Simple Habits of Greatness

﴿  الفصل الاول دراسة حياة ابي سهل الهروي  ﴾

۞۞۞۞۞۞۞

  المبحث الأول: عصره.

healthy primal banner advert2

 الإنسان ابن بيئته يؤثر فيها ويتأثر بها، ولا يمكن دراسة شخصية عالم من العلماء بمعزل عن بيئته وعصره، لما لأحداث العصر من صلة قوية في تكوين شخصية العالم، وبناء ثقافته وتحديد اتجاهه العلمي، فلذلك كان علينا قبل الدخول في تفاصيل حياة أبي سهل الهروي تقديم لمحة سريعة عن الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية في عصره.

 أولا: الحياة السياسية.

 في أواخر القرن الرابع، والثلث الأول من القرن الخامس الهجري عاش أبو سهل الهروي ( – هـ) .

 وفي العصر أخذت خلافة بني العباس تضعف وتتقهقر في مجالات شتى سياسية وإدارية واقتصادية، فمن الناحية السياسية اتسم هذا العصر بكثرة الفتن والحروب، وانقسمت الخلافة إلى ممالك ودويلات كثيرة متنافسة متناحرة، وتتمتع في الوقت نفسه بالسيطرة والنفوذ والاستقلال الفعلي عن الخلافة العباسية، عدا بعض مظاهر الولاء الشكلي كالدعاء للخليفة على المنابر .

 ففي شرق الخلافة الإسلامية وبلاد فارس وما وراء النهر، كانت هذه الجهات تخضع لسيطرة الفرس السامانيين، والأتراك الغزنويين، ونشأ بين هذين العنصرين نزاع مرير وحروب مستمرة أدت في النهاية إلى القضاء على دويلة بني سامان سنة هـ .

 ثم أعقب هذا الصراع صراع آخر بين الغزنويين أنفسهم والسلاجقة انتهى بانتصار السلاجقة على العزنويين انتصارا حاسما عند موضع يقال له “دندانقان” سنة هـ، انحسر بعدها المد الغزنوي إلى عزنة، وبعض الأقاليم الهندية، وفي الوقت نفسه امتد النفوذ السلجوقي في بلاد ما وراء النهر، وخراسان، وطبرستان، وجرجان، وأخذ يتقدم نحو الغرب باتجاه بغداد .

 وفي العراق وما جاورها من بلاد فارس ظهر البويهيون سنة هـ وهم من أصل فارسي يرتفع نسبهم فيه إلى ملوك الفرس القدماء .

 وفي سنة هـ دخلوا بغداد، فاستبدوا واستولوا على الخلافة، وعزلوا الخلفاء وولوهم ، وأحيوا المذهب الشيعي وأقاموا شعائره وأخصها المناحة في يوم عاشوراء، والاحتفال بيوم الغدير ، وظل زمام الخلافة ومقاليهم بأيديهم إلى سنة هـ، وهي السنة التي دخل فيها السلاجقة بغداد بقيادة السلطان السلجوقي طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق، فكتب له الخليفة العباسي عهدا بولاية البلاد العباسية، ولقبه بـ”شاهنشاه”ملك الشرق والغرب .

 ولما دخل السلاجقة بغداد عملوا من فورهم على إحياء المذهب السني، ومقارعة المذهب الشيعي، وحرصوا في كل مناسبة على تأكيد عدة أمور منها إسلامهم، وتمسكهم بمذهب أهل السنة والجماعة، ومنها حرصهم على جهاد الكفار، وأهل المذاهب والملل المنحرفة، والولاء المطلق للخلافة العباسية .

 واستطاعوا أن يوحدوا ما تناثر من أشلاء الخلافة العباسية، ويلموا شعثها بعد تفرق، وخطب لهم وللخلفاء العباسيين من حدود الصين شرقا، إلى أقاصي بلاد الإسلام في الشمال، إلى آخر بلاد اليمن في الجنوب .

 وفي غرب الخلافة الإسلامية كانت دول بني حمدان تسيطر على معظم بلاد الشام، وهي دولة عربية، يرجع أصلها إلى حمدان بن حمدون من قبيلة تغلب ، وكان من أبرز حكامها مؤسسها الفعلي سيف الدولة الحمداني، ممدوح أبي الطيب المتنبي الذي لازمه سنين طويلة يسجل ويصور ملاحمه الحربية ضد الروم البيزنطيين .

 وظلت هذه الدولة تخوض حروبا مستمرة ومضنية ضد هؤلاء البيزنطيين، ثم الفاطميين إلى أن استسلمت لهؤلاء الآخرين سنة هـ .

 وظل الحكم في مصر وشمال أفريقيا وأجزاء من بلاد الشام بيد الدولة الفاطمية، الدولة الشيعية الباطنية التي ناصبت الدولة العباسية العداء مذهبيا وعسكريا .

 وكان ظهور هذه الدولة في سجلماسة ببلاد المغرب على يد أبي عبد الله الشيعي عبيد الله المهدي سنة هـ ، ووسعت من نفوذها فاستولت على مصر سنة هـ بقيادة جوهر الصقلي ، وبلغت ذروة مجدها وقوتها على يد العزيز بالله ( – هـ) والحاكم بأمر الله ( – هـ) .

 واستمر نفوذ هذه الدولة بين مد وجزر حتى انتهت على يد صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – سنة هـ .

 ولم يكن هذا التمزق وذلك الصراع من سمات هذا العصر وحسب، بل شهد فتنا أخرى، تمثلت في ظهور كثير من بدع الملاحدة والزنادقة وطوائف الفرق الكلامية، وأدت إلى انقسام المسلمين وتفرقهم شيعا وأحزابا يناهض بعضهم بعضا، بل يحاول كل من استطاع القضاء على خصمه الآخر .

 ثانيا: الحياة الاجتماعية.

 كان المجتمع في هذا العصر يتكون من أجناس متعددة متباينة في طبائعها وأخلاقها ودينها، من العرب والترك والفرس والأكراد والأرمن والبربر وغيرهم ، وفيهم السني والشيعي، وقليل منهم من أهل الذمة .

 ولم يكن كل هؤلاء في طبقة اجتماعية واحدة بل كانت تنازعهم ثلاث طبقات، عليا ووسطى ودنيا.

 فالطبقة العليا: هي طبقة الحكام والأمراء وأصحاب المناصب العليا، وقواد الجند، ومعهم الأشراف من البيت العباسي، والعلوي، وكبار التجار، وهؤلاء عدد قليل بالنسبة لسائر أفراد الأمة.

 والطبقة الوسطى: وتشمل العلماء والشعراء والجند وأوساط المزارعين أصحاب الملكيات الصغيرة والقائمين على الصناعات.

 والطبقة الدنيا: وهي طبقة العامة من الشعب، وتشكل غالبية المجتمع، ومعظم أفرادها من الفلاحين والعمال والصناع وصغار التجار، وكان يتبع هذه الطبقة الرقيق الذي يؤسر في الحروب أو يبيعه النخاسون، وكان أخلاطا من البيزنطيين والأوربيين والإفريقيين .

 وكانت هذه الطبقة معرضة لأنواع من الظلم والقهر والاستبداد من قبل بعض الحكام والأمراء والإقطاعيين بما يفرضونه عليها من ضرائب وإتاوات باهضة بلا شفقة ولا رحمة لجمع الأموال الطائلة وتبديدها في مسارب اللهو والترف .

 ولم يقف ما ناله العامة عند هذا الحد، بل كانوا عرضة أيضا للكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات وانقطاع الأمطار، وانتشار الأوبئة والطواعين، فخلفت مجاعات في كثير من البلاد، أكل الناس فيها الميتة من الكلاب والمواشي وبني آدم .

 كما كان يقع على كاهل هذه الطبقة عبء الخلافات الدينية والمذهبية وما كانت تجره من صراعات وفتن يقتل فيها خلق كثير .

 هذا كله أدى إلى ظهور فئتين من الناس متناقضتين: فئة سلكت طريق اللهو والعبث والمجون وتمثل ذلك في شيوع البغاء، وشرب الخمر، وكثرة اللصوص، وقطاع الطريق .

 ولم تكن هذه الفئة أيضا بمنأى عن كثير من العادات السيئة والأخلاق الذميمة التي ظهرت في المجتمع، كالملق والرياء والرشوة والسعاية ، وهي عادات غريبة عن الإسلام وتقاليد العرب، ولكنها ظهرت في مجتمع كان – كما ذكرنا – خليطا من عناصر وجنسيات عديدة.

 والفئة الأخرى سلكت طريق الزهد والقناعة والعفاف متسلحة بالإيمان الصادق، صابرة محتسبة، راغبة فيما هو خير وأبقى، ولا ترى شعاع أمل في الحياة إلا من خلال التعبد والتقرب إلى الله.

 ومن هذه الفئة من أمعن في الزهد وبالغ فيه، فانقطع عن الدنيا، واعتزل في المساجد والزوايا ورباطات الصوفية، ولعل هذا التصرف كان ردة فعل قوية للمتناقضات التي كانت تحكم هذا العصر، والتي تتمثل – كما أسلفنا- في الغنى الفاحش عند الخاصة والفقر المدقع عند العامة.

 وانتهى الغلو بهذه الفئة إلى اعتناق أفكار ومبادئ مخالفة لعقيدة المسلمين، وأغرى كثيرا من الناس بالاستكانة والخضوع والقعود عن الجهاد أو الدفاع عن الإسلام، فظهر الضعف والوهن والتمزق في الأمة، وتسلط عليها الأعداء .

 – الحياة العلمية.

 يعد العصر الذي عاش فيه أبو سهل الهروي من الناحية العلمية من أخصب العصور الإسلامية وأزهاها، إذ امتاز بازدهار الحركة العلمية ازدهارا واسعا، وقد أسهم في ذلك الازدهار عدة أمور، منها: – تشجيع الخلفاء والأمراء، والوزراء، وحكام الدويلات المنقسمة للعلماء والمبالغة في إكرامهم، فإن كان انقسام الدولة العباسية إلى دويلات قد أضعفها سياسيا، فإن ذلك قد أدى إلى ازدهار الحياة العلمية في ظل التنافس بين حكام هذه الدويلات، وظهور مراكز ثقافية أخرى تنافس بغداد في تجميل موطنها بالعلماء والأدباء وتتفاخر بهم وتغدق عليهم الأموال.

 فإلى جانب بغداد أصبحت الري وأصبهان، وبخارى، وسمرقند، وهمذان، ونيسابور، وجرجان، وهراة، وقرطبة، وحلب، والقاهرة .

 ونسب إلى هذه الحواضر، وغيرها علماء كثيرون، مفسرون، ومحدثون، وفقهاء، ولغويون، ونحاة، وأدباء، وغيرهم.

 وقد كثر ارتحال العلماء والدباء وتنقلهم في هذه الحواضر، وكان السفر في طلب العلم مفخرة والقعود عنه معرة.

 وهذا أبو علي الفارسي (ت- هـ) يرحل إلى بلاد كثيرة: شيراز، والبصرة، وبغداد، وحلب، وعسكر مكرم، وهيث، فكان من أثر ذلك مسائله: الشيرازيات: والبصريات، والبغداديات، والحلبيات، والهيثيات .

 – التنافس الشديد بين الفرق الدينية والمذهبية، ساعد على إشعال جدوة الحركة العلمية، لما يستدعيه ذلك التنافس من الاستعانة بأنواع من العلوم كاللغة والنحو والمنطق والفلسفة وغير ذلك .

 انتشار دور العلم والتعليم من مساجد ومدارس ومكتبات على مثال بيت الحكمة الذي أنشأه الخليفة المأمون في العصر العباسي الأول، وكان يشتمل على مكتبة ومجمع علمي، ومكتب ترجمة.

 وفي سنة هـ أسس أبو نصر سابور بن أردشير وزير بني بويه دارا للعلم في الكرخ غربي بغداد وأوقفها على الفقهاء، وجعل فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد معظمها بخطوط مؤلفيها.

 وذكر ابن كثير أن هذه أول مدرسة توقف على الفقهاء .

 وكذلك تخذ الشريف الرضي (ت هـ) نقيب العلويين والشاعر المشهور، دار ببغداد سماها دار العلم، وفتحها لطلبة العلم، وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه .

 على أن أشهر دار للعلم بنيت في بغداد بل في حواضر العالم الإسلامي في ذلك العصر، هي المدرسة النظامية التي بناها نظام الملك الطوسي (ت هـ) وزير ملك شاه السلطان السلجوقي، وتولى بناءها سعيد الصوفي سنة هـ على شاطئ دجلة، وكتب عليها اسم نظام الملك، وألحق بها مكتبة، وبنى حولها أسواقا تكون محبسة عليها، وابتاع ضياعا وخانات وحمامات وأوقفها عليها .

 وفي نيسابور أكبر مراكز العلم في خراسان، أنشأ القاضي ابن خلكان (ت هـ) ،وأبو إسحاق الإسفراييني (ت هـ) ، وابن فورك (ت هـ) ، وأبو بكر البستي (ت هـ) مدارس ألحقوا بها خزائن للكتب، وأجروا عليها أوقافا كثيرة وليس هذا بدعا فأول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور .

 وأنشأ أبو علي بن سوار الكاتب (ت هـ) أحد رجال حاشية عضد الدولة دار كتب في مدينة “رام هرمز”على شاطئ بحر فارس، وأخرى بالبصرة، وجعل فيهما إجراء على من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ فيهما .

 أما ما وراء النهر، فقد أنشأ نوح بن منصور (ت هـ) – ملك خراسان وغزنة، وآخر ملوك الدولة السامانية – مكتبة كبيرة كانت كما يقول ابن خلكان -: “عديمة المثل، فيها من كل فن من الكتب المشهورة بأيدي الناس، وغيرها مما لا يوجد في سواها، ولا سمع باسمه فضلا عن معرفته” .

 وفي الأندلس كان الحكم المستنصر بن الناصر (ت هـ) محبا للعلوم مكرما لأهلها، مولعا بجميع الكتب على اختلاف أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله، فأنشأ في قرطبة مكتبة جمع إليها الكتب من أنحاء العالم، وكان يبعث رجاله إلى المشرق ليشتروا الكتب عند أول ظهورها قبل أن تقع في أيدي بني العباس.

 وقد بلغ مجموع ما حوته هذه المكتبة أربعمائة ألف مجلد .

 واقتدى بالحكم رجال دولته، ووجهاء مملكته، فأنشأوا المكتبات في سائر بلاد الأندلس، حتى إن غرناطة وحدها كان فيها سبعون مكتبة من المكتبات العامة .

 أما مصر فقد اقتدى الفاطميون بخلفاء بني العباس في بغداد، وبني أمية في الأندلس، فمنذ استقر سلطانهم في مصر عملوا على نشر الثقافة العلمية والأدبية فضلا عن الثقافة المذهبية التي تتصل بدعوتهم الإسماعيلية في العقيدة والفقه والتفسير، فاهتموا بإنشاء المكتبات ودور العلم “حتى يتسنى لدعاتهم أن ينهجوا منهجا علميا في نشر المذهب الإسماعيلي وتفنيذ أقوال خصومهم والرد عليها، بأدلة علمية” وأول ما أنشأوا الجامع الأزهر سنة هـ، وجعلوا منه مدرسة منظمة، وعينوا به جماعة من العلماء للإقراء والتدريس، وخصصوا لهم مرتبات وأرزاقا، وأنشأوا لهم دارا للسكنى بجوار الأزهر .

 ثم أنشأ العزيز الفاطمي (ت هـ) بالقصر الشرقي الكبير مكتبة ضخمة زودها بأكثر من مليون كتاب في مختلف العلوم والفنون، وتميزت عن غيرها من مكتبات العالم الإسلامي بما تحويه من كتب نادرة .

 وأنشأ الحاكم بأمر الله في سنة هـ دار الحكمة، وألحق بها مكتبة عرفت باسم دار العلم، وكانت دار الحكمة تضم عدة حلقات دينية وعلمية وأدبية، وعين فيها أعلام الأساتذة في كل علم وفن، وجمع لها من خزائن القصر مجموعات عظيمة في مختلف العلوم والفنون، ورصد للإنفاق عليها وعلى أساتذتها وموظفيها أموال طائلة، وهرع إليها الطلاب من كل صوب، واجتذبت بشهرتها مشاهير العلماء من شرق العالم الإسلامي وغربه، من مثل أبي أسامة جنادة بن محمد الهروي، ومحمد بن الحسين بن عمير اليمني ، وهما من أشهر مشايخ أبي سهل الهروي، وسيأتي توضيح ذلك في ترجمة شيوخه .

 هذا عن المكتبات العامة، أما المكتبات الخاصة فهي كثيرة جدا، ومنها ما لا يقل عن المكتبات الكبرى.

 وقد حكي عن الصاحب بن عباد (ت هـ) أنه جمع من الكتب ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وكان فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات .

 وكان يعنى بطلب النسخ الصحيحة إلى خزانة كتبه عناية عظيمة، حتى أنه أوفد إلى بغداد من يصحح له كتاب التذكرة على أبي علي نفسه .

 ولم تقتصر همة السلاطين والوزراء على تشجيع العلم والعلماء وبناء والمدارس وإنشاء المكتبات، بل كان بعضهم عالما بنفسه، فمن سلاطين ابن بويه اشتهر منهم غير واحد بالعلم والأدب، وأشهرهم في ذلك عضد الدولة البويهي (ت هـ) فقد كان شغوفا بالعلم، محبا للعلماء، مشاركا في عدة فنون من الأدب، وكان يحث العلماء على الاشتغال بالعلم وتأليف الكتب، وصنف له أبو علي الفارسي كتاب الإيضاح والتكملة، وقصده فحول الشعراء كالمتنبي والسلامي وغيرهما .

 وكان الصاحب بن عباد المتقدم ذكره وزيرا لمؤيد الدولة البويهي، وكان شاعرا عالما كاتبا، وكان يجتمع عنده من العلماء والشعراء ما لم يجتمع عند أحد غيره .

 وفي هذا العصر نشطت الدراسات ذات الصلة بالعقيدة وأصول الدين، والدراسات التي تدور حول القرآن الكريم، والحديث الشريف وما يتصل بهما من علوم، والفقه وأصوله.

 أما الدراسات اللغوية والأدبية والنحوية فقد نشطت في هذا العصر نشاطا واسعا، ولا سيما الدراسات اللغوية، إذ كثر العلماء الذين تصدوا للمباحث اللغوية، وكان أكبر ما نهضوا به في هذا العصر وضع المعاجم اللغوية، حتى يمكن القول إنه العصر الذهبي لمعاجم اللغة.

 وأشهر المعاجم التي ظهرت في هذا العصر: ديوان الأدب لإسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت – هـ) ، والبارع لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي (ت- هـ) وتهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت- هـ) والمحيط في اللغة للصاحب بن عباد (ت- هـ) ، وتاج اللغة وصحاح العربية (الصحاح) لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت- هـ) ، والمجمل ومقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت- هـ) ، والجامع في اللغة لأبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي القيرواني، المعروف بالقزاز (ت- هـ) ، والمحكم والمخصص لأبي الحسن علي بن إسماعيل المرسي، المعروف بابن سيده (ت- هـ) .

 إلا أن شهرة الصحاح للجوهري فاقت شهرة هذه المعاجم جميعا، والسبب في ذلك – كما يقول الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار – أنه “كان آية في فن التأليف المعجمي، سبق غيره في هذا السبيل بابتكاره منهجا جديدا لم يسبق إليه، منهجا قرب اللغة إلى الباحثين، ومهد الطريق للشداة “.

 وهذا المنهج الذي سلكه في تأليف الصحاح هو ترتيبه “على حروف المعجم، واعتبار آخر حرف في الكلمة بدلا من الأول، وجعله الباب للحرف الأخير، والفصل للأول ” .

 وذلك بعد تجريد الكلمة من الزوائد.

 ويذكر آدم متز أن كل المعاجم التي عملت بعد الجوهري هي أشبه بتوسيع وشرح لمعجمه، وبهذا المعجم ينتهي عهد قديم، ويبدأ عهد جديد بقي أثره قرونا متطاولة .

 وخلال هذا العصر ظهرت “دراسة جدية للاشتقاق اللغوي، وبقيت عصرا طويلا، وكان أستاذ هذه الدراسة ابن جني الموصلي (ت- هـ)

 وهو الذي ينسب إليه ابتداع مبحث جديد في علم اللغة، وهو المسمى بالاشتقاق الأكبر

 ولم يكن لعلماء اللغة من العرب إنتاج أعظم من هذا “على حد تعبير آدم متز أيضا .

 ومن الأعلام الذين ظهروا في هذا العصر أيضا فأثروا العربية بآثارهم اللغوية والأدبية: أبو سعيد السيرافي أشهر شراح كتاب سيبويه (ت- هـ) ، وابن خالويه (ت- هـ) صاحب كتاب ليس في كلام العرب، والحجة في القراءات السبع، والحسن بن بشر الآمدي (ت- هـ) صاحب كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري، وأبو الحسن الرماني (ت- هـ) صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، وأبو هلال العسكري (ت- هـ) صاحب كتاب الفروق اللغوية، والصناعتين، وجمهرة الأمثال، وشرح الفصيح، وأبو منصور الثعالبي (ت- ) صاحب كتاب يتيمة الدهر.

 وغير هؤلاء كثير.

 وصفوة القول أن الحياة العلمية بلغت في عصر أبي سهل الهروي درجة كبيرة من الرقي والازدهار، ولم تترك جانبا من جوانب المعرفة إلا وطرقته، وظهر فيه شخصيات علمية بارزة أسهمت بنصيب وافر في إثراء الثقافة العربية والإسلامية.

Simple Habits of Greatness

Leave your vote

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

Hits: 1