باب في الاضحية

باب في الاضحية
[48] بَابٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1453 – عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ، قَالَ: رَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[48]- بَابٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَيُكْسَرُ، وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَبِتَخْفِيفِهَا، فَمُحْتَاجٌ إِلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ أَوْ دَلِيلٍ صَحِيحٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي الْأُضْحِيَّةِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ، وَهِيَ اسْمٌ لِلْمَذْبُوحِ يَوْمَ النَّحْرِ، الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ: أُضْحِيَّةٌ وَإِضْحِيَّةٌ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، وَجَمْعُهَا أَضَاحِيٌّ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، الثَّالِثَةُ: ضَحِيَّةٌ، وَجَمْعُهَا ضَحَايَا، وَالرَّابِعَةُ: أَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْجَمْعُ أَضْحَى، كَأَرْطَأَةَ وَأَرْطَى، وَبِهَا سُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ تُفْعَلُ فِي الضُّحَى، وَفِي الْأَضْحَى لُغَتَانِ: التَّذْكِيرُ لُغَةُ قَيْسٍ، وَالتَّأْنِيثُ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَهُوَ مُنْصَرِفٌ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْأُضْحِيَّةُ مَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَبِهِ سُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى، وَيُقَالُ: ضَحَّى بِكَبْشٍ أَوْ غَيْرِهِ إِذَا ذَبَحَهُ وَقْتَ الضُّحَى مِنْ أَيَّامِ الْأَضْحَى، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى قِيلَ ذَلِكَ وَلَوْ ذَبَحَ آخِرَ النَّهَارِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: تَسْمِيَةُ الْأُضْحِيَّةِ بِهَا فِي الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلَاتِنَا هَذِهِ فَلْيُعِدْ» اهـ.
وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] أَيْ: صَلِّ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَانْحَرِ النُّسُكَ، كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُفَسِّرُونَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَاعْتَبَرَ فِي وُجُوبِهَا النِّصَابَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَدَلِيلُنَا مَا جَاءَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى النَّاسُ ذَلِكَ وَاجِبًا، وَفِيهِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا مَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَتَعْلِيلُهَا وَقَعَ لِتَوَهُّمِ عُمُومِ الْوُجُوبِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مُوَاظَبَتُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – عَشْرَ سِنِينَ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – فِيمَا سَبَقَ: فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ إِلَّا لِلْوُجُوبِ، وَحَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ مَرْدُودٌ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْوُجُوبَ خَبَرُ: «مَنْ وَجَدَ سَعَةً لِأَنْ يُضَحِّيَ فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَحْضُرْ مُصَلَّانَا» وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَرْفُوعٌ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
**********
1453 – (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى) مِنَ التَّضْحِيَّةِ أَيْ: ذَبَحَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ الْأُضْحِيَّةَ.
(رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِكَبْشَيْنِ) فِي الْقَامُوسِ: الْكَبْشُ: الْحَمَلُ إِذَا أَثْنَى، أَوْ إِذَا خَرَجَتْ رُبَاعِيَّتُهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الذَّكَرَ أَفْضَلُ مِنَ الْأُنْثَى ; فَإِنَّ لَحْمَهُ أَطْيَبُ.
(أَمْلَحَيْنِ) : أَفْعَلُ مِنَ الْمُلْحَةِ، وَهِيَ بَيَاضٌ يُخَالِطُهُ السَّوَادُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَقِيلَ: بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّقِيُّ الْبَيَاضِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ عَائِشَةَ: هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ، وَيَبْرَكُ فِي سَوَادٍ.
تَعْنِي: أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مِنْ بَدَنِهِ سُودٌ، وَبَاقِيهِ أَبْيَضُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَدَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ» ، وَمُنَازَعَةُ الْبُخَارِيِّ فِي رَفْعِهِ لَا تَضُرُّ ; لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَا يَقُولُهُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَلَوْ تَعَارَضَ اللَّوْنُ وَطِيبُ اللَّحْمِ، فَرِعَايَةُ طِيبِهِ أَفْضَلُ.
فَمَرْدُودٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُجَرَّدِ اللَّوْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَمِّيَّةِ اللَّحْمِ وَكَيْفِيَّتِهِ، مَعَ أَنَّ فِي الْكَثْرَةِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةِ الْفُقَرَاءِ، فَالْأَمْرُ تَعْبُدِيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَقْرَنَيْنِ) أَيْ: طَوِيلَيِ الْقَرْنِ أَوْ عَظِيمَيْهِمَا، وَقِيلَ: ذَوَيْ قَرْنٍ.
(ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ) : وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَعْرِفُ آدَابَ الذَّبْحِ، وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلْيَحْضُرْ عِنْدَ الذَّبْحِ لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ، بَلْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَالَ لِفَاطِمَةَ: قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا ; فَإِنَّهُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا يُغْفَرُ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ.
وَفِي رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ: كُلُّ ذَنْبٍ عَمَلْتِيهِ.
قَالَ الْمُظْهِرُ فِيهِ: أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَذْبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ الْأُضْحِيَّةَ بِيَدِهِ ; لِأَنَّ الذَّبْحَ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَةُ أَصْلُهَا أَنْ يُبَاشِرَ كُلٌّ بِنَفْسِهِ وَلَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ جَازَ اهـ.
وَلَعَلَّ وَجْهَ تَعَدُّدِهِمَا مَا يَأْتِي: أَنَّهُ ذَبَحَ وَاحِدًا عَنْ نَفْسِهِ وَآلِهِ، وَوَاحِدًا عَنْ أَمَتِهِ.
(وَسَمَّى النَّبِيُّ وَكَبَّرَ) أَيْ: قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْوَاوُ الْأُولَى لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ قَبْلَ الذَّبْحِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ عِنْدَنَا، وَالتَّكْبِيرَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْكُلِّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِيهِ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلذَّابِحِ مُطْلَقًا أَنْ يُسَمِّيَ وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عِنْدَنَا ; لِأَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَبَاحَ الْمَذْبُوحَ مَعَ ذِكْرِهِمْ لَهُ أَنَّهُمْ شَاكُّونَ فِي أَنَّ ذَابِحَهُ سَمَّى أَوْ لَا، فَمَدْفُوعٌ ; لِأَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَمَلَ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَا يَذْبَحُ إِلَّا مُسَمِّيًا، وَأَنَّ الشَّكَّ لَا يَضُرُّهُ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 118] وَ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ آكِلَ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ غَيْرُ فَاسِقٍ.
فَمَرْدُودٌ ; فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّتُنَا.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنَ الْحَدِيثِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ: وَيُخْتَارُ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يُكَبِّرَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَبَعْدَهَا ثَلَاثًا اهـ.
وَهُوَ غَرِيبٌ لِمُخَالَفَتِهِ الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ تَقْدِيمُ التَّكْبِيرِ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَالثَّانِي: التَّثْلِيثُ آخِرًا.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجْرٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، فَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى اهْتِمَامٍ بِمَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ صِحَّةً وَفَسَادًا، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عِنْدَ الذَّبْحِ، وَخَالَفَهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُسَنُّ.
(قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ.
(رَأَيْتُهُ) : – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (وَاضِعًا) : حَالٌ.
(قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا) : جَمْعُ صَفْحٍ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَهُوَ الْجَنْبُ، وَقِيلَ: جَمْعُ صَفْحَةٍ وَهُوَ عُرْضُ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: نَوَاحِي عُنُقِهَا.
وَفِي النِّهَايَةِ: صَفْحُ كُلِّ شَيْءٍ جِهَتُهُ وَنَاحِيَتُهُ.
(وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِتْيَانَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ أَوِ الْحَالِيَّةِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا، وَصَحَّ خَبَرُ: الْأُضْحِيَّةُ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ، وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِمَكْسُورِ الْقَرْنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعِيفًا.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1454 – وَعَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرَكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، قَالَ: يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ، ثُمَّ قَالَ: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1454 – (وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمَرَ بِكَبْشٍ) أَيْ: بِأَنْ يُؤْتَى بِهِ إِلَيْهِ.
(أَقْرَنَ، يَطَأُ) أَيْ: يَمْشِي.
(فِي سَوَادٍ) قِيلَ: هُوَ مَجَازٌ عَنْ سَوَادِ الْقَوَائِمِ.
(وَيَبْرَكُ) أَيْ: يَضْجَعُ.
(فِي سَوَادٍ) : عَنْ سَوَادِ الْبَطْنِ.
(وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ) : عَنْ سَوَادِ الْعَيْنِ، وَقِيلَ: أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَنَّ الْكَبْشَ كَانَ عَلَى مَا يَلِي أَظْلَافَهَا مِنَ الْأَكَارِعِ لُمْعَةُ سَوَادٍ، وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَالْمَحَاجِرِ، وَهِيَ حَوَالَيْ عَيْنَيْهِ، وَبَاقِيهِ أَبْيَضُ.
(فَأُتِيَ بِهِ) أَيْ: فَجِيءَ بِالْكَبْشِ.
(لِيُضَحِّيَ بِهِ) : عِلَّةٌ لِأَمْرِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – (قَالَ: يَا عَائِشَةَ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ) أَيْ: هَاتِيهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: بَنُو تَمِيمٍ تُثَنِّي وَتَجْمَعُ وَتُؤَنِّثُ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: هَلُمَّ فِي الْكُلِّ اهـ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} [الأنعام: 150] أَيْ: أَحْضِرُوهُمْ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ ضَعْفِ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: تَعَالِي بِهَا، وَالْمُدْيَةُ: بِضَمِّ الْمِيمِ أَصَحُّ مِنَ الْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، أَيِ: السِّكِّينُ.
(ثُمَّ قَالَ: اشْحَذِيهَا) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: حُدِّي الْمُدْيَةَ.
(بِحَجَرٍ) أَيْ: مِنْ أَحْجَارِ الْمِسَنِّ أَوْ مُطْلَقًا.
(فَفَعَلَتْ) وَفِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «وَلِيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ» وَهِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ السِّكِّينُ الْعَظِيمُ، وَيُكْرَهُ حَدُّهَا قُبَالَةَ الذَّبِيحَةِ ; لِأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ بِالدِّرَّةِ مَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَرِهَ ذَبْحَ أُخْرَى قُبَالَتَهَا لِخَبَرٍ فِيهِ.
(ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ) أَيْ: أَرْقَدَهُ عَلَى جَنْبِهِ.
(ثُمَّ ذَبَحَهُ) أَيْ: أَرَادَ ذَبْحَهُ.
(ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ هَذِهِ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَأَنَّهَا هُنَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ الْأَوَّلِيَّةَ، وَإِلَّا فَالتَّسْمِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الذَّبْحِ.
(اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ) ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ الْمُشَارَكَةُ فِي الثَّوَابِ مَعَ الْأُمَّةِ ; لِأَنَّ الْغَنَمَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي عَنِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا اهـ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَكِنْ إِذَا ذَبَحَ وَاحِدٌ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ بِشَاةٍ تَأَدَّتِ السُّنَّةُ لِجَمِيعِهِمْ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَمَالِكٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ إِذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّةً: أُضَحِّي هَذَا عَنِّي وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَكُرِهَ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ نَقْلَ الطِّيبِيِّ وَابْنِ الْمَلَكِ مُتَنَافِيَانِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَوَازِ الْمَنْقُولِ، وَلَا عَلَى مَنْعِهِ، وَلَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ الْمَذْكُورِ، بَلْ لَمَّا دَعَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِنَفْسِهِ – وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ – شَارَكَهُ آلُهُ وَأُمَّتُهُ فِي قَبُولِ أُضْحِيَّاتِهِمْ، أَوْ مِنْ مُطْلَقِ عِبَادَاتِهِمْ.
(ثُمَّ ضَحَّى) ، أَيْ: فَعَلَ الْأُضْحِيَّةَ بِذَلِكَ الْكَبْشِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَنَا قَوْلَهُ: ثُمَّ ذَبَحَهُ، بِأَنَّهُ أَرَادَ ذَبْحَهُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْأَسَاسِ: أَوْ غَدَّى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَجَازٌ، وَالْحَمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْفَى مَهْمَا أَمْكَنَ، ثُمَّ مَعْنَى غَدَّى أَيْ: غَدَّى النَّاسَ بِهِ أَيْ: جَعَلَهُ طَعَامَ غَدَاءٍ لَهُمْ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيْرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ.

✩✩✩✩✩✩✩

1455 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1455 – (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً) : وَهِيَ الْكَبِيرَةُ بِالسِّنِّ، فَمِنَ الْإِبِلِ الَّتِي تَمَّتْ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ، وَمِنَ الْبَقَرِ الَّتِي تَمَّتْ لَهَا سَنَتَانِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَمِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ مَا تَمَّتْ لَهَا سَنَةٌ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
(إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ) أَيْ: يَصْعُبَ.
(عَلَيْكُمْ) أَيْ: ذَبْحُهَا، بِأَنْ لَا تَجِدُوهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَالظَّاهِرُ أَيْ: يَعْسُرُ عَلَيْكُمْ أَدَاءُ ثَمَنِهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ) بِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الْجَذَعَةُ لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى مُسِنَّةٍ، وَمَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ اهـ.
وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «نِعْمَتِ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ» وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: «ضَحُّوا بِالْجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ» .
(فَذَبَحُوا جَذَعَةً) : بِفَتْحَتَيْنِ.
(مِنَ الضَّأْنِ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَيُحَرَّكُ خِلَافَ الْمَعْزِ مِنَ الْغَنَمِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ قَبْلَ السَّنَةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، لَكِنْ يُقَيَّدُ بِأَنَّهَا تَكُونُ بِنْتَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تُشْبِهُ مَا لَهَا سَنَةٌ لِعِظَمِ جُثَّتِهَا.
وَفِي النِّهَايَةِ: الْجَذَعُ مِنْ أَسْنَانِ الدَّوَابِّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْهَا شَابًّا فَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ مَا دَخَلَ فِي الْمُسِنَّةِ، وَمِنَ الْبَقَرِ مَا دَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ، وَمِنَ الضَّأْنِ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مِنْهَا، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ إِلَّا الثَّنِيُّ، وَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ مَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ سِنِينَ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْمَعْزِ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ، وَأَمَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى جَوَازِهِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّأْنِ إِلَّا الثَّنِيُّ فَصَاعِدًا كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا وَرَدَ: «نِعْمَتِ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ» اهـ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ: الْمَعْزُ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ مَخْصُوصٌ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَفِي التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفَاقِ تَخَالُفٌ.
قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ: لَا تَذْبَحُوا لِلْحُرْمَةِ فِي الْإِجْزَاءِ، وَلِلتَّنْزِيهِ فِي الْعُدُولِ إِلَى الْأَدْنَى، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْحَدِيثِ بِدَلِيلِ.
(إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ) وَالْعُسْرُ قَدْ يَكُونُ لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا، وَقَدْ يَكُونُ لِفَقْدِهَا وَعِزَّتِهَا، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَمْلُ وَالْحَثُّ عَلَى الْأَكْمَلِ وَالْأَفْضَلِ، وَهُوَ الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الضَّأْنُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّرْتِيبَ وَالشَّرْطَ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: الْمُرَادُ بِالْمُسِنَّةِ هُنَا الْبَقَرَةُ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا مُخَصِّصَ لَهَا، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَانَ مُقْتَضَى عَادَتِهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَيَقُولَ: رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

1456 – «وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَعْطَاهُ غَنَمًا يُقَسِّمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ.
وَفِي رِوَايَةٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي جَذَعٌ.
قَالَ: (ضَحِّ بِهِ) » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1456 – ( «وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَعْطَاهُ غَنَمًا» ) أَيْ: أَغْنَامًا.
(يُقَسِّمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ) أَيْ: أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(ضَحَايَا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يُقَسِّمُهَا، إِرَادَةَ التَّضْحِيَةِ.
(فَبَقِيَ) أَيْ: بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
(عَتُودٌ) فِي النِّهَايَةِ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: هُوَ الصَّغِيرُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ إِذَا قَوِيَ، وَأَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ.
(فَذَكَرَهُ) أَيْ: عُقْبَةَ بَقَاءِ الْعَتُودِ (لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّضْحِيَةِ بِالْمَعْزِ إِذَا كَانَ لَهُ سَنَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُذَاقُ مِنْهُ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ كَمَا «فِي جَذَعَةِ ابْنِ نِيَارٍ قَالَ يُجْزِئُ عَنْكَ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ لَا تُؤْخَذُ بِالذَّوْقِ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ صَرِيحٌ فِي الِاخْتِصَاصِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَحْمِلَ الْجَذَعَةُ الْمُخْتَصَّةُ مَا دُونُ نِصْفِ السَّنَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي جَذَعٌ» ) أَيْ: مِنَ الضَّأْنِ.
(قَالَ: ضَحِّ بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيْرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

✩✩✩✩✩✩✩

1457 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1457 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَذْبَحُ) أَيِ: الشَّاةَ وَالْبَقَرَ.
(وَيَنْحَرُ) أَيِ: الْإِبِلَ.
(بِالْمُصَلَّى.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
قَالَ السَّيِّدُ: قَدْ مَرَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، ذَكَرَهُ هُنَا لِبَيَانِ مَكَانِ الذَّبْحِ ; إِذِ الذَّبْحُ فِي الْمُصَلَّى أَفْضَلُ لِإِظْهَارِ الشِّعَارِ، وَذُكِرَ ثَمَّةَ لِبَيَانِ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا ذَبَحَ بِالْمُصَلَّى عُلِمَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ فَنَنْحَرَ قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ الذَّبْحِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1458 – وَعَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ.

1458 – وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ» أَيْ: أَنْ تُجْزِئَ عَنْ سَبْعَةِ أَشْخَاصٍ.
(وَالْجَزُورُ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَهُوَ مَا يُجْزَرُ أَيْ: يُنْحَرُ مِنَ الْإِبِلِ خَاصَّةً، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَسُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ الْجَزَّارَ يَأْخُذُهَا فَهِيَ جُزَارَةٌ، كَمَا يُقَالُ: أَخَذَ الْعَامِلُ عُمَالَتَهُ.
(عَنْ سَبْعَةٍ) أَيْ: تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةِ أَنْفُسٍ، أَوْ يُضَحِّي عَنْ سَبْعَةِ أَشْخَاصٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْأَكْثَرُونَ تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ عَنْ سَبْعَةٍ، وَلَا تَجُوزُ عَنْ أَكْثَرَ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: تَجُوزُ الْإِبِلُ عَنْ عِشْرَةٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَسَيَأْتِي فِي الْحَاوِي.
هُوَ مَوْقُوفٌ وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، وَمَتْرُوكٌ وَلَيْسَ بِمُعَوَّلٍ، كَذَا فِي الْأَزْهَارِ.
وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَكْلَ نَصِيبِهِ وَلَمْ يَصْرِفْ مِنْهُ شَيْئًا فِي الْأُضْحِيَّةِ جَازَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ كُلُّهُمُ الْأُضْحِيَّةَ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِسَبْعَةٍ الِاشْتِرَاكُ فِي بَدَنَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشُّرَكَاءُ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ مِنَ الْبُيُوتِ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ كَذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ تَعْبِيرٌ مُوهِمٌ فَتَأَمَّلْ! (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَزَعْمُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَهُ غَلَطٌ، وَفِي خَبَرٍ لِمُسْلِمٍ، فِي التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» .
(وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ) أَيْ: لَفْظُ الْحَدِيثِ.
(لَهُ) أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَهَذَا هُوَ الدَّاعِي لِلْمُصَنِّفِ إِلَى ذِكْرِ أَبِي دَاوُدَ مَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُسْنَدُ لِغَيْرِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الْبَغَوِيَّ لَمَّا أَخَذَ لَفْظَ أَبِي دَاوُدَ الثَّابِتَ مَعْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ، وَجَعَلَهُ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ أَوْهَمَ أَنَّ اللَّفْظَ لِأَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ، فَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ هُوَ الْمَعْنَى، وَلِأَبِي دَاوُدَ اللَّفْظُ.

✩✩✩✩✩✩✩

1459 – وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ بَعْضُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفْرًا، وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ ظِفَارِهِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1459 – (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أَيْ: أَوَّلُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
(وَأَرَادَ) أَيْ: قَصَدَ.
(بَعْضُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ) : سَوَاءً وَجَبَ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ، أَوْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ عَلَى الْجِهَةِ التَّطَوُّعِيَّةِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ، وَلَا عَلَى السُّنِّيَّةِ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ; لِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَى إِرَادَتِهِ حَيْثُ قَالَ: وَأَرَادَ) ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُفَوِّضِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قُلْتُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ» وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
وَلِهَذَا اعْتَرَضَ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَأَطَالُوا فِي إِبْطَالِهِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ.

✩✩✩✩✩✩✩

أَقُولُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْهُمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ وُجُودِ النِّصَابِ عِنْدَهُمَا، وَتَرَكَاهَا كَرَاهَةَ أَنْ يُرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ حَتَّى عَلَى الْفُقَرَاءِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا السُّنَّةَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْوُجُوبُ، فَإِنَّ هَذَا وَظِيفَةُ الشَّارِعِ حَيْثُ يَتْرُكُ الشَّيْءَ تَارَةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَلِلْعِلْمِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَأَيْضًا هَذِهِ الْعِلَّةُ لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ مِنْ قِبَلِهِمَا.
نَعَمْ لَوْ صَرَّحَا بِهَا لَكَانَ يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ فِي الْجُمْلَةِ، فَكَانَ لَنَا أَنْ نَقُولَ مُرَادُهُمَا بِالْوُجُوبِ الْفَرْضِيَّةُ، إِذِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوُجُوبِ حَادِثٌ بَعْدَهُمَا، وَنَحْنُ نَقُولُ بِعُلُومِ الْفَرْضِيَّةِ لِفِقْدَانِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَيَكْفِي لِلْوُجُوبِ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا مُبْهَمٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ: سُنَّةٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ، فَلَا تُنَافِي الْوُجُوبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبُهُ، وَهَذَا لَا يَضُرُّنَا لِأَنَّا مَا ادَّعَيْنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا، وَالصَّوَابُ أَنَّ هُنَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا قَوْلَ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ قَالَ لِقَوْلِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامِ» ) ضَحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
أَقُولُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ حَسَنٌ كَمَا سَيَأْتِي، مَعَ أَنَّ أَخْذَ الْمُجْتَهِدِ لَهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ، وَلَا يَضُرُّ ضَعْفٌ حَدَثَ بِالْحَدِيثِ بَعْدَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَعَ أَنَّ الْعَتِيرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِالِاتِّفَاقِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قُلْتُ: وَلَا سُنَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسْخُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ أَيْضًا، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ «نَسَخَ الْأَضْحَى كُلَّ ذَبْحٍ» وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَلَا يَمَسُّ) : بِضَمِّ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: بِالْقَطْعِ وَالْإِزَالَةِ.
(مِنْ شَعَرِهِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ.
(وَبَشَرِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ.
(شَيْئًا) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُمَا لِلتَّشَبُّهِ بِحُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الْمُحْرِمِينَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُضَحِّي يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَوْجِبَةً لِلْعِقَابِ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَلَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ فَفَدَاهَا بِالْأُضْحِيَّةِ، وَصَارَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا فِدَاءَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ مَسِّ الشَّعْرِ وَالْبَشَرِ ; لِئَلَّا يُفْقَدَ مِنْ ذَلِكَ قِسْطٌ مَا عِنْدَ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَفَيَضَانِ النُّورِ الْإِلَهِيِّ، لِيَتِمَّ لَهُ الْفَضَائِلُ، وَيَتَنَزَّهَ عَنِ النَّقَائِصِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعْنَى هُنَا التَّشَبُّهُ بِالْحُجَّاجِ غَلَّطُوهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ طَلَبُ الْإِمْسَاكِ عَنْ نَحْوِ الطِّيبِ وَلَا قَائِلَ بِهِ اهـ.
وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ مِنْ قَائِلِهِ ; لِأَنَّ التَّشَبُّهَ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ وَجَّهَ تَوْجِيهًا حَسَنًا قِي خُصُوصِ اجْتِنَابِ قَطْعِ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفْرِ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: الْمُرَادُ بِالْبَشَرِ هُنَا الظُّفْرُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ دَلَّتَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْبَشَرُ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُقَشِّرُ مِنْ جِلْدِهِ شَيْئًا إِذَا احْتِيجَ إِلَى تَقْشِيرِهِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: أَيْ: فَلَا يَمَسُّ مِنْ شَعْرِ مَا يُضَحِّي بِهِ، وَبَشَرِهِ أَيْ ظُفْرِهِ وَأَرَادَ بِهِ الظِّلْفَ، ثُمَّ قَالَ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، فَمَنَعُوا مِنْ أَخْذِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ مَا لَمْ يُذْبَحْ، وَكَانَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ – رَحِمَهُ اللَّهُ – وَالْأَصْحَابُ اهـ.
وَفِي عِبَارَتِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الِاسْتِغْرَابِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةٌ، فَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يُضَحِّيَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنْ لَا يَحْلِقَ شَعْرَهُ، وَلَا يُقَلِّمَ ظُفْرَهُ حَتَّى يُضَحِّيَ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مَكْرُوهًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُبَاحٌ، وَلَا يُكْرَهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: بِتَحْرِيمِهِ كَذَا فِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: رَخَّصَ.
أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ فَخِلَافُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَأْخُذَنَّ) : بِنُونِ التَّأْكِيدِ أَيْ: لَا يُزِيلَنَّ.
(شَعْرًا، وَلَا يُقَلِّمَنَّ) : بِكَسْرِ اللَّامِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ وَقِيلَ بِالتَّثْقِيلِ أَيْ: لَا يَقْطَعَنَّ.
(ظُفُرًا) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَبِالْكَسْرِ شَاذٌّ أَيْ: لُغَةً ; لِأَنَّ سُكُونَ الثَّانِي شَاذٌّ قِرَاءَةً، وَقَرَأَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] .
(وَفِي رِوَايَةٍ: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ: أَبْصَرَهُ أَوْ عَلِمَهُ.
(وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1460 – وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1460 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا مِنْ أَيَّامٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَيَّامِ جُمْلَتُهَا.
(الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ) : ظَرْفٌ لِلْعَمَلِ بِالرَّفْعِ لَا غَيْرَ.
(إِلَى اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ: تَعَالَى.
(مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ) أَيِ: الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَمَلُ مُبْتَدَأٌ، وَفِيهِنَّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَالْخَبَرُ أَحَبُّ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مَا.
أَيْ: وَاسْمُهَا أَيَّامٌ) ، وَمِنِ الْأُولَى زَائِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَفْعَلَ، وَفِيهِ حَذْفٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ سِوَى الْعَشْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهَا أَيَّامُ زِيَارَةِ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ إِذَا كَانَ أَفْضَلَ كَانَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِ أَفْضَلَ.
وَذَكَرَ السَّيِّدُ: اخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ وَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْعَشْرُ أَفْضَلُ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَشْرُ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِلصَّوْمِ وَالْقَدْرِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ أَيَّامَ هَذِهِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ لِيَوْمِ عَرَفَةَ، وَلَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ; لِأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ ; وَلِذَا قَالَ: (مِنْ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ لَيَالٍ، كَذَا فِي الْأَزْهَارِ.
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ) : بِالرَّفْعِ.
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ !) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: وَلَا الْجِهَادُ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
(قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
(إِلَّا رَجُلٌ) أَيْ: إِلَّا جِهَادُ رَجُلٍ.
(خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِمَّا ذَكَرَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
(وَبِشَيْءٍ) أَيْ: صَرَفَ مَالَهُ وَنَفْسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي أُخِذَ مَالُهُ، وَأُرِيقَ دَمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذَا الْجِهَادُ أَفْضَلُ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ; لِأَنَّ الثَّوَابَ بِقَدْرِ الْمَشَقَّةِ اهـ.
وَفِي تَعْلِيلِهِ بَحْثٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَطْوِيلٍ.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيْرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1461 – عَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «ذَبَحَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ، مَوْجُوءَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيلِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صِلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ذَبَحَ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: «ذَبَحَ بِيَدِهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي» .

**********
الْفَصْلُ الثَّانِي
**********
1461 – (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَلَمَّا.
إِلَخْ.
(يَوْمَ الذَّبْحِ) أَيْ: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيُسَمَّى يَوْمَ النَّحْرِ أَيْضًا.
(كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ، مَوْجُوءَيْنِ) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ وَاوٍ فَضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ وَاوٍ فَهَمْزٍ مَفْتُوحٍ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: مُوجَيَيْنِ بِضَمِّ الْمِيمِ فَفَتْحِ الْجِيمَ وَالْيَاءُ الْأُولَى مُخَفَّفَةٌ وَمُشَدَّدَةٌ، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ أَيْ: خَصِيَّيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُرْوَى مَوْجِيَّيْنِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، قَلَبُوا الْهَمْزَةَ وَالْوَاوَ يَاءً عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ اهـ.
فِي النِّهَايَةِ: الْوِجَاءُ أَنْ تُرَضَّ أَيْ: تُدَقَّ أُنْثَيَا الْفَحْلِ رَضًّا شَدِيدًا يُذْهِبُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُوجَأَ الْعُرُوقُ وَالْخُصْيَتَانِ بِحَالِهِمَا، وَفِي الْقَامُوسِ: وَوُجِيَ هُوَ بِالضَّمِّ فَهُوَ مَوْجُوءٌ وَوَجِئٌ: دُقَّ عُرُوقُ خُصْيَتَيْهِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا، أَوْ هُوَ رُضَاضُهُمَا حَتَّى يَنْفَضِخَا أَيْ: يَنْكَسِرَا.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَوْجُوءَةَ لِنُقْصَانِ الْعُضْوِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ; لِأَنَّ الْخِصَاءَ يَزِيدُ اللَّحْمَ طِيبًا ; وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْعُضْوَ لَا يُؤْكَلُ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ بِنَفْسِهِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ اهـ.
وَفِي تَعْلِيلِهِ إِشْكَالٌ لِمَا فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ: «أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ اشْتَرَى كَبْشًا لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَعَدَا الذِّئْبُ، فَأَخَذَ أَلْيَتَهُ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ» ، لَكِنْ أَشَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ سَنَدِهِ.
(فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: جَعَلَ وَجْهَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِلْقَاءَ الْقِبْلَةِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِ قَلْبِهِ تِلْقَاءَ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: فَلَمَّا ذَبَحَهُمَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: أَرَادَ ذَبْحَهُمَا.
(قَالَ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ: جَعَلْتُ ذَاتِيَ مُتَوَجِّهًا.
(لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أَيْ: إِلَى خَالِقِهِمَا وَمُبْدِعِهِمَا.
(عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ فِي وَجَّهْتُ وَجْهِي، أَيْ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، يَعْنِي فِي الْأُصُولِ وَبَعْضِ الْفُرُوعِ.
(حَنِيفًا) : حَالٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ: مَائِلًا عَنِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ إِلَى الْمِلَّةِ الْقَوِيمَةِ الَّتِي هِيَ التَّوْحِيدُ الْحَقِيقِيُّ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا سِوَى الْمَوْلَى ; وَلِذَا «لَمَّا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا» .
(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : لَا شِرْكًا جَلِيًّا وَلَا خَفِيًّا.
قَالَ السَّيِّدُ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ نَبِيَّنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَبْلَ النُّبُوَّةِ هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ؟ قِيلَ: كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: مُوسَى، وَقِيلَ: عِيسَى، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ لِنَسْخِ الْكُلِّ بِشَرِيعَةِ عِيسَى، وَشَرْعُهُ كَانَ قَدْ حُرِّفَ وَبُدِّلَ.
قَالَ تَعَالَى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52] أَيْ: شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ، وَفِيهِ أَنَّ عِيسَى كَانَ مَبْعُوثًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ; فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا لِأَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَكَانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، وَلَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ إِجْمَاعًا، وَكَانَتْ عِبَادَتُهُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَنَا.
قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: وَلَعَلَّ اللَّهَ – عَزَّ وَجَلَّ – جَعَلَ خَفَاءَ ذَلِكَ وَكِتْمَانَهُ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ.
قُلْتُ: فِيهِ بَحْثٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَظْهَرُ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْمُعْجِزَاتِ يَعْنِي الَّتِي تُسَمَّى إِرْهَاصًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا قَبْلَ أَرْبَعِينَ غَيْرَ مُرْسَلٍ، وَأَمَّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْعٍ سِوَى شَرِيعَتِهِ إِجْمَاعًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَلِيًّا، ثُمَّ بَعْدَهَا صَارَ نَبِيًّا، ثُمَّ صَارَ رَسُولًا.
(إِنَّ صِلَاتِي وَنُسُكِي) أَيْ: سَائِرُ عِبَادَاتِي أَوْ تَقَرُّبِي بِالذَّبْحِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالذَّبْحِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] .
(وَمَحْيَايَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُسَكَّنُ.
(ط وَمَمَاتِي) : بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: وَمَا آتِيهِ فِي حَيَاتِي، وَمَا أَمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ اهـ.
أَوْ حَيَاتِي وَمَوْتِي.
(لِلَّهِ) أَيْ: خَالِصَةٌ لِوَجْهِهِ.
(رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ: سَيِّدُهُمْ وَخَالِقُهُمْ، وَمُرَبِّيهِمْ وَمُصْلِحُهُمْ، وَفِيهِ تَغْلِيبُ الْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ.
(لَا شَرِيكَ لَهُ) أَيْ: فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ.
(وَبِذَلِكَ) أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْعُبُودِيَّةِ.
(أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْمُنْقَادِينَ لِأَمْرِهِ، وَحُكْمِهِ، وَقَضَائِهِ، وَقَدَرِهِ.
(اللَّهُمَّ) أَيْ: يَا اللَّهُ.
(مِنْكَ) أَيْ: هَذِهِ الْأُضْحِيَّةُ عَطِيَّةٌ وَمِنْحَةٌ، وَاصِلَةٌ إِلَيَّ مِنْكَ.
(وَلَكَ) أَيْ: مَذْبُوحَةٌ وَخَالِصَةٌ لَكَ.
وَفِي الْمَصَابِيحِ زِيَادَةُ إِلَيْكَ، أَيْ: وَاصِلَةٌ وَرَاجِعَةٌ إِلَيْكَ، كَمَا يُقَالُ فِي الْأَمْثَالِ: مِمَّا لَكُمْ يُهْدَى لَكُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْكَبْشَ مِنْكَ، وَجَعَلْتُهُ لَكَ، وَأَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ.
(عَنْ مُحَمَّدٍ) أَيْ: صَادِرَةٌ عَنْهُ.
(وَأُمَّتِهِ) أَيِ: الْعَاجِزِينَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ فِي سُنَّةِ أُضْحِيَّتِهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ، وَالتَّعْمِيمَ الْمُنَاسِبَ لِشُمُولِ إِحْسَانِهِ، وَالْأَوَّلُ يَحْتَمِلُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ أَوِ الْأَخِيرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ الْمُشَارَكَةُ إِمَّا مَحْمُولَةٌ عَلَى الثَّوَابِ، وَإِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ ذَلِكَ الْجَنَابِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَنْ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَالثَّانِي عَنْ أُمَّتِهِ الضَّعِيفَةِ.
(بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ذَبَحَ) أَيْ: بِيَدِهِ، وَأَمَرَ بِذَبْحِهِ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَأَبُو دَاوُدَ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَدْ عَنْعَنَهُ، ذَكَرَهُ مِيْرَكُ.
(وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، ذَبَحَ بِيَدِهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا) أَيِ: الْكَبْشُ، أَوْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَبْشَيْنِ.
(عَنِّي) أَيِ: اجْعَلْهُ أُضْحِيَّةً عَنِّي.
(وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي) : وَفِيهِ رَائِحَةٌ مِنَ الْوُجُوبِ، فَيَكُونُ مَحْسُوبًا عَمَّنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ وَلَمْ يُضَحِّ، إِمَّا لِجَهَالَةٍ، أَوْ نِسْيَانٍ وَغَفْلَةٍ، أَوْ فَقْدِ أُضْحِيَّةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ رَحْمَةٌ عَلَى أُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ عَلَى عَادَتِهِ الْمَعْلُومَةِ.

✩✩✩✩✩✩✩

1462 – وَعَنْ حَنَشٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ، فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ.

1462 – (وَعَنْ حَنَشٍ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَبَائِي، قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ، وَقَدِمَ مِصْرَ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ.
(قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ) أَيْ: زِيَادَةً عَلَى أُضْحِيَّتِهِ الْخَاصَّةِ لَهُ.
(فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ !) أَيْ: مَا سَبَبُ هَذَا الزَّائِدِ؟ ! (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْصَانِي) أَيْ: عَهِدَ إِلَيَّ وَأَمَرَنِي.
(أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ) : بَعْدَ مَوْتِهِ إِمَّا بِكَبْشَيْنِ عَلَى مِنْوَالِ حَيَاتِهِ، أَوْ بِكَبْشَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْهُ) ، وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِي.
(فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّضْحِيَةَ تَجُوزُ عَمَّنْ مَاتَ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَلَمْ يَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ التَّضْحِيَةَ عَنِ الْمَيِّتِ.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أُحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ وَلَا يُضَحِّيَ، فَإِنْ ضَحَّى فَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَتَصَدَّقُ بِالْكُلِّ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا الْحَاكِمُ: «أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبِكَبْشَيْنِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمَرَنِي أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ أَبَدًا ; فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ أَبَدًا» .

✩✩✩✩✩✩✩

1463 – «وَعَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَأَلَّا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَالْأُذُنَ.

1463 – (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ) : بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: نَنْظُرَ إِلَيْهِمَا، وَشَامِلٌ فِي سَلَامَتِهِمَا مِنْ آفَةٍ تَكُونُ بِهِمَا، كَالْعَوَرِ وَالْجَدَعِ، قِيلَ: وَالِاسْتِشْرَافُ إِمْعَانُ النَّظَرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ وَضْعُ يَدِكَ عَلَى حَاجِبِكَ كَيْلَا تَمْنَعَكَ الشَّمْسُ مِنَ النَّظَرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّرَفِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى شَيْءٍ أَشْرَفَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الِاسْتِشْرَافُ الِاسْتِكْشَافُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الشُّرْفَةِ، وَهِيَ خِيَارُ الْمَالِ، أَيْ: أَمَرَنَا أَنْ نَتَخَيَّرَهُمَا أَيْ: نَخْتَارَ ذَاتَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ الْكَامِلَتَيْنِ.
(وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: الَّتِي قُطِعَ مِنْ قِبَلِ أُذُنِهَا شَيْءٌ، ثُمَّ تُرِكَ مُعَلَّقًا مِنْ مُقَدَّمِهَا.
(وَلَا مُدَابَرَةٍ) وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ دُبُرِهَا، وَتُرِكَ مُعَلَّقًا مِنْ مُؤَخَّرِهَا.
(وَلَا شَرْقَاءَ) بِالْمَدِّ أَيْ: مَشْقُوقَةِ الْأُذُنِ طُولًا مِنَ الشَّرَقِ، وَهُوَ الشَّقُّ، وَمِنْهُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّ فِيهَا تُشَرَّقُ لُحُومُ الْقَرَابِينِ.
(وَلَا خَرْقَاءَ) بِالْمَدِّ أَيْ: مَثْقُوبَةِ الْأُذُنِ ثُقْبًا مُسْتَدِيرًا، وَقِيلَ: الشَّرْقَاءُ مَا قُطِعَ أُذُنُهَا طُولًا، وَالْخَرْقَاءُ: مَا قُطِعَ أُذُنُهَا عَرْضًا، قَالَ الْمُظْهِرُ: لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ قُطِعَ بَعْضُ أُذُنِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ إِذَا قُطِعَ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ، وَلَا بَأْسَ بِمَكْسُورِ الْقَرْنِ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ الْوَجْهُ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ كُلَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ عَضْبَاءِ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ» .
قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَا عَضْبَاءُ الْأُذُنِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ النِّصْفُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مَقْطُوعًا اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُجْزِئُ مَا قُطِعَ دُونَ نِصْفِ أُذُنِهِ، وَهُوَ تَحْدِيدٌ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ فَهُوَ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَدِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِلَّا فَالْمُجْتَهِدُ أَسِيرُ الدَّلِيلِ.
فَإِذَا لَمْ تَرَ الْهِلَالَ فَسَلِّمْ لِأُنَاسٍ رَأَوْهُ بِالْأَبْصَارِ وَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَقْطُوعُ الْأُذُنِ كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا، وَلَا مَقْطُوعُ النِّصْفِ خِلَافَ الَّتِي لَا أُذُنَ لَهَا خِلْقَةً، وَلَا مَقْطُوعُ الذَّنَبِ وَالْأَنْفِ وَالْإِلْيَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْأُذُنِ، وَلَا الَّتِي يَبِسَ ضَرْعُهَا، وَلَا الذَّاهِبَةُ ضَوْءُ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَنْقُصَ رَعْيُهَا ; إِذْ لَا تُبْصِرُ أَحَدَ شِقَّيِ الْمَرْعَى، وَلَا الْعَجْمَاءُ الَّتِي لَا مُخَّ لَهَا وَهِيَ الْهَزِيلَةُ، وَلَا الْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تُنْسَبُ إِلَى الْمَنْسَكِ، وَلَا الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا تَعْتَلِفُ، وَلَا الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا بِحَيْثُ لَا تَعْتَلِفُ، وَلَا الْجَلَّالَةُ، وَيَجُوزُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا طُولًا، أَوْ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهَا، وَهِيَ مُتَدَلِّيَةٌ أَوْ مِنْ خَلْفِهَا، فَالنَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – كَمَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُبَالُوا بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ) لَهُ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: ذَهَبَ الْأَرْبَعَةُ أَنْ تُجْزِئَ الشَّرْقَاءُ وَهِيَ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا، وَالْخَرْقَاءُ وَهِيَ الْمَثْقُوبَةُ الْأُذُنِ مِنْ كَيٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ) نَقَلَهُ مِيْرَكُ.
(وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ) أَيْ: رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ.
(إِلَى قَوْلِهِ: وَالْأُذُنَ) بِالنَّصْبِ حِكَايَةً وَهِيَ الْأَوْلَى.

✩✩✩✩✩✩✩

1464 – وَعَنْهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ نُضَحِّيَ بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ» .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

1464 – (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ.
(قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ نُضَحِّيَ بِأَعْضَبَ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ» ) أَيْ: مَكْسُورِ الْقَرْنِ، مَقْطُوعِ الْأُذُنِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا وَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ، وَالْعَضْبُ الْقَطْعُ، وَفِي الْمُهَذَّبِ: أَنَّهُ تَجُوزُ الْجَمَّاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا، أَوْ كَانَ مَكْسُورًا، أَوْ ذَهَبَ غِلَافُ قَرْنِهَا، فَيَكُونُ النَّهْيُ تَنْزِيهًا.
وَفِي الْفَائِقِ: الْعَضْبُ فِي الْقَرْنِ دَاخِلُ الِانْكِسَارِ، وَيُقَالُ لِلِانْكِسَارِ فِي الْخَارِجِ الْقَصْمُ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَقَدْ يَكُونُ الْعَضْبُ فِي الْأُذُنِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْقَرْنِ أَكْثَرُ.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَقَالَ مِيْرَكُ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ: رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ.

✩✩✩✩✩✩✩

1465 – وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سُئِلَ: مَاذَا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: أَرْبَعًا: الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تَنْقَى» .
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.

1465 – (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سُئِلَ: مَاذَا يُتَّقَى) أَيْ: يُحْتَرَزُ وَيُجْتَنَبُ.
(مِنَ الضَّحَايَا) مِنْ بَيَانِيَّةٌ لِمَا.
(فَأَشَارَ بِيَدِهِ) أَيْ: بِأَصَابِعِهِ.
(فَقَالَ: أَرْبَعًا) أَيِ: اتَّقُوا أَرْبَعًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: السُّؤَالُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ: أَرْبَعٌ بِالرَّفْعِ، أُجِيبُ: بِأَنَّهُ رُبَّمَا صَحَّفَ النَّاسِخُ نَتَّقِي بِالنُّونِ، فَكَتَبَ يُتَّقَى بِالْيَاءِ، أَوْ أَنْ يُخَالَفَ الْجَوَابُ فَيُقَدَّرَ الْعَامِلُ اتَّقِ أَرْبَعًا اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ التَّصْحِيفَ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّاقِلِ، وَلَكِنْ مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ وَتَعَدُّدِ طُرُقِهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، سِيَّمَا وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ: فَأَشَارَ بِيَدِهِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ الْجَوَابَ وَقَعَ بِالْإِشَارَةِ، وَقَوْلُهُ: أَرْبَعًا مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، رَفْعًا لِلْإِبْهَامِ الْفِعْلِيِّ بِالتَّعْبِيرِ الْقَوْلِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْعَرْجَاءَ) : بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِنْ أَرْبَعًا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ كَذَا فِي الْأَزْهَارِ.
(الْبَيِّنَ) : بِالْوَجْهَيْنِ أَيِ: الظَّاهِرَ.
(ظَلْعُهَا) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَبِفَتْحٍ أَيْ: عَرَجُهَا وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَهَا الْمَشْيَ.
(وَالْعَوْرَاءَ) : عَطْفٌ عَلَى الْعَرْجَاءِ.
(الْبَيِّنَ عَوَرُهَا) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: عَمَاهَا فِي عَيْنٍ، وَبِالْأَوْلَى فِي الْعَيْنَيْنِ.
(وَالْمَرِيضَةَ الْبَيِّنَ مَرَضُهَا) : وَهِيَ الَّتِي لَا تَعْتَلِفُ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْخَفِيَّ فِي الضَّحَايَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
(وَالْعَجْفَاءَ) أَيِ: الْمَهْزُولَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ الْكَسْرَاءَ، وَفِي أُخْرَى الْكَسِيرَةَ.
(الَّتِي لَا تَنْقَى) : مِنَ الْإِنْقَاءِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هِيَ الْمَهْزُولَةُ الَّتِي لَا نَقِيَ لِعِظَامِهَا يَعْنِي: لَا مُخَّ لَهَا مِنَ الْعَجَفِ، يُقَالُ: أَنْقَتِ النَّاقَةُ أَيْ: صَارَ فِيهَا نَقْيٌ، أَيْ: سَمِنَتْ وَوَقَعَ فِي عِظَامِهَا الْمُخُّ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنَّ بَعْضَ رُوَاتِهِ فَسَّرَهُ بِأَنَّهَا الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا مِنَ الشَّحْمِ.
قَالَ: وَالْكَسْرَاءَ الَّتِي لَا تَنْقَى هِيَ الَّتِي لَا تَقُومُ مِنَ الْهُزَالِ.
(وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، ذَكَرَهُ مِيْرَكُ.
(وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1466 – وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُضَحِّي بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ، يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

1466 – (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُضَحِّي بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيَلٍ» ) : قَالَ السَّيِّدُ أَيْ: كَرِيمٍ سَمِينٍ مُخْتَارٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ النَّبِيلَ وَالْعَظِيمَ فِي الْخَلْقِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْمُخْتَارَ مِنَ الْفُحُولِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ التَّشْبِيهَ بِالْفَحْلِ مِنَ الْعِظَمِ وَالْقُوَّةِ، وَقِيلَ الْمُنْجِبُ فِي ضِرَابِهِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِلتَّضْحِيَةِ الْأَسْمَنُ الْأَكْحَلُ حَتَّى إِنَّ التَّضْحِيَةَ بِشَاةٍ سَمِينَةٍ أَفْضَلُ مِنْ شَاتَيْنِ، وَكَثْرَةُ اللَّحْمِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ الشَّحْمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ رَدِيئًا قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ.
(يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ) أَيْ: حَوَالَيْ عَيْنَيْهِ سَوَادٌ) .
(وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ) أَيْ: فَمُهُ أَسْوَدُ.
(وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ أَيْ: قَوَائِمُهُ سُودٌ مَعَ بَيَاضِ سَائِرِهِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، نَقَلَهُ مِيْرَكُ.
(وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1467 – وَعَنْ مُجَاشِعٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مِنْ بَنَى سُلَيْمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

1467 – (وَعَنْ مُجَاشِعٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ.
(مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ مِيْرَكُ: وَهُوَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ وَهْبٍ السُّلَمِيُّ: أَخُو مُجَالِدٍ، وَلَهُمَا صُحْبَةٌ.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْجَذَعَ) أَيْ: مِنَ الضَّأْنِ.
(يُوفَى) : مُضَارِعٌ مَجْهُولٌ مِنَ التَّوْفِيَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِيفَاءِ، وَيُقَالُ: أَوْفَاهُ حَقَّهُ، وَوَفَّاهُ أَيِ: أَعْطَاهُ وَافِيًا أَيْ: تَامًّا.
(مِمَّا يُوفَى مِنْهُ الثَّنِيُّ) أَيِ: الْجَذَعُ يُجْزِئُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنَ الثَّنْيِ أَيْ: مِنَ الْمَعْزِ، وَالْمَعْنَى يَجُوزُ تَضْحِيَةُ الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ كَتَضْحِيَةِ الثَّنْيِّ مِنَ الْمَعْزِ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1468 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: «نِعْمَتِ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

1468 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: (نِعْمَتِ الْأُضْحِيَّةُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَضَمُّهَا أَشْهَرُ.
(الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ) : مَدَحَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ جَائِزٌ فِيهِمَا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1469 – «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ الْأَضْحَى، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةٌ، وَفِي الْبَعِيرِ عَشَرَةٌ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

1469 – (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي سَفَرٍ) : وَلَعَلَّهُمْ أَقَامُوا فِي بَلَدٍ، أَوْ وَقَعَتِ الْأُضْحِيَّةُ اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا.
(فَحَضَرَ الْأَضْحَى) أَيْ: يَوْمُ عِيدِهِ.
(فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةٌ) أَيْ: سَبْعَةُ أَشْخَاصٍ، بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي بَيَانًا بِضَمِيرِ الْجَمْعِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: مَرْفُوعٌ: بَدَلًا مِنْ ضَمِيرِ اشْتَرَكْنَا، وَعِنْدِي أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقُدِّمَ خَبَرُهُ: الْجَارُ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلِاشْتِرَاكِ.
(وَفِي الْبَعِيرِ عَشَرَةٌ) قَالَ الْمُظْهِرُ: عَمِلَ بِهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ مِمَّا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ: الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ اهـ.
قَالَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَعَارَضُ بِالرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ: فِي الْبَدَنَةِ سَبْعَةٌ أَوْ عَشَرَةٌ فَهُوَ شَاكٌّ، وَغَيْرُهُ جَازِمٌ بِالسَّبْعَةِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1470 – وَعَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، وَإِنَّهُ لَيُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِالْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

1470 – (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا عَمِلَ) ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ: مِنْ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ أَيْ عَمَلًا.
(يَوْمَ النَّحْرِ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ.
(أَحَبَّ) : بِالنَّصْبِ صِفَةُ عَمَلٍ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ هُوَ أَحَبُّ.
(إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ) أَيْ: صَبِّهِ.
(وَإِنَّهُ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ إِهْرَاقُ الدَّمِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيِ: الدَّمُ الْمُهْرَاقُ، فَلَا وَجْهَ لَهُ إِذِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُهْرَاقَ دَمُهُ.
(لِيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : وَالتَّأْنِيثُ فِي قَوْلِهِ: (بِقُرُونِهَا) : جَمْعُ الْقَرْنِ.
(وَأَشْعَارِهَا) : جَمْعُ الشَّعْرِ.
(وَأَظْلَافِهَا) : جَمْعُ ظِلْفٍ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: (إِنَّهُ) أَيِ: الْمُضَحَّى بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ.
(إِنَّهَا) أَيِ: الْأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالضَّمَائِرِ بَعْدُ.
قَالَ السَّيِّدُ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بَدَلَ (بِقُرُونِهَا) (بِفُرُوثِهَا) جَمْعُ فَرْثٍ، وَهُوَ النَّجَاسَةُ الَّتِي فِي الْكِرْشِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْأُصُولِ.
قُلْتُ: فَيَكُونُ تَصْحِيفًا.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: يَعْنِي أَصْلُ الْعِبَادَاتِ يَوْمَ الْعِيدِ إِرَاقَةُ دَمِ الْقُرْبَانِ، وَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ نُقْصَانِ شَيْءٍ مِنْهُ، لِيَكُونَ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ أَجْرٌ، وَيَصِيرَ مَرْكَبَهُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَكُلُّ يَوْمٍ مُخْتَصٌّ بِعِبَادَةٍ، وَيَوْمُ النَّحْرِ بِعِبَادَةٍ فَعَلَهَا إِبْرَاهِيمُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – مِنَ التَّضْحِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ ذَبْحِ الْغَنَمِ فِي فِدَاءِ الْإِنْسَانِ لَمَا فَدَى إِسْمَاعِيلُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – بِذَبْحِ الْغَنَمِ، وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ رِضَاهُ (بِمَكَانٍ) أَيْ: بِمَوْضِعٍ قُبِلَ.
(قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِالْأَرْضِ) أَيْ: يَقْبَلُهُ تَعَالَى عِنْدَ قَصْدِ الذَّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ دَمُهُ عَلَى الْأَرْضِ.
(فَطِيبُوا بِهَا أَيْ: بِالْأُضْحِيَّةِ.
(نَفْسًا) : تَمْيِيزٌ عَنِ النِّسْبَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ أَيِ: إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ تَعَالَى يَقْبَلُهُ وَيَجْزِيكُمْ بِهَا ثَوَابًا كَثِيرًا، فَلْتَكُنْ أَنْفُسُكُمْ بِالتَّضْحِيَةِ طَيِّبَةً غَيْرَ كَارِهَةٍ لَهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَطِيبُوا بِهَا أَيْ: بِثَوَابِهَا الْجَزِيلِ نَفْسًا أَيْ: قَلْبًا.
أَيْ: بَادِرُوا إِلَيْهَا فَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيْرَكُ: وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
(وَابْنُ مَاجَهْ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1471 – وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ فِيهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

1471 – (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا) : بِمَعْنَى لَيْسَ.
(مِنْ أَيَّامٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ، وَأَيَّامٍ اسْمُهَا.
(أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُهَا، وَبِالْفَتْحِ صِفَتُهَا، وَخَبَرُهَا ثَابِتَةٌ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ أَيَّامٍ عَلَى الْمَحَلِّ، وَالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهَا صِفَتُهَا عَلَى اللَّفْظِ، وَقَوْلُهُ: (أَنْ يَتَعَبَّدَ) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ أَحَبَّ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِأَنْ يَتَعَبَّدَ أَيْ: يَفْعَلَ الْعِبَادَةَ.
(لَهُ) أَيْ: لِلَّهِ.
(فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَيَّامِ.
(مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: لَوْ قِيلَ: (أَنْ يَتَعَبَّدَ) مُبْتَدَأٌ، وَ (أَحَبَّ) خَبَرُهُ، وَ (مِنْ) مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ) ; يَلْزَمُ الْفَصْلُ بَيْنَ (أَحَبَّ) وَمَعْمُولِهِ بِأَجْنَبِيٍّ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقْرَأَ.
(أَحَبَّ بِالْفَتْحِ لِيَكُونَ صِفَةَ (أَيَّامٍ) ، وَأَنْ (يَتَعَبَّدَ) فَاعِلُهُ، وَ (مِنْ) مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ، وَالْفَصْلُ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْسَنَ فِي عَيْنِهِ الْكُحْلُ مِنْ عَيْنِ زَيْدٍ، وَخَبَرُ مَا مَحْذُوفٌ.
أَقُولُ: لَوْ جُعِلَ أَحَبَّ خَبَرَ مَا وَ (أَنْ يَتَعَبَّدَ) مُتَعَلِّقًا بِأَحَبَّ بِحَذْفِ الْجَارِّ أَيْ: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ لِأَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَكَانَ أَقْرَبَ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا اللَّفْظُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ لِتَعْظِيمِ الْأَيَّامِ وَالْعِبَادَةُ تَابِعَةٌ لَهَا لَا عَكْسُهُ، وَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُ يَلْزَمُ الْعَكْسُ مَعَ ارْتِكَابِ ذَلِكَ التَّعَسُّفِ.
(يَعْدِلُ) : بِالْمَعْلُومِ، وَقِيلَ بِالْمَجْهُولِ أَيْ: يَسْوِي.
(صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا) أَيْ: مَا عَدَا الْعَاشِرَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ.
(بِصِيَامِ سَنَةٍ) أَيْ: لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ كَذَا قِيلَ، وَالْمُرَادُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَيَّامُ رَمَضَانَ.
(وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْبَجَلِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، – وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ – عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ – مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ – يَعْنِي مِنَ الْعَشْرِ – ; فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» .

✩✩✩✩✩✩✩

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1472 – «عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحٍ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ – أَوْ نُصَلِّيَ – فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

**********
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
**********
1472 – (عَنْ جُنْدَبِ) : بِضَمِّهِمَا وَبِفَتْحِ الدَّالِ.
(ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ) أَيْ: حَضَرْتُ.
(الْأَضْحَى) أَيْ: عِيدَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: مُصَلَّاهُ وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ النَّحْرِ) : بَدَلٌ مِنَ الْأَضْحَى.
(مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمْ يَعْدُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ مِنْ عَدَا يَعْدُو أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ.
(أَنْ صَلَّى، وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَسَلَّمَ) : عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ.
(فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيٍّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى الْخُطْبَةِ، فَفَاجَأَ لَحْمَ الْأَضَاحِيِّ، وَقِيلَ: بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ أَيْ: لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أَنْ صَلَّى إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى رَأَى لَحْمَ أَضَاحِيٍّ.
(قَدْ ذُبِحَتْ) قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: (وَمَنْ ذَبَحَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ.
(قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ: هُوَ.
(- أَوْ نُصَلِّيَ) – أَيْ: نَحْنُ، شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَآلُ وَاحِدٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُصَلًّى مُتَعَدِّدٌ.
(فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا) أَيْ: بَدَلَ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ.
(أُخْرَى) أَيِ: أُضْحِيَّةً أُخْرَى، فَإِنَّ الْأُولَى غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ فِي الْأُخْرَى.
(- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ وَفِي نُسْخَةٍ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ.
(قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) بِالْيَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: بِالنُّونِ اهـ.
وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ: أَوْ نُصَلِّيَ بِالنُّونِ.
(فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا) : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْوُجُوبِ كَمَا سَبَقَ.
(وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ، فَمُسْتَدْرَكٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ أَنَّهُ يَقَعُ اسْمُ اللَّهِ مَقْرُونًا بِالْبَاءِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1473 – وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: الْأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى.
رَوَاهُ مَالِكٌ.

1473 – (وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: الْأَضْحَى) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا جَمْعُ أَضْحَاةٍ وَهِيَ الْأُضْحِيَّةُ، كَأَرْطَى وَأَرْطَاةٍ أَيْ: وَقْتُ الْأَضَاحِيِّ.
(يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى) وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَقَالُوا: يَنْتَهِي وَقْتُ الذَّبْحِ بِغُرُوبِ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَأَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ أُخَرَ.
مِنْهَا خَبَرُ: «فِي كُلِّ أَيَّامٍ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» .
صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَفِي آخَرَ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، نَعَمْ إِيصَالُهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ.
وَمِنْهَا: خَبَرُ «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ذَبْحٌ» .
إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَخَبَرُ: «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ نَحْرٍ» .
صَحَّحَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَنَظَرَ فِيهِ الْبَيْهَقِيُّ.
أَقُولُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ يُمْكِنُ حَمْلُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَيَّامِ مِنًى عَلَى التَّغْلِيبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُ طُرُقًا يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا ; فَهُوَ حَسَنٌ يُحْتَجُّ بِهِ، وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا، وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ، فَمَنْ زَعَمَ تَفَرُّدَ الشَّافِعِيِّ بِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَقَالَ جَمْعٌ: يَنْتَهِي الذَّبْحُ بِانْتِهَاءِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِي مُرْسَلٍ يُحْتَجُّ لَهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ الْحِجَّةِ.
(رَوَاهُ مَالِكٌ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1474 – وَقَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ.

1474 – (وَقَالَ) أَيْ: مَالِكٌ.
(بَلَغَنِي) : وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ: وَبَلَغَنِي.
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلَهُ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: مِثْلَ مَرْوِيِّ ابْنِ عُمَرَ.

✩✩✩✩✩✩✩

1475 – وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

1475 – (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي» ) أَيْ: كُلَّ سَنَةٍ فَمُوَاظَبَتُهُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

✩✩✩✩✩✩✩

1476 – وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ.
قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.

1476 – (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: مِنْ خَصَائِصِ شَرِيعَتِنَا أَوْ سَبَقَنَا بِهَا بَعْضُ الشَّرَائِعِ.
(قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ) أَيْ: طَرِيقَتُهُ الَّتِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهَا.
قَالَ تَعَالَى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] فَهِيَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي قَرَّرْتُهَا شَرِيعَتُنَا.
(إِبْرَاهِيمُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : وَفِي نُسْخَةٍ: – عَلَيْهِ السَّلَامُ – (قَالُوا) : فَمَا لَنَا: وَفِي نُسْخَةٍ: وَمَا لَنَا.
(فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَضَاحِيِّ مِنَ الثَّوَابِ.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ) : بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ.
(حَسَنَةٌ) : وَالْبَاءُ لِلْبَدَلِيَّةِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ فِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ بِمَعْنَى فِي لِيُطَابِقَ السُّؤَالَ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَنَا مِنَ الثَّوَابِ فِي الْأَضَاحِيِّ؟) فَأَجَابَ: فِي كُلِّ شَعْرَةٍ) مِنْهَا حَسَنَةٌ) ، وَلَمَّا كَانَ الشَّعْرُ كِنَايَةً عَنِ الْمَعْزِ كَنَّوْا عَنِ الضَّأْنِ بِالصُّوفِ.
(قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ؟ أَيِ: الضَّأْنُ مَا لَنَا فِيهِ، فَإِنَّ الشَّعْرَ مُخْتَصٌّ بِالْمَعْزِ، كَمَا أَنَّ الْوَبَرَ مُخْتَصٌّ بِالْإِبِلِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] وَلَكِنْ قَدْ يُتَوَسَّعُ بِالشَّعْرِ فَيَعُمُّ.
(قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ) أَيْ: طَاقَةٍ.
(مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ) : فَكَذَا بِكُلِّ وَبَرَةٍ حَسَنَةٌ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَظْمَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَهَا فَضِيلَةٌ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيْرَكُ: وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

✩✩✩✩✩✩✩

 

Visits: 0

Leave a Comment

 
Scroll to Top