باب ما يقرا بعد التكبير

باب ما يقرا بعد التكبير
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
812 – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ” أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(11) بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ.
الْأَوْلَى بَابُ مَا يُقَالُ بَعْدَهُ، لِيَشْمَلَ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّغْلِيبَ، وَالْمُرَادُ التَّكْبِيرُ الَّذِي لِلْإِحْرَامِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
812 -: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُتُ) : مِنَ الْإِسْكَاتِ وَهُوَ لَازِمٌ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ مِنَ السُّكُوتِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مِنَ الْإِسْكَاتِ، قُلْتُ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النُّسَخِ وَجُمْهُورُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلْمَصْدَرِ الْآتِي، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ: تَكَلَّمَ الرَّجُلُ ثُمَّ سَكَتَ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ كَلَامُهُ، قُلْتُ: أَسْكَتَ، نَقَلَهُ الْقَسْطَلَانِيُّ (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةٌ) : إِفْعَالَةٌ، السُّكُوتُ، وَلَا يُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْكَلَامِ بَلْ تَرْكُ رَفْعِ الصَّوْتِ لِقَوْلِهِ: مَا تَقُولُ فِي إِسْكَاتِكَ؟ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: أَوِ الْمُرَادُ بِهِ السُّكُوتُ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَا عَنِ الذِّكْرِ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، (قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، قِيلَ: هُوَ اسْمٌ فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ مَرْفُوعًا تَقْدِيرُهُ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي وَأُمِّي، وَقِيلَ: هُوَ فِعْلٌ أَيْ فَدَيْتُكَ وَمَا بَعْدَهُ مَنْصُوبٌ، وَحُذِفَ هَذَا الْمُقَدَّرُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (إِسْكَاتَكَ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ، وَ (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَيْنَ هَذَا زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى مُتَعَدِّدٍ (مَا تَقُولُ؟) ، أَيْ: فِي وَقْتِ سُكُوتِكَ مِنَ الْجَهْرِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: أَسْأَلُكَ إِسْكَاتَكَ مَا تَقُولُ فِيهِ، أَوْ فِي إِسْكَاتِكَ مَا تَقُولُ؟ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ بِالرَّفْعِ فِي رِوَايَتِنَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَضَمِّ السِّينِ (قَالَ ” أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) : أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُغَالَبَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ بِكَ تُفِيدُ الْبُعْدَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، وَبَاعِدْ بَيْنَ خَطَايَايَ وَبَيْنِي، وَالْخَطَايَا إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا اللَّاحِقَةُ، فَمَعْنَاهُ إِذَا قُدِّرَ لِي ذَنْبٌ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَالْمَقْصُودُ مَا سَيَأْتِي، أَوِ السَّابِقَةُ فَمَعْنَاهُ الْمَحْوُ وَالْغُفْرَانُ لِمَا حَصَلَ لِي مِنْهَا، وَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَاعَدَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْتِقَاءَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مُسْتَحِيلٌ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَبْقَى لَهَا مِنْهُ اقْتِرَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَرَّرَ لَفْظَ بَيْنَ هُنَا، وَلَمْ يُكَرِّرْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ يُعَادُ فِيهِ الْجَارُّ، بِهَذَا قَالَهُ مِيرَكُ، (اللَّهُمَّ نَقِّنِي) ، أَيْ: طَهِّرْنِي (مِنَ الْخَطَايَا) ، أَيِ: الَّتِي تُدَنِّسُ الْقُلُوبَ وَتُسَوِّدُهَا (كَمَا يُنَقَّى) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) ، أَيِ: الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ، وَفِي تَقْيِيدِ الثَّوْبِ بِالْأَبْيَضِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ) : بِالسُّكُونِ (وَالْبَرَدِ) : بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَكَرَ أَنْوَاعَ الْمُطَهِّرَاتِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ إِلَّا بِأَحَدِهَا تِبْيَانًا لِأَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ الَّتِي لَا مَخْلَصَ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَّا بِهَا، أَيْ: طَهِّرْنِي مِنَ الْخَطَايَا بِأَنْوَاعِ مَغْفِرَتِكَ الَّتِي هِيَ فِي تَمْحِيصِ الذُّنُوبِ بِمَثَابَةِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي إِزَالَةِ الْأَرْجَاسِ، وَالْأَوْزَارِ، وَرَفْعِ الْجَنَابَةِ، وَالْأَحْدَاثِ، قِيلَ: خَصَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ مَقْطُورَانِ عَلَى خِلْقَتِهِمَا لَمْ يُسْتَعْمَلَا، وَلَمْ تَنَلْهُمَا الْأَيْدِي، وَلَمْ تَخُضْهُمَا الْأَرْجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَتِ التُّرَابَ، وَجَرَتْ فِي الْأَنْهَارِ، وَجُمِعَتْ فِي الْحِيَاضِ، فَهُمَا أَحَقُّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: الْغُسْلُ الْمُبَالَغُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ فَلِمَ ذَكَرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: مَعْنَاهُ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ، وَذَكَرَهَا مُبَالَغَةً فِي التَّطْهِيرِ، لَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أَمْثَالٌ وَلَمْ يُرِدْ أَعْيَانَ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا التَّأْكِيدَ فِي التَّطْهِيرِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي مَحْوِهَا عَنْهُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ بِهَا عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٍ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَجَازٌ عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ الْمَحْوُ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرة: 286] قَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَطْلُوبُ مِنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَاءِ لِطَلَبِ شُمُولِ الرَّحْمَةِ، وَأَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْوِ لِإِطْفَاءِ حَرَارَةِ عَذَابِ النَّارِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ، أَيْ: رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَابَ النَّارِ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ نَارِ جَهَنَّمَ، فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، فَالْمُبَاعَدَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالْغَسْلُ لِلْمَاضِي، وَالتَّنْقِيَةُ لِلْحَالِ، وَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُسْتَقْبَلِ لِلِاهْتِمَامِ بِدَفْعِ مَا سَيَأْتِي قَبْلَ دَفْعِ مَا حَصَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمُبَاعَدَةُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا وَالتَّنْقِيَةُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالْغَسْلُ فِيمَا وَقَعَ مُطْلَقًا، وَتَعَدُّدُ آلَةِ الْغَسْلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذُّنُوبِ وَمَرَاتِبِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ، أَوْ دُعَاءٌ لَهُمْ، أَوْ بِاعْتِبَارِ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

813 – وَعَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ – وَفِي رِوَايَةً: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ – كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ” وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أَمَرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: ” اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي “، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: ” اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ” وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: ” اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصُوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ” ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: ” اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ: ” «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، وَلَا مَنْجَى مِنْكَ وَلَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ» .

813 – (وَعَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) : قِيلَ أَيِ النَّافِلَةِ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: ” إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا ” الْآتِيَةِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ كَانَ إِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ الْفَرِيضَةَ، إِطْلَاقُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِذَا أَجَابَ الْبَعْضُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، (وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ” وَجَّهْتُ) : وَفِي حَذْفِ إِنِّي إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِرَاءَةَ (وَجْهِي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ تَوَجَّهْتُ بِالْعِبَادَةِ بِمَعْنَى أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي لِلَّهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: صَرَفْتُ وَجْهِي وَعَمَلِي وَنِيَّتِي، أَوْ أَخْلَصْتُ قَصْدِي وَوُجْهَتِي، وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْحُضُورِ وَالْإِخْلَاصِ، وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا، وَأَقْبَحُ الْكَذِبِ مَا يَكُونُ وَالْإِنْسَانُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) : أَيْ إِلَى الَّذِي خَلَقَهُمَا وَعَمِلَهُمَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَأَعْرَضْتُ عَمَّا سِوَاهُ، فَإِنَّ مَنْ أَوْجَدَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَالْإِتْقَانِ حَقِيقٌ بِأَنْ تَتَوَجَّهَ الْوُجُوهُ إِلَيْهِ، وَأَنْ تُعَوِّلَ الْقُلُوبُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهَا عَلَيْهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا دَوَامَ رِضَاهُ وَخَيْرَهُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ السَّمَاوَاتِ لِسَعَتِهَا، أَوْ لِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِهَا، أَوْ لِتَقَدُّمِ وَجُودِهَا، أَوْ لِشَرَفِ جِهَتِهَا، أَوْ لِفَضِيلَةِ جُمْلَةِ سُكَّانِهَا، أَوْ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَإِلَّا فَالْأَرْضُ سَبْعٌ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] وَلِمَا وَرَدَ: وَرَبُّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ (حَنِيفًا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَجَّهْتُ، أَيْ: مَائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ ثَابِتًا عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ غَلَبَ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَقِيمُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَائِلًا عَنِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَالْآرَاءِ الزَّائِغَةِ مِنَ الْحَنَفِ، وَهُوَ الْمَيْلُ يَعْنِي أَصْلُهُ الْمَيْلُ الْمُطْلَقُ، ثُمَّ نُقِلَ فِي الْعُرْفِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ، عَكْسُ الْإِلْحَادِ، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ لِمُطْلَقِ الْمَيْلِ، وَمِنْهُ اللَّحْدُ، وَفِي الْعُرْفِ الْمَيْلُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، أَوْ مَائِلًا عَنْ كُلِّ جِهَةٍ وَقَصْدٍ إِلَى الْحُضُورِ وَالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَةِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَتِهِ مُسْلِمًا بَعْدَ حَنِيفًا، أَيْ: مُنْقَادًا مُطِيعًا لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : فِيهِ تَأْكِيدٌ وَتَعْرِيضٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ تَأْسِيسٌ بِجَعْلِ النَّفْيِ عَائِدًا إِلَى سَائِرِ الشِّرْكِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ، لَكِنْ لَا يَسُوغُ هَذَا إِلَّا لِلْخَوَاصِّ فِي بَعْضِ الْمُنَازَلَاتِ (إِنَّ صَلَاتِي) ، أَيْ: عِبَادَتِي وَصَلَاتِي، وَفِيهِ شَائِبَةُ تَعْلِيلٍ لِمَا قَبْلَهُ (وَنُسُكِي) ، أَيْ: دِينِي، وَقِيلَ: عِبَادَتِي، أَوْ تَقَرُّبِي، أَوْ حَجِّي، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] (وَمَحْيَايَ) : بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ، أَيْ: حَيَاتِي (وَمَمَاتِي) : بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ، أَيْ: مُوتِي (لِلَّهِ) ، أَيْ: هُوَ خَالِقُهُمَا وَمُقَدِّرُهُمَا، وَقِيلَ: طَاعَاتِ الْحَيَاةِ وَالْخَيْرَاتِ الْمُضَافَةَ إِلَى الْمَمَاتِ كَالْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ أَوْ حَيَاتِي وَمَوْتِي لِلَّهِ لَا تَصَرُّفَ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا، أَوْ مَا أَنَا عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ فِي حَيَاتِي، وَمَا أَمُوتُ خَالِصَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ إِرَادَتِي مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ خَالِصَةٌ لِذِكْرِهِ وَحُضُورِهِ وَقُرْبِهِ، وَلِلرِّضَا بِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوْ جَمِيعَ أَحْوَالِي حَيَاتِي وَمَمَاتِي وَمَا بَعْدَهُ لِلَّهِ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، أَيْ: مَالِكِهِمْ وَمُرَبِّيهِمْ وَهُمْ مَا سِوَى اللَّهِ عَلَى الْأَصَحِّ (لَا شَرِيكَ لَهُ) : فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ (وَبِذَلِكَ) ، أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ الْكَامِلِ وَالشَّامِلِ لِلْإِخْلَاصِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا (أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، أَيِ: الْمُنْقَادِينَ وَالْمُطِيعِينَ لِلَّهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَيَأْتِي رِوَايَةُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تِلْكَ تَارَةً وَهَذِهِ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مُسْلِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ جَاءَ أَنَّ النُّورَ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ سَبَقَ إِيجَادُهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ وَالسُّنَةُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ الْأُولَى لَا غَيْرُ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْآيَةَ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ لِحَمْلِهِ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ إِرَادَةِ الْأَشْخَاصِ (اللَّهُمَّ) ، أَيْ: يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ بَدَلٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ؛ وَلِذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ (أَنْتَ الْمَلِكُ) : لَا مُلْكَ وَلَا مِلْكَ لِغَيْرِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) ، أَيْ: أَنْتَ الْمُنْفَرِدُ بِالْأُلُوهِيَّةِ (أَنْتَ رَبِّي) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَقَالَ مِيرَكُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْمُلْكِ لَهُ كَذَلِكَ فِي أَنْتَ الْمَلِكُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْخَبَرِ بِاللَّامِ تَرَقِّيًا مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى طِبْقَ قَوْلِهِ: {مَلِكِ النَّاسِ – إِلَهِ النَّاسِ} [الناس: 2 – 3] ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ الرُّبُوبِيَّةَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ رَبِّي لِتَخْصِيصِ الصِّفَةِ وَتَقْيِيدِهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ وَإِخْرَاجِهَا عَنِ الْإِطْلَاقِ (وَأَنَا عَبْدُكَ) : اعْتِرَافٌ لَهُ تَعَالَى بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلِنَفْسِهِ، بِالْعُبُودِيَّةِ (ظَلَمْتُ نَفْسِي) ، أَيْ: بِالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أَوْ بِوَضْعِ مَحَبَّةِ الْغَيْرِ فِي قَلْبِي (وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي) : أَيْ بِعَمَلِي خِلَافَ الْأَوْلَى أَوْ بِوُجُودِي الَّذِي مَنْشَأُ ذَنْبِي، كَمَا قِيلَ: وَجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبٌ (فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي) ، أَيْ: تَقْصِيرَاتِي (جَمِيعًا إِنَّهُ) : بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) ، أَيْ: جَمِيعَهَا (إِلَّا أَنْتَ) : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفَّارُ الْغَفُورُ (وَاهْدِنِي) ، أَيْ: دُلَّنِي وَوَفِّقْنِي وَثَبِّتْنِي وَأَوْصِلْنِي (لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) : فِي عِبَادَتِكَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْهَادِي الْمُطْلَقُ وَعَجْزُ الْخَلْقِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ (وَاصْرِفْ عَنِّي) ، أَيْ: أَبْعِدْنِي وَامْنَعْنِي وَاحْفَظْنِي (سَيِّئَهَا) : أَيْ: سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ (لَا يَصْرِفُ عَنِّي) : لَا عَنْ غَيْرِي (سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ) : فَإِنَّ غَيْرَكَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى شَيْءٍ (لَبَّيْكَ) ، أَيْ: أَدُومُ عَلَى طَاعَتِكَ دَوَامًا بَعْدَ دَوَامٍ، وَقِيلَ أُقِيمُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ، مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اتِّجَاهِي إِلَيْكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: دَارِي تُلِبُّ دَارَكَ، أَيْ: تُوَاجِهُهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُثَنًّى مِنْ لَبَّ أَوْ أَلَبَّ بَعْدَ حَذْفِ الزَّوَائِدِ، مُضَافٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ وَحُذِفَ النُّونُ بِالْإِضَافَةِ، وَأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] ، أَيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ (وَسَعْدَيْكَ) ، أَيْ: سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ يَا رَبِّ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ، وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُسَارَعَةُ، أَوْ أَسْعَدُ بِإِقَامَتِي عَلَى طَاعَتِكَ وَإِجَابَتِي لِدَعْوَتِكَ سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ) ، اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا (لَيْسَ إِلَيْكَ) ، أَيْ: فِي تَصَرُّفِكَ، وَقِيلَ: هُمَا كِنَايَةٌ عَنْ سَعَةِ طُولِهِ وَكَثْرَةِ فَضْلِهِ، أَوْ عَنْ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ إِلَّا عَنْهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ: الْكُلُّ عِنْدَكَ كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْثُوقُ بِهِ الْمَقْبُوضُ عَلَيْهِ يَجْرِي بِقَضَائِكَ لَا يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِكَ مَا لَمْ تَسْبِقْ بِهِ كَلِمَتُكَ (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) ، أَيْ: لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ، أَوْ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ، بَلْ إِلَى مَا اقْتَرَفَتْهُ أَيْدِي النَّاسِ مِنَ الْمَعَاصِي، أَوْ لَيْسَ إِلَيْكَ قَضَاؤُهُ فَإِنَّكَ لَا تَقْضِي الشَّرَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ شَرٌّ، بَلْ لِمَا يَصْحَبُهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الرَّاجِحَةِ، فَالْمَقْضِيُّ بِالذَّاتِ هُوَ الْخَيْرُ، وَالشَّرُّ دَاخِلٌ فِي الْقَضَاءِ بِالْعَرَضِ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ، وَقِيلَ: الشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إِلَيْكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] وَقِيلَ: الشَّرُّ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ بِحُسْنِ التَّأَدُّبِ؛ وَلِذَا لَا يُقَالُ: يَا خَالِقَ الْخَنَازِيرِ وَإِنْ خَلَقَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ مُضِيفًا الْمَرَضَ إِلَى نَفْسِهِ وَالشِّفَاءَ إِلَى رَبِّهِ، وَالْخَضِرُ أَضَافَ إِرَادَةَ الْغَيْبِ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الرَّحْمَةِ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا، وَفِي هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَدَبِ كَذَا قَالُوا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَمَسَّكَ الْمُعْتَزِلَةُ بِهِ فِي نِسْبَةِ الشَّرِّ لِلْعَبْدِ لِتَقْدِيرِهِمْ مُتَعَلِّقَ الْجَارِ مَنْسُوبًا وَهُوَ تَحَكُّمٌ؛ إِذْ هُوَ كَمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ تَقْدِيرَهُ مُقَرَّبًا أَوْ مُضَافًا أَوْ صَاعِدًا أَوْ مَنْسُوبًا، وَالْمُرَادُ غَيْرُ مَا فَهِمُوهُ، أَيْ: لَيْسَ الشَّرُّ مَنْسُوبًا إِلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأَدَبِ أَنْ لَا تُضَافَ الْمُحَقَّرَاتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتِقْلَالًا بَلْ تَبَعًا (أَنَا بِكَ) : أَيْ أَعُوذُ وَأَعْتَمِدُ وَأَلُوذُ وَأَقُومُ بِكَ (وَإِلَيْكَ) : أَتَوَجَّهُ وَأَلْتَجِئُ وَأَرْجِعُ وَأَنُوبُ أَوْ بِكَ وَحَّدْتُ وَإِلَيْكَ انْتَهَى أَمْرِي، فَأَنْتَ الْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى، وَقِيلَ: أَسْتَعِينُ بِكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ، وَقِيلَ: أَنَا مُوقِنٌ بِكَ وَبِتَوْفِيقِكَ عَلِمْتُ، وَالْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إِلَيْكَ، أَوْ بِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، أَوْ أَنَا بِكَ إِيجَادًا وَتَوْفِيقًا وَعَلَيْكَ أَلْتَجِئُ وَأَعْتَصِمُ (تَبَارَكْتَ) ، أَيْ: تَعَظَّمْتَ وَتَمَجَّدْتَ أَوْ جِئْتَ بِالْبَرَكَةِ أَوْ تَكَاثَرَ خَيْرُكَ وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ لِلدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ (وَتَعَالَيْتَ) : عَمَّا أَوْهَمَهُ الْأَوْهَامُ وَيَتَصَوَّرُ عُقُولُ الْأَنَامِ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَهُ مِيرَكُ، وَكَذَا ابْنُ حَجَرٍ (أَسْتَغْفِرُكَ) ، أَيْ: أَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ لِمَا مَضَى (وَأَتُوبُ) ، أَيْ: أَرْجِعُ عَنْ فِعْلِ الذَّنْبِ فِيمَا بَقِيَ مُتَوَجِّهًا (إِلَيْكَ) : بِالتَّوْفِيقِ وَالثَّبَاتِ إِلَى الْمَمَاتِ.
(وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: ” اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ) : وَفِي تَقَدُّمِ الْجَارِّ إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْصِيصِ (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) ، أَيْ: لَكَ ذَلَلْتُ وَانْقَدْتُ، أَوْ لَكَ أَخْلَصْتُ وَجْهِي، أَوْ لَكَ خَذَلْتُ نَفْسِي وَتَرَكْتُ أَهْوَاءَهَا (خَشَعَ) ، أَيْ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ أَوْ سَكَنَ (لَكَ سَمْعِي) : فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مِنْكَ (وَبَصَرِي) : فَلَا يَنْظُرُ إِلَّا بِكَ وَإِلَيْكَ تَخْصِيصُهُمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْآفَاتِ بِهِمَا، فَإِذَا خَشَعَتَا قَلَّتِ الْوَسَاوِسُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ النَّقْلِيِّ وَالْعَقْلِيِّ بِهِمَا، وَقَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الشَّرْعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ فَضَّلَ السَّمْعَ، وَنَسَبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبَعْضُهُمْ فَضَّلَ الْبَصَرَ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قُتَيْبَةَ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَتَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ كَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّيْسَابُورِيُّ: الِاشْتِغَالُ بِالتَّفْضِيلِ مِمَّا لَا طَائِلَ فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ، (وَمُخِّي) : فَلَا يَعِي إِلَّا عَنْكَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (وَعَظْمِي وَعَصَبِي) : فَلَا يَقُومَانِ وَلَا يَتَحَرَّكَانِ إِلَّا بِكَ فِي طَاعَتِكَ، وَهُنَّ عَمَدُ الْحَيَوَانِ وَأَطْنَابُهُ، وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ غَادٍ وَرَائِحٌ (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) ، أَيْ: مِنَ الرُّكُوعِ (قَالَ) ، أَيْ: حَالَ الرَّفْعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الِاعْتِدَالِ قَالَ: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) : وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: وَلَكَ الْحَمْدُ، وَسَبَقَ أَنَّهَا الْأَفْضَلُ لِدَلَالَتِهَا عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا حَذْفُهَا (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ) : بِالنَّصْبِ هُوَ أَشْهَرُ كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَقِيلَ: حَالٌ، أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَالِئًا لِتِلْكَ الْأَجْرَامِ عَلَى تَقْدِيرِ تَجَسُّمِهِ وَبِالرَّفْعِ صِفَةُ الْحَمْدِ (وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ صِفَةٌ لِشَيْءٍ كَالْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشِ وَمَا فَوْقَهُ، وَمَا تَحْتَ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ إِلَّا خَالِقُهُ وَمُوجِدُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْجُسْمَانِيَّاتُ الْعُلْوِيَّاتُ وَالسُّفْلِيَّاتُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا غَايَةُ الْحَمْدِ لِلَّهِ تَعَالَى حَيْثُ حَمِدَهُ مِلْءَ كُلِّ مَخْلُوقَاتِهِ الْمَوْجُودَةِ، وَمِلْءَ مَا يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَةِ الْمُغَيَّبَةِ، وَقَالَ مِيرَكُ: هَذَا يُشِيرُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ الْحَمْدِ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ، فَإِنَّهُ حَمِدَهُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ارْتَفَعَ فَأَحَالَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ لِلْحَمْدِ مُنْتَهًى؛ وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ.
(وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: ” اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي) : بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ: خَضَعَ وَذَلَّ وَانْقَادَ (لِلَّذِي خَلَقَهُ) أَيْ أَوْجَدَهُ مِنَ الْعَدَمِ (وَصَوَّرَهُ) أَحْسَنَ صُورَةٍ (وَشَقَّ سَمْعَهُ) أَيْ طَرِيقَ سَمْعِهِ إِذِ السِّمْعُ لَيْسَ فِي الْأُذُنَيْنِ، بَلْ فِي مَقْعَرِ الصِّمَاخِ (وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ) : أَيْ: تَعَالَى وَتَعَظَّمَ، وَالرِّوَايَةُ بِحَذْفِ الْفَاءِ (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) : أَيِ: الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ، فَإِنَّهُ الْخَالِقُ الْحَقِيقِيُّ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ، وَغَيْرُهُ إِنَّمَا يُوجِدُ صُوَرًا مُمَوَّهَةً لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
(ثُمَّ يَكُونُ) : أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: ” اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ) : مِنْ سَيِّئَةٍ (وَمَا أَخَّرْتُ) : مِنْ عَمَلٍ أَيْ جَمِيعَ مَا فَرَطَ مِنِّي قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: مَا قَدَّمْتُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَمَا أَخَّرْتُ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: مَا أَخَّرْتُهُ فِي عِلْمِكَ مِمَّا قَضَيْتَهُ عَلَيَّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ وَقَعَ مِنِّي فِي الْمُسْتَقْبَلِ ذَنْبٌ فَاجْعَلْهُ مَقْرُونًا بِمَغْفِرَتِكَ (وَمَا أَسْرَرْتُ) : أَيْ: أَخْفَيْتُ (وَمَا أَعْلَنْتُ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ كَعَكْسِهِ فِي قَوْلِهِ (وَمَا أَسْرَفْتُ) : أَيْ: جَاوَزْتُ الْحَدَّ مُبَالَغَةً فِي طَلَبِ الْغُفْرَانِ بِذِكْرِ أَنْوَاعِ الْعِصْيَانِ (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) : أَيْ: مِنْ ذُنُوبِي الَّتِي لَا أَعْلَمُهَا عَدَدًا وَحُكْمًا (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) : أَيْ: بَعْضَ الْعِبَادِ إِلَيْكَ بِتَوْفِيقِ الطَّاعَاتِ (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) : أَيْ بَعْضَهُمْ بِالْخِذْلَانِ عَنِ النُّصْرَةِ، أَوْ أَنْتَ لِمَنْ شِئْتَ فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَغَايَاتِ الْجَلَالِ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لِمَنْ شِئْتَ عَنْ مَعَالِي الْأُمُورِ إِلَى سَفَاسِفِهَا، فَنَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَنَا مِمَّنْ قَدَّمْتَهُ فِي مَعَالِمِ الدِّينِ، وَنَعُوذُ بِكَ أَنْ تُؤَخِّرَنَا عَنْ طَرِيقِ الْيَقِينِ، أَوْ أَنْتَ الرَّافِعُ وَالْخَافِضُ وَالْمُعِزُّ وَالْمُذِلُّ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) : فَلَا مَطْلُوبَ سِوَاكَ وَلَا مَحْبُوبَ إِلَّا إِيَّاكَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ” حَنِيفًا ” ” مُسْلِمًا “.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ: ” وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) : هَذَا الْكَلَامُ إِرْشَادٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْأَدَبِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ فِي مَحَاسِنِ الْأَشْيَاءِ دُونَ مَسَاوِيهَا، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ قُدْرَتِهِ، يَعْنِي أَوْ إِثْبَاتَ شَيْءٍ لِغَيْرِهِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْقَاضِي، قَالَ مِيرَكُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] ، (وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ) : أَيْ لَا مَهْدِيَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتَهُ وَتَرَكَ مُقَابِلَهُ، وَهُوَ لَا ضَالَّ إِلَّا مَنْ أَضْلَلْتَهُ، لِمَا تَقَدَّمَ، مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ بِمُقَابِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] فَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل: 93] ، (أَنَا بِكَ) : أَيْ: وُجِدْتُ (وَإِلَيْكَ) : أَنْتَهِي أَيْ أَنْتَ الْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ (لَا مَنْجَى) بِالْقَصْرِ لَا غَيْرُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: (لَا مَنْجَى) مَقْصُورٌ لَا يَجُوزُ مَدُّهُ وَلَا قَصْرُهُ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: لَا يَجُوزُ هَمْزُهُ لَا مَدًّا وَلَا قَصْرًا وَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ مَكَانٍ، أَيْ: لَا مَوْضِعَ يَنْجُو بِهِ اللَّائِذُ (مِنْكَ) ، أَيْ: مِنْ عَذَابِكَ (وَلَا مَلْجَأَ) : الْأَصْلُ فِيهِ الْهَمْزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَيِّنُ هَمْزَتَهُ لِيَزْدَوِجَ مَعَ مِنْ مَنْجًى، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْقَاضِي، أَيْ: لَا مَلَاذَ عِنْدَ نُزُولِ النَّوَائِبِ وَحُصُولِ الْمَصَائِبِ (إِلَّا إِلَيْكَ) : فَإِنَّ الْمُفَرِّجَ عَنِ الْمَهْمُومِينَ الْمُعِيذَ لِلْمُسْتَعِيذِينَ، أَوِ الْمُرَادُ لَا مَهْرَبَ وَلَا مَخْلَصَ وَلَا مَلَاذَ لِمَنْ طَالَبْتَهُ إِلَّا إِلَيْكَ، وَفِيهِ مَعْنًى مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50] ، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (تَبَارَكْتَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: (وَتَعَالَيْتَ) ، أَيْ: تَعَاظَمْتَ عَنْ أَنْ تَحْتَاجَ إِلَى أَحَدٍ، أَيْ: عَنْ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي كُلِّ شُئُونِهِ إِلَيْكَ.

✩✩✩✩✩✩✩

814 – وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَاتَهُ قَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ ” فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا، فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفْسُ فَقَلْتُهَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

814 – (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ) : بِالْفَاءِ وَالزَّايِ أَيْ جَهَدَهُ وَضَاقَ بِهِ (النَّفَسُ) : يَعْنِي: حَرَكَةَ النَّفَسِ مِنْ كَثْرَةِ السُّرْعَةِ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الصَّلَاةِ لِإِدْرَاكِهِ كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيِ اشْتَدَّ بِهِ، وَالْحَفَزُ: تَحْرِيكُ الشَّيْءِ مِنْ خَلْفِهِ يُرِيدُ النَّفَسَ الشَّدِيدَ الْمُتَتَابِعَ كَأَنَّهُ يَحْفِزُهُ، أَيْ: يَدْفَعُهُ مِنَ السِّبَاقِ إِلَى الصَّلَاةِ اهـ، فَفِي كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ لَا إِشْكَالَ.
وَأَمَّا كَلَامُ الطِّيبِيِّ أَنَّ سَبَبَهُ شِدَّةُ عَدْوِهِ حَذَرًا مِنْ أَنْ تُفُوتَهُ الْجَمَاعَةُ فَيُنَافِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، بَلِ ائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَأَتِمُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ” فَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ لَوْ لَمْ يَسْعَ، أَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا أَنْ يَسْعَى فَلَا يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَرْجَحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ بِالْعَدْوِ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا هِيَ فَيَجِبُ السَّعْيُ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ إِدْرَاكُهَا، وَهُوَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِإِدْرَاكِ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اهـ.
(فَقَالَ) ، أَيِ: الرَّجُلُ (اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا) ، أَيْ: يَتَرَادَفُ مَدَدُهُ وَلَا تَنْتَهِي مُدَدُهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدَلُّ عَلَيْهِ الْحَمْدُ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْهُ جَارِيًا عَلَى مَحَلِّهِ، وَقَوْلُهُ ” طَيِّبًا “: وَصْفٌ لَهُ، أَيْ: خَالِصًا عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَقَوْلُهُ ” مُبَارَكًا فِيهِ “: يَقْتَضِي بَرَكَةً وَخَيْرًا كَثِيرًا يَتَرَادَفُ إِرْفَادُهُ وَيَتَضَاعَفُ إِمْدَادُهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ حَمْدًا جُعِلَتِ الْبَرَكَةُ فِيهِ يَعْنِي حَمْدًا كَثِيرًا غَايَةَ الْكَثْرَةِ، وَقِيلَ: مُبَارَكًا بِدَوَامِ ذَاتِهِ وَكَمَالِ غَايَاتِهِ (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أَيْ أَدَّى (صَلَاتَهُ قَالَ: ” أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ) ، أَيِ: الْمَذْكُورَاتِ الْمَسْمُوعَةِ آنِفًا (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) : قَالَ مُحْيِيِ السُّنَّةِ: هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: سَكَتُوا، وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالزَّايِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الْأَزْمِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَهُوَ صَحِيحٌ مَعْنًى اهـ، وَهُوَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ وَأَخْطَأَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِالرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الْأَرْمِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ اهـ، (قَالَ: ” أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقَالَ: ” أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ قَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا) : اعْلَمْ أَنَّ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ عَفِيفِ الدِّينِ الْكَازَرُونِيِّ بِلَفْظِ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَفْظُ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا، وَفِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الْإِيجِيِّ ” بِالْكَلِمَاتِ ” بَدَلَ ” بِهَا “، وَفِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا (فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أَيْ: لَمْ يَتَفَوَّهْ بِمَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، أَيْ: مَا قَالَ قَوْلًا يُشَدَّدُ عَلَيْهِ (فَقَالَ رَجُلٌ) : الظَّاهِرُ فَقَالَ الرَّجُلُ: (جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا) ، أَيِ: الْكَلِمَاتِ (فَقَالَ: ” لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا) ، أَيْ: ثَوَابَ هَذَا الْكَلِمَاتِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي يَسْبِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي كَتْبِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَرَفْعِهَا إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ لِعِظَمِهَا وَعِظَمِ قَدْرِهَا، وَتَخْصِيصُ الْمِقْدَارِ يُؤْمَنُ بِهِ، وَيُفَوَّضُ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى عَدَدِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ: يَبْتَدِرُونَهَا وَيَسْتَعْجِلُونَ أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا، قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] أَيُّهُمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ: يَقْتَرِعُونَ أَيُّهُمْ، فَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ يُلْقُونَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا أَوَّلُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
815 – عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: ” سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» “، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
815 – (عَنْ عَائِشَةَ ” رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ” قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ) ، أَيْ: بِالتَّكْبِيرِ (قَالَ: ” سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ) ، أَيْ: وَفِّقْنِي، قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ: وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سُبْحَانَ اسْمٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ التَّسْبِيحُ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا، أَيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِنْ كُلِّ السُّوءِ وَالنَّقَائِصِ، وَأُبْعِدُكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِحَضْرَتِكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَالْمَعْنَى اعْتَقَدْتُ بَرَاءَتَكَ مِنَ السُّوءِ وَنَزَاهَتَكَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ ذَاتِكَ وَكَمَالِ صِفَاتِكَ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا مُتَلَبِّسًا وَمُقْتَرِنًا بِحَمْدِكَ، فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ الْوَاوُ بِمَعْنَى ” مَعَ “، أَيْ: أُسَبِّحُكَ مَعَ التَّلَبُّسِ بِحَمْدِكَ، وَحَالُهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَإِثْبَاتُ النُّعُوتِ الثُّبُوتِيَّةِ أَوْ بِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ أَيِ اعْتَقَدْتُ نَزَاهَتَكَ حَالَ كَوْنِي مُتَلَبِّسًا بِالثَّنَاءِ عَلَيْكَ، أَوْ بِسَبَبِ ثَنَاءِ الْجَمِيلِ عَلَيْكَ اعْتَقَدْتُ نَزَاهَتَكَ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا مَقْرُونًا بِشُكْرِكَ؛ إِذْ كُلُّ حَمَدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ يَسْتَجْلِبُ نِعْمَةً مُتَجَدِّدَةً وَيَسْتَصْحِبُ تَوْفِيقًا إِلَهِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ رُوِيَ عَنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَقْدِرُ أَنْ أَشْكُرَكَ وَأَنَا لَا أَقُومُ بِشُكْرِ نِعْمَتِكَ إِلَّا بِنِعْمَتِكَ؛ وَلِذَا قِيلَ: الْعَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ شُكْرٌ، أَوْ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى تَوْفِيقِكَ إِيَّايَ عَلَى تَسْبِيحِكَ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْخَلَّادِ، قَالَ: سَأَلْتُ الزَّجَّاجَ عَنِ الْوَاوِ فِي وَبِحَمْدِكَ؟ قَالَ: مَعْنَاهُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، قِيلَ: قَوْلُ الزَّجَّاجِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ عَطْفَ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلَى مِثْلِهَا إِذِ التَّقْدِيرُ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا وَأُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا مُقَيَّدًا بِشُكْرِكَ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ” اللَّهُمَّ ” مُقْتَرِضَةٌ، وَالْبَاءُ فِي وَبِحَمْدِكَ إِمَّا سَبَبِيَّةٌ، وَالْجَارُّ مُتَّصِلٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَوْ إِلْصَاقِيَّةٌ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِهِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
(وَتَبَارَكَ اسْمُكَ) ، أَيْ: كَثُرَتْ بَرَكَةُ اسْمِكَ إِذْ وُجِدَ كُلُّ خَيْرٍ مِنْ ذِكْرِ اسْمِكَ، وَقِيلَ: تَعَاظَمَ ذَاتُكَ أَوْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّعَاظُمَ إِذَا ثَبَتَ لِأَسْمَائِهِ تَعَالَى، فَأَوْلَى لِذَاتِهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] (وَتَعَالَى جَدُّكَ) ، أَيْ: عَظَمَتُكَ أَيْ مَا عَرَفُوكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، وَلَا عَظَّمُوكَ حَقَّ عَظَمَتِكَ، وَلَا عَبَدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَقَالَ مِيرَكُ: تَعَالَى تَفَاعُلٌ مِنَ الْعُلُوِّ، أَيْ: عَلَا وَرُفِعَتْ عَظَمَتُكَ عَلَى عَظَمَةِ غَيْرِكَ، الْعُلُوُّ الرِّفْعَةُ اهـ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَعَالَى غِنَاؤُكَ عَنْ أَنْ يَنْقُصَهُ إِنْفَاقٌ أَوْ يَحْتَاجَ إِلَى مُعِينٍ وَنَصِيرٍ (وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

✩✩✩✩✩✩✩

816 – وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ [حَدِيثِ] حَارِثَةَ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.

816 – (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) .
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَارِثَةَ) ، أَيِ: ابْنِ أَبِي الرِّجَالِ (وَقَدْ تُكُلِّمَ) ، أَيْ: طَعَنَ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي حَارِثَةَ (مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ) ، أَيْ: لَا مِنْ قِبَلِ عَدَالَتِهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ مَشْهُورٌ، وَأَخَذَ بِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الضَّعْفِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُلَّةُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَهُوَ كَلَامٌ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ إِسْنَادَهُ مَدْخُولٌ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ، مَعَ أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ يَقَعُ فِي حَقِّ أَقْوَامٍ عَلَى وَجْهِ الْخِلَافِ، فَرُبَّمَا ضُعِّفَ الرَّاوِي مِنْ قِبَلِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ وَوُثِّقَ مِنْ قِبَلِ آخَرِينَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْأَعْلَامُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَأَخَذُوا بِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي جَامِعِهِ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ فِيهِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ رِجَالُهُ مَرْضِيُّونَ، فَعُلِمَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيُّ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ كَالَّذِي بَعْدَهُ وَغَيْرِهِ أَنَّ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، وَنَفَى مَالِكٌ نَدْبَهُ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلِخَبَرِ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) عَجِيبٌ؛ إِذْ لَا جَوَابَ لَهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَخَبَرُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا بَعْضَ الْفَرَائِضِ وَبَعْضَ النَّوَافِلِ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ، بَلْ لَوْ صَرَّحَ صَحَابِيٌّ بِنَفْيِهِ لَكَانَ مَحْجُوجًا بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ أَدْعِيَةِ الِافْتِتَاحِ بِأَنْ يَخُصَّ الْفَرَائِضَ بِمَا وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَقْرَأُ فِي النَّفْلِ بِمَا شَاءَ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ مَذْهَبِنَا، أَوِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ، وَاخْتُلِفَ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ، وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِجَمْعٍ عَلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِلَخْ، لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيِّ: «كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: ” سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» ” إِلَخْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَرُدَّ بِأَنَّ طُرُقَهُ كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ، قَلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ضَعْفِهِ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّهُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَرَدُّهُ مَرْدُودٌ وَجَمْعُنَا مَحْمُودٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

817 – وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي صَلَاةً قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا “.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثَهِ وَهَمْزَهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ” وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: ” مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ.

817 – (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ) : بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةً قَالَ) ، أَيْ: عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ عَيْنُ التَّحْرِيمَةِ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (اللَّهُ أَكْبَرُ) : بِالسُّكُونِ وَيُضَمُّ (كَبِيرًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وَقِيلَ بِإِضْمَارِ ” أُكَبِّرُ “، وَقِيلَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ تَكْبِيرًا كَبِيرًا (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا) : لَعَلَّ التِّكْرَارَ لِلتَّأْكِيدِ، أَوِ الْأَوَّلُ لِلذَّاتِ، وَالثَّانِي لِلصِّفَاتِ، وَالثَّالِثُ لِلْأَفْعَالِ، وَأَفْعَلُ لِمُجَرَّدِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ مَعْنَاهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُعْرَف عَظَمَتُهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلًا فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِأَكْبَرَ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ فِي صِفَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الْمُشَارَكَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِيهِ أَحَدٌ فِي أَصْلِ الْكِبْرِيَاءِ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) : صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: حَمْدًا كَثِيرًا (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) : عَلَى النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى وَمَا بَيْنَهُمَا (وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) : أَيْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَآخِرِهِ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعَامِلُ سُبْحَانَ، وَخَصَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِاجْتِمَاعِ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِيهِمَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَصَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ التَّخْصِيصِ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ التَّغَيُّرِ فِي أَوْقَاتِ تَغَيُّرِ الْكَوْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الدَّوَامُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62] (ثَلَاثًا) : قَيْدًا لِكُلٍّ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْأَخِيرِ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِاسْتِغْنَاءِ الْأَوَّلِينَ عَنِ التَّقْيِيدِ لَهُمَا بِتَلَفُّظِهِ ثَلَاثًا وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثَلَاثًا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَقِبَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: ” عَجِبْتُ لَهَا فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ” اهـ.

✩✩✩✩✩✩✩

وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَفْلَاكُ التِّسْعَةُ عَلَى وَفْقِ عَدَدِ الْمَرَّاتِ الْمَذْكُورَةِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ نَفْخِهِ) : بَدَلُ اشْتِمَالٍ أَيْ: مِنْ كِبْرِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى كُفْرِهِ (وَنَفْثِهِ) ، أَيْ: سِحْرِهِ (وَهَمْزِهِ) ، أَيْ: وَسْوَسَتِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّفْخُ كِنَايَةٌ عَنِ الْكِبْرِ، كَانَ الشَّيْطَانُ يَنْفُخُ فِيهِ بِالْوَسْوَسَةِ فَيُعَظِّمُهُ فِي عَيْنِهِ وَيُحَقِّرُ النَّاسَ عِنْدَهُ، وَالنَّفْثُ عِبَارَةٌ عَنِ الشِّعْرِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفُثُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ فِيهِ كَالرُّقْيَةِ اهـ، وَقِيلَ: ” مِنْ نَفْخِهِ “، أَيْ: تَكَبُّرِهِ يَعْنِي: مِمَّا يَأْمُرُ النَّاسَ بِهِ مِنَ التَّكَبُّرِ، ” وَنَفْثِهِ ” مِمَّا يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِنْشَاءِ الشِّعْرِ الْمَذْمُومِ مِمَّا فِيهِ هَجْرُ مُسْلِمٍ أَوْ كُفْرٌ أَوْ فِسْقٌ، ” وَهَمْزِهِ “، أَيْ: مِنْ جَعْلِهِ أَحَدًا مَجْنُونًا بِنَخْسِهِ وَغَمْزِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ (وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ) ، أَيِ: ابْنُ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرْ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) : وَلَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ لَا تُعَارِضُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ فَتُقْبَلَ (وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: ” مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) : وَهِيَ زِيَادَةٌ يُعْمَلُ بِهَا كَذَلِكَ بِأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِلُحُوقِ الزِّيَادَاتِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّارَاتِ، (وَقَالَ عُمَرُ) : قَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ عَمْرٌو بِالْوَاوِ (نَفْخُهُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْإِعْرَابِ وَبِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَاتِ (الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ) ، أَيِ: الْمَذْمُومُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً، أَيْ: مَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا، وَفِي الْبُخَارِيِّ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً، أَيْ: قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، «أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَنْشَدَ مِنَ الشَّرِيدِيِّ شِعْرَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، فَأَنْشَدَهُ مِائَةَ قَافِيَةٍ» وَرَدُّوا بِهَذَا عَلَى مَنْ كَرِهَ الشِّعْرَ مُطْلَقًا، وَاحْتِجَاجُهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الشِّعْرُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ، وَالْخَبَرِ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي قُرْآنًا، قَالَ: قُرْآنُكَ الشِّعْرُ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِيهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ تُحْمَلُ اللَّامُ عَلَى الْعَهْدِ وَهُوَ الشِّعْرُ الْمَذْمُومُ، أَوْ عَلَى الْجِنْسِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَحْمُودُ جَمْعًا بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ) : بِالضَّمِّ وَفَتْحِ التَّاءِ، نَوْعٌ مِنَ الْجُنُونِ وَالصَّرَعِ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ، فَإِذَا أَفَاقَ عَادَ عَلَيْهِ كَمَالُ عَقْلِهِ كَالنَّائِمِ وَالسَّكْرَانِ قَالَ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْجُنُونُ سَمَّاهُ هَمْزًا؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنَ الْهَمْزِ وَالنَّخْسِ، وَكُلُّ شَيْءٍ دَفَعْتَهُ فَقَدْ هَمَزْتَهُ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ كَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ، فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَالْأَنْسَبُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّفْثِ السِّحْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ} [الفلق: 4] وَأَنْ يُرَادَ بِالْهَمْزِ الْوَسْوَسَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} [المؤمنون: 97] وَهِيَ خَطَرَاتُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُغْرُونَ النَّاسَ عَلَى الْمَعَاصِي كَمَا تُهْمَزُ الرَّكْضَةُ وَالدَّوَابُّ بِالْمِهْمَازِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذِ السِّحْرُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلٍ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي الْآيَةِ لِابْنِ حَجَرٍ، وَهُوَ ظُلْمٌ فِي حَقِّ الطِّيبِيِّ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ أَنَّ النَّفْثَ جَاءَ بِمَعْنَى السِّحْرِ فِي الْآيَةِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْمُرَادِ مِنَ الْقَوْلِ بِالشِّعْرِ، فَإِنَّهُ مَا جَاءَ مُطْلَقًا بِمَعْنَى الشِّعْرِ لَا فِي الْآيَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَمْ يَدَّعِ الطِّيبِيُّ أَنَّ السِّحْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنَّفْثِ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَظَرِهِ، هَذَا وَأَصْلُ النَّفْثِ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ بِالْفَمِ شَبِيهَ النَّفْخِ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ، وَهَذَا بِمَعْنَى السِّحْرِ أَظْهَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ: وَنَفْثُ الشَّيْطَانِ الشِّعْرُ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ؛ وَلِذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فُسِّرَ النَّفْثُ فِي الْحَدِيثِ بِالشِّعْرِ؛ لِأَنَّهُ يُنْفَثُ مِنَ الْفَمِ اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى السِّحْرِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بِسِحْرِهِ يَلْقَى الشَّاعِرَ فِي شِعْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ إِسْنَادَ الشِّعْرِ إِلَى الشَّيْطَانِ مَجَازِيٌّ بِخِلَافِ إِسْنَادِ السِّحْرِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

✩✩✩✩✩✩✩

818 – «وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] » ، فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ.

818 – (وَعَنْ سَمُرَةَ) ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَانِيهِ (ابْنِ جُنْدُبٍ) ، بِضَمِّهِمَا وَبِفَتْحِ الدَّالِ (أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ) ، أَيْ: لِلْإِحْرَامِ (وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ، السَّكْتَةُ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَالسَّكْتَةِ الْأُولَى، وَمَكْرُوهَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ السَّكْتَةَ الْأُولَى لِلثَّنَاءِ، وَالثَّانِيَةَ لِلتَّأْمِينِ قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: سُكُوتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَكْتَتَيْنِ: إِحْدَاهَا كَانَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وَفَائِدَتُهُ أَنْ يَفْرُغَ الْمَأْمُومُ مِنَ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ سَمَاعُ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ وَثَانِيَتُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْفَاتِحَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْجِعَ الْإِمَامُ إِلَى التَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ اهـ.
وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ إِذِ السَّكْتَةُ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَةً خَالِيَةً عَنِ الذِّكْرِ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَانَ سُكُوتًا عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وَكَوْنُ السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ لِلتَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ كَوْنُهَا لِيَقْرَأَ الْمَأْمُومُ قَلْبٌ لِلْمَوْضُوعِ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، (فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) ، أَيْ: وَافَقَهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ، قَالَ مِيرَكُ: مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ وَسَاقَهُ قَالَ: فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: فَكَتَبُوا ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أُبَيٍّ فَصَدَّقَ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ، وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ سَمُرَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ بَلْ صَحِيحٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَّتَتَانِ إِذْ قَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، أَيْ: أَرَادَ قِرَاءَتَهَا بِدَلِيلِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا، وَفِي أُخْرَى إِذَا فَرَغَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا، بَلْ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا إِثْبَاتُ ثَلَاثِ سَكَتَاتٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَ السُّورَةِ اهـ.
وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّكَتَاتِ الزِّيَادَةُ عَلَى حَدِّ التَّنَفُّسِ فِي أَوَاخِرِ الْآيَاتِ إِذْ ثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فَيَقِفُ، وَهَكَذَا عَلَى رُءُوسِ الْآيِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْقُرَّاءِ السَّكْتَةَ عَلَى الْوَقْفِ بِلَا تَنَفُّسٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى إِصْلَاحِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاسْتَحَبَّ أَئِمَّتُنَا أَيْضًا السَّكْتَةَ بَيْنَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَبَيْنَ التَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ، وَبَيْنَ آمِينَ وَالسُّورَةِ، وَبَيْنَ السُّورَةِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَكُلُّهَا سَكَتَاتٌ خَفِيفَةٌ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِهَا، وَقِيَاسُهُ الْبَاقِي إِلَّا الَّتِي بَيْنَ آمِينَ وَالسُّورَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهَا بِذِكْرٍ أَوْ قُرْآنٍ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ لِيَسْمَعَ الْإِمَامَ اهـ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ فِي الْحَدِيثِ عَلَى سُنِّيَّةِ هَذِهِ السَّكْتَةِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي هَذِهِ السَّكْتَةِ شَيْئًا مَعَ مُخَالَفَةِ ظَاهِرِ السَّكْتَةِ لِلْقِرَاءَةِ، وَأَيْضًا سَمَاعُ الْإِمَامِ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ لَمْ يَرِدْ فِي أَصْلٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ، بَلْ وَرَدَ نَهْيُ الْمَأْمُومِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ، بَلْ عَنْ نَفْسِ الْقِرَاءَةِ فِي مَحَلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) : أَيْ مَعْنَاهُ.

✩✩✩✩✩✩✩

819 – وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ، وَلَمْ يَسْكُتْ، هَكَذَا فِي ” صَحِيحِ مُسْلِمٍ “، وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي أَفْرَادِهِ، وَكَذَا صَاحِبُ ” الْجَامِعِ ” عَنْ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ.

819 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَهَضَ) ، أَيْ: قَامَ (مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ، أَيْ مِنْ أَجْلِهَا (اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ) : الْمُرَادُ السُّورَةُ الْمُخْتَصَّةُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُسِرُّهَا (وَلَمْ يَسْكُتْ) ، أَيْ: لِلثَّنَاءِ هَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي أَفْرَادِهِ، أَيْ: فِي مُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ وَمُخْتَصَّاتِهِ، (وَكَذَا صَاحِبُ الْجَامِعِ) ، أَيْ لِلْأُصُولِ هُوَ ابْنُ الْأَثِيرِ (عَنْ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ) : فَإِيرَادُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي دُونَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِقَاعِدَتِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ فَلَمْ يَسْتَدْرِكْهُ، قُلْتُ: لَعَلَّ الْحَاكِمَ رَوَاهُ بِسَنَدٍ غَيْرِ سَنَدِ مُسْلِمٍ وَكَانَ رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
820 – عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ” «إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الْأَعْمَالِ، وَسَيِّئَ الْأَخْلَاقِ، لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» “، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
820 – (عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ) ، أَيْ: بِالِاسْتِقْبَالِ وَالنِّيَّةِ (كَبَّرَ) : لِلتَّحْرِيمَةِ (ثُمَّ قَالَ: ” إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) ، أَيْ: بَقِيَّةَ عِبَادَتِي (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) ، أَيْ: أَحْوَالِي فِيهِمَا (لِلَّهِ) : أَيْ خَالِصَةٌ لِلَّهِ (رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ) : أَيِ الْإِخْلَاصِ (أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَفْظُ التَّنْزِيلِ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ: أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُقَدَّمٌ عَلَى إِسْلَامِ أُمَّتِهِ اهـ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَأْمُورٌ بِهَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] الْآيَةَ لَكِنْ كَانَ يَقُولُ هَذَا تَارَةً، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُخْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ تَوَاضُعًا حَيْثُ عَدَّ نَفْسَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَمَا قَالَ: ” «وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» ” وَفِي الْأَزْهَارِ قَوْلُهُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَقْرَأُ كَذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، قُلْتُ: وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا مَا لَمْ يُرِدْ لَفْظَ الْآيَةِ، يَعْنِي: لَا يَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ، بَلْ تَالِيًا لِلْقُرْآنِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، قِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِلْكَذِبِ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَالٍ لَا مُخْبِرٌ ( «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ» ) ، أَيِ الظَّاهِرَةِ ( «وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ» ) ، أَيِ الْبَاطِنَةِ ( «لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا» ) : أَيِ الْمَذْكُورَاتِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ( «إِلَّا أَنْتَ وَقِنِي سَيِّئَ الْأَعْمَالِ، وَسَيِّئَ الْأَخْلَاقِ، لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» ) : وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْأَسْوَأِ الْمُقَابِلِ لِلْأَحْسَنِ إِلَى السَّيِّئِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

821 – وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا قَالَ: ” «اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» “، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ” «وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» “، ثُمَّ قَالَ: ” «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ» “، ثُمَّ يَقْرَأُ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

821 – (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ) : أَنْصَارِيٌّ، أَوْسِيٌّ، شَهِدَ الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا إِلَّا تَبُوكَ، وَكَانَ مِنَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا) : ظَاهِرُهُ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِوَجَّهْتُ وَجْهِي فِي النَّوَافِلِ أَوِ السُّنَنِ (قَالَ: ” اللَّهُ أَكَبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِي) : بِالْوَجْهَيْنِ، أَيْ: وَجَّهْتُ قَصْدِي أَوْ ذَاتِي (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، أَيْ: أَبْدَعَهُمَا (حَنِيفًا) : مَائِلًا عَمَّا سِوَاهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ لَفْظُ ” مُسْلِمًا ” بَعْدَ ” حَنِيفًا “، وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : تَأْكِيدٌ وَتَعْرِيفٌ وَإِظْهَارٌ لِلتَّلَذُّذِ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ، وَتَحَدُّثٌ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، (وَذَكَرَ) ، أَيْ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (الْحَدِيثَ مِثْلَ جَابِرٍ، إِلَّا أَنَّهُ) ، أَيْ: مُحَمَّدًا (قَالَ: ” وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) : بَدَلَ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ» “، ثُمَّ يَقْرَأُ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

 

Leave a Comment

Scroll to Top