: وَحْيًا خَفِيًّا غَيْرَ مَتْلُوٍّ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ أَوْ لَا.
وَلَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَقْلُهُ، وَلَوْ بِالْمَعْنَى، وَبِهَذِهِ الْقُيُودِ فَارَقَ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ الْكَلَامَ الْقُرْآنِيَّ (أَنَّهُ) : الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (مَنْ سَلَكَ) : أَيْ: دَخَلَ أَوْ ذَهَبَ وَمَشَى (مَسْلَكًا) : أَيْ: طَرِيقًا أَوْ سُلُوكًا، وَالْمَعْنَى تَعَاطَى سَبَبًا مِنَ الْأَسْبَابِ (فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) : أَيْ: فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ (سَهَّلْتُ) : أَيْ: يَسَّرْتُ (لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ) : أَيْ: طَرِيقًا مُوَصِّلًا إِلَى الْجَنَّةِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ طَرِيقًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَسَبِيلًا إِلَى قُصُورِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فِي الْعُقْبَى، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْعِلْمِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ سَبِيلَ الْجَنَّةِ مَسْدُودَةٌ مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِ الْعُلُومِ، لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِخْلَاصِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْعَمَلِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ (وَمَنْ سَلَبْتُ) : أَيْ: أَخَذْتُ (كَرِيمَتَيْهِ) : أَيْ: عَيْنَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَكْرُمُ عَلَيْكَ فَهُوَ كَرِيمُكَ وَكَرِيمَتُكَ، وَالْمَعْنَى أَعْمَيْتُهُ فَالْأَكْمَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَثَبْتُهُ) : أَيْ: جَازَيْتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ} [المائدة: 85] وَفِي الْقَامُوسِ: أَثَابَهُ اللَّهُ مَثُوبَةً أَعْطَاهُ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَثَبْتُهُ مِنَ الْإِثْبَاتِ (عَلَيْهِمَا) : أَيْ عَلَى الْكَرِيمَتَيْنِ يَعْنِي: عَلَى فَقْدِهِمَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمَا (الْجَنَّةَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَثَبْتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى أَعْطَيْتُ، وَكِلَاهُمَا تَكَلُّفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ (وَفَضْلٌ) : أَيْ: زِيَادَةٌ (فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: التَّنْكِيرُ فِيهِ يَعْنِي فِي فَضْلِ الْأَوَّلِ لِلتَّقْلِيلِ، وَفِي الثَّانِي لِلتَّكْثِيرِ (وَمِلَاكُ الدِّينِ) : أَيْ: أَصْلُهُ وَصَلَاحُهُ (الْوَرَعُ) : كَمَا أَنَّ فَسَادَ الدِّينِ الطَّمَعُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَرَعِ التَّقْوَى عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَالطَّمَعُ يُؤَدِّي إِلَى السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ.
فِي النِّهَايَةِ: الْمِلَاكُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ قِوَامُ الشَّيْءِ وَنِظَامُهُ، وَمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمِنْهُ مِلَاكُ الدِّينِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمِلَاكُ بِالْكَسْرِ مَا بِهِ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَتَقْوِيَتُهُ وَإِكْمَالُهُ، وَالْوَرَعُ فِي الْأَصْلِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالتَّحَرُّجُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْكَفِّ عَنِ الْمُبَاحِ وَالْحَلَالِ.
قُلْتُ: لَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُبَاحُ وَالْحَلَالُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الشُّبْهَةِ وَإِلَّا فَتَرْكُهَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ لَا يُسَمَّى وَرَعًا بَلْ يُسَمَّى زُهْدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

256 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا» .
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

256 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ) : بَيْنَ النُّظَرَاءِ أَوِ الشَّيْخِ وَتَلَامِذَتِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ كِتَابَتُهُ وَتَفَهُّمُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ) : الْأَبْلَغُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَةِ اللُّغَوِيَّةُ لَا الْعُرْفِيَّةُ (خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا) .
أَيْ: مِنْ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ بِالْعِبَادَةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوحِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: مِنْ إِحْيَاءِ تِلْكَ السَّاعَةِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةُ النُّفُوسِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

257 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ; أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ، أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ) .
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ، فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا “.
ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ» .
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

257 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ) : أَيْ: بِأَهْلِهِمَا، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ حَلْقَتَيْنِ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْحَدِيثِ (فِي مَسْجِدِهِ) – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (فَقَالَ: (كِلَاهُمَا) : أَيْ: كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ يَعْنِي أَهْلَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ أَوِ الدَّلَالَةُ بِطَرِيقِ الْبُرْهَانِ، فَإِنَّ شَرَفَ الْمَكَانِ بِالْمَكِينِ (عَلَى خَيْرٍ) : أَيْ جَالِسِينَ أَوْ ثَابِتِينَ عَلَى عَمَلِ خَيْرٍ (وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ) : أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا (أَمَّا هَؤُلَاءِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تُقَسِّمُ لِلْمَجْلِسَيْنِ إِمَّا بِاعْتِبَارِ الْقَوْمِ أَوِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إِلَى الْمَجْلِسَيْنِ فِي إِفْرَادِ الضَّمِيرِ (فَيَدْعُونَ اللَّهَ) : أَيْ: يَعْبُدُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوِ الْحَالِ (وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ) : أَيْ: يَرْغَبُونَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مُتَوَسِّلِينَ إِلَيْهِ وَمُتَوَجِّهِينَ وَمُنْتَظَرِينَ لَدَيْهِ (فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ) : أَيْ: فَضْلًا، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ أَيْ مَا عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ.
(وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ) : أَيْ: إِيَّاهُ عَدْلًا، وَفِي تَقْدِيمِ الْإِعْطَاءِ عَلَى الْمَنْعِ إِيمَاءٌ إِلَى سَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الثَّوَابَ فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَقْيِيدِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِالثَّالِثَةِ وَإِطْلَاقِ الْقِسْمِ الثَّانِي يَعْنِي الْآتِي إِشَارَةٌ إِلَى بَوْنٍ بَعِيدٍ بَيْنَهُمَا (أَمَّا هَؤُلَاءِ) : أَيْ: وَأَمْثَالُهُمْ (فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ) : أَيْ أَوَّلًا (أَوِ الْعِلْمَ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ) : أَيْ: ثَانِيًا (فَهُمْ أَفْضَلُ) : لِكَوْنِهِمْ جَامِعِينَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ وَهُمَا الْكَمَالُ وَالتَّكْمِيلُ، فَيَسْتَحِقُّونَ الْفَضْلَ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ (وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا) : أَيْ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَا بِالتَّعَلُّمِ مِنَ الْخَلْقِ، وَلِذَا اكْتَفَى بِهِ (ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ) : إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ مِنْهُ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ جَلَسَ فِيهِمْ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ جَلَسَ فِيهِمْ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى التَّعْلِيمِ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: بُعِثْتُ مُعَلِّمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

READ ALSO:
باب الجماعة وفضلها

✩✩✩✩✩✩✩

258 – وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا حَدُّ الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينِهَا، بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا»
258 – (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (مَا حَدُّ الْعِلْمِ) .
قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ وَصْفُ الشَّيْءِ الْمُحِيطِ بِمَعْنَاهُ الْمُتَمَيِّزِ عَنْ غَيْرِهِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ.
أَقُولُ: هَذَا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ، وَالْأَظْهَرُ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ: الْمِقْدَارُ؛ وَلِذَا قَالَ: الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟) يَعْنِي عَالِمًا فِي الْآخِرَةِ وَمَبْعُوثًا فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِهَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي) : أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِمْ أَوْ لِأَجْلِ انْتِفَاعِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ حَفِظَ مَعْنَى رَقَبَ، وَعُدِّيَ بِعَلَى، احْفَظْ عَلَيَّ عِنَانَ فَرَسِي وَلَا تَغْفُلْ عَنِّي، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحِفْظُ: خِلَافُ النِّسْيَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي حَفِظَ يَعْنِي: مَنْ جَمَعَ أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةً مُرَاقِبًا إِيَّاهَا بِحَيْثُ تَبْقَى مَسْأَلَةً عَلَى أُمَّتِي اهـ.
وَفِيهِ تَكَلُّفَاتٌ وَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْتُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْتُهُ فِي تَقْرِيرِهِ اهـ.
وَلَيْسَ فِي تَقْرِيرِهِ، وَلَا تَحْرِيرِهِ ذِكْرُ وَجْهٍ حَتَّى يُنْظَرَ فِي وَجْهِهِ (أَرْبَعِينَ حَدِيثًا) : وَفِي مَعْنَاهُ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً (” فِي أَمْرِ دِينِهَا) : احْتِرَازٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِخْبَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالدِّينِ اعْتِقَادًا أَوْ عِلْمًا أَوْ عَمَلًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ قَيَّدَهَا بِكَوْنِهَا مُتَفَرِّقَةً (بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا) : مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ (وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا) : بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَاتِ الْخَاصَّةِ (وَشَهِيدًا) : أَيْ: حَاضِرًا لِأَحْوَالِهِ، وَمُزَكِّيًا لِأَعْمَالِهِ، وَمُثْنِيًا عَلَى أَقْوَالِهِ، وَمُخَلِّصًا لَهُ مِنْ أَهْوَالِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحِفْظِ هُنَا نَقْلُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا، هَذَا حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ انْتِفَاعُ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَحْفَظُهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ إِلَيْهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَقُولُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْمَقَامَ الَّذِي هُوَ حَدُّ الْعِلْمِ إِذِ الْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ وَالْفَهْمُ لَهُ وَغَلَبَ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ لِشَرَفِهِ وَإِلَّا فَالْحَامِلُ غَيْرُ فَقِيهٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ مَعْرِفَةُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بِأَسَانِيدِهَا مَعَ تَعْلِيمِهَا النَّاسَ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَسَانِيدِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ أَوْ
✩✩✩✩✩✩✩

259 – وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ” «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟ ” قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: ” اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ أَوْ قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً» .

259 – (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟) : أَيْ: أَكْثَرُ كَرَمًا.
قَالَ الرَّاغِبُ: الْجُودُ بَذْلُ الْمُقْتَنَيَاتِ مَالًا كَانَ أَوْ عِلْمًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” إِنَّ عِلْمًا لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ مَنِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وَأَجْوَدُ خَبَرُهُ، وَجُودًا تَمْيِيزٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَجْوَدُ مِنَ الْجُودِ أَيْ أَحْسَنُ جُودًا أَوْ مِنَ الْجُودِ أَيْ مِنَ الَّذِي جُودُهُ أَجْوَدُ عَلَى حَدِّ نَهَارِهِ صَائِمٌ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: (اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا) : وَهُوَ لِمُجَرَّدِ الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ طِبْقَ الْمُرَادِ (ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ) .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ: أَفْضَلُهُمْ وَأَكْرَمُهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» ، “.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ أَنَّ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْجِنْسِ الْمَلَكِيِّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ (وَأَجْوَدُهُ) : أَيْ: جِنْسُ بَنِي آدَمَ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ لِبَنِي آدَمَ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِنْسَانِ أَوْ لِلْجُودِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَجْوَدُهُمْ يَعْنِي فِي زَمَانِهِ (مِنْ بَعْدِي) : يَحْتَمِلُ الْبَعْدِيَّةَ بِحَسَبِ الْمَرْتَبَةِ وَبِحَسَبِ الزَّمَانِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (رَجُلٌ عَلِمَ) : بِالتَّخْفِيفِ بِلَا خِلَافٍ (عِلْمًا) : أَيْ: عَظِيمًا نَافِعًا فِي الدِّينِ (فَنَشَرَهُ) : يَعُمُّ التَّدْرِيسَ وَالتَّصْنِيفَ وَتَرْغِيبَ النَّاسِ، فِيهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَمِنْهُ وَقْفُ الْكُتُبِ وَإِعَارَتُهَا لِأَهْلِهَا (يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ) : يَعْنِي كَالْجَمَاعَةِ الَّتِي لَهَا أَمِيرٌ وَمَأْمُورٌ فِي الْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا مُسْتَقِلًّا مَعَ أَتْبَاعِهِ غَيْرَ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
(أَوْ قَالَ: (أُمَّةً وَاحِدَةً) : الشَّكُّ يُحْتَمَلُ مِنْ أَنَسٍ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] حَيْثُ أَطْلَقَ الْأُمَّةَ عَلَى مَنْ جَمَعَ خِصَالًا لَا تُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَلِذَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ
أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ وَلَمَّا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مُعَاذٍ: كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَيْرَ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ خَبَرُ: مُعَاذٌ أُمَّةٌ قَانِتٌ لِلَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْمُرْسَلُونَ.
سَبَبُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ ” أَنَّهُ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ “.

✩✩✩✩✩✩✩

260 – وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا» “.
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي ” شُعَبِ الْإِيمَانِ ” وَقَالَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
260 – (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: (مَنْهُومَانِ) : حَرِيصَانِ عَلَى تَحْصِيلِ أَقْصَى غَايَاتِ مَطْلُوبَيْهِمَا، وَفِي النِّهَايَةِ النَّهْمَةُ: بُلُوغُ الْهِمَّةِ فِي الشَّيْءِ (لَا يَشْبَعَانِ) : أَيْ لَا يَقْنَعَانِ (مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ) : لِأَنَّهُ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ دَائِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] وَلَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ إِذْ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا) : أَيْ فِي تَحْصِيلِ مَالِهَا وَجَاهِهَا (لَا يَشْبَعُ مِنْهَا) : فَإِنَّهُ كَالْمَرِيضِ الْمُسْتَشْفِي (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ) : أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ (قَالَ قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ: لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ.

✩✩✩✩✩✩✩

261 – وَعَنْ عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ ; أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًى لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ.
ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى – أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 – 7] قَالَ: وَقَالَ الْآخَرُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

261 – (وَعَنْ عَوْنٍ) : تَابِعِيٌّ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ) : أَيْ: حَرِيصَانِ لَا يَشْبَعَانِ) : فِي الْقَامُوسِ النَّهَمُ: مُحَرَّكَةً إِفْرَاطُ الشَّهْوَةِ فِي الطَّعَامِ، وَأَنْ لَا تَمْتَلِئَ عَيْنُ الْآكِلِ وَلَا يَشْبَعُ، نَهِمَ كَفَرِحَ وَعُنِيَ فَهُوَ نَهِمٌ وَنَهِيمٌ وَمَنْهُومٌ، وَهُوَ مَنْهُومٌ بِكَذَا مُولَعٌ بِهِ (صَاحِبُ الْعِلْمِ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ) : أَيْ فِي الْمَآلِ وَالْعَاقِبَةِ فِيمَا يَزِيدَانِ (أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًا لِلرَّحْمَنِ) .
وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ بِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ مَظْهَرُ الرَّحْمَةِ حَيْثُ رَحِمَ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَتَخْلِيصِ الْجَهْلِ (وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى) .
أَيْ: يَزْدَادُ وَيَتَوَسَّعُ (فِي الطُّغْيَانِ) : وَيَبْعُدُ عَنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ (ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ) : اسْتِشْهَادًا لِذَمِّ الثَّانِي عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106] الْآيَةَ {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى – أَنْ رَآهُ} [العلق: 6 – 7] أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ رَأَى نَفْسَهُ (اسْتَغْنَى) عَنِ النَّاسِ لِكَثْرَةِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ (قَالَ) : أَيْ عَوْنٌ (وَقَالَ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ مَا سَبَقَ وَهُوَ قَوْلُهُ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} [العلق: 6] (الْآخَرُ) : بِالرَّفْعِ أَيِ الِاسْتِشْهَادُ الْآخَرُ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ أَيْ: وَذَكَرَ الِاسْتِشْهَادَ الْآخَرَ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] بِنَصْبِ الْأَوَّلِ وَرَفْعِ الثَّانِي فِي الْمُتَوَاتِرِ وَعَكْسُهُ فِي الشَّوَاذِّ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوَّلَ مُوجِبٌ لِزِيَادَةِ الطُّغْيَانِ الْمُقْتَضِي تَرْكَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَالثَّانِي سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْخَشْيَةِ الْمُوَرَّثَةِ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

262 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا.
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا – قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: كَأَنَّهُ يَعْنِي – الْخَطَايَا» “.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

READ ALSO:
Does Islam Prevent Women from Entering Masjid (Mosque)?

262 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ أُنَاسًا) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: جَمَاعَةً (مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ) : أَيْ سَيَدَّعُونَ الْفِقْهَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ أَوْ يَطْلُبُونَ الْفِقْهَ وَيُحَصِّلُونَهُ (فِي الدِّينِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) : أَيْ بِالْقِرَاءَاتِ أَوْ بِتَفْسِيرِ الْآيَاتِ وَيَأْتُونَ الْأُمَرَاءَ لَا لِحَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ إِلَيْهِمْ، بَلْ لِإِظْهَارِ الْفَضْلِيَّةِ وَالطَّمَعِ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: كَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّفَقُّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِمْ (يَقُولُونَ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَيَقُولُونَ (نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ) : أَيْ: نَأْخُذُ (مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ) : أَيْ: نَبْعُدُ عَنْهُمْ (بِدِينِنَا) : بِأَنْ لَا نُشَارِكَهُمْ فِي إِثْمٍ يَرْتَكِبُونَهُ.
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ) : أَيْ: لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ثُمَّ مَثَّلَ وَقَالَ (كَمَا لَا يُجْتَنَى) : أَيْ: لَا يُؤْخَذُ (مِنَ الْقَتَادِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ شَجَرٌ كُلُّهُ شَوْكٌ (إِلَّا الشَّوْكُ) : لِأَنَّهُ لَا يُثْمِرُ إِلَّا الْجِرَاحَةَ وَالْأَلَمَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ (كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى) : أَيْ: لَا يَحْصُلُ (مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا) : وَقَعَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلَا ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ لِكَمَالِ ظُهُورِهِ.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) : أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (كَأَنَّهُ) : أَيِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (يَعْنِي) : أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْمُسْتَثْنَى الْمُقَدَّرِ بَعْدَ إِلَّا (الْخَطَايَا) : وَهِيَ مَضَرَّةُ الدَّارَيْنِ، وَلَقَدْ أَشَارَ إِلَى كَثِيرٍ مِنْهَا بَعْضُ مَنْ كَتَبَ لِلزُّهْرِيِّ لَمَّا خَالَطَ السَّلَاطِينَ بِقَوْلِهِ فِي جُمْلَةِ مَوَاعِظَ وَعَظَهُ بِهَا: وَاعْلَمْ أَنَّ أَيْسَرَ مَا ارْتَكَبْتَ، وَأَخَفَّ مَا احْتَمَلْتَ، أَنَّكَ آنَسْتَ وَحْشَةَ الظَّلَمَةِ، وَسَهَّلْتَ سَبِيلَ الْغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ حَقًّا، وَلَمْ يَتْرُكْ بَاطِلًا، حِينَ أَدْنَاكَ اتَّخَذُوكَ قُطْبًا تَدُورُ عَلَيْكَ رَحَى بَاطِلِهِمْ، وَجِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إِلَى بَلَائِهِمْ، وَسُلَّمًا يَصْعَدُونَ فِيكَ إِلَى ضَلَالِهِمْ، يُدْخِلُونَ الشَّكَّ بِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَيَقْتَادُونَ بِكَ قُلُوبَ الْجُهَلَاءِ، فَمَا أَيْسَرَ مَا عَمَّرُوا لَكَ فِي جَنْبِ مَا خَرَّبُوا لَكَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا أَخَذُوا مِنْكَ فِيمَا أَفْسَدُوا عَلَيْكَ مِنْ دِينِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الذُّبَابُ عَلَى الْعُذْرَةِ أَحْسَنُ مِنْ قَارِئٍ عَلَى بَابِ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ، وَرَحِمَ اللَّهُ وَالِدِي كَانَ يَقُولُ لِي: مَا أُرِيدُ أَنْ تَصِيرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ خَشْيَةَ أَنْ تَقِفَ عَلَى بَابِ الْأُمَرَاءِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) 263 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ” «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» “.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
263 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ) : أَيِ: الشَّرْعِيِّ (صَانُوا الْعِلْمَ) : أَيْ: حَفِظُوهُ عَنِ الْمَهَانَةِ بِحِفْظِ أَنْفُسِهِمْ عَنِ الْمَذَلَّةِ وَمُلَازَمَةِ الظَّلَمَةِ وَمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا طَمَعًا لِمَا لَهُمْ مِنْ جَاهِهِمْ وَمَالِهِمْ، وَعَنِ الْحَسَدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَوَضَعَ الْمُظْهَرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ (وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ) : أَيْ: أَهْلِ الْعِلْمِ يَعْنِي: الَّذِينَ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَيُلَازِمُونَ الْعُلَمَاءَ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي (لَسَادُوا بِهِ) : أَيْ: فَاقُوا بِالسِّيَادَةِ وَفَضِيلَةِ السَّعَادَةِ بِسَبَبِ الصِّيَانَةِ وَالْوَضْعِ عَنْ أَهْلِ الْكَرَامَةِ دُونَ أَهْلِ الْإِهَانَةِ (أَهْلَ زَمَانِهِمْ) : أَيْ كَمَالًا وَشَرَفًا لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ الْمُلُوكُ فَمَنْ دُونَهُمْ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ وَأَقْلَامِهِمْ، وَطَوْعَ آرَائِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ رَفِيعُ الْقَدْرِ يَرْفَعُ قَدْرَ مَنْ يَصُونُهُ عَنِ الِابْتِذَالِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعِلْمُ ذَكَرٌ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا ذُكُورُ الرِّجَالِ أَيِ: الَّذِينَ يُحِبُّونَ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَتَنَزَّهُونَ عَنْ سَفْسَافِهَا اهـ.
وَفِي كَلَامِ الزُّهْرِيِّ إِيمَاءٌ بِطْرِيقِ الْمَفْهُومِ وَالْمُقَابَلَةِ إِلَى أَنَّ الدُّنْيَا أُنْثَى لَا يُحِبُّهَا إِلَّا نَاقِصُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ الْمَرَاتِبَ الدَّنِيَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا) : أَيْ: بِأَنْ خَصُّوهُمْ بِهِ أَوْ تَرَدَّدُوا إِلَيْهِمْ بِهِ (لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ) : لَا لِأَجْلِ الدِّينِ بِالنَّصِيحَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهِمَا (فَهَانُوا) : أَيْ: أَهْلُ الْعِلْمِ ذَلُّوا قَدْرًا (عَلَيْهِمْ) : أَيْ: مُسْتَثْقَلِينَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ” عِلْمُهُمْ ” بَدَلَ ” عَلَيْهِمْ ” وَهُوَ تَصْحِيفٌ لِأَنَّ هَانَ لَازِمٌ بِمَعْنَى ذَلَّ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ مُتَعَدِّيًا إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ فِي عِلْمِهِمْ وَبَذْلِهِ إِيَّاهُمْ (سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : قَالَ الطِّيبِيُّ، هَذَا الْخِطَابُ تَوْبِيخٌ لِلْمُخَاطَبِينَ حَيْثُ خَالَفُوا أَمْرَ نَبِيِّهِمْ، فَخُولِفَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ افْتِتَانًا (يَقُولُ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ) : أَيِ: الْهُمُومَ الَّتِي تَطْرُقُهُ مِنْ مِحَنِ الدُّنْيَا وَكَدَرِهَا وَمُرِّ عَيْشِهَا (هَمًّا وَاحِدًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَمَّ الْأَمْرَ يَهِمُّ إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ اهـ.
أَيْ: مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى هَمٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْهُمُومِ وَتَرَكَ سَائِرَ الْمَطَالِبِ وَبَقِيَّةَ الْمَقَاصِدِ وَجَعَلَ كَأَنَّهُ لَا هَمَّ إِلَّا هَمٌّ وَاحِدٌ (هَمَّ آخِرَتِهِ) : بَدَلٌ مِنْ هَمًّا وَهُوَ هَمُّ الدِّينِ (كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ) : الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْهُمُومِ يَعْنِي كَفَاهُ هَمَّ دُنْيَاهُ أَيْضًا (وَمَنْ تَشَعَّبَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: تَشَعَّبَ (بِهِ الْهُمُومُ) : أَيْ: تَفَرَّقَتْ يَعْنِي مَرَّةً اشْتَغَلَ بِهَذَا الْهَمِّ وَأُخْرَى بِهَمٍّ آخَرَ وَهَلُمَّ جَرًّا ( [فِي] أَحْوَالِ الدُّنْيَا) : بَدَلٌ مِنَ الْهُمُومِ (لَمْ يُبَالِ اللَّهُ) : أَيْ: لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظَرَ رَحْمَةٍ (فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا) : أَيْ: أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا أَوِ الْهُمُومِ (هَلَكَ) : يَعْنِي لَا يَكْفِيهِ هَمُّ دُنْيَاهُ وَلَا هَمُّ أُخْرَاهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

264 – عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ) إِلَى آخِرِهِ.

264 – (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ) : أَيْ مُبْتَدَأٌ مِنْ قَوْلِهِ، (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ إِلَخْ) .
يَعْنِي: رَوَى الْمَرْفُوعَ لَا الْمَوْقُوفَ.

✩✩✩✩✩✩✩

265 – وَعَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ» .
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا.

265 – (وَعَنِ الْأَعْمَشِ) : هُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَأَحَدِ الْأَعْلَامِ الْمَشْهُورِينَ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ وَالْقِرَاءَةِ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ كَاهِلٍ فَأَعْتَقَهُ فَاجْتَهَدَ فِي الْعِلْمِ فَصَارَ إِمَامًا عَلَمًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ» ) : أَيْ: بَعْدَ حُصُولِهِ وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ: لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ وَلِلْعِلْمِ آفَاتٌ.
أَيْ: قَبْلَ التَّحْصِيلِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَلْيُحْذَرْ مِنْ أَسْبَابِ النِّسْيَانِ كَالْإِعْرَاضِ عَنِ اسْتِحْضَارِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِمَا يُشْغِفُ الْقَلْبَ مِنَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُذْهِلُ الْعَقْلَ مِنَ الْمَظَاهِرِ الشَّهَوِيَّةِ (وَإِضَاعَتُهُ) : أَيْ: جَعْلُ الْعِلْمِ ضَائِعًا (أَنْ تُحَدِّثَ) : أَيْ أَنْتَ (” بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ “) : بِأَنْ لَا يَفْهَمَهُ أَوْ لَا يَعْمَلُ بِهِ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا: (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا) .
قَالَ السَّيِّدُ: الْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ الِانْقِطَاعُ، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ أَنَسٍ فَالْمُرْسَلُ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ.

✩✩✩✩✩✩✩

266 – وَعَنْ سُفْيَانَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ لِكَعْبٍ: مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ.
قَالَ فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ.
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

266 – (وَعَنْ سُفْيَانَ) : أَيِ: الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ فِي الْفِقْهِ وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى دِينِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، وَكَوْنِهِ ثِقَةً أَخَذَ عَنْهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ لِكَعْبٍ) : أَيْ: كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَيُقَالُ لَهُ كَعْبُ الْحَبْرُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ السُّؤَالِ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ عَلِمَ التَّوْرَاةَ وَغَيْرَهَا، وَأَحَاطَ بِالْعِلْمِ الْأَوَّلِ (مِنْ أَرْبَابِ الْعِلْمِ) أَيْ: مَنْ هُمْ أَصْحَابُهُ عِنْدَكُمْ، أَوْ فِي كِتَابِكُمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنْ مَلَكَ الْعِلْمَ وَرَسَخَ فِيهِ وَاسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ (قَالَ: الَّذِينَ) : أَيْ: هُمُ الَّذِينَ (يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ الْحُكَمَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ.
(قَالَ) : أَيْ: عُمَرُ (فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَخْرَجَ الْعِلْمَ أَيْ نُورَهُ وَثَمَرَتَهُ وَتَأْثِيرَهُ وَبَرَكَتَهُ (مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟) أَيِ: الْعَامِلِينَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْعَامِلِينَ لَيْسُوا عُلَمَاءَ (قَالَ: الطَّمَعُ) .
لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِدُونِ الْإِخْلَاصِ لَا يُوصِلَانِ السَّالِكَ إِلَى مَقَامِ الِاخْتِصَاصِ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْوَرَعَ يُدْخِلُ الْعِلْمَ فِي قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعِلْمِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ مَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْعِلْمِ أَيْ: إِذَا كَانَ أَرْبَابُ الْعِلْمِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَلِمَ تَرَكَ الْعَالِمُ الْعَمَلَ، وَمَا الَّذِي دَعَاهُ إِلَى تَرْكِ الْعَمَلِ لِيُعْزَلَ عَنْ هَذَا الِاسْمِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةُ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقُوفًا.

READ ALSO:
باب الامامة [26] بَابُ الْإِمَامَةِ

✩✩✩✩✩✩✩

267 – وَعَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ الشَّرِّ.
فَقَالَ: ” لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ، وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ ” يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ” أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ» “.
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

267 – (وَعَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ) : لَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ الشَّرِّ) : أَيْ فَقَطْ (فَقَالَ: (لَا تَسْأَلُونِي) : بِالتَّخْفِيفِ فَإِنَّ لَا نَاهِيَةٌ (عَنِ الشَّرِّ) : فَحَسْبُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنِّي رَءُوفٌ رَحِيمٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ لَازِمِ ذَلِكَ مِنْ إِيهَامِ غَلَبَةِ مَظَاهِرِ الْجَلَالِ فِيهِ عَلَى مَظَاهِرِ الْجَمَالِ، وَإِلَّا فَالسُّؤَالُ عَنِ الشَّرِّ لِيُجْتَنَبَ وَاجِبٌ كِفَايَةً أَوْ عَيْنًا فَكَيْفَ يُنْهَى عَنْهُ (وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ) : إِمَّا مُنْفَرِدًا أَوْ مُنْضَمًّا بِالسُّؤَالِ عَنِ الشَّرِّ (يَقُولُهَا ثَلَاثًا) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَالَ، وَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ أَعْنِي: لَا تَسْأَلُونِي إِلَخْ.
وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ لِأَنَّهُ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] قُلْتُ الْأَقْرَبُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الْقَرِيبَةِ (ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ) : أَيْ: أَعْظَمَهُ (شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا كَانُوا شَرَّ الشَّرِّ وَخَيْرَ الْخَيْرِ لِأَنَّهُمْ سَبَبٌ لِصَلَاحِ الْعَالَمِ وَفَسَادِهِ، وَإِلَيْهَا تَنْتَمِي أُمُورُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَبِهِمُ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ اهـ.
أَوْ لِأَنَّ عَذَابَ شِرَارِهِمْ فِي الْعُقْبَى شَرُّ الْعِقَابِ، وَمَرَاتِبَ خِيَارِهِمْ فِي الْمَنَازِلِ الْجَنَّةِ خَيْرُ مَآبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

268 – وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَالِمٌ لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ.
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

268 – (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ) : الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ.
وَعَالِمٌ خَبَرُ إِنَّ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: لُغَةٌ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ اهـ.
وَالصَّوَابُ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ وَأَنَّ مِنْ غَيْرُ زَائِدَةٍ بَلْ هِيَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ بَعْضَ أَشْرَارِهِمْ (عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً) : تَمْيِيزٌ أَيْ مَرْتَبَةً (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَالِمُ لَا يَنْتَفِعُ) : أَيْ هُوَ (بِعِلْمِهِ) : بِأَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لَا يَنْفَعُ، أَوْ تَعَلَّمَ عِلْمًا شَرْعِيًّا، لَكِنْ مَا عَمِلَ بِهِ، فَإِنَّهُ شَرٌّ مِنَ الْجَاهِلِ وَعَذَابُهُ أَشَدُّ مِنْ عِقَابِهِ كَمَا قِيلَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالِمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَكَمَا وَرَدَ: ” «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» .
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقُوفًا.

✩✩✩✩✩✩✩

269 – وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا! قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

269 – (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا رَاءٌ كَذَا فِي الْأَسْمَاءِ لِلْمُصَنِّفِ.
قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: تَابِعِيٌّ سَمِعَ عُمَرَ وَعَلِيًّا (قَالَ) : قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ أَيْ: يُزِيلُ عِزَّتَهُ، وَالْهَدْمُ فِي الْأَصْلِ إِسْقَاطُ الْبِنَاءِ: (قُلْتُ: لَا!) .
أَيْ: لَا أَعْرِفُ (قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ) : أَيْ عَثْرَتُهُ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ (وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ) : الَّذِي يُظْهِرُ السُّنَّةَ وَيُبْطِنُ الْبِدْعَةَ (بِالْكِتَابِ) : وَإِنَّمَا خُصَّ لِأَنَّ الْجِدَالَ بِهِ أَقْبَحُ، إِذْ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ (وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ) : بِالْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ (الْمُضِلِّينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهَدْمِ الْإِسْلَامِ تَعْطِيلُ أَرْكَانِهِ الْخَمْسَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ” «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ” الْحَدِيثَ.
وَتَعْطِيلُهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَمِنْ جِدَالِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَغُلُوِّهِمْ فِي إِقَامَةِ الْبِدَعِ بِالتَّمَسُّكِ بِتَأْوِيلَاتِهِمُ الزَّائِفَةِ وَمِنْ ظُهُورِ ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ وَحُكْمِ الْمُزَوِّرِينَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ زَلَّةُ الْعَالِمِ لِأَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، كَمَا جَاءَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ زَلَّةُ الْعَالَمِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقُوفًا.

✩✩✩✩✩✩✩

270 – وَعَنِ الْحَسَنِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ابْنِ آدَمَ.
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

270 – (وَعَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ: الْبَصْرِيِّ (قَالَ: الْعِلْمُ) : أَيِ الْمَعْرِفَةُ أَوِ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ (عِلْمَانِ) : أَيْ: نَوْعَانِ (فَعِلْمٌ) : الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ أَيْ: فَنَوْعٌ مِنْهُ (فِي الْقَلْبِ) : أَيْ: حَاصِلٌ وَدَاخِلٌ فِيهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ (فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ) : إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ فِي كَمَالِ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ لَا يَنَالُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَذَلِكَ بِاللَّامِ، وَلَعَلَّ الْأُولَى أَوْلَى إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَرَّبَ الْمَرْءُ إِلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ، كَمَا أَنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْعَدَ عَنْهُ، وَالْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ: فَبِسَبَبِ اسْتِقْرَارِهِ فِي الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ حُبِّ الرَّبِّ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ فِي الدَّارَيْنِ (وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ) : أَيْ: وَنَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْعِلْمِ جَارٍ عَلَى اللِّسَانِ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ فَقَطْ، وَلِكَوْنِ مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْخُلُقِ الْمُقْتَضِي لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْمُدَاهَنَةِ لِلْأُمَرَاءِ قَالَ (فَذَلِكَ) : أَيْ: فَبِسَبَبِ ذَلِكَ هُوَ (حُجَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ابْنِ آدَمَ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] وَقَدْ يُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى عِلْمِ الْبَاطِنِ، وَالثَّانِي عَلَى عِلْمِ الظَّاهِرِ، لَكِنْ فِيهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ إِلَّا بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِإِصْلَاحِ الظَّاهِرِ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الظَّاهِرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِصْلَاحِ الْبَاطِنِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: مَنْ تَفَقَّهَ وَلَمْ يَتَصَوَّفْ فَقَدْ تَفَسَّقَ، وَمَنْ تَصَوَّفَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فَقَدْ تَزَنْدَقَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: هُمَا عِلْمَانِ أَصْلِيَّانِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ مُرْتَبِطٌ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، كَالْجِسْمِ وَالْقَلْبِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدٌ عَنْ صَاحِبِهِ، (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
أَيْ: مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَالْمُنَاسِبُ لِدَأْبِهِ أَنْ يَقْتَصِرَ وَيَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ السِّتَّةَ الدَّارِمِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

271 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ – يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ – رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

271 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ كَلَامِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ (عَنْ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ (مِنْ) بَدَلَ (عَنْ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَلَقِّيهِ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِلَا وَاسِطَةٍ (وِعَاءَيْنِ) : أَيْ: نَوْعَيْنِ كَثِيرَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ مِلْءَ ظَرْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) : وَهُوَ عِلْمُ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْلَاقِ (فَبَثَثْتُهُ) : أَيْ: أَظْهَرْتُهُ بِالنَّقْلِ (فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ) : وَهُوَ عِلْمُ الْبَاطِنِ (قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ) : بِضَمِّ الْبَاءِ أَيِ الْحُلْقُومُ، لِأَنَّ أَسْرَارَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ مِمَّا يَعْسُرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمُرَادِ، وَلِذَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِهِ وَقَعَ فِي تَوْهِيمِ الْحُلُولِ وَالْإِلْحَادِ، إِذَ فَهْمُ الْعَوَامِّ قَاصِرٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَرَامِ، وَمِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ، وَقَوْلُهُ: ” قُطِعَ ” يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ مِمَّا يُتَوَقَّعُ، وَيَحْتَمِلُ الدُّعَاءَ مُبَالَغَةً فِي إِسْرَارِ الْأَسْرَارِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْخُلَّصِ مِنَ الْأَبْرَارِ، وَقِيلَ إِنَّهُ عِلْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِوِلَادَةِ الْجَوْرِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ بِفِتَنٍ أُخْرَى فِي زَمَنِهِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْوِعَاءَ الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا يَتَبَيَّنُ أَسَامِي أُمَرَاءِ الْجَوْرِ وَأَحْوَالُهُمْ وَذَمُّهُمْ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكَنِّي عَنْ بَعْضِهِ وَلَا يُصَرِّحُ بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ كَقَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ، يُشِيرُ إِلَى خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ (يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ) .
تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْبُلْعُومُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَعَلَى هَذَا لَا يَخْفَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ إِذْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَحَدِ رُوَاتِهِ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا لِلْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

272 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

272 – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) : إِذَا أُطْلِقَ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ (قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ!) : يَشْمَلُ الْعُلَمَاءَ وَغَيْرَهُمْ (مَنْ عَلِمَ شَيْئًا) : مِنْ عُلُومِ الدِّينِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ مَنْ هُوَ مُتَأَهِّلٌ لِفَهْمِ جَوَابِهِ (فَلْيَقُلْ بِهِ) : أَيْ: بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ لِوَخِيمِ عَذَابِ سَتْرِهِ وَلِعَظِيمِ ثَوَابِ نَشْرِهِ (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ) : أَيْ: فِي الْجَوَابِ (اللَّهُ أَعْلَمُ) : كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32] وَلَا يَسْتَحْيِي فِي نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ جَهْلَ الْإِنْسَانِ أَكْثَرُ مِنْ عِلْمِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] فَمَعْنَاهُ: اللَّهُ أَكْثَرُ عِلْمًا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَعْلَمُ بِمَعْنَى عَالِمٍ لِاسْتِحَالَةِ الْمُشَارَكَةِ.
قُلْتُ: الْمُشَارَكَةُ الِاسْتِقْلَالِيَّةُ هِيَ الْمُسْتَحِيلَةُ، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فِي الْأَبْرَارِ أَنَّ عَلِيًّا – كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ – سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي: فَقِيلَ: كَيْفَ تَقُولُ لَا أَدْرِي وَأَنْتَ طَلَعْتَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ؟ فَقَالَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَّمَا طَلَعْتُ بِقَدْرِ عِلْمِي، وَلَوْ طَلَعْتُ بِمِقْدَارِ جَهْلِي لَبَلَغْتُ السَّمَاءَ (فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ) : أَيْ: مِنْ آدَابِهِ الْوَاجِبِ رِعَايَتُهَا وُجُوبًا عَيْنِيًّا مُتَأَكِّدًا عَلَى كُلِّ مَنْ نُسِبَ لِلْعِلْمِ أَوِ التَّقْدِيرِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ خَبَرُ إِنَّ وَاسْمُهُ (أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ) : بِالْخِطَابِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: بِالْغَيْبَةِ أَيْ لِأَجْلِهِ أَوْ عَنْهُ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .
أَيْ: وَنَحْوُهُ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَإِنَّ تَمْيِيزَ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَجْهُولِ نَوْعٌ مِنَ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا قِيلَ: لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ.
وَيُقَالُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ هَذَا التَّمْيِيزُ جَهْلُهُ مُرَكَّبٌ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَدَّ خَوْفُ السَّلَفِ مِنَ الْإِفْتَاءِ فَكَثُرَ امْتِنَاعُهُمْ مِنْهُ حَتَّى أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَأَجَابَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: وَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: لَا أَدْرِي.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ امْتِنَاعِ التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ فِي الْجَوَابِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِفْتَاءِ بِالْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ) وَهُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [ص: 86] : أَيْ: عَلَى التَّبْلِيغِ (مِنْ أَجْرٍ) : أَيْ: آخُذُهُ مِنْكُمْ {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] : أَيْ: مِنَ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ وَيَتَحَلَّوْنَ بِمَا لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سُئِلَ الصِّدِّيقُ عَنِ الْأَبِّ فِي: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] قَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لِي بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

READ ALSO:
باب الكبائر وعلامات النفاق

✩✩✩✩✩✩✩

273 – وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ ; فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

273 – (وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ) : وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَالْمَزِيدَتَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ فِي اعْتِبَارِ مُجَرَّدٍ الزَّائِدَتَيْنِ (قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ) : اللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِتَعْلِيمِ الْخَلْقِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا أُصُولُ الدِّينِ (فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) : الْمُرَادُ الْأَخْذُ مِنَ الْعُدُولِ وَالثِّقَاتِ، ” وَعَنْ ” مُتَعَلِّقٌ بِتَأْخُذُونَ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى تَرْوُونَ، وَدُخُولُ الْجَارِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ هُنَا كَدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء: 221] وَتَقْدِيرُهُ أَعَمَّنْ تَأْخُذُونَ، وَضُمِّنَ انْظُرْ مَعْنَى الْعِلْمِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ تَعْلِيقًا كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

274 – وَعَنْ حُذَيْفَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ! اسْتَقِيمُوا، فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أُخِذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

274 – (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ) أَيِ: الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ، قَالَ الشَّيْخُ، الْمُرَادُ بِهِمُ الْعُلَمَاءُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ اهـ.
فَكَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّغْلِيبِ أَوِ الْقُرَّاءُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا جَامِعِينَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلِذَا وَرَدَ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ وَالْأَقْرَأُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ ” «أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا» ” فَلَا وَجْهَ لَهُ تَقْيِيدًا وَتَعْلِيلًا (اسْتَقِيمُوا) : أَيْ: عَلَى جَادَّةِ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الِاسْتِقَامَةَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ وَهِيَ الثَّبَاتُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ.
وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْإِخْلَاصُ الْخَالِصُ، وَالْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ وَالْغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِ مَا سِوَاهُ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الِاسْتِقَامَةُ كِنَايَةٌ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ فِعْلًا وَتَرْكًا (فَقَدْ سَبَقْتُمْ) : قِيلَ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ وَالْمَشْهُورُ ضَمُّ السِّينِ وَكَسْرُ الْبَاءِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ اسْلُكُوا طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ لِأَنَّكُمْ أَدْرَكْتُمْ أَوَائِلَ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ تَتَمَسَّكُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَسْبِقُوا إِلَى خَيْرٍ إِذْ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ وَإِنْ عَمِلَ بِعَمَلِكُمْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكُمْ لِسَبْقِكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَرْتَبَةُ الْمَتْبُوعِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ التَّابِعِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ أَيْ سَبَقَكُمُ الْمُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى اللَّهِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِنُفُوسِكُمْ هَذَا التَّخَلُّفَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الِانْحِرَافِ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا الْمُوجِبِ لِلْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ (سَبْقًا بَعِيدًا) : أَيْ ظَاهِرُ التَّفَاوُتِ (وَإِنْ أُخِذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا) : أَيْ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَادَّةِ وَالدُّخُولِ فِي طُرُقِ الضَّلَالَةِ (لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بِعِيدًا) .
أَيْ: عَنِ الْحَقِّ بِحَيْثُ يَبْعُدُ رُجُوعُكُمْ عَنْهُ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّاسُ مَخْلُوقُونَ لِلْعِبَادَةِ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَتَحَرَّى فِيهِمَا السَّيْرَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَتَوَخَّى سُلُوكَ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ لِيُوصِلَهُ إِلَى الْمَقْصُودِ وَالطَّرِيقُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالِاسْتِسْلَامُ، فَمَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ وَثَبَتَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَأْخُذْ يَمِينًا وَشِمَالًا قَدْ فَازَ وَسَبَقَ، وَمَنْ رَكِبَ مَتْنَ الرِّيَاءِ أُخِذَ عَنْ يَمِينِ الصِّرَاطِ وَشَمَالِهِ، ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ الْمُرَائِي عَلَى اعْوِجَاجِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ هَامَ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالِ، وَأَدَّاهُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ إِلَى الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ضَلَالًا بَعِيدًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

275 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ “.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: ” وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ “.
قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَدْخُلُهَا؟ قَالَ: ” الْقُرَّاءُ الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ فِيهِ: ” «وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ» ” قَالَ الْمُحَارِبِيُّ: يَعْنِي الْجَوَرَةَ.

275 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ» ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِفَتْحِهَا أَيْ مِنْ بِئْرٍ فِيهَا الْحُزْنُ لَا غَيْرَ: قَالَ الطِّيبِيُّ: جُبُّ الْحَزَنِ عَلَمٌ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ كَمَا هِيَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْ: دَارٌ فِيهَا السَّلَامَةُ مِنْ كُلِّ حَزَنٍ وَآفَةٍ: ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: (وَادٍ» ) : أَيْ: هُوَ وَادٍ عَمِيقٌ مِنْ كَمَالِ عُمْقِهِ يُشْبِهُ الْبِئْرَ (فِي جَهَنَّمَ) : بِالتَّذْكِيرِ لِلْفَصْلِ، وَقِيلَ: بِالتَّأْنِيثِ (مِنْهُ) : أَيْ: مِنْ شِدَّةِ عَذَابِهِ (جَهَنَّمُ) : مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعَوُّذُ مِنْ جَهَنَّمَ هُنَا كَالنُّطْقِ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30] وَكَالتَّمَيُّزِ وَالتَّغَيُّظِ {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} [الملك: 8] وَالظَّاهِرُ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
قَالَ فِي الْكَشَّافِ: سُؤَالُ جَهَنَّمَ وَجَوَابُهَا مِنْ بَابِ التَّخْيِيلِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَصْوِيرُ الْمَعْنَى فِي الْقَلْبِ، وَتَبْيِينُهُ وَتَمَيُّزُهَا وَتَغَيُّظُهَا تَشْبِيهٌ لِشِدَّةِ غَلَيَانِهَا بِالْكُفَّارِ بِغَيْظِ الْمُغْتَاظِ وَتَمَيُّزِهِ وَاضْطِرَابِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ (كُلَّ يَوْمٍ) : يُحْتَمَلُ النَّهَارُ وَالْوَقْتُ (أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ) : لَعَلَّ خُصُوصَ الْعَدَدِ بِاعْتِبَارِ جِهَاتِهَا الْأَرْبَعَةِ يَعْنِي كُلَّ جِهَةٍ مِائَةٌ وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ وَالتَّكْثِيرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ أَيْ: يَتَعَوَّذُ زَبَانِيتُهَا أَوْ أَهْلُهَا ( «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَدْخُلُهَا» ؟) أَيْ تِلْكَ: الْبُقْعَةُ الْمُسَمَّاةُ بِجُبِّ الْحَزَنِ الَّتِي ذَكَرَ شِدَّتَهَا وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: ذَلِكَ شَيْءٌ عَظِيمٌ هَائِلٌ، فَمِنَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهَا وَمَنِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهَا؟ (قَالَ: (الْقُرَّاءُ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيِ الرَّجُلِ الْمُتَنَسِّكُ يُقَالُ: تَقَرَّأَ تَنَسَّكَ أَيْ تَعَبَّدَ، وَالْجَمْعُ الْقُرَّاءُونَ وَقَدْ يَكُونُ جَمْعُ الْقَارِئِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَفِي الْقَامُوسِ الْقَرَّاءُ: كَكَتَّانٍ، الْحَسَنُ الْقِرَاءَةِ وَكَرُمَّانٍ النَّاسِكُ الْمُتَعَبِّدُ كَالْقَارِئُ وَالْمُقْرِئُ (الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ) : السَّمَّاعُونَ بِأَقْوَالِهِمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، كَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ) : أَيِ: ابْنُ مَاجَهْ (فِيهِ) : أَيْ فِي حَدِيثِهِ أَوْ مَرْوِيِّهِ ( «وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» ) : قِيلَ: أَيْ مِنَ الْقُرَّاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَهُمُ الْمُرَاءُونَ قَرَّائِينَ مَخْصُوصِينَ ( «وَهُمُ الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ» ) .
أَيْ: مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تُلْجِئُهُمْ بِهِمْ بَلْ طَمَعًا فِي مَالِهِمْ وَجَاهَهِمْ، وَلِذَا قِيلَ: بِئْسَ الْفَقِيرُ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ، وَنِعْمَ الْأَمِيرُ عَلَى بَابِ الْفَقِيرِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الدُّنْيَا، وَالثَّانِي مُشِيرٌ بِأَنَّهُ مُتَقَرِّبٌ إِلَى الْأُخْرَى (قَالَ الْمُحَارِبِيُّ) : أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (يَعْنِي الْجَوَرَةَ) : جَمْعُ جَائِرٍ أَيِ: الظَّلَمَةُ لِأَنَّ زِيَارَةَ الْأَمِيرِ الْعَادِلِ عِبَادَةٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

276 – وَعَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ.
وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَفِيهِمْ تَعُودُ» “.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
276 – (وَعَنْ عَلِيٍّ) – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يُوشِكُ) : أَيْ: يَقْرُبُ (أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) : أَيْ: فَاسِدٌ لِفَسَادِ أَهْلِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَتَى مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ بِلَا وَاسِطَةٍ فَعُدِّيَ بِعَلَى لِيُشْعِرَ بِأَنَّ الزَّمَانَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُمْ.
قَالَ مِيرَكُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ ضُمِّنَ أَتَى مَعْنَى الْإِقْبَالِ أَوِ الْمُرُورِ فَعُدِّيَ بِعَلَى اهـ.
قُلْتُ: يُؤَيِّدُ كَلَامَ الطِّيبِيِّ مَا فِي الْقَامُوسِ: أَتَى عَلَيْهِ الدَّهْرُ أَهْلَكَهُ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الطِّيبِيِّ لَا يُنَافِي التَّضْمِينَ ثُمَّ لَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ يُوشِكُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ إِلَّا فِي مَقَامِ الْمَدْحِ وَالْمُرُورُ أَكْثَرُ تَعْدِيَتِهِ بِالْبَاءِ (لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ) : أَيْ شَعَائِرِهِ (إِلَّا اسْمَهُ) : أَيْ: مَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ كَلَفْظَةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ (وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ) : أَيْ: مِنْ عُلُومِهِ وَآدَابِهِ (إِلَّا رَسْمَهُ) : أَيْ: أَثَرَهُ الظَّاهِرَ مِنْ قِرَاءَةِ لَفْظِهِ وَكِتَابَةِ خَطِّهِ بِطَرِيقِ الرَّسْمِ وَالْعَادَةِ لَا عَلَى جِهَةِ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: خُصَّ الْقُرْآنُ بِالرَّسْمِ، وَالْإِسْلَامُ بِالِاسْمِ دَلَالَةً عَلَى مُرَاعَاةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ مِنَ التَّجْوِيدِ فِي حِفْظِ مَخَارِجِ حُرُوفِهِ وَتَحْسِينِ الْأَلْحَانِ فِيهِ دُونَ التَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهِ وَالِامْتِثَالِ بِأَوَامِرِهِ، وَالِانْتِهَاءِ عَنْ نَوَاهِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِسْلَامُ، فَإِنَّ الِاسْمَ بَاقٍ وَالْمُسَمَّى مَدْرُوسٌ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي شُرِعَتْ لِلشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى انْدَرَسَتْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ سَاهُونَ عَنِ الصَّلَاةِ تَارِكُوهَا وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَيُقِيمُونَهَا وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَتْرُكُونَهَا اهـ.
وَيَتَمَكَّنُ مِنْهُمُ اهـ، وَالْمَشْهُورُ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أَنَّهَا بِمَعْنَى (عَلَى) فَكَانَ الِاكْتِفَاءُ بِالْآيَةِ الْأُولَى أَوْلَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
قُلْتُ: وَمِنْ مُنَاسَبَةِ الرَّسْمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ مُحَافَظَةَ آدَابِ كَيْفِيَّةِ كِتَابَةِ كَلِمَاتِهِ مِنَ الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ وَالْمَجْرُورِ وَالْمَرْبُوطِ وَالْحَذْفِ وَالْإِثْبَاتِ بِغَيْرِهَا مِمَّا يُسَمَّى بِعِلْمِ الرَّسْمِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ عُلُومِ الْقُرْآنِ الَّتِي انْدَرَسَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ (مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ) : أَيْ بِالْأَبْنِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ وَالْجُدْرَانِ الْمُنْتَقَشَةِ وَالْقَنَادِيلِ الْمُسَرَّجَةِ وَالْبُسُطِ الْمَفْرُوشَةِ، وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنَةِ الْجَهَلَةِ الْمُوَظَّفَةِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ (وَهِيَ) : أَيِ: الْمَسَاجِدُ أَوْ أَهْلُهَا (خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى) : أَيْ: مِنْ ذِي الْهُدَى أَوِ الْهَادِي لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْهَادِي لَوُجِدَ الْهُدَى، فَأُطْلِقَ الْهُدَى وَأُرِيدَ الْهَادِي عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ خَرَابَ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الْهَادِي الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ بِهُدَاهُ فِي أَبْوَابِ الدِّينِ وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ خَرَابَهَا لِوُجُودِ هُدَاةِ السُّوءِ الَّذِينَ يُزِيغُونَ النَّاسَ بِبِدْعَتِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، وَتَسْمِيَتُهُمْ بِالْهُدَاةِ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ، لِذَا عَقَّبَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ لِبَيَانِ الْمُوجَبِ بِقَوْلِهِ: (عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ) .
أَيْ: وَجْهِهَا، وَكَذَا أَدِيمُ الْأَرْضِ وَهُوَ صَعِيدُهَا.
قِيلَ: وَمِنْهُ اشْتُقَّ آدَمُ، لِأَنَّ جَسَدَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ السَّيِّدُ، أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ مَسَاجِدِهِمْ عَامِرَةً عِمَارَةُ بِنَائِهَا الظَّاهِرِ، وَبِكَوْنِهَا خَرَابًا مِنَ الْهُدَى تَرْكُهَا إِيَّاهَا عَاطِلَةً مِنَ الصَّلَاةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِقَامَةِ الْأَذَانِ فِيهَا، وَوَضْعِ الْمَصَابِيحِ وَالسُّرُجِ فِيهَا وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا عُبِّرَ عَنْهَا بِالْهُدَى لِأَنَّهَا سَبَبُ هِدَايَةِ الشَّخْصِ اهـ.
أَوِ التَّقْدِيرُ مِنْ آثَارِ الْهِدَايَةِ أَوْ أَهْلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ) : أَيْ: لِلنَّاسِ لِمَا مَرَّ أَنَّ فَسَادَ الْعَالِمِ فَسَادُ الْعَالَمِ (وَفِيهِمْ تَعُودُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي مِثْلِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] أَيْ: يَسْتَقِرُّ عَوْدُ ضَرَرِهِمْ فِيهِمْ وَيَتَمَكَّنُ مِنْهُمُ اهـ.
وَالْمَشْهُورُ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أَنَّهَا بِمَعْنَى (عَلَى) فَكَانَ الِاكْتِفَاءُ بِالْآيَةِ أَوْلَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

READ ALSO:
باب تطهير النجاسات

✩✩✩✩✩✩✩

277 – وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شَيْئًا: فَقَالَ: ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ ” قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لَأُرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ! أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟» ! ” رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ.

277 – (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ) : أَنْصَارِيٌّ، خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ (قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شَيْئًا) : أَيْ: هَائِلًا (فَقَالَ: (ذَلِكَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: ذَاكَ أَيِ: الشَّيْءُ الْمَخُوفُ يَقَعُ (عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ) : أَيْ: وَقْتَ انْدِرَاسِهِ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ) : الْوَاوُ لِلْعَطْفِ أَيْ: مَتَى يَقَعُ ذَلِكَ الْمَهُولُ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ (وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّ الْقُرْآنَ مُسْتَمِرٌّ بَيْنَ النَّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى بَقَاءِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ يُرْفَعَ قُرْبَ السَّاعَةِ، فَالْمَعْنَى مَعَ وُجُودِ كَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ؟ (فَقَالَ (: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ) : أَيْ: فَقَدَتْكَ وَأَصْلُهُ الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَجُّبِ (زِيَادُ!) : أَيْ: يَا زِيَادُ (إِنْ كُنْتُ) : إِنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ بِدَلِيلِ اللَّامِ الْآتِيَةِ الْفَارِقَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أَيْ: إِنَّ الشَّأْنَ كُنْتُ أَنَا (لَأُرَاكَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: لَأَظُنُّكَ أَوْ بِفَتْحِهَا أَيْ: لَأَعْلَمُكَ (مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ!) : ثَانِي مَفْعُولَيْ أُرَاكَ، وَمِنْ زَائِدَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ كَائِنًا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي، وَلَا نَظَرَ لِإِفْرَادِ رَجُلٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ (أَوَلَيْسَ) : أَيْ: أَتَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ وَلَيْسَ (هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) : أَيْ: آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ (وَلَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟) : أَيْ: فَكَمَا لَمْ تُفِدْهُمْ قِرَاءَتُهُمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا فِيهِمَا، فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ يَقْرَءُونَ أَيْ يَقْرَءُونَ غَيْرَ عَالِمِينَ نَزَّلَ الْعَالِمَ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِ، بَلْ مَنْزِلَةَ الْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْفَارًا، بَلْ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) : بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) : أَيْ: عَنْ زِيَادٍ (نَحْوَهُ) : أَيْ: نَحْوَ هَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مَعْنَاهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

278 – وَكَذَا الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.

278 – (وَكَذَا الدَّارِمِيُّ) .
أَيْ: رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ لَكِنْ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) : لَا عَنْ زِيَادٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

279 – وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ ; فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ بَعْدِي، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ لَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.

279 – (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ خَصَّهُ بِالْخِطَابِ وَعَمَّ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ ( «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ» ) : أَوِ الْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ بِأَنْوَاعِهَا (وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ) : لِتَكُونُوا كَامِلِينَ مُكَمِّلِينَ ( «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ» ) : أَيْ: عِلْمُهَا خُصُوصًا سَوَاءً أُرِيدَ بِهَا فَرَائِضُ الْإِسْلَامِ أَوْ فَرَائِضُ الْإِرْثِ (وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ) : أَيْ: هَذَا الْعِلْمُ فَالضَّمِيرُ إِلَى الْمُضَافِ الْمُقَدَّرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنَّ عِلْمَهَا أَهَمُّ وَثَوَابَهَا أَتَمُّ ( «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ» ) وَهُوَ تَخْصِيصٌ مِنْ وَجْهٍ وَتَعْمِيمٌ مِنْ وَجْهٍ، وَعَلَى كُلٍّ فَتَأْخِيرُهُ لِلتَّرَقِّي فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ بِحِفْظِهِ وَلَوْ بِلَفْظِهِ أَوْجَبُ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( «فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ» ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110] أَيْ كَوْنِي امْرَءًا مِثْلَكُمْ عِلَّةٌ لِكَوْنِي مَقْبُوضًا لَا أَعِيشُ أَبَدًا فَاغْتَنِمُوا فُرْصَةَ حَيَاتِي ( «وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ» ) : لِأَنَّ بَعْدَ كُلِّ كَمَالٍ نُقْصَانًا وَزَوَالًا، وَفِي نُسْخَةٍ: سَيَنْقَبِضُ، أَيْ: بِقَبْضِي أَوْ بِغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: سَيُقْبَضُ مَجْهُولٌ مُجَرَّدٌ أَيْ: بِقَبْضِ أَهْلِهِ (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ) الْوَاوُ لِمُجَرَّدِ الْجَمْعِيَّةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَبْضُ الْعِلْمِ سَبَبَ الْفِتْنَةِ أَوْ هِيَ سَبَبُ قَبْضِ الْعِلْمِ (حَتَّى يَخْتَلِفَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنَ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ (اثْنَانِ) : أَيْ: مُتَكَلِّمَانِ أَوْ وَارِثَانِ (فِي فَرِيضَةٍ) : مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ فَرَائِضِ الْمِيرَاثِ ( «لَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» ) : لِقِلَّةِ الْعِلْمِ أَوْ لِكَثْرَةِ الْفِتْنَةِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

280 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ” رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ.

280 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ» ) : أَيْ: بِالْعَمَلِ وَالتَّعْلِيمِ وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ فِي نَفْسِهِ نَافِعًا ( «كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) : أَيْ: لَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ فِي الْجِهَادِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْخَيْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّشْبِيهُ فِي عَدَمِ النَّفْعِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْإِنْفَاقِ مِنْهُمَا لَا فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَكَيْفَ لَا وَالْعِلْمُ يَزِيدُ بِالْإِنْفَاقِ وَالْكَنْزُ يَنْقُصُ، وَالْعِلْمُ بَاقٍ وَالْكَنْزُ فَانٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

0 Comments

Leave a reply

©[current-year] KLEO Template a premium and multipurpose theme from Seventh Queen