islamship-banner flat

﴿ كتاب الرويا ﴾
۞۞۞۞۞۞۞

كِتَابُ الرُّؤْيَا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
4606 – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ ” قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: ” الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» “.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

كِتَابُ الرُّؤْيَا قَالَ النَّوَوِيُّ: مَقْصُورَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَرْكُهَا تَخْفِيفًا.
قُلْتُ: الصَّوَابُ إِبْدَالُهَا أَوْ تَخْفِيفُهَا، وَأَمَّا تَرْكُهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً.
وَقَالَ الْكَشَّافُ: الرُّؤْيَا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَامِ دُونَ الْيَقَظَةِ، فَلَا جَرَمَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ التَّأْنِيثِ فِيهَا مَكَانَ تَاءِ التَّأْنِيثِ لِلْفَرْقِ، كَمَا قِيلَ فِي الْقُرْبَى وَالْقُرْبَةِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الرُّؤْيَةُ النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالْقَلْبِ، رَأَيْتُهُ رُؤْيَةً وَرُؤْيَا، وَالرُّؤْيَا مَا رَأَيْتَهُ فِي مَنَامِكَ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: الرُّؤْيَا مَصْدَرٌ كَالْبُشْرَى وَالسُّقْيَا وَالشُّورَى، إِلَّا أَنَّهُ صَارَ اسْمًا لِهَذَا الْمُتَخَيَّلِ فِي الْمَنَامِ جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَقَالَ الْمَازَرِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ حَقِيقَةَ الرُّؤْيَا خَلْقُ اللَّهِ فِي قَلْبِ النَّائِمِ اعْتِقَادَاتٍ كَخَلْقِهَا فِي قَلْبِ الْيَقِظَانِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ وَلَا يَقَظَةٌ، وَخَلْقُ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ فِي النَّائِمِ عِلْمٌ عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ تَلْحَقُهَا فِي ثَانِي الْحَالِ كَالْغَيْمِ عَلَى الْمَطَرِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
4606 – (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ) أَيْ: مِنْ أَجْزَائِهَا (إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُشَدَّدَةِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيِ: الْوَحْيُ مُنْقَطِعٌ بِمَوْتِي، وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ، لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهَا.
(قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ، أَيِ: الْحَسَنَةُ أَوِ الصَّادِقَةُ، وَهِيَ مَا فِيهِ بِشَارَةٌ أَوْ تَنْبِيهٌ عَنْ غَفْلَةٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى الصَّالِحَةِ الْحَسَنَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنْ تَجْرِيَ عَلَى الصَّادِقَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا صِحَّتُهَا، وَتَفْسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمُبَشِّرَاتِ عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْبِشَارَةَ كُلُّ خَبَرِ صِدْقٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْخَيْرِ أَكْثَرُ، وَعَلَى الثَّانِي مُؤَوَّلٌ إِمَّا عَلَى التَّغْلِيبِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

4607 – وَزَادَ مَالِكٌ بِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: ” «يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ» “.

4607 – (وَزَادَ مَالِكٌ بِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ) ، أَيْ: لِنَفْسِهِ (أَوْ تُرَى) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يَرَاهَا مُسْلِمٌ آخَرُ (لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِهِ أَوْ لِأَجْلِ مُسْلِمٍ آخَرَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ كَلَامٌ يُكَلِّمُ الْعَبْدَ رَبُّهُ فِي الْمَنَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

islamship banner

✩✩✩✩✩✩✩

4608 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

4608 – (وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ) : هُوَ مَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا.
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ.
وَعِنْدَ النَّوَوِيِّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَهَذِهِ أَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَأَكْثَرُهَا رِوَايَةُ: سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، وَبَقِيَتْ رِوَايَاتٌ أُخَرُ.
كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَفِي جَامِعِ الصَّغِيرِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَسَيَأْتِي رِوَايَاتٌ أُخَرُ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةُ غَيْرُ بَاقِيَةٍ وَعِلْمُهَا بَاقٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ” «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» “.
قُلْتُ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ قَالَ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (” «السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» “) أَيْ: مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ النُّبُوَّةِ.
قُلْتُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، وَفِي رِوَايَةِ الضِّيَاءِ عَنْ أَنَسٍ: «السَّمْتُ الْحَسَنُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، قَالَ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَصَرَ الْأَجْزَاءَ عَلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ ; لِأَنَّ زَمَانَ الْوَحْيِ كَانَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَكَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَذَلِكَ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ سِنِيِّ الْوَحْيِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى سَائِرِهَا نِسْبَةُ جُزْءٍ إِلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا.
قَالَ: وَأَمَّا حَصْرُ سِنِيِّ الْوَحْيِ فِي ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِنَّهُ وَرَدَ بِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُعْتَدُّ بِهَا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا كَوْنُ زَمَانِ الرُّؤْيَا فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَشَيْءٌ قَدَّرَهُ هَذَا الْقَائِلُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُسَاعِدْهُ فِيهِ النَّقْلُ، وَأَرَى الذَّاهِبِينَ إِلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَدْ هَالَهُمُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ قَالَ ” ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ “، وَلَا حَرَجَ عَلَى أَحَدٍ فِي الْأَخْذِ بِظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنَّ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ نُبُوَّةً، كَمَا أَنَّ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا يَكُونُ صَلَاةً، وَكَذَلِكَ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَشُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا وَجْهُ تَحْدِيدِ الْأَجْزَاءِ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ، فَأَرَى ذَلِكَ مِمَّا يُجْتَنَبُ الْقَوْلُ فِيهِ وَيُتَلَقَّى بِالتَّسْلِيمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تُقَابَلُ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فِي: «السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ إِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَقَلَّمَا يُصِيبُ مُؤَوِّلٌ فِي حَصْرِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ، وَلَئِنْ قُيِّضَ لَهُ الْإِصَابَةُ فِي بَعْضِهَا لِمَا يَشْهَدُ لَهُ الْأَحَادِيثُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْهَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ذَلِكَ فِي الْبَقِيَّةِ اهـ.
وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَدْحِهِ فِي كَوْنِ زَمَانِ الرُّؤْيَا فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ رُؤْيَاهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَبْلَ النُّبُوَّةِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
اهـ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ، أَيْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ خَصْلَةً، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقُ مَعَ زِيَادَةِ مَالِكٍ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ اللَّاحِقِ، وَيَنْصُرُهُ أَيْضًا حَدِيثُ: ” «السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» “، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَسْطُورَةِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ بِقَرِينَةِ حَدِيثِ: ” «السَّمْتُ الْحَسَنُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ” كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: ” «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» “.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ النَّجَّارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ” «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» “.

✩✩✩✩✩✩✩

4609 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

4609 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ رَآنِي) أَيْ: مِثَالِي (فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) أَيْ: فَكَأَنَّهُ قَدْ رَآنِي فِي عَالَمِ الشُّهُودِ وَالنِّظَامِ، لَكِنْ لَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ لِيَصِيرَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِيَعْمَلَ بِمَا سَمِعَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِ، أَيْ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِرُؤْيَتِي فِي الْيَقَظَةِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي: فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي تَنْزِيلًا لِلْمُسْتَقْبَلِ مَنْزِلَةَ الْمُحَقَّقِ الْوَاقِعِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ فِي الْمَآلِ، وَقِيلَ: يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَفْقِ مَنَامِهِ بِحَسَبِ مَقَامِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ، أَيْ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَأَخْبِرُوهُ بِأَنَّ رُؤْيَتَهُ حَقِيقَةٌ وَحَقَّةٌ لَيْسَتْ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ.
( «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَثَمَّلُ فِي صُورَتِي» ) : أَرَادَ بِهِ صِفَتَهُ الْمَعْرُوفَةَ لَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي حَيَاتِهِ، وَقِيلَ: مَنْ رَآنِي عَلَى أَيِّ صُورَةٍ كَانَتْ فَقَدْ رَآنِي حَقِيقَةً ; لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَلَا يَتَرَاءَى بِي كَمَا فِي رِوَايَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: لَا يَتَمَثَّلُ بِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ لَا يَتَصَوَّرُ، أَوْ قَالَ: لَا يَتَشَبَّهُ بِي، وَفِي أُخْرَى لَا يَتَمَثَّلُنِي، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ اتَّحَدَا، فَدَلَّ عَلَى التَّنَاهِي فِي الْمُبَالَغَةِ كَمَا يُقَالُ: مَنْ أَدْرَكَ الضَّمَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْمَرْعَى، أَيْ: أَدْرَكَ مَرْعًى مُتَنَاهِيًا فِي بَابِهِ، أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتِي عَلَى كَمَالِهِ لَا شُبْهَةَ وَلَا ارْتِيَابَ فِيمَا رَأَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، أَيْ: فِي الْحَدِيثِ الْآتِي: فَقَدْ رَآنِي الْحَقَّ، وَالْحَقُّ هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَةَ الْحَقِّ، وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ: فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مَفْعُولٌ بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَالتَّتْمِيمِ لِلْمَعْنَى وَالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: مَعْنَاهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ، وَلَا مِنْ تَشْبِيهَاتِ الشَّيْطَانِ أَوْ تَسْوِيلَاتِهِ.
قَالَ: وَقَدْ يَرَاهُ الرَّائِي عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ كَمَنْ يَرَاهُ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ، وَقَدْ يَرَاهُ شَخْصَانِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ.
أَحَدُهُمَا فِي الْمَشْرِقِ، وَالْآخَرُ فِي الْمَغْرِبِ، وَيَرَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ، حَكَاهُ الْمَازَرِيُّ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلِ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ يَرَاهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ، وَلَيْسَ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُهُ حَتَّى يُضْطَرَّ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ قَدْ يُرَى عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ، أَوْ فِي مَكَانَيْنِ مَعًا، فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ فِي صِفَاتِهِ لَا فِي ذَاتِهِ، فَتَكُونُ ذَاتُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرْئِيَّةً وَصِفَاتُهُ مُتَخَيَّلَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، وَالْإِدْرَاكُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحْدِيقُ الْأَبْصَارِ، وَلَا قُرْبُ الْمَسَافَةِ، وَلَا كَوْنُ الْمَرْئِيِّ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ، وَلَا ظَاهِرًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا، فَلَوْ رَآهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَانَ هَذَا مِنْ صِفَاتِهِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا الْمَرْئِيَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ رَآنِي، إِذَا رَآهُ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنْ رُؤِيَ عَلَى خِلَافِهَا كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ لَا رُؤْيَا حَقِيقَةٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ الْمَازَرِيُّ اهـ.
كَلَامُ النَّوَوِيِّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا، فَإِنَّ مُرَادَهُمَا أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا رُؤِيَ عَلَى صِفَتِهِ الْمَسْطُورَةِ، وَهَيْئَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ رَآهُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقَ، وَأَمَّا إِذَا رَآهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ كَمَا إِذَا رَآهُ مَيِّتًا فِي قِطْعَةٍ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ، عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ رَآهُ كَذَلِكَ، فَاحْتَاجَ إِلَى تَأْوِيلٍ وَتَعْبِيرٍ بِمَا قِيلَ أَنَّ تِلْكَ الْقِطْعَةَ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ مَغْصُوبَةٌ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَلَى قَوَاعِدِ شَرْعِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَأَنَّهُ أُمِيتَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ مَا رَآهُ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ فِي مَنَامِهِ الْأَكْرَمِ مِنْ جَمْعِ أَعْظُمِهِ الْمُبَارَكَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ، فَعَبَرَّ لَهُ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّكَ تَصِيرُ إِمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَامِعًا لِمَعَانِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَفَرِّقَةِ بَيْنَ التَّابِعِينَ، وَكَثُرَ أَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فِي رُؤْيَاهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِطَبَقَاتِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَّالِيُّ: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى جِسْمِي وَبَدَنِي، بَلْ رَأَى مِثَالًا صَارَ ذَلِكَ الْمِثَالُ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِي إِلَيْهِ، بَلِ الْبَدَنُ الْجُسْمَانِيُّ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا لَيْسَ إِلَّا آلَةَ النَّفْسِ، وَالْآلَةُ تَارَةً تَكُونُ حَقِيقِيَّةً وَتَارَةً خَيَالِيَّةً، وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالَاتِ الْمُتَخَيَّلَةِ إِذْ لَا يُتَخَيَّلُ إِلَّا ذُو لَوْنٍ أَوْ ذُو قَدْرٍ بَعِيدٍ مِنَ الْمُتَخَيَّلِ أَوْ قَرِيبٍ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَا يَرَاهُ مِثَالُ رُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ النُّبُوَّةِ، فَمَا رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ لَيْسَ هُوَ رُوحُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَا شَخْصُهُ، بَلْ هُوَ مِثَالٌ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَمَعْنَى فَقَدْ رَآنِي مَا رَآهُ صَارَ وَاسِطَةً بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِّ إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ ذَاتُ اللَّهِ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ، وَلَكِنْ تَنْتَهِي تَعْرِيفَاتُهُ إِلَى الْعَبْدِ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مِثَالًا لِلْجَمَالِ الْحَقِيقِيِّ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي لَا صُورَةَ فِيهِ وَلَا لَوْنَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِثَالُ صَادِقًا وَحَقًّا وَوَاسِطَةً فِي التَّعْرِيفِ، فَيَقُولُ الرَّائِي: رَأَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ لَا بِمَعْنَى أَنِّي رَأَيْتُ ذَاتَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ يَرَاهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْضُ النَّاسِ كَأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ، وَيَرَاهُ بَعْضُهُمْ كَأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ أَمْرَدَ، وَوَاحِدٌ كَأَنَّهُ مَرِيضٌ، وَآخَرُ كَأَنَّهُ مَيِّتٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ، ثُمَّ يَكُونُ مَعْنَى الْخَبَرِ أَنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَا جَمْعٌ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ ; لِأَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَاتِ جَمِيعًا، فَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى أَحَدٌ فِي الْمَنَامِ رَبَّهُ عَلَى وَصْفٍ يَتَعَالَى عَنْهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَعْتَقِدُ فِي صِفَتِهِ تَعَالَى ذَلِكَ لَا تَضُرُّهُ تِلْكَ الرُّؤْيَا، بَلْ يَكُونُ لَهَا وَجْهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ، قَالَ الْوَاسِطِيُّ: مَنْ رَأَى رَبَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ عَادَ تَأْوِيلُهُ إِلَى الرَّائِي، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى وَقَارِهِ وَقَدْرِ مَحِلِّهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا رَآهُ شَخْصٌ سَاكِنٌ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَيَكْفِي شَأْنَهُ اهـ.
كَلَامُ الْقُشَيْرِيِّ.
وَهُوَ لُبُّ التَّحْقِيقِ، وَقَدْ نَشَأَ مِنَ التَّوْفِيقِ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْمَنَامِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَنَّهُ رَأَى اللَّهَ تَعَالَى بِكُفْرِهِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي رُؤْيَةِ الْمَنَامِ اخْتِيَارٌ، وَلَمْ يَقَعْ نَصٌّ فِي النَّهْيِ عَنْ ذِكْرِ مِثْلِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِأَنْ لَا يَعْتَقِدَ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى مَا يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا نَزَّهَهُ سُبْحَانَهُ سَوَاءٌ عَلِمَ تَأْوِيلَ رُؤْيَاهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَضُرَّهُ، فَفِي قَاضِيخَانَ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ اللَّهَ فِي الْمَنَامِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ: هَذَا الرَّجُلُ شَرٌّ مِنْ عَابِدِ الْوَثَنِ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ شَرًّا مِنْهُ لِكَوْنِهِ يُثْبِتُ لِلَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ فِي الْهَوِيَّةِ الْأُلُوهِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ، وَصُدُورِ الْمَكَانِ، وَمُرُورِ الزَّمَانِ، وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ عَابِدُ الْوَثَنِ خَالِيًا عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كُفْرُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِشْرَاكِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا مَشَايِخُ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ.
قَالَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ بَاطِلٌ لَا تَكُونُ ; لِأَنَّ مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ لَا يَكُونُ عَيْنَ الْمَوْلَى، بَلْ خَيَالٌ لَهُ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَمَا أَظُنُّ أَنَّ قَوْلَ مَشَايِخِ بُخَارَى يَكُونُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَيَتَحَصَّلُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ عَلَى وَجْهِ مَا رَآهُ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَصْلِهَا لَا حَقَّةَ وَلَا حَقِيقَةَ لِشَأْنِهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِهَا مُطْلَقًا، فَإِذَا قَالَ الشَّخْصُ: رَأَيْتُ مَنَامًا وَيَكُونُ بَاطِلًا فَمَا وَجْهُ تَكْفِيرِهِ، مَعَ أَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ صَادِقٌ فِي رُؤْيَاهُ، وَلَمْ يَكْفُرْ مَنْ يَكْذِبُ وَيَفْتَرِي وَيَنْسُبُ إِلَى عَيْنِهِ مَا لَمْ تَرَهُ.
هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» “، وَذَكَرْنَا تَوْجِيهَاتِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا حَالَ الْيَقَظَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ تَأْوِيلَاتِهِ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى رُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَاةَ الْغَدْوَةِ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، فَلَمَّا صَلَّى الْغَدْوَةَ، قَالَ: ” إِنِّي صَلَّيْتُ اللَّيْلَةَ مَا قُضِيَ لِي وَوَضَعْتُ جَنْبِي فِي الْمَسْجِدِ فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» “.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا: فَعَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْكَالٌ إِذِ الرَّائِي قَدْ يَرَى غَيْرَ الْمُتَشَكَّلِ مُتَشَكَّلًا وَالْمُتَشَكَّلَ بِغَيْرِ شَكْلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ خَلَلًا فِي الرُّؤْيَا، وَلَا فِي الرَّائِي، بَلْ لِأَسْبَابٍ أُخَرَ، وَلَوْلَا تِلْكَ الْأَسْبَابُ لَمَا افْتَقَرَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ إِلَى تَعْبِيرٍ اهـ.
كَلَامُهُ.
وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَرْكُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْسَنُ.
قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، بَلِ التَّحْقِيقُ وَالتَّثْبِيتُ فِيهَا أَفْضَلُ، بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِأَنَّهَا كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ، فَيُحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلِهَا وَتَبْيِينِهَا حَتَّى لَا يَقَعَ الْمُفْتِي فِي تَكْفِيرِ مُسْلِمٍ، وَلَا مُسْلِمٌ فِي كُفْرٍ مِنِ اعْتِقَادٍ بَاطِلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُ الْمَازِرِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَجَّحَ قَوْلُ الْبَاقِلَّانِيِّ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَثْبَتَ الرِّوَايَاتِ هِيَ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقَعَ الْجَزَاءُ مُسَبَّبًا مِنَ الشَّرْطِ، وَيَتَرَتَّبَ عَلَى الْعِلَلِ الْمُعَلَّلَةِ، فَالْمَعْنَى: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ فَلْيَسْتَبْشِرْ، وَلِيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّؤْيَا الْحَقَّ الَّتِي هِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ الْمُبَشِّرَاتُ لَا الْبَاطِلُ، الَّذِي هُوَ الْحُلْمُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَتَمَثَّلْ بِي، وَكَيْفَ لَا تَكُونُ مُبَشِّرَاتٍ وَهُوَ الْبَشِيرُ النَّذِيرُ وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ، وَهُوَ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، فَقَدْ رَآنِي الْحَقَّ، أَيْ رُؤْيَةَ الْحَقِّ لَا الْبَاطِلِ، وَكَذَا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ إِذَا اتَّحَدَا دَلَّ عَلَى الْكَمَالِ وَالْغَايَةِ، أَيْ: فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَا لَيْسَ بَعْدَهَا كَقَوْلِهِ: ” «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، فَهَجَرَتُهُ إِلَى اللَّهِ» “، وَلَا كَمَالَ أَكْمَلُ مِنَ الْحَقِّ كَمَا لَا نَقْصَ أَنْقَصُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْبَاطِلُ هُوَ الْكَذِبُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ، فَحِينَئِذٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تِلْكَ التَّكَلُّفَاتِ وَالتَّمَحُّلَاتِ، وَلَا يَكْشِفُ الْأَسْتَارَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْرَارِ إِلَّا مَنْ تَدَرَّبَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي، وَاعْتَلَى شَامِخَ الْبَيَانِ، وَعَرَفَ كَيْفَ يُؤَلِّفُ الْكَلَامَ وَيُصَنِّفُ، وَيُرَتِّبُ النِّظَامَ وَيَرْصُفُ.
قُلْتُ: هَذَا خُطْبَةٌ بَلِيغَةٌ عَظِيمَةٌ فِيهَا مُبَالَغَةٌ جَسِيمَةٌ وَسِيمَةٌ، لَكِنْ لَا نَعْرِفُ مَا الْمُرَادُ مِنَ التَّكَلُّفَاتِ وَالتَّمَحُّلَاتِ، وَسَائِرُ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَسْتَارِ عَنِ الْأَسْرَارِ الْمُغَيَّبَاتِ، فَإِنَّهُ مَا سَبَقَ إِلَّا كَلَامُ السَّابِقِينَ فِي مَيْدَانِ الْبَلَاغَةِ، وَالْمَصْدَرَيْنِ فِي دِيوَانِ الْفَصَاحَةِ مِنَ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْعَلَمُ الْأَكْمَلُ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَمِنْ شَارِحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ الْإِمَامُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ الْمُشْتَمِلُ كَلَامُهُ عَلَى نَقْلِ مَقُولِ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْمَارِزِيِّ وَكَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ، وَهُمْ عُمْدَةُ الْمُحَقِّقِينَ، وَزُبْدَةُ الْمُدَقِّقِينَ، ثُمَّ خَتَمَ الْمَبْحَثَ بِقَوْلِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْقُشَيْرِيُّ مُقْتَدَى الْأَنَامِ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَنْصَفَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَهُ وَلَمْ يَتَعَسَّفْ، وَمَعَ هَذَا نَقُولُ: التَّسْلِيمُ أَسْلَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

4610 – وَعَنْ أَبَى قَتَادَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

4610 – (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ» ) : الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا ضِدُّ الْبَاطِلِ فَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ خِلَافِهِ هُوَ الْبَاطِلُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ هُنَا الصِّدْقُ الَّذِي ضِدُّهُ الْكَذِبُ، أَيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ رَآنِي لَا غَيْرِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ: فَقَدْ رَآنِي الْحَقَّ، أَيْ: رُؤْيَةَ الْحَقِّ، أَوْ مَعْنَاهُ: فَقَدْ رَأَى رُؤْيَا الْحَقِّ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْهُ بِلَفْظِ: ” «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَرَاءَانِي» “.

✩✩✩✩✩✩✩

islamship-banner flat

4611 – وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

4611 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» ) ، أَيْ: فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُرَادَ بِهِ أَهْلُ عَصْرِهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ وَلَمْ يَكُنْ هَاجَرَ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ لِلْهِجْرَةِ، وَرُؤْيَتِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْيَقَظَةِ عِيَانًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَرَى تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ رُؤْيَةً خَاصَّةً فِي الْقُرْبِ مِنْهُ، وَحُصُولِ شَفَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) : فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِأَنَّ رُؤْيَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ صَحِيحَةٌ، وَكُلُّهَا صِدْقٌ، وَمَنَعَ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَصَوَّرَ فِي خِلْقَتِهِ لِئَلَّا يَكْذِبَ عَلَى لِسَانِهِ فِي النَّوْمِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَادَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْمُعْجِزَةِ، فَكَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ، وَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَبَهَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَلَمْ يُوثَقْ بِمَا جَاءَ بِهِ مَخَافَةً مِنْ هَذَا التَّصْوِيرِ، فَحَمَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ وَوَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ وَكَيْدِهِ.
وَكَذَلِكَ حَمَى رُؤْيَاهُمْ عَنْهُ بِالنَّوْمِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

✩✩✩✩✩✩✩

You Can Do It

4612 – وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

4612 – (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيُضَمُّ، مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ مِنَ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ (مِنَ الشَّيْطَانِ) : أَضَافَهَا إِلَيْهِ لِكَوْنِهَا عَلَى مُرَادِهِ.
وَفِي النِّهَايَةِ: الْحُلْمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّيْءِ الْحَسَنِ، وَغَلَبَ الْحُلْمُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الشَّرِّ، وَالْأَمْرِ الْقَبِيحِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} [يوسف: 44] ، وَيُسْتَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ وَتُضَمُّ لَامُ الْحُلْمِ وَتُسَكَّنُ اهـ.
لَكِنْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بِمَعْنَى: أَخْلَاطُهَا حَيْثُ خُلِطَ بَعْضُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَيْرِ بِبَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَى الشَّرِّ، فَحِينَئِذٍ يَعْجِزُ عَنْهُ أَكْثَرُ الْمُعَبِّرِينَ الَّذِينَ هُمْ لَيْسُوا بِحَاذِقِينَ بِخِلَافِ الْحُلْمِ الْخَاصِّ بِالْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُهُ الْمُعَبِّرُ وَقَدْ يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَلِذَا قَالَ الْمُعَبِّرُونَ فِي زَمَنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ} [يوسف: 44] أَيْ: تِلْكَ الْأَحْلَامِ (بِعَالِمِينَ) ، أَوْ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُعَبِّرُ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَحْلَامِ، وَلِذَا كَادَ أَنْ يَقْرُبَ تَأْوِيلُهُ إِلَى الْمُعْجِزَةِ أَوِ الْكَرَامَةِ، وَلِذَا مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى يُوسُفَ بِقَوْلِهِ: {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 6] وَعَمَّمَ هَذِهِ الْمِنَّةِ عَلَى نَبِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جَمِيعِهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] زَادَهُ تَبْجِيلًا وَتَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَسَيَأْتِي بَعْضُ تَأْوِيلَاتِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِبَعْضِ أَحْلَامِهِ، أَوْ أَحْلَامِ بَعْضِ أَعْلَامِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لِلرُّؤْيَا وَالْحُلْمِ، لَكِنْ جَعَلَ الرُّؤْيَا وَالِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْلَامٌ عَلَى مَا يَسُرُّ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الشَّيْطَانِ مَحْبُوبَةً، وَجَعَلَ مَا هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى مَا يَضُرُّ بِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ مَكْرُوهَةً، فَتُنْسَبُ إِلَى الشَّيْطَانِ مَجَازًا لِحُضُورِهِ عِنْدَهَا، لَا عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَقِيلَ: إِضَافَةُ الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ، وَإِضَافَةُ الْمَكْرُوهَةِ إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ يَرْضَاهَا وَيُسَرُّ بِهَا.
(فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: فَلَا يَحْكِي وَلَا يُخْبِرْ بِهِ.
(إِلَّا مَنْ يُحِبُّ) أَيْ: مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْأَقْرِبَاءِ، وَيَحْمَدَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: «إِذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يُحِبُّ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» .
(وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ) أَيْ: فَلَا يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ، وَلْيَلْتَجِئْ إِلَيْهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِهِ (مِنْ شَرِّهَا) أَيْ: شَرِّ تِلْكَ الرُّؤْيَا الْفَاسِدَةِ (وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ) : أَيِ: الَّذِي يَفْرَحُ بِهَا وَيُلْقِي الْوَسْوَسَةَ إِلَى صَاحِبِهَا.

✩✩✩✩✩✩✩

islamship-banner flat

(وَلْيَتْفُلْ) : بِضَمِّ الْفَاءِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا، أَيْ: يَبْصُقُ (عَنْ يَسَارِهِ) : كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِيَنْفُثْ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ.
قَالَ الْجَزَرِيُّ: التَّفْلُ شَبِيهٌ بِالْبَزْقِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْهُ فَأَوَّلُهُ الْبَزْقُ، ثُمَّ التَّفْلُ، ثُمَّ النَّفْثُ، ثُمَّ النَّفْخُ اهـ.
وَالْمَعْنَى لِيَبْصُقْ مَاءَ فَمِهِ كَرَاهَةَ الرُّؤْيَا وَتَحْقِيرًا لِلشَّيْطَانِ (ثَلَاثًا) : لِلْمُبَالَغَةِ (وَلَا يُحَدِّثْ) : بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى لِيَتْفُلْ، أَيْ: وَلَا يُخْبِرْ (بِهَا أَحَدًا) أَيْ: سَوَاءٌ مِمَّنْ يُحِبُّهُ أَوْ لَا يُحِبُّهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَ النِّعْمَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] ، وَأَمَّا وَقْتَ الْبَلِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ الْعَبْدُ إِلَى مَوْلَاهُ، وَأَنْ يَنْقَطِعَ عَمَّا سِوَاهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127] ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] ، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.
(فَإِنَّهَا) ، أَيِ: الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ (لَنْ تَضُرَّهُ) أَيْ: حِينَئِذٍ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْحَبِيبِ حَبِيبٌ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، فَيَحْصُلُ حِينَئِذٍ الرِّضَا بِجَمِيعِ أَحْوَالِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى لَنْ تَضُرَّهُ: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ التَّعَوُّذِ وَالتَّفْلِ وَغَيْرِهِ سَبَبًا لِسَلَامَتِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ، وَسَبَبًا لِدَفْعِ الْبَلَاءِ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، أَيْ: حَتَّى لَا يُفَسِّرَهَا أَحَدٌ تَفْسِيرًا مَكْرُوهًا عَلَى ظَاهِرِ صُورَتِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، فَوَقَعَتْ كَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَسَيَجِيءُ تَمَامُ الْبَحْثِ فِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَلَفْظُهُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَالرُّؤْيَا السُّوءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكْرَهُ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَةً حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» .

✩✩✩✩✩✩✩

4613 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

testogen

4613 – (وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا) : صِفَةٌ أَوْ حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (فَلْيَبْصُقْ) بِضَمِّ الصَّادِ، أَيْ: لِيَبْزُقْ (عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَمْرُ بِالتَّفْلِ وَالْبَصْقِ طَرْدٌ لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَةَ وَتَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا لِفِعْلِهِ، وَخَصَّ بِهَا الْيَسَارَ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَنَحْوِهِمَا.
(وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: إِلَى جَنْبِهِ الْآخَرِ فِرَارًا مِنَ الْقَضَاءِ إِلَى الْقَدَرِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

✩✩✩✩✩✩✩

4614 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ يَكَدْ يَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَأَنَا أَقُولُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ.
قَالَ: وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ، وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ.
وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

phengold

4614 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ يَكَدْ) أَيْ: لَمْ يَقْرُبْ (يَكْذِبُ) : بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ (رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ) : قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ آخِرَ الزَّمَانِ وَاقْتِرَابَ السَّاعَةِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قَلَّ وَتَقَاصَرَ تَقَارَبَتْ أَطْرَافُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُقْتَصِرِ مُتَقَارِبٌ، وَيَقُولُونَ: تَقَارَبَتْ إِبِلُ فُلَانٍ إِذَا قَلَّتْ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ (فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ) .
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتِوَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِزَعْمِ الْعَابِرِينَ أَنَّ أَصْدَقَ الْأَزْمَانِ لِوُقُوعِ الْعِبَارَةِ وَقْتُ انْفِتَاقِ الْأَنْوَارِ، وَزَمَانُ إِدْرَاكِ الْأَثْمَارِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
ثَالِثُهَا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ.
قَالُوا: يُرِيدُ بِهِ زَمَنَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ، وَبَسْطِ الْعَدْلِ، وَذَلِكَ زَمَانٌ يَسْتَقْصِرُ لِاسْتِلْذَاذِهِ فَيَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ زَمَنُ الدَّجَّالِ وَأَيَّامُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَإِنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ التَّعَبِ وَالْآلَامِ، وَعَدَمِ الشُّعُورِ بِأَزْمِنَةِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، تَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ فِي الْأَعْوَامِ، وَأَيْضًا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ حِينَئِذٍ إِلَى مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَيَسْتَأْنِسُ بِهِ فِي طَرِيقِ مَحْبُوبِهِ، فَيُعَانُ لَهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَشُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ أَرْبَابِ الْوِلَايَةِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي خَبَرِ كَادَ الْمَنْفِيِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا مَنْفِيًّا ; لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدَّاخِلَ عَلَى كَادَ يَنْفِي قُرْبَ حُصُولِهِ، وَالنَّافِي لِقُرْبِ حُصُولِ الشَّيْءِ أَدَلُّ عَلَى نَفْيِهِ نَفْسَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] ، قُلْتُ: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا قَرُبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا» ، كَذَا فِي الْجَامِعِ.
( «وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ) أَيْ: مِنْ أَجْزَائِهَا (فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الذَّالِ، أَيْ: لَا يَكُونُ كَاذِبًا، بَلْ يَقَعُ صَادِقًا.
وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِكْذَابِ، أَيْ: لَا يُنْسَبُ إِلَى الْكَذِبِ.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) : وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (وَأَنَا أَقُولُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ) : كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَشَرْحِهِ لِلْخَطَّابِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ: ثَلَاثَةٌ.
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وَلَعَلَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ كَوْنُ الْمَصْدَرِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
(حَدِيثُ النَّفْسِ) ، كَنِسْبَةِ الْعَاشِقِ وَالْمَعْشُوقِ، وَمِنْهُ قِيلَ: مَا تَرَى الْهِرَّةُ فِي نَوْمِهَا إِلَّا الْفَأْرَةَ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ: كَمَا تَعِيشُونَ تَمُوتُونَ وَكَمَا تَمُوتُونَ تُحْشَرُونَ، وَكُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ.
(وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ) ، أَيْ: بِأَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ وَقْتَهُ الصَّافِيَ فَيُرِيَهُ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قُطِعَ رَأْسُهُ مَثَلًا (وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ: إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلرَّائِي، أَوِ الْمَرْئِيِّ لَهُ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ بَيَانُ أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ فِي مَنَامِهِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَيَجُوزُ تَعْبِيرُهُ، إِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْهَا مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَأْتِيكَ بِهِ مَلَكُ الرُّؤْيَا مِنْ نُسْخَةِ أُمِّ الْكِتَابِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ لَا تَأْوِيلَ لَهَا، وَهِيَ عَلَى أَنْوَاعٍ؛ قَدْ تَكُونُ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ يَلْعَبُ بِالْإِنْسَانِ وَيُرِيهِ مَا يُحْزِنُهُ، وَلَهُ مَكَايِدُ يُحْزِنُ بِهَا بَنِي آدَمَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10] وَمِنْ لَعِبِ الشَّيْطَانِ بِهِ الِاحْتِلَامُ الَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ تَأْوِيلٌ.
قُلْتُ: إِذَا كَانَ رُؤْيَتُهُ عَلَى وَجْهٍ شَرْعِيٍّ قَدْ يُؤَوَّلُ لَهُ بِالزَّوَاجِ عَلَى الْمَرْئِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ كَمَنْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ أَوْ حِرْفَةٍ يَرَى نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ وَالْعَاشِقُ يَرَى مَعْشُوقَهُ (فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْفَاءُ فِيهِ لِلتَّفْرِيعِ وَالتَّفْصِيلِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الطِّيبِيِّ قَوْلُهُ: فَمَنْ تَفْصِيلٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَتَقْسِيمُ ابْنِ سِيرِينَ وَاقِعٌ بَيْنَهُمَا اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ، بَلْ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحِلِّهِ وَلَا ثَمَّةَ دَلَالَةٌ عَلَى مَقُولِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ مَرْفُوعٌ، فَالتَّقْدِيرُ أَنَا أَقُولُ أَيْ: رِوَايَةُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ، فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ثَلَاثَةٌ.
مِنْهَا تَهَاوِيلُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ابْنُ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، أَيْ: فَهِيَ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، هَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لِابْنِ سِيرِينَ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ مِمَّنْ رَوَاهُ أَوْ وَقَعَ لَهُ تَوَارُدًا.
وَقَالَ: هَذَا الْكَلَامُ مُصَادَفَةً وَمُوَافَقَةً لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْطُورِ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثًا آخَرَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ يَحْصُلُ بِهِ تَمَامُ الْمَرَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَلَا يَقُصَّهُ) : بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمَفْتُوحَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا، فَالْأَوَّلُ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ النَّهْيَ وَالنَّفْيَ، لَكِنَّهُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ: لَا يَحْكِيهِ (عَلَى أَحَدٍ) ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُحِبُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةَ فَلْيُفَسِّرْهَا أَوْ لِيُخْبِرْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى الرُّؤْيَا الْقَبِيحَةَ فَلَا يُفَسِّرْهَا وَلَا يُخْبِرْ بِهَا» (وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ) .
يَعْنِي: لِيَدْفَعَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ قِيَامِهِ وَأَدَاءِ صَلَاتِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ نَشِيطًا، وَإِلَّا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، كَمَا سَبَقَ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ وَهُوَ الْأَوْلَى، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْجَزَرِيَّ ذَكَرَ فِي الْحِصْنِ قَوْلَهُ: وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَرَمَزَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ مُوهَمٌ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ فِي الْبُخَارِيِّ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، نَعَمْ هُوَ مَرْفُوعٌ فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ.
(قَالَ) أَيْ: مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ إِعَادَةِ قَالَ طُولُ الْفَصْلِ بِالْمَقَالِ.
(وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ، وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ) .
قِيلَ فَاعِلُ قَالَ إِنْ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَيَكُونُ فَاعِلَ يُقَالُ، وَيَكْرَهُ ضَمِيرٌ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْ ضَمِيرٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – وَضَمِيرُهُمْ فِي تُعْجِبُهُمْ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابِهِ أَوْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُ قَالَ ضَمِيرَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ سِيرِينَ كَانَ مَا بَعْدَهُ مَنْقُولًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَكَانَ فَاعِلُ يَكْرَهُ ضَمِيرَهُ وَضَمِيرَهُمْ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ وَمُعَاصِرِيهِ مِنَ الْمُعَبِّرِينَ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الْأَخِيرَ إِعَادَةُ قَالَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ) ، أَيْ: ثَبَاتُ قَدَمٍ وَرُسُوخُ تَمْكِينٍ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، لَكِنْ لَهُمَا تَرَدُّدٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.

Path-to-Arabic

✩✩✩✩✩✩✩

4615 – قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ يُونُسُ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْقَيْدِ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟ .
وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ، وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: ” وَأَكْرَهُ الْغُلَّ.
” إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ.

4615 – (قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ) أَيِ: الْحَدِيثَ مُطْلَقًا أَوْ بِالْقَيْدِ (قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلَالٍ) أَيْ: كُلُّهُمْ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ: مَرْفُوعًا فِي أَوَّلِهِ وَمَوْقُوفًا فِي آخِرِهِ.
(وَقَالَ يُونُسُ) أَيْ: أَحَدُ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ (لَا أَحْسَبُهُ) أَيْ: لَا أَظُنُّ الْحَدِيثَ (إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْقَيْدِ) ، أَيْ: فِي شَأْنِهِ.
قُلْتُ: وَتَعْبِيرُهُ بِيُقَالُ مِمَّا يَأْبَى أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا.
(وَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي هُوَ) أَيِ: الْقَيْدُ (فِي الْحَدِيثِ) أَيْ: مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ (أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟) أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ.
قُلْتُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، لَا يُقَالُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ، وَيُقَالُ: الْقَيْدُ، بَلْ فِي قَوْلِهِ: وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ ; لِأَنَّنَا نَقُولُ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا لَمَا خُصَّ بِالْقَيْدِ ; لِأَنَّ الْغُلَّ كَذَلِكَ، هَذَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ رَاوِي ابْنِ سِيرِينَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ: وَكَانَ يَكْرَهُ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِرَاوِي ابْنِ سِيرِينَ، فَيَكُونُ اسْمُ كَانَ ضَمِيرَ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ، فَاسْمُهُ ضَمِيرُ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – فَقَوْلُ مُسْلِمٍ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ مَعْنَاهُ: لَا أَدْرِي أَنَّ قَالَ مَقُولٌ لِرَاوِي ابْنِ سِيرِينَ، فَيَكُونُ قَوْلًا لِابْنِ سِيرِينَ، أَوْ يَكُونُ مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ، فَيَكُونُ مِنَ الْحَدِيثِ إِمَّا عَنِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتَارَ يُونُسُ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ، وَاسْمُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلِقَوْلِهِ: لَا أَحْسَبُهُ، أَيْ: قَالَ يُونُسُ فِي شَأْنِ الْقَيْدِ لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلُهُ: وَأَنَا أَقُولُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصَاصِ، وَرَفْعِ التَّوَهُّمِ أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ الثَّلَاثَ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ الَّذِي أُدْرِجَ فِيهِ هَذِهِ الْخِلَالُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ.
قُلْتُ: فِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُمَا أَوْ لِمُسْلِمٍ (نَحْوُهُ) أَيْ: نَحْوُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَعْنَى (وَأُدْرِجَ) أَيْ: أُدْخِلَ وَأُدْمِجَ (فِي الْحَدِيثِ) أَيْ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (قَوْلُهُ: ” وَأَكْرَهُ الْغُلَّ ” إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ) فَيَكُونُ أَكْرَهُ عَطْفًا عَلَى أَقُولُ، فَيَصِيرُ نَصًّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الصَّحِيحُ، وَبِهَذَا التَّبْيِينِ يَتَّضِحُ مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَدْرَجَ الْكُلَّ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: وَيُقَالُ الْقَيْدُ مِنْ أَقْوَالِ الْمُعَبِّرِينَ اهـ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: ” «الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: فَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا تُعْجِبُهُ فَلْيَقُصَّهَا إِنْ شَاءَ، وَإِنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ يُصَلِّي، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ» ” اهـ.
فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَمْ يَتَّضِحْ حَدِيثٌ إِلَّا بِجَمْعِ أَلْفَاظِهِ وَرِوَايَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أُحِبُّ الْقَيْدَ ; لِأَنَّهُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ كَفٌّ مِنَ الْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ وَأَنْوَاعِ الْبَاطِلِ.
قُلْتُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ أَيْضًا إِلَى اخْتِيَارِ الْخَلْوَةِ وَتَرْكِ الْجَلْوَةِ، كَمَا هُوَ شَأْنُ أَرْبَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْخُرُوجِ بِالْأَقْدَامِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِمْ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ.
قَالَ: وَأَبْغَضُ الْغُلَّ ; لِأَنَّ مَوْضِعَهُ الْعُنُقُ، وَهُوَ صِفَةُ أَهْلِ النَّارِ قَالَ تَعَالَى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر: 71] ، قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ مُسْتَثْقَلَةٌ بِالذِّمَّةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ، فَهَذَا الِاسْتِثْقَالُ فِي الدُّنْيَا يُورِثُ الْأَغْلَالَ فِي الْأُخْرَى، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ ; لِأَنَّ الْغُلَّ تَقْيِيدُ الْعُنُقِ وَتَثْقِيلُهُ بِتَحَمُّلِ الدَّيْنِ أَوِ الْمَظَالِمِ، أَوْ كَوْنُهُ مَحْكُومًا وَرَقِيقًا مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ، أَوْ لِأَنَّهُ حَقُّ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا أَهْلُ التَّعْبِيرِ فَقَالُوا: إِذَا رَأَى الْقَيْدَ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ مَشْهَدِ خَيْرٍ، أَوْ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ، فَهُوَ دَلِيلٌ لِثَبَاتِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ رَآهُ مَرِيضٌ، أَوْ مَسْجُونٌ، أَوْ مُسَافِرٌ أَوْ مَكْرُوبٌ، كَانَ دَلِيلًا عَلَى ثَبَاتِهِ فِيهِ.
قُلْتُ: بَلْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى صَبْرِهِ وَثَبَاتِ قَدَمِهِ بِعَدَمِ الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ وَالتَّرَدُّدِ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ، وَبِالْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ: وَإِذَا انْضَمَّ مَعَهُ الْغُلُّ دَلَّ عَلَى زِيَادَةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ.
قُلْتُ: بَلْ لَهُ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ تَخْلِيصِ مَا فِي رَقَبَتِهِ مِنْ قَضَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّوْبَةِ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَأَدَاءِ دُيُونِ الْعِبَادِ، وَاسْتِحْلَالِ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي الْبِلَادِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّؤْيَا مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الرَّائِي، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَالِكًا مِنْ مَسَالِكِ طَرِيقِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ سَائِرًا فِي مَسَائِرِ صِرَاطِ الْعُقْبَى، فَلِكُلٍّ تَأْوِيلٌ يَلِيقُ بِهِ وَيُنَاسِبُ بِحَالِهِ وَمَقَامِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَلِذَا لَمْ يَجْعَلِ السَّلَفُ فِيهِ تَأْلِيفًا مُسْتَقِلًّا جَامِعًا شَامِلًا كَافِلًا لِأَنْوَاعِ الرُّؤْيَا، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي بَعْضِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْقَضَايَا، وَلِذَا لَمْ تَلْقَ مُعَبِّرَيْنِ يَكُونَانِ فِي تَعْبِيرِهِمَا لِشَيْءٍ مُتَّفِقَيْنِ.
قَالَ: وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْيَدَانِ مَغْلُولَتَيْنِ فِي الْعُنُقِ، فَهُوَ حَسَنٌ وَدَلِيلٌ عَلَى فَكِّهِمَا مِنَ الشَّرِّ.
قُلْتُ: وَمَا أَبْعَدَ هَذَا التَّأْوِيلَ.
نَعَمْ قَوْلُهُ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْبُخْلِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِمْسَاكَ الْمَالِيَّ وَالْبُخْلَ الْفَعَّالِيَّ، فَقَوْلُهُ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ مَا نَوَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ مُسْتَدْرَكٌ فِي الْمَآلِ، وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُؤَوَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ إِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمَّا فِيهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: 64] ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ لَهُمْ مِنَ الْأَغْلَالِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ: وَكَانَ يَكْرَهُ الْغُلَّ ; لِأَنَّهُ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَتِ الْيَدَانِ مَعَهُ أَوْ بِدُونِهِ، بَلْ كَوْنُهُمَا مَعَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ كَرَاهَةً، فَكَيْفَ يَكُونُ حَسَنًا.

✩✩✩✩✩✩✩

4616 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ.
قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ: ” إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

4616 – (وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ.
قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ وَهَذَا فِي نُسْخَةٍ.
وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِدُونِهِ قَالَ.
( «فَضَحِكَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ: إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ» ) أَيْ: لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَصِيرُ ضِحْكَةً فَيَحْصُلُ لَهُ الْخَجَالَةُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِمَ أَنَّ مَنَامَهُ هَذَا مِنَ الْأَضْغَاثِ بِوَحْيٍ أَوْ لِدَلَالَةٍ دَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الْأَخِيرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْسُ الْحَدِيثِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْمُعَبِّرُونَ، فَإِنَّهُمْ يُؤَوِّلُونَ قَطْعَ الرَّأْسِ بِمُفَارَقَةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، أَيِ: الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَهُولَةِ.
قَالَ: أَوْ مُفَارَقَةُ قَوْمِهِ وَزَوَالُ سُلْطَانِهِ وَتَغْيِيرُ حَالِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا زِيَادَةُ تَهْوِيلٍ لَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَأَسُهُ وَرَئِيسُهُ سَيِّدُ الْخَلْقِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَدُلُّ عَلَى عِتْقِهِ، أَوْ مَرِيضًا فَعَلَى شِفَائِهِ، أَوْ مَدْيُونًا فَعَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ.
قُلْتُ: لَا يَخْفَى بَعْدَ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ فَعَلَى أَنَّهُ يَحُجُّ، أَوْ مَغْمُومًا فَعَلَى فَرَجِهِ، أَوْ خَائِفًا فَعَلَى أَمْنِهِ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

✩✩✩✩✩✩✩

4617 – وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ” «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُوتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» “.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

4617 – (وَعَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ) : أَيْ فِي جُمْلَةِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ الصَّالِحُ الرُّؤْيَا (كَأَنَّا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ يَعْنِي: أَنَا وَأَصْحَابِي (فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأَتَيْنَا) : أَيْ جِئْنَا (بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ) ، بِالتَّنْوِينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّابَ بِمَعْنَى الطَّيِّبِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى عَدَمِ صَرْفِهِ، وَلَعَلَّهُ رِعَايَةٌ لِأَصْلِهِ، فَإِنَّهُ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
قِيلَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَطَيْبَةُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَطَابَةَ، وَعَذْقُ بْنُ طَابٍ نَخْلٌ بِهَا، أَوِ ابْنُ طَابٍ ضَرْبٌ مِنَ الرُّطَبِ.
(فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ) : أَيِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ رَافِعٌ (لَنَا فِي الدُّنْيَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [المجادلة: 11] (وَالْعَاقِبَةَ) : أَيِ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ عُقْبَةَ (فِي الْآخِرَةِ) : أَيْ لَنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] أَيِ: الْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ لِاشْتِهَارِهَا فِيهَا.
(وَأَنَّ دِينَنَا) : أَيْ مَذُوقَنَا الْمَعْنَوِيَّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ الْمُشَبَّهُ بِالرُّطَبِ (قَدْ طَابَ) أَيْ: كَمُلَ إِحْكَامُهُ وَحَسُنَ زَمَانُهُ وَأَيَّامُهُ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: تَأْوِيلُهُ هَكَذَا قَانُونٌ فِي قِيَاسِ التَّعْبِيرِ عَلَى مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ بِالْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ، كَمَا أَخَذَ الْعَاقِبَةَ مَنْ لَفْظِ عُقْبَةَ، وَالرِّفْعَةَ مِنْ رَافِعٍ، وَطَيِّبَ الدِّينِ مِنْ طَابٍ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَكْرَهُ التَّطَيُّرَ، وَإِلَّا فَالْأَسْمَاءُ وَالْأَلْفَاظُ ذَوَاتُ جِهَاتٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ، فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْدَاءِ يُمْكِنُ أَخْذُ الْعُقُوبَةِ مِنْ عُقْبَةَ، وَرَفْعِهِمْ مِنْ رَافِعٍ، وَطَابَ مَوْتُهُمْ مَنْ طَابٍ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَسْلَكَ الرُّؤْيَا دَقِيقٌ يَحْتَاجُ إِلَى نَوْعِ تَوْفِيقٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَقِبُ وَالْعُقْبَى يَخْتَصَّانِ بِالثَّوَابِ نَحْوَ: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف: 44] ، وَالْعَاقِبَةُ إِطْلَاقُهَا يَخْتَصُّ بِالثَّوَابِ نَحْوَ: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] وَبِالْإِضَافَةِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُقُوبَةِ نَحْوَهُ: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى} [الروم: 10] قُلْتُ: الْعَاقِبَةُ فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ، بَلْ بِمَعْنَى عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ وَنِهَايَةِ قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ، أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُّوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ، نَعَمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل: 51] لَهُ وَجْهٌ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

4618 – وَعَنْ أَبِي مُوسَى – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ.
وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ.
ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

4618 – (وَعَنْ أَبِي مُوسَى – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا) ، أَيْ: فِي تِلْكَ الْأَرْضِ (نَخْلٌ) ، اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنَى نَخِيلٍ! (فَذَهَبَ وَهْلِي) : بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ: وَهْمِي.
قَالَ شَارِحٌ: هُوَ بِسُكُونِ الْهَاءِ يُقَالُ: وَهَلْتُ إِلَيْهِ بِالْفَتْحِ أَهِلُ بِالْكَسْرِ وَهْلًا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَالْوَهَلُ بِالتَّحْرِيكِ الْفَزَعُ.
وَفِي الْقَامُوسِ: وَهِلَ كَفَرِحَ ضَعُفَ وَفَزِعَ فَهُوَ وَهِلٌ كَكَتِفٍ وَعَنْهُ غَلِطَ فِيهِ وَنَسِيَهُ، وَوَهَلَ إِلَى الشَّيْءِ يَوْهَلُ بِفَتْحِهِمَا، وَيَهِلُ وَهْلًا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَيْهِ، وَالْوَهَلُ الْفَزَعُ، وَلَقِيتُهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، وَيُحَرَّكُ أَوْ شَيْءٌ.
وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ سُكُونُهَا، وَضَبَطَهُ الْجَزَرِيُّ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى الْوَهْمِ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَجَزَمَ بِالتَّسْكِينِ، وَالْمَعْنَى: فَمَالَ خَاطِرِي بِأَوَّلِ وَهْلَةٍ.
(إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ) فَفِي الْقَامُوسِ: أَنَّ الْيَمَامَةَ الْقَصْدُ كَالْيَمَامِ وَجَارِيَةٌ زَرْقَاءُ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَبِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهَا، وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا، وَهِيَ أَكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، وَهِيَ دُونُ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ، وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوَهَا وَالنِّسْبَةُ يَمَامِيٌّ (أَوْ هَجَرُ) ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَقَدْ يَنْصَرِفُ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ وَالْمَكَانِ وَالْعَلَمِيَّةِ.
فَفِي الْقَامُوسِ هَجَرُ مُحَرَّكَةٌ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ، وَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ كَبِضْعِ تَمْرٍ إِلَى هَجَرَ، وَقَوْلِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: عَجِبْتُ لِتَاجِرِ هَجَرَ كَأَنَّهُ أَرَادَ لِكَثْرَةِ وَبَائِهِ، أَوْ لِرُكُوبِ الْبَحْرِ قَالَ: وَقَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ (فَإِذَا هِيَ) أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ (الْمَدِينَةُ) أَيْ: طَيِّبَةُ السَّكِينَةِ (يَثْرِبُ) .
بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يَثْرِبُ اسْمُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – طَيْبَةَ وَطَابَةَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا بِيَثْرِبَ لِكَرَاهَةِ لَفْظِ التَّثْرِيبِ، وَسَمَّاهَا لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَقِيلَ خُوطِبَ بِهَا مَنْ يَعْرِفُهَا بِهِ، وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِهَا الشَّرْعِيِّ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الْبَيَانِ فَتَدَبَّرْ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَاقِلًا عَنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِرِوَايَتِهِ، عَنِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا ” «مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ هِيَ طَابَةُ هِيَ طَابَةُ» “.
قُلْتُ: فِي تَكْرَارِهِ مُبَالَغَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى النَّهْيِ لِكَوْنِهِ مِنْ شِعَارِ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، حَيْثُ قَالُوا فِي الْأَحْزَابِ: ” {يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} [الأحزاب: 13] “.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَيْضًا قَدْ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ.
(وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ) بِالزَّاءَيْنِ، أَيْ: حَرَّكْتُ (سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ) أَيْ: وَسَطُ السَّيْفِ (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: تَأْوِيلُهُ (مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ وَهُمْ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ أَوْ لِكَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ أُمَّةً وَسَطًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَإِذَا هُوَ أَصْلُهُ، فَإِذَا تَأْوِيلُهُ فَحُذِفَ الْمُضَافُ الَّذِي هُوَ التَّأْوِيلُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، فَانْقَلَبَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ مَرْفُوعًا (يَوْمَ أُحُدٍ) .
ظَرْفُ أُصِيبَ (ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ) أَيِ: السَّيْفُ حَالَ كَوْنِهِ (أَحْسَنَ مَا كَانَ) ، بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: مِمَّا كَانَ، وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، فَالتَّقْدِيرُ رَجَعَ إِلَى أَحْسَنِ أَكْوَانِهِ (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: تَعْبِيرُهُ (مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ) أَيْ: فَتْحُ مَكَّةَ أَوْ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ ; لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الْفَتْحِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: (وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ) .
فَإِنَّهُ وَقَعَ حِينَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ – وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1 – 2] .
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – السَّيْفَ فَمُطَابِقٌ لِمَا فَسَّرُوا أَنَّ سَيْفَ الرَّجُلِ أَنْصَارُهُ الَّذِينَ يَصُولُ بِهِمْ، كَمَا يَصُولُ بِسَيْفِهِ، وَقَدْ يُفَسَّرُ فِي غَيْرِ هَذَا بِالْوَلَدِ أَوْ بِالْعَمِّ أَوِ الْأَخِ أَوِ الزَّوْجِ.
قُلْتُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَنْصَارِ.
قَالَ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَعَلَى لِسَانِ الرَّجُلِ وَحُجَّتِهِ.
قُلْتُ: هَذِهِ كُلُّهَا مِنَ النُّصْرَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ.
قَالَ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَسْبِ الْقَرَائِنِ.
قُلْتُ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانٍ عَادِلٍ ; لِأَنَّ السَّيْفَ ذُو جِهَتَيْنِ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَّالِيُّ: الْعِلْمُ كَالسَّيْفِ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الدِّينِ وَعَلَى الدُّنْيَا، كَمَا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

4619 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، نَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ» “.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ: ” «يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ» ” لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي ” الصَّحِيحَيْنِ “، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ ” الْجَامِعِ ” عَنِ التِّرْمِذِيِّ.

4619 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ» ) ، أَيْ: أَتَانِي مَلَكٌ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ: عَرَضَ عَلَيَّ الْكُنُوزَ وَأَنْوَاعَ الْأَمْوَالِ، وَقِيلَ: أُتِيَ بِالْخَزَائِنِ حَقِيقَةً إِشَارَةً إِلَى تَمَلُّكِهِ عَلَيْهَا بِفَتْحِ الْبِلَادِ عَنْوَةً وَدَعْوَةً.
قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ: مَلَكَهَا وَفَتَحَ بِلَادَهَا وَأَخَذَ خَزَائِنَ أَمْوَالِهَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
(فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ التَّثْنِيَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي يَدَايَ.
قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى التَّثْنِيَةِ.
(سِوَارَانِ) بِكَسْرِ السِّينِ، أَيْ: قَلْبَانِ (مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: ثَقُلَا (عَلَيَّ) ، أَيْ: لِكَرَاهَةِ نَفْسِي إِلَيْهِمَا (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: فَأَلْهَمَنِي اللَّهُ فِي النَّوْمِ (أَنِ انْفُخْهُمَا) ، بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَأَنْ: هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

أَنْ تَكُونَ نَاصِبَةً، وَالْجَارُّ مَحْذُوفٌ، وَالنَّفْخُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، يُقَالُ: نَفَخْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ (فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا) ، يَعْنِي: بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ (صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ) بِنَصْبِهِمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَجُوِّزَ رَفْعُهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُمَا.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَبَّهَ بِالنَّفْخِ عَلَى اسْتِحْقَارِ شَأْنِ الْكَذَّابَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا يُمْحَقَانِ بِأَدْنَى مَا يُصِيبُهُمَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ حَتَّى يَصِيرَا كَالشَّيْءِ الَّذِي يُنْفَخُ فَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ يَجُزْ، قَالَ: أَلَمْ يُخْزِ التَّفَرُّقُ آلَ كِسْرَى
وَنُفِخُوا فِي مَدَائِنِهِمْ فَطَارُوا أَرَادَ وَأُنْفِخُوا فَخَفَّفَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَنْ رَأَى عَلَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهُ ضِيقٌ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ، وَلَيْسَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فِي الْمَنَامِ مِنَ الْحُلِيِّ شَيْءٌ إِلَّا الْقِلَادَةُ وَالتَّاجُ وَالْعِقْدُ وَالْقُرْطُ وَالْخَاتَمُ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْحُلِيُّ كُلُّهُ زِينَةٌ لَهُنَّ، وَالدَّرَاهِمُ خَيْرٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، أَيْ: لِأَنَّ الْفِضَّةَ بَعْضُهَا حَلَالٌ عَلَى الرِّجَالِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَجْهُ تَأْوِيلِ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ – وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى – أَنَّ السِّوَارَ يُشْبِهُ قَيْدَ الْيَدَ، وَالْقَيْدُ فِيهَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْبَطْشِ وَيَكُفُّهَا عَنِ الِاعْتِمَالِ وَالتَّصَرُّفِ عَلَى مَا يَنْبَنِي، فَيُشَابِهُ مَنْ يَقُومُ بِمُعَارَضَتِهِ، وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَصُدُّهُ عَنْ أَمْرِهِ، وَصَنْعَاءُ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ وَصَاحِبُهَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ تَنَبَّأَ بِهَا فِي آخِرِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مَرَضِ وَفَاةِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ: فَازَ فَيْرُوزُ، وَالْيَمَامَةُ تَقَدَّمَتْ، وَصَاحِبُهَا مُسَيْلِمَةُ قَتَلَهُ الْوَحْشِيُّ قَاتِلُ حَمْزَةَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – اهـ.
وَقِيلَ لَمَّا قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ قَالَ: قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرَّ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلتِّرْمِذِيِّ (يُقَالُ أَحَدُهُمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ) أَيْ: وَثَانِيهِمَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ (صَاحِبُ صَنْعَاءَ) وَفِي الْقَامُوسِ: عَنْسٌ لَقَبُ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ دَاوُدَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ اهـ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ بِإِطْلَاقِ رِوَايَةٍ وَهِيَ مُوهِمَةٌ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا.
وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ: (لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الْجَامِعِ) أَيْ: جَامِعُ الْأُصُولِ (عَنِ التِّرْمِذِيِّ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاعْتِذَارُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْتِزَامَهُ فِي الصِّحَاحِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، إِنَّمَا هُوَ فِي أُصُولِ الْبَابِ لَا فِيمَا يُعْتَضَدُ بِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

✩✩✩✩✩✩✩

4620 – «وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ” ذَلِكِ عَمَلُهُ يُجْرَى لَهُ» “.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

4620 – (وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مِنَ الْمُبَايِعَاتِ رَوَى عَنْهَا خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهِيَ أُمُّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَعُودُهَا فِي مَرَضِهَا (قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) الْحَدِيثَ مُخْتَصَرٌ، وَصَدْرُهُ أَنَّهَا قَالَتْ: «هَاجَرَ عُثْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ فِي مَسْكَنٍ لَنَا، ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ، فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا السَّائِبِ شَهَادَتِي أَنْ قَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” وَمَا يُدْرِيكِ بِإِكْرَامِهِ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ، ثُمَّ قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ الْجُمَحِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَسْلَمَ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقَبَّلَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجْهَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمَّا دُفِنَ قَالَ: ” نِعْمَ السَّلَفُ وَهُوَ لَنَا “، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، رَوَى ابْنُهُ السَّائِبُ وَأَخُوهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، (فِي النَّوْمِ) أَيْ: فِي الْمَنَامِ (عَيْنًا) أَيْ: عَيْنَ مَاءٍ (تَجْرِي) أَيْ: يَجْرِي مَاؤُهَا، وَنِسْبَةُ الْجَرْيِ إِلَى الْعَيْنِ مَجَازٌ فِيهِ مُبَالَغَةٌ.
(فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ (عَمَلُهُ) أَيْ: ثَوَابُ عَمَلِهِ وَجَزَاءُ أَمَلِهِ (يُجْرَى لَهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، أَيْ: يَصِلُ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُرَابِطًا مُهَاجِرًا، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا يَنْمِي لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا ” «كُلَّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ” قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مُعَبَّرًا بِالْعَمَلِ وَجَرَيَانُهُ بِجَرَيَانِهِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسَبَّبٌ عَنِ الْعِلْمِ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

4621 – عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ” مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا ” قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ.
فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: ” هَلْ رَأَى مِنْكُمْ أَحَدٌ رُؤْيَا؟ ” قُلْنَا: لَا.
قَالَ: ” لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدَيَّ، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ، فَيَشُقُّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ، أَوْ صَخْرَةٍ يَشْدَخُ بِهَا رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلَهُ وَاسِعٌ، تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإِذَا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ.
فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ.
فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ، وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا وَسْطَ الشَّجَرَةِ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ مِنْهَا، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، فَقُلْتُ لَهُمَا: إِنَّكُمَا قَدْ طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ.
قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ مَا تَرَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا.
وَالشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ.
وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ.
وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ.
وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ – وَفِي رِوَايَةٍ: مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ قَالَا: ذَلِكَ مَنْزِلُكَ.
قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي.
قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ» ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْمَدِينَةِ فِي ” بَابِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ “.

4621 – (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ، مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا صَلَّى) أَيْ: صَلَاةَ الصُّبْحِ وَفَرَغَ مِنْ أَوْرَادِهِ (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ” مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) عَلَى وَزْنِ فُعْلَى بِلَا تَنْوِينٍ وَيَجُوزُ تَنْوِينُهُ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي الشَّاذَّةِ: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللَّهِ، وَكَذَا رُوِيَ مَنَّوَنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا.
(قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ) أَيْ: رُؤْيَا صَالِحَةً (قَصَّهَا، فَيَقُولُ) أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي تَعْبِيرِهَا (مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: مِمَّا يُلْهِمُهُ فِي جَنَانِهِ وَيُجْرِيهِ عَلَى لِسَانِهِ (فَسَأَلَنَا) أَيْ: هُوَ (يَوْمًا) أَيْ: صَبَاحَ يَوْمٍ (فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟) يَعْنِي: عَلَى عَادَتِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي هَذَا السُّؤَالِ (قُلْنَا: لَا) إِمَّا لَا صَرِيحًا أَوْ سُكُوتًا (قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ؟ قُلْتُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُهِمُّهُ أَنْ يَرَى أَحَدُهُمْ رُؤْيَا يَقُصُّهَا، فَلَمَّا سَأَلَهُمْ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ تِلْكَ قَالَ: أَنْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ مَا يُهِمُّنِي لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ (رَجُلَيْنِ) أَيْ: شَخْصَيْنِ عَلَى صُورَةِ رَجُلَيْنِ (أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ) بِالتَّنْوِينِ (مُقَدَّسَةٍ) ، أَيْ مُطَهَّرَةٍ مُطَيَّبَةٍ، قِيلَ هِيَ أَرْضُ الشَّامِ (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ) أَيْ: وَهُنَاكَ رَجُلٌ (قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُ الْكُلَّابُ أَيْضًا حَدِيدَةٌ مُعْوَجَّةُ الرَّأْسِ تَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ مَعَ شِدَّةٍ فَيُجْذَبُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (مِنْ حَدِيدٍ) ، لِلتَّجْرِيدِ وَقِيلَ لِلتَّأْكِيدِ (يُدْخِلُهُ) أَيِ: الرَّجُلُ الْقَائِمُ، ذَلِكَ الْكَلُّوبَ (فِي شِدْقِهِ) ، أَيْ: فِي جَانِبِ فَمِ الرَّجُلِ الْجَالِسِ.
قَالَ شَارِحٌ: هُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ طَرَفُ شَفَتِهِ مِنْ جَانِبِ الْأُذُنِ (فَيَشُقُّهُ) أَيْ: يَقْطَعُهُ (حَتَّى يَبْلُغَ) أَيْ: يَصِلَ قَطْعُهُ (قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ) أَيْ: يَبْرَأُ (شِدْقُهُ هَذَا) أَيِ: الْمَشْقُوقُ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ ذَاكَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَذَا الثَّانِي، أَيْ يَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، أَوْ وَقَعَ هَذَا مَقَامَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَذْكُورُ مِنَ الشِّدْقَيْنِ (فَيَعُودُ) أَيِ: الرَّجُلُ الْقَائِمُ (فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) أَيْ: فَيَصْنَعُ بِالرَّجُلِ الْجَالِسِ مِثْلَ صُنْعِهِ الْأَوَّلَ (قُلْتُ: مَا هَذَا؟) أَيِ الَّذِي رَأَيْنَاهُ (قَالَا: انْطَلِقْ) ، أَيِ اذْهَبْ وَلَا تَسْأَلْ (فَانْطَلَقْنَا) ، أَيْ جَمِيعًا (حَتَّى أَتَيْنَا) أَيْ: مَرَرْنَا (عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: وَهُنَاكَ رَجُلٌ (قَائِمٌ) : وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِجَرِّهِمَا، وَكَذَا فِي نُسْخَةٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى الْجَزَرِيِّ عَطْفًا عَلَى رَجُلٍ، أَيْ: وَعَلَى رَجُلٍ قَائِمٍ (عَلَى رَأْسِهِ) أَيْ: رَأَسِ الرَّجُلِ الْمُضْطَجِعِ (بِفِهْرٍ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، أَيْ: أَخَذَ بِحَجْرٍ مَلْءَ الْكَفِّ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ هُوَ الْحَجَرُ مُطْلَقًا (أَوْ صَخْرَةٍ) : وَهِيَ الْحَجَرُ الْعَظِيمُ، قِيلَ أَوْ لِلشَّكِّ، وَيُحْتَمَلُ التَّنْوِيعُ، أَيْ: تَارَةً وَتَارَةً (يَشْدَخُ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: يَكْسِرُ وَيَدُقُّ (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْحَجَرِ وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ (رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ) أَيْ: بِالْحَجَرِ عَلَى رَأْسِهِ (تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ) ، أَيْ: تَدَحْرَجَ (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ) أَيْ: فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ (لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا) أَيِ: الْمُضْطَجِعِ (حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ) ، أَيْ: شَدَخَهُ (وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ) ، أَيْ: رَجَعَ مِثْلَ مَا كَانَ أَوَّلًا، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهَا (فَعَادَ إِلَيْهِ) أَيْ: فَرَجَعَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ (فَضَرَبَهُ) ، أَيْ: فَشَدَخَهُ ثَانِيًا (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا) أَيْ: جِئْنَا (إِلَى ثَقْبٍ) : بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ قَافٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمَصَابِيحِ وَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ، فَفِي الْقَامُوسِ الثَّقْبُ النَّقْبُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ: الثَّقْبُ الْخَرْقُ النَّافِذُ وَالثُّقْبَةُ بِالضَّمِّ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هَذَا فِيمَا يَقِلُّ وَيُصَغَّرُ، وَأَمَّا نَقْبُ الْحَائِطِ وَنَحْوُهُ بِالنُّونِ، فَذَلِكَ فِيمَا يَعْظُمُ، هَذَا وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى ثَقْبٍ، بِالْمَعْنَى: مَرَرْنَا عَلَى ثَقْبٍ (مِثْلِ التَّنُّورِ) : بِالْجَرِّ (أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلَهُ وَاسِعٌ) ، الْجُمْلَةُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (تَتَوَقَّدُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ (تَحْتَهُ) أَيْ: تَحْتَ التَّنُّورِ (نَارٌ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْهَا – نُسْخَةُ السَّيِّدِ – نَارًا بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: يَتَوَقَّدُ مَا تَحْتَهُ نَارًا، فَحُذِفَ الْمَوْصُولُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَأُسْنِدَ يَتَوَقَّدُ إِلَى ضَمِيرِ الثَّقْبِ.
(فَإِذَا ارْتَقَتْ) : بِقَافٍ بَيْنَ تَاءَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ اقْتَرَنَتْ، وَفِي بَعْضِهَا أُوقِدَتْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً اهـ.
وَفِي الدِّرَايَةِ نَظَرٌ إِذِ الْمَعَانِي مُقَارِبَةٌ أَيْ فَإِذَا اشْتَعَلَتِ النَّارُ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا ارْتَفَعَتْ مِنَ الرِّفْعَةِ (ارْتَفَعُوا) أَيِ: النَّاسُ الَّذِينَ فِي الثَّقْبِ الْمُشَبَّهِ بِالتَّنُّورِ (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي الْحُمَيْدِيِّ وَالْجَامِعِ، أَيْ: كَادَ خُرُوجُهُمْ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: كَادَ خُرُوجُهُمْ يَتَحَقَّقُ، وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: يَكَادُوا يَخْرُجُوا وَحَقُّهُ بِثَبَاتِ النُّونِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُتَحَمَّلَ، وَيُقَدَّرَ أَنْ يَخْرُجُوا تَشْبِيهًا لِكَادَ بِعَسَى، ثُمَّ حُذِفَ أَنْ وَتُرِكَ عَلَى حَالِهِ (وَإِذَا خَمَدَتْ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ وَيُكْسَرُ، فَفِي الْقَامُوسِ خَمَدَتِ النَّارُ كَنَصَرَ وَسَمِعَ سَكَنَ لَهَبُهَا وَلَمْ يُطْفَأْ جَمْرُهَا (رَجَعُوا) أَيِ: النَّاسُ الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا (فِيهَا) ، أَيْ: فِي قَعْرِهَا لِيَكُونَ الْعَذَابُ أَشَدَّ (وَفِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ النَّارِ (رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ) الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلنَّاسِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: ارْتَفَعُوا، وَتَنْبِيهٌ عَلَى التَّغْلِيبِ فِي الضَّمِيرِ وَتَوْضِيحٌ لِكَشْفِ أَبْدَانِهِمْ، فَإِنَّهُ لِلتَّهْوِيلِ أَوْهَى وَلِلتَّنْفِيرِ أَدْعَى (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ.
فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ (مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ) بِسُكُونِ السِّينِ وَيُحَرَّكُ، وَالْجَارُّ الثَّانِي بَيَانٌ لِلْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ (وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ) أَيْ: طَرَفِهِ (رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ) ، بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ حَجَرٍ (فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ) ، أَيْ: مُرِيدًا لِلْخُرُوجِ (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ وَيَتَخَلَّصَ مِنْهُ (رَمَى الرَّجُلُ) أَيِ: الَّذِي عَلَى الشَّطِّ (بِحَجَرٍ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (فِي فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) ، أَيْ: إِلَى مَكَانِ كَانَ مِنْ وَسْطِ النَّهَرِ (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ وَطَفِقَ (كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) قِيلَ أَصْلُ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهَا كَخَبَرِ كَانَ إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْأَصْلَ وَالْتَزَمَ كَوْنَ الْخَبَرِ مُضَارِعًا، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَتْرُوكِ بِوُقُوعِهِ مُفْرَدًا، كَمَا فِي عَسَيْتُ صَائِمًا، وَجُمْلَةً مِنْ فِعْلِ مَاضٍ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كُلَّمَا كَقَوْلِهِ: فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ، أَيْ: كُلَّمَا جَاءَ قَرِيبًا إِلَى الشَّطِّ لِيَخْرُجَ مِنَ النَّهَرِ.
(رَمَى) أَيِ: الرَّجُلُ (فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى فَجَعَلَ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالِ (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ.
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْمَقْطَعِ، أَيْ: حَتَّى وَصَلْنَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ (إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا) أَيْ: تَحْتَهَا الْمُقَارِبِ إِلَى جِذْعِهَا (شَيْخٌ) أَيْ: عَظِيمٌ (وَصِبْيَانٌ) ، أَيْ: وِلْدَانٌ كَثِيرٌ (وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) : مِنَ الْإِيقَادِ (فَصَعِدَا) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ (بِيَ) : بِالْمُوَحَّدَةِ لِلتَّعْدِيَةِ (الشَّجَرَةَ) ، بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْمَعْنَى: رَفَعَانِي عَلَى الشَّجَرَةِ (فَأَدْخَلَانِي دَارًا وَسْطَ الشَّجَرَةِ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ) أَيْ: كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الدَّارِ (فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ جَمْعُ شَابٍّ (وَنِسَاءٌ) عَطْفٌ عَلَى رِجَالٍ (وَصِبْيَانٌ) أَيْ: وِلْدَانٌ (ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الدَّارِ (فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ) ، أَيِ: الشَّجَرَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا فَأَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ” {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] “، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّجَرَةَ السَّابِقَةَ كَذَلِكَ مَعَ احْتِمَالٍ بَعِيدٍ أَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ خِلَافُ التَّأَدُّبِ مَعَ الشَّيْخِ الْمُفَسَّرِ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمُجْمَلُهُ أَنَّ الشَّجَرَتَيْنِ كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ وَالْمِعْرَاجِ لِلصُّعُودِ فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) أَيْ: مِنْهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ.
يَعْنِي: مِنَ الدَّارِ الْأُولَى وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْجَنَّةِ دَرَجَاتٍ سُفْلِيَّةً وَعُلْوِيَّةً، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ أَعْلَى فَهُوَ أَعْلَى مِنَ الْأَدْنَى (فِيهَا) أَيْ: فِي الدَّارِ الثَّانِيَةِ (شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِمَّا لِقِلَّةِ كَمَالِهِمْ كَمَالَ الرِّجَالِ، أَوْ لِقِلَّةِ وُجُودِ الْكَمَالِ فِيهِنَّ بِخِلَافِ الرِّجَالِ، وَلِذَا قَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» “.
عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ عَنْ بَيَانِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ; لِأَنَّهُمْ إِنْ وُجِدُوا فِيهَا فَيَكُونُ بِالتَّبَعِيَّةِ لَا بِالْأَصَالَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَقُلْتُ لَهُمَا: إِنَّكُمَا قَدْ طَوَّفْتُمَانِي) : بِالْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ بِالنُّونِ، أَيْ: دَوَّرْتُمَانِي وَفَرَّجْتُمَانِي (اللَّيْلَةَ) : وَقَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً وَأُمُورًا عَجِيبَةً بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ (فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ) أَيْ: تَفْصِيلًا وَتَفْسِيرًا (فَقَالَا: نَعَمْ) .
فِي الْمُغْنِي: نَعَمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكِنَانَةُ تَكْسِرُهَا، وَبِهَا قَرَأَ الْكِسَائِيُّ، وَبَعْضُهُمْ يُبْدِلُهَا هَاءً، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهِيَ حَرْفُ تَصْدِيقٍ وَوَعْدٍ وَإِعْلَامٍ، فَالْأَوَّلُ بَعْدَ الْخَبَرِ كَقَامَ زَيْدٌ، وَالثَّانِي بَعْدَ افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ، وَالثَّالِثُ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوُ: (” {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: 44] “) ، (” إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا “) وَلَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مَعْنَى الْإِعْلَامِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ قَالَ: وَأَمَّا نَعَمْ فَعِدَةٌ وَتَصْدِيقٌ (أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُقْطَعُ (شِدْقُهُ) أَيْ: طَرَفُ فَمِهِ إِلَى قَفَاهُ (فَكَذَّابٌ) ، أَيْ: فَهُوَ كَثِيرُ الْكَذِبِ (يُحَدِّثُ) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِقُبْحِ فِعْلِهِ (بِالْكَذْبَةِ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ لِلْمَرَّةِ وَبِكَسْرِ أَوَّلِهَا لِلنَّوْعِ (فَتُحْمَلُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: فَتُرْوَى وَتُنْقَلُ تِلْكَ الْكِذْبَةُ عَنْهُ (حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ) أَيْ: حَتَّى تُنْشَرَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ (فَيُصْنَعُ) أَيْ: لِذَلِكَ (مَا تَرَى) أَيْ: مَا رَأَيْتَ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ: صُنْعًا مُسْتَمِرًّا (وَالَّذِي) أَيْ: وَأَمَّا الَّذِي (رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ) أَيْ: وَفَّقَهُ لِتَعَلُّمِهِ (فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ) أَيْ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي اللَّيْلِ وَإِنَّمَا خُصَّ بِهِ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا – إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} [المزمل: 6 – 7] ، (وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ بِالنَّهَارِ) ، أَيْ: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} [العنكبوت: 45] أَيِ اقْرَأْ وَاتَّبِعْ (يُفْعَلُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ مَعَ مَا أُعْطِيَ مِنَ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ، وَهِيَ عِلْمُ الْقُرْآنِ كَانَ غَافِلًا عَنْ تَأْوِيلَاتِهِ، وَرُبَّمَا جُرَّ إِلَى نِسْيَانِهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يَكُنْ عَامِلًا بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَلِذَا وَرَدَ مَعْنَاهُ: إِنَّ مَنْ عَمِلَ بِالْقُرْآنِ فَكَأَنَّهُ دَائِمًا يَتْلُو الْقُرْآنَ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ دَائِمًا وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبَدًا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ فَنَامَ عَنْهُ، أَيْ: أَعْرَضَ عَنْهُ.
وَعَنْ هُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] أَيْ: سَاهُونَ سَهْوَ تَرْكٍ لَهَا، وَقِلَّةَ الْتِفَاتٍ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُنَافِقِينَ وَالْفَسَقَةِ.
قُلْتُ: وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ مَا قَالَ فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، قَالَ: فَمَعْنَى نَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ: أَنَّهُ لَمْ يَتْلُهُ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَيَذَرَ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مِثْلَ الْمُنَافِقِينَ وَالْفَسَقَةِ، فَإِذَا كَانَ حَالُهُ بِاللَّيْلِ هَذَا فَلَا يَقُومُ بِهِ فَيَعْمَلُ بِالنَّهَارِ بِمَا فِيهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا مَنْ نَامَ مِنْ غَيْرِ أَنَّ يَتَجَافَى عَنْهُ لِتَقْصِيرٍ أَوْ عَجْزٍ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

(وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ) : بِتَقْدِيرِ: أَمَّا، وَلِذَا قَالَ (فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) .
مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (وَالشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ) .
جُمْلَةٌ أُخْرَى (وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ) : بِالْفَاءِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ مَا فِي صَدْرِ الْكَلَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مُطَابِقٌ لِلْجُمَلِ السَّابِقَةِ الَّتِي تَلِيهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَوْلَادُ النَّاسِ جَازَ دُخُولُهُ عَلَى الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَدْخُولٍ، أَمَّا فِي قَوْلِهِ: أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ، وَحُذِفَ الْفَاءُ فِي بَعْضِ الْمَعْطُوفَاتِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَمَّا لَمَّا حُذِفَتْ حُذِفَ مُقْتَضَاهَا وَكِلَاهُمَا جَائِزَانِ.
(وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ.
وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ) أَيْ: أَوَّلًا (دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ) ، أَيْ: عَوَامِّهِمْ أَوَ أَكْثَرِهِمْ (وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) ، أَيْ: خَوَاصُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ مِدَادَ الْعُلَمَاءِ يُرَجَّحُ عَلَى دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالشُّهَدَاءِ أَرْبَابُ الْحُضُورِ مَعَ الْمَوْلَى فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَامَّةِ مَنْ غَالِبُ أَحْوَالِهِمُ الْغَفْلَةُ وَالْغَيْبَةُ عَنِ الْحَضْرَةِ.
(وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ) ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَفْضَلُ الْمَلَائِكَةِ جِبْرِيلُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ) أَيْ: فِي غَايَةٍ مِنَ الِارْتِفَاعِ وَنِهَايَةٍ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، أَوْ يَطْمَعَ فِيهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَدَدٌ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: مِثْلُ الرَّبَابَةِ) : وَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ السَّحَابَةُ الَّتِي رَكِبَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ (الْبَيْضَاءِ: قَالَا ذَلِكَ) أَيْ: هَذَا (مَنْزِلُكَ) .
وَلَعَلَّ الْعُدُولَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى عُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ، وَبُعْدِ الْوُصُولِ إِلَى تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) (قُلْتُ: دَعَانِي) أَيِ: اتْرُكَانِي (أَدْخُلْ) : بِالْجَزْمِ وَيُرْفَعُ (مَنْزِلِي) أَيِ: الْآنَ لِأَرَى تَفْصِيلَ مَا لِيَ (قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: زَمَانٌ مِنْ جُمْلَةِ الْعُمُرِ (لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ) أَيْ: مَا اسْتَكْمَلْتَهُ إِلَى الْآنِ (فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا اسْتَكْمَلْتَهُ (أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ بَعْدَ سَلَامِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ السُّؤَالِ عَلَى الرُّؤْيَا، وَعَلَى مُبَادَرَةِ الْمُعَبِّرِ إِلَى تَأْوِيلِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ قَبْلَ أَنْ يَتَشَعَّبَ ذِهْنُهُ بِاشْتِغَالِهِ فِي مَعَاشِهِ فِي الدُّنْيَا ; وَلِأَنَّ عَهْدَ الرَّائِي قَرِيبٌ وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُشَوِّشُهَا ; وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، كَالْحَثِّ عَلَى خَيْرٍ، وَالتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَنَّ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ فِي جُلُوسِهِ لِلْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِ جَائِزٌ.
قُلْتُ: هُوَ لِلْعِلْمِ أَفْضَلُ إِنْ لَمْ يُتَصَوَّرِ الِاسْتِقْبَالُ مَعَ الْإِقْبَالِ، وَفِي الْخُطْبَةِ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُهُ فِي غَيْرِهِمَا فَمُسْتَحَبٌّ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: ” «أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ» “.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْمَدِينَةِ فِي بَابِ حُرْمَةِ الْمَدِينَةِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
4622 – عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ “.
وَأَحْسِبُهُ قَالَ: ” لَا تُحَدِّثْ إِلَّا حَبِيبًا أَوْ لَبِيبًا» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ” «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ، فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ “.
وَأَحْسِبُهُ قَالَ: ” وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ» “.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
4622 – (عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ) : بِالتَّصْغِيرِ وَاسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرِ بْنِ صَبِرَةَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَهِيَ) أَيْ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ أَوِ الرُّؤْيَا مُطْلَقًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ بَعْضُ الْأَثَرِ (عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ) : هَذَا مَثَلٌ فِي عَدَمِ تَقَرُّرِ الشَّيْءِ، أَيْ: لَا تَسْتَقِرُّ الرُّؤْيَا قَرَارًا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّهَا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ بِرِجْلِ الطَّائِرِ لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا (مَا لَمْ يُحَدِّثْ) أَيْ: مَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْمُؤْمِنُ أَوِ الرَّائِي (بِهَا) ، أَيْ: بِتِلْكَ الرُّؤْيَا أَوْ تَعْبِيرِهَا (فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ) أَيْ: تِلْكَ الرُّؤْيَا عَلَى الرَّائِي يَعْنِي: يَلْحَقُهُ حُكْمُهَا، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ كُلُّ حَرَكَةٍ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ جَارٍ مَجْرَاهَا، فَهُوَ طَائِرٌ مَجَازًا أَرَادَ عَلَى رِجْلِ قَدَرٍ جَارٍ وَقَضَاءٍ مَاضٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَسْتَقِرُّ تَأْوِيلُهَا حَتَّى تُعْبَرَ؛ يُرِيدُ أَنَّهَا سَرِيعَةُ السُّقُوطِ إِذَا عُبِرَتْ، كَمَا أَنَّ الطَّيْرَ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ، فَكَيْفَ مَا يَكُونُ عَلَى رِجْلِهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّرْكِيبُ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، شَبَّهَ الرُّؤْيَا بِالطَّيْرِ السَّرِيعِ طَيَرَانُهُ، وَقَدْ عُلِّقَ عَلَى رِجْلِهِ شَيْءٌ يَسْقُطُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ لِلْمُشَبِّهِ حَالَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِهَذِهِ الْحَالَاتِ، وَهِيَ أَنَّ الرُّؤْيَا مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى مَا يَسُوقُهُ التَّقْدِيرُ إِلَيْهِ مِنَ التَّعْبِيرِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْوَاقِعِ قُيِّضَ، وَأُلْهِمَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِتَأْوِيلِهَا عَلَى مَا قُدِّرَ فَيَقَعُ سَرِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ لَمْ يُقَدَّرْ لَهَا مَنْ يَعْبُرُهَا.
(وَأَحْسِبُهُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: أَظُنُّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (قَالَ: لَا تُحَدِّثْ) : بِصِيغَةِ نَهْيِ الْمُخَاطَبِ كَأَنَّهُ خِطَابٌ لِلرَّاوِي أَوْ لِمُطْلَقِ الرَّائِي، أَيْ: لَا تُخْبِرْ بِرُؤْيَاكَ (إِلَّا حَبِيبًا) أَيْ: مُحِبًّا لَا يَعْبُرُ لَكَ إِلَّا بِمَا يَسُرُّكَ (أَوْ لَبِيبًا) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، أَيْ: عَاقِلًا، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعَبَّرَ بِالْمَحْبُوبِ أَوْ يُسْكَتَ عَنِ الْمَكْرُوهِ، وَلِذَا قِيلَ: عَدُوٌّ عَاقِلٌ خَيْرٌ مِنْ صَدِيقٍ جَاهِلٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِاللَّبِيبِ الْعَالِمُ فَيُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ، أَوْ ذِي رَأْيٍ وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ، وَكَذَا هُمْ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ، فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا تَحَدَّثَ بِهَا سَقَطَتْ، وَلَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا» .
(وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْهُ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِدُونِ قَوْلِهِ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: (قَالَ: الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ) ، عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَبِتَخْفِيفِ الْبَاءِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَيْ: مَا لَمْ تُفَسَّرْ (فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ وَأَحْسِبُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (قَالَ: وَلَا تَقُصَّهَا) : بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُشَدَّدَةِ وَجُوِّزَ ضَمُّهَا، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّهْيُ أَوِ النَّفْيُ مَعْنَاهُ النَّهْيُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الصَّرْفِيِّينَ يَجِبُ الْفَتْحُ فِي نَحْوِ: رَدَّهَا ; لِأَنَّ الْهَاءَ – لِخَفَائِهَا كَالْعَدَمِ، وَكَأَنَّ الْأَلِفَ وَاقِعَةٌ بَعْدَ الدَّالِّ، فَإِنَّمَا هُوَ بِخُصُوصِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ صِيغَةٌ غَيْرُ مُشْتَرَكَةٍ بِخِلَافِ نَحْوِ لَا تَرُدُّهَا وَلَا تَرُدُّهُ فَتَدَبَّرْ، وَخُذْ مَا صَفَا وَدَعْ مَا تَكَدَّرَ، وَالْمَعْنَى: لَا تَعْرِضْ رُؤْيَاكَ (إِلَّا عَلَى وَادٍّ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مُحِبٍّ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُكَ فِي تَفْسِيرِهَا إِلَّا بِمَا تُحِبُّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يُشْبِهُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ لَا يُحِبُّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْبُغْضُ وَالْحَسَدُ عَلَى تَفْسِيرِهَا بِمَكْرُوهٍ فَيَقَعُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، فَفُسِّرَتْ بِأَحَدِهِمَا وَقَعَتْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرُ الرُّؤْيَا مَكْرُوهًا، وَتَفْسِيرُهَا مَحْبُوبٌ وَعَكْسُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِهِ.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِتَخْصِيصِ الرَّائِي أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ الْبَغِيضَ لَهُ أَوِ الْحَسُودَ عَلَيْهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِفْعَةِ شَأْنِهِ، وَعَظَمَةِ جَاهِهِ، وَكَثْرَةِ مَالِهِ، وَمَذَلَّةِ أَعْدَائِهِ، وَمَعَزَّةِ أَحِبَّائِهِ رُبَّمَا يَجْتَهِدُ فِي دَفْعِهِ أَوَّلًا، وَيَمْكُرُ فِي خَفْضِ دَفْعِهِ ثَانِيًا بِتَعْبِيرٍ يَجُرُّ إِلَى تَغْيِيرٍ أَوْ تَعْيِيرٍ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يَعْقُوبَ وَصِيَّةً لِيُوسُفَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ” {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف: 5] ” (أَوْ ذِي رَأْيٍ) أَيْ: عَاقِلٍ أَوْ عَالِمٍ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ ذُو عِلْمٍ بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا، فَإِنَّهُ يُخْبِرُكَ بِحَقِيقَةِ تَفْسِيرِهَا، أَوْ بِأَقْرَبِ مَا يَعْلَمُ مِنْهُ لَا أَنَّ تَعْبِيرَهُ يُزِيلُهَا عَمَّا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَهُ التَّخَيُّرُ فِيمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ – وَلَا يَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ، أَيْ: ذِي رَأْيٍ – وَالْأَقْضِيَةُ لَا تُرَدُّ بِالتَّوَقِّي عَنِ الْأَسْبَابِ، وَلَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِاخْتِلَافِ الدَّوَاعِي، قُلْنَا: هُوَ مِثْلُ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالسَّلَامَةِ وَالْآفَةِ الْمَقْضِيِّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِصَاحِبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أُمِرَ الْعَبْدُ بِالتَّعَرُّضِ لِلْمَحْمُودِ مِنْهَا، وَالْحَذِرِ عَنِ الْمَكْرُوهِ مِنْهَا.

✩✩✩✩✩✩✩

4623 – وَعَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ وَرَقَةَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ» “.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

4623 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ وَرَقَةَ) : بِفَتَحَاتٍ، أَيِ: ابْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيِّ ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِهِ فِيهِ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا، كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ أَبَا جَهْلٍ فِي التَّابِعِينَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ إِجْمَاعًا، نَعَمْ وَرَقَةُ أَدْرَكَ أَوَّلَ النُّبُوَّةِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَابِ بَدْءِ الْوَحْيِ، وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمْ لَا؟ (فَقَالَتْ) : بَيَانُ السُّؤَالِ وَالسَّائِلِ (لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِ وَرَقَةَ وَتَحْقِيقِ أَمْرِهِ (خَدِيجَةُ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ أَوْ أَنَّ وَرَقَةَ (كَانَ) أَيْ: قَبْلَ حَيَاتِهِ (قَدْ صَدَّقَكَ) ، بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فِي نُبُوَّتِكَ (وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) ، أَيْ: قَبْلَ ظُهُورِكَ لِلْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ قَدْ تَمَنَّى لُحُوقَهَا.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُرِيتُهُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: أَرَانِيهِ اللَّهُ (فِي الْمَنَامِ) : وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ لِلْأَنْبِيَاءِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِنِي وَحْيٌ جَلِيٌّ، وَدَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، لَكِنْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ.
(وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ) .
وَكَأَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَبَّرَ ثَوْبَهُ عَلَيْهِ بِدِينِهِ، وَأَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، وَقَدْ قَالَتِ الصُّوفِيَّةُ: مَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ؟ قُلْتُ: أَدْخَلَتْ خَدِيجَةُ كَلَامَهَا بَيْنَ سُؤَالِ السَّائِلِ وَجَوَابِهِ اسْتِشْعَارًا مِنْهَا بِأَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُجِيبُ بِمَا تَكْرَهُهُ، أَوِ اسْتِذْكَارًا لِمَا عَرَفَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ حَالِ وَرَقَةَ ; لِأَنَّ وَرَقَةَ كَانَ ابْنَ عَمِّهَا.
يَعْنِي: إِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ دَعْوَتِكَ لِيُصَدِّقَكَ، وَيَأْتِيَ بِالْأَعْمَالِ عَلَى مُوجِبِ شَرِيعَتِكَ، لَكِنْ صَدَّقَكَ قَبْلَ مَبْعَثِكَ اهـ.
فَانْظُرْ إِلَى الْمَحَلَّيْنِ وَاخْتَرِ الْأَحْلَى مِنَ الْخِلَّيْنِ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

4624 – وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، «عَنْ عَمِّهِ أَبِي خُزَيْمَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – أَنَّهُ رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ وَقَالَ: ” صَدِّقْ رُؤْيَاكَ ” فَسَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ» .
رَوَاهُ فِي ” شَرْحِ السُّنَّةِ “.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ: كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ.
فِي بَابِ: ” مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – ”
4624 – (وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ) : بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ زَاءٍ.
(ابْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي خُزَيْمَةَ) ، أَيْ: أَخِي خُزَيْمَةَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ يُكَنَّى أَبَا عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْأَوْسِيَّ، يُعْرَفُ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، كَانَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّينَ، فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ جَرَّدَ سَيْفَهُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُمَارَةُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا خُزَيْمَةَ فِي أَسْمَائِهِ لَكِنْ ذَكَرَ وَلَدَ أَخِيهِ عُمَارَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ وَجَمَاعَةٍ، وَعُمَارَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَفِي صُحْبَتِهِ تَرَدُّدٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُزَيْمَةَ هُنَا هُوَ عُمَارَةُ (أَنَّهُ) أَيْ: عَمَّهُ أَبَا خُزَيْمَةَ ( «رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ وَقَالَ: صَدِّقْ رُؤْيَاكَ» ) : أَمْرٌ مِنَ التَّصْدِيقِ أَيِ: اعْمَلْ بِمُقْتَضَاهَا.
قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنْ رَأَى رُؤْيَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا فِي الْيَقَظَةِ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا شَيْئًا فِيهِ طَاعَةٌ مِثْلَ أَنْ يَرَى أَحَدٌ أَنْ يُصَلِّيَ، أَوْ يَصُومَ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ يَزُورَ صَالِحًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ) ، بِالتَّاءِ (كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الرُّؤْيَا (كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) .
أَيْ: إِلَى آخِرِهِ (فِي بَابِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مُنَاسِبَةٌ بِهَذَا الْمَقَامِ بِاعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الْمَنَامِ وَتَعْبِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِلشَّيْخَيْنِ رَأَى الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْمَنَاقِبِ فَأَخَّرَ وَاعْتَذَرَ فَتَدَبَّرْ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
4625 – عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِمَّا يَكْثُرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: ” هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ ” فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: ” إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا.
وَذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بِطُولِهِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ” فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ، فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ.
قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا، مَا هَؤُلَاءِ؟ ” قَالَ: ” قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَا أَحْسَنَ “.
قَالَ: ” قَالَا لِيَ: ارْقَ فِيهَا “.
قَالَ: ” فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ؛ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ “.
قَالَ: ” قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا، فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ “.
قَالَ: ” وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ “.
وَذَكَرَ فِي تَفْسِيرٍ هَذِهِ الزِّيَادَةَ: ” وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ “.
قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ قَدْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا.
تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ» “.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
4625 – (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِمَّا يَكْثُرُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَاعِلُهُ (أَنْ يَقُولَ) : وَمَا مَوْصُولَةٌ أَيْ: كَانَ مِنَ الْفَرِيقِ الَّذِي يَكْثُرُ قَوْلُهُ، وَفَى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الثَّاءِ فَفِيهِ ضَمِيرُ فَاعِلٍ رَاجِعٌ إِلَى مَا، وَمَفْعُولُهُ أَنْ يَقُولَ وَاللَّامُ فِي (لِأَصْحَابِهِ) : لِلْمُشَافَهَةِ وَالْمَقُولُ (هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا) ؟ أَيْ: شَيْئًا مِنْهَا، وَاقْتَصَرَ الطِّيبِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – عَلَى الْإِعْرَابِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ مِمَّا يَكْثُرُ خَبَرُ كَانَ، وَمَا مِمَّا مَوْصُولَةٌ وَيَكْثُرُ صِلَتُهُ، وَالضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى مَا فَاعِلُ يَقُولُ، وَأَنْ يَقُولَ فَاعِلُ يَكْثُرُ، وَهَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ هُوَ الْمَقُولُ، أَيْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ زُمْرَةِ الَّذِينَ كَثُرَ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ، فَوَضَعَ ” مَا ” مَوْضِعَ ” مِنْ ” تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا لِجَانِبِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] وَ (” {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ} [الزخرف: 13] “) قُلْتُ: التَّعْظِيمُ وَالتَّفْخِيمُ ظَاهِرٌ بَاهِرٌ فِي الْآيَتَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِمَا فِيهَا مَعْنَى الصِّفَةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الصَّنْعَةِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ مَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى إِرَادَةِ التَّفْخِيمِ، فَخَارِجٌ عَنْ صُورَةِ التَّسْلِيمِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
(فَيَقُصُّ) : بِالرَّفْعِ، أَيْ: فَهُوَ يَقُصُّ (عَلَيْهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَقُولُ وَفَاعِلُهُ (مَنْ شَاءَ اللَّهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ مَا شَاءَ، أَيِ: الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ (أَنْ يَقُصَّ) ، أَيْ: عَلَيْهِ (وَإِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَيِ: الشَّأْنُ (قَالَ لَنَا) أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (ذَاتَ غُدْوَةٍ) أَيْ: صُبْحَ يَوْمٍ (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ) ، تَثْنِيَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ أَتَى، أَيْ: شَخْصَانِ أَوْ مَلَكَانِ جَاءَيَانِي (وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) أَيْ: أَثَارَانِي وَأَذْهَبَانِي، وَأَمَّا مَا قِيلَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَيْقَظَانِي مِنَ الْمَنَامِ فَلَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ (وَإِنَّهُمَا قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّهُمَا قَالَا أَيْ: حَصَلَ مِنْهُمَا الْقَوْلُ وَمِنِّي الِانْطِلَاقُ، وَذَكَرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِنَّ الْمُؤَكِّدَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَحْقِيقًا لِمَا رَآهُ، وَتَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ ” «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» “.

✩✩✩✩✩✩✩

(وَذَكَرَ) أَيْ: سَمُرَةُ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ (مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ) أَيْ: عَنْهُ (فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بِطُولِهِ) ، أَيْ بِطُولِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (وَفِيهِ) : – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَيْ: فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ هَذَا (زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ) أَيِ: الزِّيَادَةُ (قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُهُ (فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، مِنَ الْعَتَمَةِ شِدَّةِ الظَّلَامِ، فَوَصَفَهَا بِشِدَّةِ الْخُضْرَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ؛ كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: طَوِيلَةُ النَّبَاتِ، يُقَالُ: اعْتَمَ النَّبْتُ إِذَا طَالَ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي النِّهَايَةِ أَعْتَمَ يَعْتِمُ دَخَلَ فِي عَتَمَةِ اللَّيْلَةِ، وَهِيَ ظُلْمَتُهُ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا يَدُورُ جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الرَّوْضَةِ (مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ) ، بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ: زَهْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالرَّبِيعِ الْفَصْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ) أَيْ: فِي وَسَطِهَا وَالظَّهْرُ مُقْحَمٌ، وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَحَقُّقِ الْوَسَطِ (رَجُلٌ طَوِيلٌ) ، أَيْ ذُو طُولٍ عَظِيمٍ (لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا) : نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ (فِي السَّمَاءِ) ، أَيْ: فِي جِهَتِهَا وَهُوَ تَأْكِيدٌ وَإِلَّا فَالطُّولُ مُقَابِلٌ لِلْعَرْضِ (وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ (مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ) : الظَّاهِرُ أَنَّ ” مِنْ ” زَائِدَةٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَخْفَشُ مِنْ تَجْوِيزِ زِيَادَةِ مِنْ فِي الْإِثْبَاتِ (قَطُّ) .
بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ، وَيُضَمُّ وَيُخَفَّفَانِ وَيَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ مَاضِيًا، وَفِي مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ: جَاءَ بَعْدَ الْمُثْبَتِ مِنْهَا فِي الْكُسُوفِ أَطْوَلُ صَلَاةً صَلَّيْتُهَا قَطُّ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: تَوَضَّأَ ثَلَاثًا قَطُّ، وَأَثْبَتَهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي الشَّوَاهِدِ لُغَةً قَالَ: وَهَى مِمَّا خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النُّحَاةِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُ التَّرْكِيبِ وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ وِلْدَانٌ مَا رَأَيْتُ وِلْدَانًا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْهُمْ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَمَّا كَانَ التَّرْكِيبُ مُتَضَمِّنًا لِمَعْنَى النَّفْيِ جَازَ زِيَادَةُ مِنْ وَقَطُّ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ حَارِثَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ” وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ» “.
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا} [البقرة: 249] عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ هَذَا مِنْ مَيْلِهِمْ مَعَ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّفْظِ جَانِبًا، وَهُوَ بَابٌ جَلِيلٌ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مَشْرَبُ الصُّوفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الْكَلَامَ فِي إِعْرَابِ الْمَبَانِي يَشْغَلُ عَنْ إِعْرَابِ الْمَعَانِي، وَقَدْ قَالَ الْكَافِيَجِيُّ: إِنَّ أَصْلَ النَّحْوِ ثَلَاثُ قَوَاعِدَ، وَالْبَاقِي مِنَ الْقَوَاعِدِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ عِلَلَ النَّحْوِ اعْتِبَارَاتٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا مُوجِبَاتٌ، ثُمَّ قَالَ الْكَشَّافُ: فَلَمَّا كَانَ مَعْنَى فَشَرِبُوا مِنْهُ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُطِيعُوهُ حُمِلَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ.
(قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) ، أَيِ: الرَّجُلُ الطَّوِيلُ (مَا هَؤُلَاءِ) ؟ أَيِ: الْوِلْدَانُ وَمَا بِمَعْنَى ” مَنْ ” أَوْ أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ أَيْ: مَا صِفَةُ هَذَا وَصِفَةُ هَؤُلَاءِ؟ وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنَّ يُقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَكَأَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا رَأَى حَالَهُ مِنَ الطُّولِ الْمُفْرِطِ كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ هُوَ أَبَشَرٌ أَمْ مَلَكٌ أَمْ جِنِّيٌّ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ اهـ.
وَغَرَابَتُهُ لَا تَخْفَى إِذْ مَعَ إِطْلَاقِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ جَمَادًا أَوْ نَبَاتًا أَوْ بَهِيمَةً، وَكَوْنُهُ مَلَكًا أَمْ جِنِّيًّا لَا يَسْتَعْدِي ” مَا “، بَلْ يَقْتَضِي ” مَنْ ” أَيْضًا (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (قَالَا لِيَ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) ، وَلَعَلَّ فِي تَكْرَارِ الْأَمْرِ إِشْعَارٌ بِقُرْبِ الْمَزَارِ (فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا) ، أَيْ: فِي الْكَمِّيَّةِ (وَلَا أَحْسَنَ) أَيْ: مِنْهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ (قَالَ: قَالَا لِيَ: ارْقَ) : بِفَتْحِ الْقَافِ، أَيِ: اصْعَدْ (فِيهَا.
قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مَا يَكُونُ عَلَى صُورَةِ الْآجُرِّ، وَلَعَلَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى جَنَّةِ الْمُخْلِصِينَ مِنَ التَّائِبِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ مَنْ صَرَفَ أَوْقَاتَهُ بَعْضَهَا إِلَى الطَّاعَةِ وَبَعْضَهَا إِلَى الْغَفْلَةِ، أَوْ بَعْضَهَا إِلَى الْأَفْضَلِ، وَبَعْضَهَا إِلَى الْفَاضِلِ.
(فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ) أَيْ: نِصْفٌ أَوْ بَعْضٌ (مِنْ خَلْقِهِمْ) أَيْ: مِنْ خِلْقَتِهِمْ، وَشَطْرٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (كَأَحْسَنِ مَا) أَيْ: مِثْلِ أَحْسَنِ شَيْءٍ (أَنْتَ رَاءٍ) ، أَيْ لَهُ فِي عُمْرِكَ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ ” رِجَالٌ “، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَافُ زَائِدَةٌ، وَأَظُنُّ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ بِالزِّيَادَةِ (وَشَطْرٌ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ خِلْقَتِهِمْ (كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مَوْصُوفِينَ بِأَنَّ خِلْقَتَهُمْ حَسَنَةٌ وَبَعْضُهُمْ قَبِيحَةٌ وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْضُهُ حَسَنٌ وَبَعْضُهُ قَبِيحٌ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي التَّفْصِيلِ: فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، أَيْ: خَلَطَ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلًا صَالِحًا بِسَيِّئٍ وَسَيِّئًا بِصَالِحٍ.
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ مِنْ خَلْقِهِمْ أَيْضًا يَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، فَتَأَمَّلْ، نَعَمْ لَوْ قَالَ شَطْرٌ مِنْهُمْ لَكَانَ مَحَلَّ التَّوَهُّمِ.
(قَالَ: قَالَا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا) : أَمْرٌ مِنْ وَقَعَ يَقَعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] ، فَالْمَعْنَى أَوْقِعُوا أَنْفُسَكُمْ.
(فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) .
أَيِ: الْمَرْئِيِّ عِنْدَهُمْ (قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ) أَيْ: عَرِيضٌ (يَجْرِي) أَيْ: مَاؤُهُ (كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ) أَيِ: اللَّبَنُ الْخَالِصُ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشَيْءٍ، وَالْمَحْضُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْخَالِصُ مِنْهُ (فِي الْبَيَاضِ) ، كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الصَّفَاءِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَاءِ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَوِ التَّوْبَةُ مِنْهُمْ كَمَا وَرَدَ: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
قُلْتُ: إِنْ كَانَ مُرَادُهُ تَعْبِيرَ الْمَاءِ بِالْعَفْوِ فَهُوَ مُتَعَيَّنٌ لِمَا سَيَأْتِي فِي التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَجَاوُزُ اللَّهِ عَنْهُمْ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيدِهِ بِالْإِمْكَانِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمَاءَ الْمَرْئِيَّ هُوَ الْعَفْوُ فَلَا خَفَاءَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ (فَذَهَبُوا، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُ، أَيِ: الْقُبْحُ (عَنْهُمْ، فَصَارُوا) أَيْ: فَرَجَعُوا وَانْقَلَبُوا (فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ.
وَذَكَرَ) أَيِ: النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: قَبْلُ (فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ: (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ) أَيِ: الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) أَيْ: فِي الصِّغَرِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: مِنْهُمْ أَوْ هُمْ كَذَلِكَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْفِطْرَةِ أَدَاخِلُونَ فِي زُمْرَةِ هَؤُلَاءِ الْوِلْدَانِ؟ فَأَجَابَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ غُيِّرَتْ فِطْرَتُهُمْ بِالتَّهَوُّدِ وَالتَّمَجُّسِ خِلَافُ هَذَا، فَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ تُوَؤَّلُ بِمَنْ غُيِّرَتْ فِطْرَتُهُمْ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَرَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ، قُلْتُ: هَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، لَكِنْ يُشْعِرُ بِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ فِي حَالِ التَّمْيِيزِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، لَكِنَّ لَهُ تَعَالَى أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِكُفْرِهِمْ فِي صِغَرِهِمْ بِنَاءً عَلَى عَدْلِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَقْبَلُ إِيمَانَ الصَّغِيرِ بِنَاءً عَلَى فَضْلِهِ (” {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] “) وَقَدْ تَوَقَّفَ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْمَبْحَثُ بِالْإِطْنَابِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ.

✩✩✩✩✩✩✩

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَوْلُ الْقَائِلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ.
فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ أَلْحَقَهُمْ بِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ لَهُمْ بِحُكْمِ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ، وَلِلنَّاسِ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ اخْتِلَافٌ، وَعَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الْكُفْرِ، وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ آثَارٌ عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاحْتَجُّوا لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ” وَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ – بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8 – 9] وَبِقَوْلِهِ: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة: 17] ; لِأَنَّ اسْمَ الْوِلْدَانِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوِلَادَةِ.
وَلَا وِلَادَةَ فِي الْجَنَّةِ، فَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَالَتْهُمُ الْوِلَادَةُ فِي الدُّنْيَا، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْيًا وَخَدَمًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا، فَهُمْ خُدَّامٌ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ (وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا) أَيْ: وُجِدُوا (شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ قَدْ) : لِلتَّحْقِيقِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

4626 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” «مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا» “.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

4626 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: مِنْ أَفْرَى الْفِرَى) : بِكَسْرِ الْفَاءِ جَمْعُ فِرْيَةٍ وَهِيَ الْكِذْبَةُ، وَأَفْرَى أَفْعَلُ مِنْهُ لِلتَّفْضِيلِ أَيْ: أَكْذَبُ الْكِذْبَاتِ (أَنْ يُرِيَ) : بِضَمِّ يَاءٍ وَكَسْرِ رَاءٍ (الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا) أَيْ: شَيْئًا لَمْ تَرَ عَيْنَاهُ فِي النِّهَايَةِ أَيْ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَذَا، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى شَيْئًا ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ مَلَكَ الرُّؤْيَا لِيُرِيَهُ الْمَنَامَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِإِرَاءِ الرَّجُلِ عَيْنَيْهِ وَصْفُهُمَا بِمَا لَيْسَ فِيهِمَا وَنِسْبَةُ الْكِذْبَاتِ إِلَى الْكَذِبِ لِلْمُبَالَغَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَيْلٌ أَلْيَلُ وَجَدَّ جِدُّهُ قَالَ السُّيُوطِيُّ: الْفِرْيَةُ الْكِذْبَةُ الْعَظِيمَةُ، وَجُعِلَ كَذِبُ الْمَنَامِ أَعْظَمَ مِنْ كَذِبِ الْيَقَظَةِ ; لِأَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَادَّعَى جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ كَذِبًا.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ: ( «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يُدْعَى الرَّجُلُ لِغَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا، أَوْ يَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ» “.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: ” «إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَيَا» “.

✩✩✩✩✩✩✩

4627 – وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ” «أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ» “.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.

4627 – (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ» ) أَيْ: مَا رُؤِيَ بِالْأَسْحَارِ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ الْخَوَاطِرُ مُجْتَمِعَةً وَالدَّوَاعِي سَاكِنَةً ; وَلِأَنَّ الْمَعِدَةَ خَالِيَةٌ فَلَا يَتَصَاعَدُ مِنْهَا الْأَبْخِرَةُ الْمُشَوِّشَةُ ; وَلِأَنَّهَا وَقْتُ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلصَّلَاةِ الْمَشْهُودَةِ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ

Originally posted on Wed _21 _September _2022AH 21-9-2022AD @ 12:29 pm

You Can Do It

Responses

Your email address will not be published. Required fields are marked *

+